ماذا يعني نقل مقار الوزارات المصرية إلى العاصمة الإدارية الجديدة؟

الحكومة تخطط للاستثمار في مبانيها القديمة بالقاهرة

السيسي يشهد افتتاح عدد من الإنشاءات في العاصمة الجديدة (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
السيسي يشهد افتتاح عدد من الإنشاءات في العاصمة الجديدة (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
TT

ماذا يعني نقل مقار الوزارات المصرية إلى العاصمة الإدارية الجديدة؟

السيسي يشهد افتتاح عدد من الإنشاءات في العاصمة الجديدة (أرشيفية - الرئاسة المصرية)
السيسي يشهد افتتاح عدد من الإنشاءات في العاصمة الجديدة (أرشيفية - الرئاسة المصرية)

اتخذت مصر خطوات تنفيذية لنقل وزارتها بشكل نهائي إلى العاصمة الإدارية الجديدة، تمهيداً لجعلها مقراً سياسياً وإدارياً للدولة، وهو ما أثار تساؤلات بشأن مصير المقرات الحكومية التاريخية بوسط القاهرة، وما إذا كان نقلها سيلقي بظلاله على الهوية البصرية والثقافية للعاصمة المصرية.

وقبل أيام، أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، قراراً جمهورياً بإزالة صفة «النفع العام» عن أراضي ومباني 13 وزارة، ونقل ملكيتها لصالح «صندوق مصر السيادي للاستثمار والتنمية»، تمهيداً لطرح تلك المباني للاستثمار.

ويعد «صندوق مصر السيادي»، هو «الذراع الاستثمارية للدولة المصرية»، ويستهدف «تعظيم العائد من أصول الدولة والحفاظ عليها للأجيال المقبلة»، وفق وزيرة التخطيط المصرية الدكتورة هالة السعيد، في تصريحات أمام مجلس النواب المصري (البرلمان) مطلع العام الحالي.

الحكومة المصرية أثناء الاحتفال بتسليم أول 3 أبراج إدارية ضمن منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية (رئاسة الوزراء)

قائمة المباني الحكومية

وضمت قائمة المباني الحكومية التي شملها القرار، رقم 13 لسنة 2024، وزارات الخارجية، والعدل، والمالية، والتربية والتعليم، والصحة والسكان، والتنمية المحلية، والنقل، والسياحة والآثار، والإنتاج الحربي، والتموين، والتضامن الاجتماعي، والإسكان، ومبنى تابعاً لوزارة الصناعة. ويشير القرار إلى «استمرار شغل الوزارات المذكورة للمباني بالمجان، لحين انتقالها نهائياً إلى العاصمة الإدارية الجديدة، أو إيجاد مقار بديلة لمبانيها الحالية».

وهذه ليست المرة الأولى التي يجري فيها نقل ملكية مبانٍ حكومية لـ«الصندوق»، حيث سبق نقل ملكية أراضي ومباني مجمَّع التحرير والحزب الوطني المنحل ومبنى وزارة الداخلية القديم بوسط القاهرة أيضاً.

وترتبط المقرات المنتقلة إلى «الصندوق السيادي»، أخيراً، بالذاكرة الشعبية للمصريين، حيث تحولت مع مرور الزمن إلى رموز للحكم والسلطة، درجت على لسان العامة في أحاديثهم اليومية. وهو ما يجعل نقلها بمثابة «صدمة ثقافية» لدى البعض ممن ارتبطت هذه الأماكن بذكرياتهم اليومية، على حد تعبير أستاذ علم الاجتماع السياسي بالجامعة المصرية - اليابانية الدكتور سعيد صادق.

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (يسار) يشاهد أحدث مشاريع العاصمة الجديدة (رئاسة الوزراء)

المدن لها روح

وقال صادق، لـ«الشرق الأوسط»: «إن المدن لها روح، حتى إن مناطقها تسمى أحياءً لأنها تكتسب سماتها ممن يعيشون بها»، لافتاً إلى «ارتباط كثير من المباني القديمة وسط القاهرة بالذاكرة الشعبية للمصريين مثل مبنى مجمع التحرير، الذي كان مقراً لإنجاز المعاملات الحكومية، وتحول مع الوقت إلى البيروقراطية، وكلمة (لاظوغلي) التي باتت ترمز إلى وزارة الداخلية لأن الحي كان مقراً للوزارة لعقود، وغيرها».

