غزة... أكبر مقبرة للصحافيين

منظمات عالمية وثقت وقائع قتلهم... و«الجنائية الدولية» تُحقق

صحافي يحمل السترة الواقية لزميله محمود صبح الذي قتل في غارة إسرائيلية (رويترز)
صحافي يحمل السترة الواقية لزميله محمود صبح الذي قتل في غارة إسرائيلية (رويترز)
TT

غزة... أكبر مقبرة للصحافيين

صحافي يحمل السترة الواقية لزميله محمود صبح الذي قتل في غارة إسرائيلية (رويترز)
صحافي يحمل السترة الواقية لزميله محمود صبح الذي قتل في غارة إسرائيلية (رويترز)

تحول قطاع غزة الفلسطيني إلى «أكبر مقبرة للصحافيين»، وفق منظمات دولية وثقت وقائع قتل الصحافيين والإعلاميين في القطاع منذ بدء العدوان الإسرائيلي في7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

المحكمة الجنائية الدولية أفادت، خلال الأسبوع الماضي، بأنها تحقق في جرائم محتملة بحق صحافيين في الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس» في غزة. وكانت منظمة «مراسلون بلا حدود» قد أعلنت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أنها تقدّمت بشكوى لدى المحكمة الجنائية الدولية ومقرها في لاهاي. تطرقت فيها إلى «جرائم حرب على خلفية مقتل صحافيين إبان تغطيتهم الإعلامية للنزاع»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ما يُذكر أن منظمة «مراسلون بلا حدود»، ذكرت، الشهر الماضي، أن «قطاع غزة هو مقبرة الصحافيين، حيث تتعمد قوات الاحتلال الإسرائيلي خنق عملهم وقتلهم، وممارسة مختلف الطرق لإعاقتهم في الميدان، وتقطع الإنترنت عنهم، وترسل رسائل التهديدات لهم، وتمنع الصحافيين الأجانب من الدخول إلى القطاع». وبالفعل رصد «الاتحاد الدولي للصحافيين» (IFJ) في تقريره الصادر يوم 31 ديسمبر (كانون الأول) الماضي «مقتل 120 صحافياً وعاملاً في مجال الإعلام، من بينهم 11 امرأة في عام 2023، على مستوى العالم». وفي منطقة الشرق الأوسط وحدها، رصد «الاتحاد» مقتل 75 فلسطينياً، و4 إسرائيليين، و3 لبنانيين نتيجة الحرب في غزة، كما قُتل 3 إعلاميين في سوريا. وفي تقرير آخر لـ«الاتحاد» بتاريخ 24 يناير (كانون الثاني) الجاري، رفع العدد إلى 90 صحافياً فلسطينياً. وفي حين وثّقت «لجنة حماية الصحافيين»، ومقرها نيويورك، مقتل 83 صحافياً وإعلامياً على الأقل، بينهم 76 فلسطينياً، و4 إسرائيليين، و3 لبنانيين، أوضحت اللجنة أيضاً أن 16 صحافياً أصيبوا بجروح، وجرى الإبلاغ عن اختفاء 3 صحافيين واعتقال 25 صحافياً.

من جهة ثانية، ترتفع الأرقام قليلاً في تقديرات «نقابة الصحافيين الفلسطينيين» التي تشير إلى مقتل 11 صحافياً جراء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، كما أكد أمين سر النقابة عاهد فروانة، أن الاحتلال الإسرائيلي «ارتكب فضائع وجرائم بحق الصحافيين، الذين أصبحوا هدفاً لنيرانه». أيضاً، تشير إحصائيات فلسطينية إلى أن 220 صحافياً يعملون في مناطق قطاع غزة استهدفتهم طائرات سلاح الجو الإسرائيلي، وهجّرت عائلاتهم، ضمن الحرب المستمرة التي تشنها القوات الإسرائيلي المحتلة. وتابع فروانة أن «النقابة رفعت عدة دعاوى قضائية لملاحقة الاحتلال الإسرائيلي على جرائمه بحق الصحافيين»، لافتاً إلى أنه «قتل نحو 8 في المائة من إجمالي عدد العاملين في قطاع الإعلام في قطاع غزة».

في هذا السياق، وخلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال الصحافي والمدرب الأردني، خالد القضاة، نائب رئيس شعبة الاتصال في جامعة الدول العربية لشؤون الحريات الصحافية والسلامة المهنية، إن «إسرائيل تمارس عملاً مُمنهجاً في استهداف الصحافيين، لا سيما أولئك الذين يعلنون دعمهم لغزة، أو يعملون في وسائل إعلام أعلنت دعمها لفلسطين، وكذلك يستهدف الصحافيين الذين يذهبون إلى أماكن لا تريد تل أبيب أن يذهبوا إليها... أو يغطي قصصاً إنسانية تثير تعاطف الرأي العام الدولي مع القضية الفلسطينية».

وأضاف القضاة أن «وسائل الإعلام الغربية التي انحازت في البداية لإسرائيل، وجدتها نفسها مضّطرة مع تصاعد الهجمة الشرسة على غزة، وكثرة الضحايا من المدنيين إلى تعديل لهجتها لتغدو أكثر اتزاناً... ثم إن استهداف الصحافيين في غزة جعل وسائل الإعلام ملزمة بالدفاع عن المهنة وحق الصحافيين في تغطية الأحداث».

ومن جانب ثانٍ، لفت القضاة إلى «دور المنظمات الدولية في توثيق الجرائم الإسرائيلية ضد الصحافيين، بهدف تقديمها للمحكمة الجنائية الدولية»، فقال: «هناك تفاوت في أعداد القتلى بنسبة تصل إلى 20 في المائة، وذلك نتيجة اختلاف معايير الحصر؛ إذ عمدت نقابة الصحافيين الفلسطينيين إلى تسجيل كل حادثة قتل تتعلق بالعاملين في إدارات الإعلام الحكومية، سواءً كان قتلاً في العمل أو في المنزل، في حين اعتمد الاتحاد الدولي للصحافيين أسلوباً آخر... فسجّل فقط مَن قتل في أثناء تأدية عمل صحافي أو بسبب عمل إعلامي». ويرى القضاة أن «هذا التباين في الأرقام ربما يضعف الملاحقة القضائية لإسرائيل». لكنه، في الوقت نفسه، يرى أن «تقديرات الاتحاد الدولي للصحافيين ربما تكون الأدق كونها ربطت الحصر بالقتل بسبب المهنة»، مشيراً إلى أن «شعبة الاتصال في جامعة الدول العربية استحدثت مساراً جديداً يُعنى بالسلامة المهنية للأطقم الصحافية العربية المتصل عملها بتغطية الأحداث الميدانية من نزاعات وحروب وكوارث طبيعية». وأردف: «المسار قدم في البداية استناداً لاغتيال شيرين أبو عاقلة والتغطية الصحافية المرتبطة بالزلازل التي وقعت في سوريا ومحيط مراكش في المغرب وفيضانات درنة بليبيا، إلا أنه لم يرق لحجم هول الاستهداف الهمجي الممنهج الذي مارسته إسرائيل بحق الصحافيين في قطاع غزة». وهذا ما استلزم - على حد تعبير القضاة - «إعادة صياغة الخُطة لحماية الصحافيين العرب بما يتناسب مع حجم هذه الغطرسة والاستهداف الممنهج».

حقاً، شهدت الفترة الأخيرة مقتل اثنين من صحافيي قناة «الجزيرة» القطرية، هما مصطفى ثريا، الذي يعمل أيضاً مصوّر فيديو متعاوناً مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، وحمزة نجل مراسل «الجزيرة» وائل الدحدوح، بينما كانا في طريقهما لتأدية عملهما في القطاع. وغداة مقتل الصحافيين، ثريا والدحدوح، أعربت «مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان»، عن «قلقها الكبير إزاء الحصيلة المرتفعة للصحافيين الذين قتلوا في قطاع غزة». وشدّدت «المفوضية» في رسالة على منصة «إكس»، على أن حالات قتل الصحافيين «يجب أن تخضع لتحقيق شامل ومستقل لضمان الاحترام الصارم للقانون الدولي، ويجب أن تخضع الانتهاكات للملاحقة القضائية». كذلك أدان «اتحاد إذاعات الدول العربية» من مقره في تونس، بقوة، مقتل ثريا والدحدوح، وانتقد «منع الصحافيين الدوليين من دخول قطاع غزة المحاصر والاستهداف المتعمد للطواقم الإعلامية العاملة هناك... الذي يرمي العدو من خلاله إلى طمس الحقيقة وصرف أنظار العالم عما يحدث».

«لجنة حماية الصحافيين» تقول من جهتها إن «الحرب في غزة ألحقت خسائر فادحة بالصحافيين». وللعلم، تقوم «اللجنة» بالتحقيق في جميع التقارير المتعلقة بمقتل الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام أو إصابتهم أو فقدهم خلال الحرب، التي أدت إلى الحقبة «الأكثر دموية» للصحافيين منذ أن بدأت «اللجنة» بجمع البيانات في عام 1992.

هذا، وشدّد شريف منصور، منسق برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «لجنة حماية الصحافيين»، في تقرير على موقع المنظمة، على أن «الصحافيين هم مدنيون يقومون بعمل مهم في أوقات الأزمات، ويجب ألا يتم استهدافهم من قبل الأطراف المتحاربة».

مشيّعون يحضرون جنازة زملائهم الصحافيين الذين قُتلوا بالقصف الإسرائيلي على غزة (أ. ف. ب.)

أما وكيل نقابة الصحافيين المصرية، محمد سعد عبد الحفيظ، فيرى أن «إسرائيل منذ اليوم الأول للعدوان على غزة، عمدت إلى استهداف الصحافيين الذين كانوا يوثقون جرائمها ضد المدنيين، لا سيما أن ذلك أثر على سمعة تل أبيب لدى الرأي العام العالمي، حيث كانت تروّج لنفسها باعتبارها الضحية وواحة الديمقراطية». وأضاف عبد الحفيظ لـ«الشرق الأوسط» أن «كل الجرائم الإسرائيلية في غزة باتت متاحة في بث مباشر على الهواء، وسقطت السردية الإسرائيلية التي اعتمدت المظلومية منذ الهولوكوست (المحرقة النازية) لتظهر أمام العالم (بوصفها) دولةً تمارس إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني»، وتابع: «أصبح الصحافي والإعلامي هدفاً لنيران إسرائيل؛ إذ استهدفت الصحافيين في منازلهم وسياراتهم ومنعت وصول المساعدات الطبية للمصابين منهم».

في الواقع، إن إسرائيل برّرت وتبرّر دائماً حالات قتل الصحافيين، ولقد زعم الجيش الإسرائيلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، رداً على قتل حمزة الدحدوح ومصطفى الثريا، أنه «أصاب إرهابياً كان يقود جهازاً طائراً يشكل تهديداً للقوات». وأضاف أنه «على عِلم بمعلومات مفادها أن مشتبهاً بهما آخرَين كانا في المركبة نفسها أصيبا خلال الضربة».

غير أن عبد الحفيظ انتقد صراحةً مواقف المنظمات المعنية بحماية حقوق الصحافيين، ووصفها بأنها «مواقف باهتة وضعيفة ولا ترقى للحدث». ومن ثم قال إن «تلك المنظمات لم تتحرك إلا في وقت متأخر... ولا توجد حتى الآن ملاحقة قضائية حقيقية لإسرائيل أو بيانات شديدة اللهجة ضد قادتها»، بل إنه حتى تحقيق المحكمة الجنائية الدولية لم يُفتح سوى الفترة الأخيرة بعد ثلاثة أشهر من الحرب. ثم لفت إلى أن «نقابة الصحافيين المصرية أرسلت طوال الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب مناشدات عدة للمنظمات والمؤسسات الدولية للتحرك ووقف الانتهاكات بحق الصحافيين، ولكن من دون استجابة». واستطرد عبد الحفيظ قائلاً إن «منظمات حماية الصحافيين الدولية بمقدورها أن ترفع صوتها بشأن ما يتعرّض له العاملون في المهنة من استهداف في قطاع غزة، وأن تحرّك دعوات قضائية ضدهم سواء أمام المحاكم الدولية أو المحلية، وأن تجعل قادة إسرائيل يشعرون بالتهديد والملاحقة في أي دولة بسبب جرائمهم»، لكنه رجح ألا يحدث أي من هذا في ظل «نظام دولي يكيل بمكيالين»، على حد تعبيره.

جدير بالذكر أن الحرب في غزة بعد شهر واحد «باتت الأكثر دموية بالنسبة للصحافيين الذين يغطون مناطق الصراع منذ عام 1992؛ إذ لم تبدأ أي حرب أخرى في القرن الحادي والعشرين بهذه الطريقة المميتة للصحافيين». وبحسب رفيعة الطالعي، رئيسة تحرير منصة برنامج الشرق الأوسط «صدى»، التابعة لـ«مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي»، في تقرير نشرته على موقع «المؤسسة» في نهاية نوفمبر الماضي، فإن «عدد القتلى بين الصحافيين في غزة يتجاوز الصحافيين الذين قتلوا في العراق أو أفغانستان أو اليمن أو أوكرانيا، حيث قتل منذ بدء الحرب في أوكرانيا 11 صحافياً؛ 7 منهم قتلوا خلال الشهر الأول للحرب». المنظمات المعنية بحماية الصحافيين لم تتحرك إلا في وقت متأخر... ولا ملاحقة قضائية حقيقية لإسرائيل أو بيانات ضد قادتها حتى الآن


مقالات ذات صلة

الشرطة الإسرائيلية تفرج عن لاعبة في المنتخب الفلسطيني لكرة القدم

رياضة سعودية رند الحلواني (الاتحاد الفلسطيني)

الشرطة الإسرائيلية تفرج عن لاعبة في المنتخب الفلسطيني لكرة القدم

أفرجت السلطات الإسرائيلية عن رند الحلواني اللاعبة في المنتخب الفلسطيني للسيدات لكرة القدم بعد احتجازها منذ الثلاثاء الماضي، حسب ما أفادت والدتها.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي صورة لأسرى فلسطينيين معصوبي الأعين في قاعدة «سدي تيمان» العسكرية نشرتها منظمة «كسر الصمت» الإسرائيلية (أ.ب)

محكمة إسرائيلية تلغي حظر زيارات «الصليب الأحمر» للمعتقلين الفلسطينيين

ألغت المحكمةُ العليا الإسرائيلية قراراً كان يحظر على ممثلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر زيارة المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطينيون معظمهم من النساء والأطفال في طريقهم للخروج من منازلهم بقرية الطنطورة في مايو 1948 بعد جرائم «تطهير عرقي» ارتكبتها عصابات صهيونية بحق رجال القرية (موقع فلسطين في الذاكرة)

حملة لوقف مخطط إسرائيلي لإقامة مشروع سياحي فوق «مقابر جماعية» للفلسطينيين

أطلق نشطاء فلسطينيون حملة ضد تجاهل إسرائيل أدلة متعلقة بمقابر جماعية في قرية الطنطورة، التي احتلتها عصابات صهيونية عام 1948، وارتكبت جرائم بحقّ سكانها.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي حفارة إسرائيلية تهدم مبنى للفلسطينيين في الضفة الغربية (رويترز) p-circle

إسرائيل تعتزم بناء منازل جديدة لتوسعة مستوطنات في الضفة الغربية

أعلنت إسرائيل، الأربعاء، عن توسعة كبيرة بأكثر من 2000 منزل في 3 مستوطنات يهودية في الضفة الغربية المحتلة، والتي يأمل الفلسطينيون أن تكون جزءاW من دولتهم.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
المشرق العربي فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ دمَّرتها غارات إسرائيلية في جنوب غزة (أ.ب) p-circle

مباحثات جديدة بين «حماس» والوسطاء في القاهرة لدفع مسار وقف النار بغزة

أفادت مصادر مطلعة على مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة بأن وفداً مفاوضاً من حركة «حماس» سيعقد جولة مباحثات جديدة مع الوسطاء في مصر، الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (غزة)

«البنتاغون» والصحافة... حين تتحول «غرفة الأسئلة» مساحةً محظورة

البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
TT

«البنتاغون» والصحافة... حين تتحول «غرفة الأسئلة» مساحةً محظورة

البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)
البنتاغون... مقروزارة الحرب الأميركية (آ ب)

في أحدث فصل من التوتر المتصاعد بين وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) ووسائل الإعلام، قرّر «البنتاغون» منع الصحافيين من دخول مكتبه الصحافي، بعد إعادة تصنيفه مساحةً سرّية أو منشأة معلومات حساسة.

القرار، الذي جاء في ظل قيادة الوزير بيت هيغسيث، وتنفيذاً للنهج الإعلامي الأوسع لإدارة الرئيس دونالد ترمب، لا يبدو إجراءً إدارياً معزولاً، بل هو حلقة إضافية في سلسلة قيود بدأت منذ عام 2025، وشملت فرض مرافقين على الصحافيين داخل مبنى البنتاغون، وتقييد حركتهم. ثم الدخول في معارك قضائية مع صحف وجهات إعلامية أخرى مثل صحيفة الـ«نيويورك تايمز» ووكالة الـ«أسوشييتد برس» للأنباء.

الوزارة تقول إن الإجراء مرتبط بحماية المعلومات «المصنّفة» (أي السرّية وشبه السرّة)، خصوصاً بعد نقل كتّاب خطابات يتعاملون مع مواد سرّية إلى المكتب الصحافي؛ ما يتطلّب تجهيز المكان بشبكة آمنة مثل «شبكة توجيه بروتوكول الإنترنت السرية». إلا أن منتقدي القرار يرون فيه تضييقاً عملياً على حق الصحافة في الوصول إلى المسؤولين، وعلى حق الجمهور في معرفة كيف تُدار واحدة من أكبر المؤسسات الفيدرالية وأكثرها إنفاقاً وتأثيراً في الأمن والسياسة الخارجية.

إعادة تعريف العلاقة مع الصحافة

تاريخياً، لم يكن مكتب الصحافة في «البنتاغون» - الذي هو مقر وزارة الحرب - مجرد غرفة إدارية، بل كان مساحة عمل مفتوحة نسبياً يستطيع الصحافيون المُعتمَدون دخولها، وطرح الأسئلة على مسؤولي الشؤون العامة، والحصول على توضيحات خلفية، ومتابعة ما لا يظهر دائماً في المؤتمرات الرسمية.

هذه المساحة غير الرسمية كانت جزءاً من آلية رقابة يومية، لا تقل أهمية عن البيانات المكتوبة أو الإحاطات المتلفزة.

بيد أن القرار الجديد يغيّر هذه القاعدة. وإذا كان الصحافيون قد خسروا سابقاً حرية الحركة داخل معظم أروقة «البنتاغون» وردهاته، فإن منعهم من دخول المكتب الصحافي نفسه يضيف حاجزاً جديداً حتى أمام التواصل المهني مع الناطقين باسم الوزارة. وعملياً، تصبح العلاقة أكثر رسمية وأقل عفوية: موعد مسبق، ومرافقة، وأسئلة مضبوطة، وإجابات تمرّ عبر قنوات محدّدة.

من وجهة نظر «البنتاغون»، الحجة واضحة، وهي أن المؤسسة العسكرية تتعامل يومياً مع معلومات حساسة، وبالتالي، فأي اختلاط غير مضبوط بين صحافيين ومساحات تُستخدم لمعالجة مواد سرّية قد يخلق أخطاراً أمنية.

لكن قوة هذه الحجة لا تلغي السؤال الأوسع... هل كان الحل الوحيد هو تحويل المكتب الصحافي كله مساحةً محظورة؟ أم كان ممكناً الفصل بين العمل الإعلامي والعمل المصنّف داخل مكاتب مختلفة؟

هنا بالضبط يبدأ الجدل؛ لأن المسألة لا تتعلّق فقط بالمكان، بل بالرسالة السياسية والمؤسّسية التي يحملها القرار.

مدخل مبنى الـ«نيويورك تايمز» (رويترز)

أمن قومي... أم تقليص الرقابة؟

بطبيعة الحال لا توجد دولة جادّة تسمح بتسريب أسرار عسكرية عملياتية أو معلومات قد تعرّض عسكرييها للخطر. لذلك؛ لا يمكن التعامل مع كل قيود «البنتاغون» على أنها بالضرورة تشكّل اعتداءً على الصحافة. ولكن في المقابل، يرى المنتقدون أنه لا يمكن أيضاً اعتبار شعار «الأمن القومي» تفويضاً مفتوحاً لإبعاد الإعلام عن المؤسسة العسكرية.

بكلام آخر... الفارق بين حماية الأسرار ومنع الرقابة قد يكون دقيقاً، لكنه حاسم في نظام ديمقراطي.

سياق تراكمي

المشكلة أن القرار يأتي ضمن سياق تراكمي. ففي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، سلّم عدد كبير من صحافيي «البنتاغون» بطاقاتهم بدلاً من التوقيع على سياسة كانت تُلزمهم بالإحجام عن السعي وراء معلومات غير مُصرّح بنشرها.

وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاضٍ فيدرالي ضد قيود رئيسة في تلك السياسة، معتبراً أنها تنتهك حقوقاً دستورية متّصلة بحرّية الصحافة والإجراءات القانونية الواجبة. ومن ثم، واصل «البنتاغون» الاعتماد على «سياسة مؤقتة» تلزم الصحافيين بالمرافقة داخل المبنى، وسمحت محكمة استئناف باستمرارها مؤقّتاً إبان النزاع القضائي.

لاحقاً، في مايو (أيار) 2026، رفعت الـ«نيويورك تايمز» دعوى ثانية للطعن تحديداً في شرط المرافقة، معتبرة أنه يحدّ من القدرة على التغطية المستقلة للشؤون العسكرية. أما «البنتاغون» فردّ بأن الصحافيين لا يملكون «حقاً مطلقاً» في التجوّل داخل مبنى عسكري، وأن القيود مصمّمة لمنع الوصول غير المشروع إلى معلومات «مصنّفة».

هذه هي نقطة التوازن الصعبة: الوزارة محقّة في أن «البنتاغون» ليس مبنىً عاماً عادياً؛ لكن الصحافة محقّة أيضاً في أن المؤسسة العسكرية، بحجم إنفاقها وسلطتها، لا ينبغي أن تتحوّل صندوقاً مُغلقاً لا يُرى إلا من خلال بياناته الرسمية.

صحافة أضعف وجمهور أقل معرفة

الخطر الأبرز هنا لا يكمن فقط في منع دخول غرفة بعينها، بل أيضاً في الأثر التراكمي لهذه السياسات على العمل الصحافي.

ذلك أن الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المؤتمرات الرسمية، بل على بناء مصادر، وفهم خلفيات القرارات، ومقارنة الروايات، وكشف التناقضات بين الخطاب السياسي والواقع الميداني أو المالي. وهذا ينعكس مباشرة على المواطن.

ثم أن «البنتاغون»، حسب المنتقدين، ليس مجرد وزارة أخرى... بل إنه يدير ميزانيات ضخمة، ويشن حروباً، ويشرف على قواعد عسكرية، ويمتلك عقود تسليح، ويعتمد سياسات تمسّ حياة الجنود والمدنيين في الداخل والخارج. وحين تصبح المعلومات أكثر ندرة، يصعب على الجمهور معرفة ما إذا كانت القرارات مبرّرة، أو مكلفة أكثر من اللازم، أو منسجمة مع القانون والمصلحة العامة.

في المقابل، يحتاج الإعلام أيضاً إلى الاعتراف بأن الثقة لا تُبنىَ بمجرد المطالبة بالوصول. فعليه، حقاً، أن يميّز بوضوح بين حقه في السؤال والبحث، وبين تحاشي نشر معلومات قد تسبّب ضرراً أمنياً مباشراً.

لذلك؛ يبدو قرار تصنيف المكتب الصحافي «مساحةً سرّية» أكثر من تعديل مكاني. إنه اختبار جديد للعلاقة بين المؤسسة العسكرية والصحافة في الولايات المتحدة. وإذا بقيت القيود تتوسّع من دون ضوابط، فقد لا تكون النتيجة حماية أفضل للأسرار.

الصحافة التي تغطي «البنتاغون» لا تعتمد فقط على المؤتمرات الرسمية... بل تهتم بالمصادر وفهم خلفيات القرارات


هل تحل أدوات «غوغل» الجديدة أزمة تدفق الزيارات للمواقع؟

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)
TT

هل تحل أدوات «غوغل» الجديدة أزمة تدفق الزيارات للمواقع؟

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)

بالتوازي مع قرار «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية»، أخيراً، إلزام شركة «غوغل» منح ناشري المحتوى السيطرة الكاملة على كيفية ظهور محتواهم ضمن إجابات الذكاء الاصطناعي، أثيرت تساؤلات بشأن تأثير ذلك على تدفق الزيارات للمواقع.

«غوغل» كانت قد أعلنت أنها بدأت من 3 يونيو (حزيران) الجاري، «اختبار أداة تحكم جديدة تتيح للناشرين التحكم في كيفية ظهور روابطهم ومحتواهم في ميزات البحث القائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي».

ومن جهتها، أشارت «هيئة المنافسة» إلى أن «قرارها جاء استجابةً لسلسلة من الشكاوى طويلة الأمد التي تقدَّم بها ناشرون بشأن غياب الشفافية والتحكم في آلية إظهار محتواهم عبر محرك بحث (غوغل)».

حتى صدور القرار، كانت «غوغل» تمنع الناشرين من حظر استخدام موادهم في الإجابات المكتوبة بالذكاء الاصطناعي، من دون الاضطرار إلى إزالة مواقعهم بالكامل من فهرس البحث الرئيس لـ«غوغل»، وهو الوسيلة الأساسية التي يعتمد عليها معظم المستخدمين.

ومن ناحية أخرى، أدى إدخال ملخصات الذكاء الاصطناعي من «غوغل» إلى تراجع حاد في تدفق الزيارات المحالة إلى المواقع، وزيادة في معدلات «البحث بلا نقرات»، نظراً لأن هذه الملخصات تغني القراء عن النقر والانتقال إلى رابط المصدر الأصلي للمقال، حسب مراقبين. ومع أن الخطوة الأخيرة عدّها البعض «مبشِّرة»؛ فإن خبراء يقللون من تبعاتها الإيجابية على زيارات المواقع، لكنهم قالوا إنها «قد تكون بداية لموقف تفاوضي أكثر إنصافاً للناشرين لاحقاً».

الدكتور أنس النجداوي، مدير جامعة أبوظبي - فرع دبي، وأستاذ الأعمال الرقمية المشارك، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن على الأوساط الصحافية «الترحيب بالخطوة... ولكن بحذر. فما حدث هو تطور جزئي في العلاقة بين الناشرين و(غوغل) فيما يتعلق بحقوق المحتوى، كما يمكن اعتباره خطوة دفاعية من الشركة التي لن تفرّط بسهولة في طموحاتها للهيمنة».

وأضاف: «من ناحية أخرى، من شأن أدوات (غوغل) أن تعطي الحق للناشرين في النشر ضمن ملخّصات الذكاء الاصطناعي أو وقف النشر وفقاً لرغبة الناشر. لكن هذا لا يعني على الإطلاق عودة الزيارات المحالة كما كانت في السابق، ويعود ذلك إلى أن (غوغل) نجحت خلال الفترة السابقة في تغيير سلوك المستخدم، الذي اعتاد الاكتفاء بالملخص وعدم النقر على الروابط الأصلية».

من جهة ثانية، عدّ النجداوي أدوات «غوغل» خطوة إيجابية، لكنه لم يسمِّها حلاً قاطعاً لأزمة تراجع الزيارات الخاصة بالمواقع، بل طرح حلولاً أخرى يمكن أن تأتي جدواها أكثر من أدوات التحكم التي طرحتها «غوغل». من بينها «توقيع اتفاقيات ترخيص المحتوى، بما يحفظ الحقوق لأصحاب المحتوى الأصيل، ويلزم الشركة الدفع مقابل استغلال هذا المحتوى». ويشير إلى أن ذلك تحقق بالفعل في حالات فردية، على شاكلة أستراليا التي تمكّنت من أن توقِّع اتفاقيات مُلزمة للشركة دفع تعويضات مقابل القيمة الاقتصادية التي تحققها من المحتوى الصحافي».

وطرح النجداوي «السماح للناشرين بتحصيل رسوم إذا تم استغلال محتواهم في تغذية روبوتات الذكاء الاصطناعي، من خلال تقنيات متقدمة». وقال: «يمكن كذلك مشاركة إيرادات الإعلانات، لأن المعركة المقبلة لن تقتصر على الروابط فقط، بينما ستدور حول من يستحق العائد الاقتصادي الناتج عن المحتوى، وهو أمر شديد التعقيد، فالصحافة تنتج المعرفة، والذكاء الاصطناعي يعيد الصياغة، فالسؤال الذي يمثل تحدياً: كيف يجري توزيع القيمة بين الطرفين؟».

في سياق ذلك، نشرت «غوغل» تدوينة رسمية، أخيراً، أفادت فيها بأن «ميزات مثل ملخّصات الذكاء الاصطناعي صُممت لمساعدة المستخدمين على اكتشاف المواقع الإلكترونية المتميزة وزيارتها».

وأضافت الشركة أنه «عبر أداة التحكم الجديدة يمكن لأصحاب المواقع تحديد ما إذا كانوا يرغبون في ظهور مواقعهم والمساهمة في دعم الإجابات داخل ميزات البحث بالذكاء الاصطناعي التوليدي، والمواقع التي تختار إلغاء الاشتراك لن تتلقى زيارات أو ظهوراً من ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي لدينا. ولن تُستخدم أداة التحكم هذه إشارةً لترتيب النتائج خارج ميزات البحث هذه».

محمد عاطف، الباحث المتخصّص في الإعلام الرقمي رأى أن «الفائدة الحقيقية للقرار أنه كسر المعضلة الزائفة أمام الناشر». وتابع أنه قبل القرار «كان أمام الناشرين خياران: إما ترك محتواهم يغذّي ملخّصات الذكاء الاصطناعي، ومن ثم خسارة الزيارات لصالح البحث من دون نقر، وإما أن يمنعوا زاحف (غوغل) بالكامل... فيخسروا الترتيب في البحث، وبالتبعية، جميع الزيارات».

وأردف أن «القرار الجديد يفصل الاتجاهين، حيث بات يمكن للناشر الآن منع استخدام محتواه في ملخّصات الذكاء الاصطناعي من دون أن يتأثر ترتيبه في نتائج البحث العادية، وهذا المكسب الجوهري».

وقال عاطف: «علينا أن نكون أكثر دقة في قياس حجم الأثر، فالانسحاب أداة دفاعية لا استرجاعية، هو يمنع استنزاف محتوى تختاره، لكنه لا يعيد الزيارات التي خسرها بالفعل الموقع أو الإيرادات المفقودة». وأكد أن «الرافعة الحاسمة، هي الدفع مقابل المحتوى، وهي مؤجلة لأن القرار لا يُلزم (غوغل) الدفع. وبالتالي، هيئة المنافسة ستنتظر 12 شهراً على الأقل قبل أن تقرر إلزامها التفاوض على شروط ترخيص عادلة... وبعد ذلك يجب التعامل مع القرار على أنه رافعة تفاوضية وأداة حماية انتقائية، لا بوصفه حلاً لأزمة الزيارات، لأن الحل الجذري يبقى في تنويع مصادر الجمهور وبناء علاقة مباشرة لا تمر عبر بوابة (غوغل) من الأساس».


«حرب الأرشيف» تتصاعد بين الصحف والذكاء الاصطناعي

أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)
أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)
TT

«حرب الأرشيف» تتصاعد بين الصحف والذكاء الاصطناعي

أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)
أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)

تتصاعد «حرب الأرشيف» بين الإعلام وشركات التكنولوجيا، عقب اتجاه أصحاب عدد من الصحف إلى إغلاق أرشيفاتها على الإنترنت، مدفوعين بمخاوف من استغلاله مجاناً في تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي. وأفاد خبراء بأن «الحظر مجرد إجراء مؤقت»، ودعوا إلى «وضع قواعد توازن بين حقوق الملكية الفكرية والحق في الوصول إلى المعلومات».

تحليل نشره موقع «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الصحافة، أخيراً، تطرّق إلى بدء أكثر من 340 موقعاً إخبارياً محلياً في الولايات المتحدة في حظر أو تقييد الوصول لأرشيفها على الإنترنت. وأشار إلى أن هذا التحرك بدأ في يناير (كانون الثاني) الماضي بحظر صحف مثل «نيويورك تايمز» و«يو إس إيه توداي» أرشيفاتها على الإنترنت، بعد تأكيدها أنه «يستخدم في تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي».

مخاوف من استغلال عنصر المجانية

ووفق تحليل «نيمان لاب»، فإن «هذا التحرك ليس موجهاً ضد فكرة الأرشفة في حد ذاتها، بل جاء مدفوعاً بمخاوف متصاعدة من استغلال شركات التكنولوجيا للأرشيف المجاني في تدريب الذكاء الاصطناعي من دون دفع أي مقابل للمؤسسات الإعلامية التي أنتجت هذا المحتوى». ولفت التقرير إلى أن «حظر الأرشيف امتد لصحف أخرى في بريطانيا والبرازيل رغبة في حماية حقوق الملكية الفكرية».

الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي بليبيا، والباحثة في الإعلام الرقمي، قالت في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن قرار حظر الأرشيف «حل مؤقت قد يحمي بعض الحقوق القانونية قصيرة المدى، لكنه يضعف الشفافية، ويقوض الذاكرة الرقمية، ويعزز احتكار البيانات لدى المنصات الكبرى». وأردفت أن «أرشيف الإنترنت لا يعد المصدر الوحيد لتدريب النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي؛ بل هو جزء من منظومة مغذّيات الذكاء الاصطناعي التي تشمل أيضاً البيانات التجارية، والمنصّات الاجتماعية، والأرشيف المفتوح، والبيانات المرخصة، والتفاعل البشري، والبيانات الاصطناعية».

وتابعت أن «هذا الصراع الظاهري يخفي جوانب أكثر أهمية، إذ إن جوهر الصراع يتركز حول ملكية البيانات والسيطرة على المعرفة الرقمية بهدف احتكار البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، إضافة إلى الحق القانوني المثير للجدل في الوصول إلى البيانات العامة». وأشارت الباحثة إلى أن «الحل يكمن في اعتماد المؤسسات على مبدأ الحوكمة المتوازنة للذاكرة الرقمية، التي تعنى بحماية المحتوى من دون تدمير البنية المعرفية للأرشفة والحق العام في الوصول للمعلومات». وأوضحت أن «هذا المبدأ ينبثق منه اتخاذ قرارات من أبرزها: الحذف الانتقائي بدل الحظر الشامل، والترخيص المنظم لاستخدام المحتوى، وإنشاء أرشيفات إعلامية مؤسسية مستقلة بدلاً من الاعتماد الكامل على الأرشفة الخارجية».

زيادة الاعتماد تطبيقات الذكاء الاصطناعي (صورة أرشيفية)

وأضافت إلى ما سبق ذكره، ومن ثم «تطبيق نموذج الوصول المتعدد للأرشيف، والتفرقة بين الإتاحة للعامة، والوصول الأكاديمي والصحافي، والوصول المدفوع، وكذا تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي عبر عقد اتفاقيات تتضمن عقود ترخيص وقواعد بيانات معلنة وشفافية بيانات تدريب النماذج وإقرار تعويضات مالية، حسبما يتناسب مع طبيعة كل مؤسسة وإنتاجها الإعلامي».

من ناحية أخرى، لفتت إلى أن «الحظر يُشكل ضرراً على الأكاديميين، حيث يفقدهم المادة الخام للبحث العلمي الخاصة بأي ظاهرة علمية ونشأتها... وأن البحث الأكاديمي يحتاج إلى مراجعة المصادر الأصلية، والتحقق من البيانات السابقة، واستنساخ الدراسات، وبالتالي، فإن حظر الأرشيف الرقمي لا يعني فقط ضياع مواد إعلامية أو وثائق تاريخية، بل يؤدي عملياً إلى تعطيل القدرة العلمية على فهم الظواهر في سياقها الزمني والتطوري خصوصاً في العلوم الاجتماعية والإنسانية، التي لا تدرس الظواهر بوصفها أحداثاً ثابتة، بل بوصفها عمليات ديناميكية تتشكل عبر الزمن».

واستطردت فقالت إن «الحظر يمحو الذاكرة الرقمية للعصر الحديث التي يعتمد عليها المؤرخون، ما يؤدي إلى خلق فراغات تاريخية رقمية، ويسهم في ظهور انقطاعات للسجل التاريخي مما ينتج تشوها في فهم الأحداث التاريخية، فضلاً عن تعزيز احتكار التاريخ من قبل المنصات، وهو ما يؤدى إلى تهديد كتابة التاريخ الرقمي».

الذاكرة الرقمية

على صعيد ثانٍ، بينما تسعى الصحف إلى حماية ملكيتها الفكرية من الاستغلال التجاري، فإن هذا التحرك يثير تساؤلات بشأن مصير «الذاكرة الرقمية»، وتأثير الحظر على الصحافيين والباحثين والمؤرخين الذين يعتمدون على هذا الأرشيف في عملهم وفي رصد التطورات حول العالم.

هنا، قال الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، إنه «في ظل التطور السريع للذكاء الاصطناعي، أصبح الجدل حول حماية المحتوى الصحافي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، وبالأخص بعد تصاعد الدعوات لحظر بعض أدوات الأرشفة الرقمية مثل أرشيف الإنترنت من استخدام المحتوى الصحافي لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي».

وأضاف عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أنه «على الرغم من أهمية حماية حقوق الملكية الفكرية للمؤسسات الإعلامية، يبقى السؤال الجوهري: هل الحظر هو الحل الأمثل أم مجرد علاج مؤقت لمشكلة أكثر تعقيداً؟».

ومن ثم، أشار إلى أن «المؤسسات الصحافية تواجه تحدياً حقيقياً، فالذكاء الاصطناعي يعتمد على كميات هائلة من البيانات والمحتوى لتطوير نماذجه، والصحافة المهنية تُعد من أهم مصادر المعلومات الموثوقة». وشرح أن «استخدام هذا المحتوى من دون تنظيم أو تعويض عادل يهدد الاستدامة الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية، لا سيما في وقت تعاني فيه الصحافة التقليدية من تراجع الإيرادات وتغير أنماط الاستهلاك الرقمي. وبناءً عليه، فإن حظر الأرشيفات الرقمية بشكل كامل قد لا يكون حلاً جذرياً، بل قد يؤدي إلى إضعاف الوصول إلى المعرفة وتقييد البحث العلمي والتاريخي».

ولفت أيضاً إلى أن الفترة الأخيرة شهدت ازدياداً في النزاعات القانونية بين الصحف وشركات الذكاء الاصطناعي بشأن استخدام المحتوى في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، في حين وقّعت مؤسسات إعلامية اتفاقيات مع شركات التكنولوجيا تنظم استخدام البيانات والمحتوى. وقال إن «الحل الحقيقي يكمن في بناء إطار قانوني وأخلاقي متوازن يضمن حقوق المؤسسات الإعلامية دون الإضرار بحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات. وذلك عبر تطوير أنظمة ترخيص واضحة تسمح باستخدام المحتوى الصحافي مقابل تعويض عادل وشفاف، إضافة إلى فرض قواعد تُلزم شركات الذكاء الاصطناعي بالإفصاح عن مصادر البيانات المستخدمة في تدريب نماذجها».

واستطراداً، اقترح الأكاديمي المصري «إنشاء شراكات استراتيجية بين المؤسسات الإعلامية وشركات التكنولوجيا لتطوير نماذج تعاون تحقق المنفعة للطرفين بدلاً من الصراع المستمر... وذلك لأن فقدان ميزة الوصول إلى خدمات الأرشفة الرقمية قد يحمل آثاراً خطيرة على المدى الطويل، لا سيما أن تلك الأرشيفات الإلكترونية أصبحت بمثابة الذاكرة الرقمية للعالم الحديث، وأداة أساسية لتتبع الأحداث، والتحقق من التصريحات، وتحليل تطور القضايا السياسية والاجتماعية عبر الزمن».

ايضاً أوضح الدكتور عبد الله أن «الصحافي الاستقصائي يعتمد على الوصول إلى النسخ المؤرشفة للكشف عن التناقضات أو حذف المعلومات أو تغيير الروايات الرسمية، بينما يعتمد المؤرخون والباحثون على هذه المواد لبناء فهم دقيق للتاريخ المعاصر... وبالتالي، فإن تقييد الوصول إلى الأرشيف الرقمي قد يضعف الشفافية والمساءلة العامة، ويخلق فجوة معرفية خطيرة للأجيال المقبلة».

وفي خلاصته، إزاء الموضوع قال إن «التحدي الحقيقي ليس في منع التكنولوجيا، بل في تنظيمها بشكل يحمي الإبداع الصحافي، ويصون حق المجتمع في المعرفة في آن واحد... فالمستقبل لن يكون لمن ينجح في منع الذكاء الاصطناعي؛ بل في القدرة على تحقيق التوازن بين الابتكار وحقوق النشر وحرية الوصول للمعلومات».

تساؤلات بشأن مصير «الذاكرة الرقمية» وتأثير الحظر على الصحافيين والباحثين والمؤرخين