وأضاف صادق: «ربما تتغير أنشطة المباني لكن كثيراً من المصريين سيبقون على مسمياتها القديمة لعقود، فتاريخ المدن لا يتغير بين يوم وليلة، ويحتاج لعقود حتى يتأقلم الناس». وأشار إلى أن «العاصمة الإدارية قد تكون بمثابة حي حكومي في القاهرة العاصمة، وقد نشهد نموذجاً لما يحدث في سويسرا، حيث بيرن هي العاصمة بينما جنيف هي المقر لكل شيء آخر، وكذلك الأمر بالنسبة للعاصمة التركية أنقرة، ومدينة إسطنبول».

سيارات تمر بجانب العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة في مصر (رويترز)

عمارة المدن والسلطة

وتتأثر عمارة المدن بتغير السلطة أو مقرات الحكم، حيث تستمر مبانٍ في أداء نفس الوظيفة التي أنشئت من أجلها، أو تتغير بتغير نظام الحكم، وهو ما رصده المؤرخ المصري الدكتور خالد عزب، في كتابه الصادر عام 2007، عن العمارة والسلطة في مصر. ويشير عزب في كتابه إلى أن «عمرو بن العاص أسس مدينة الفسطاط نواةً للمشروع الفكري والحضاري للدولة الإسلامية آنذاك، من ثم لم يشيد لها سوراً، بل جعلها مدينة مفتوحة للجميع، في حين جاءت الدولة الفاطمية بمشروع لفرض الخلافة فانعزل حكمهم عن المصريين. وعندما تبنى صلاح الدين مشروعاً دفاعياً شيد القلعة حصناً ومقراً للحكم».

ظلت «القلعة رمزاً للحكم حتى جاء عصر محمد علي، وغادر الحصن، وانتقلت مقرات الحكم للمدينة وسط الناس محدثة نقلة سياسية وعمرانية»، وفق الكتاب.

ولا يرى عزب في انتقال الوزارات إلى العاصمة الإدارية الجديدة نقلاً سياسياً للعاصمة من القاهرة القديمة، بل امتداد طبيعي لها». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إن القاهرة تزحف نحو الشرق منذ القرن السابق الميلادي عندما تأسست الفسطاط، وشملت امتداداتها مدناً مثل (القاهرة الجديدة) و(مدينتي) وصولاً للعاصمة الإدارية».

مبنى البنك المركزي المصري الجديد في العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة (أ.ف.ب)

الاستعداد للانتقال

وتستعد مصر للانتقال بشكل كامل إلى العاصمة الإدارية الجديدة، وهو ما بدأ تنفيذه فعلياً منذ منتصف العام الماضي، حيث انتقلت نحو 100 جهة حكومية، بينها نحو 30 وزارة، لممارسة أعمالها بالحي الحكومي في العاصمة الإدارية، وفق إفادة رسمية من الرئاسة المصرية، في يوليو (تموز) الماضي، أشارت إلى «انتقال نحو 40 ألف موظف وعامل».

وهنا أكد عزب أنه «لفهم دلالات الهوية البصرية للعاصمة المصرية عقب انتقال مقرات الحكم للعاصمة الإدارية، لا بد من فهم فلسفتها ووظيفتها، هل ستكون إدارية فقط، أم إدارية سياسية أم اقتصادية أم غير ذلك». وقال: «لو كان دورها إدارياً وسياسياً فحسب دون توسعات صناعية لكانت بحق تجربة فريدة من نوعها».

وأوضح عزب أن «وجود منطقة صناعية يعني زيادة الحركة على المدينة من خارجها، ما يعرّضها لضغط مروري وهو خطأ حدث في القاهرة الجديدة ويجب تجنبه»، مستدركاً: «العاصمة الإدارية لا تزال في مرحلة البدايات، ولا يمكن الحكم على تجربتها الآن حيث تحتاج نحو 20 عاماً على الأقل لتنضج ويصبح بالإمكان تقييمها».

جانب من العاصمة الإدارية الجديدة (موقع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة في مصر)

الهوية البصرية والعمرانية

وبشأن مصير الهوية البصرية والعمرانية للقاهرة القديمة بعد نقل الوزارات، قال عزب إن «المدينة أمام فرصة فريدة لتتحول إلى مدينة سياحية كبرى على غرار إسطنبول إذا أجيد استغلالها، بإنشاء فنادق من نوعية النجوم الثلاثة، وهو ما تحتاجه القاهرة، إضافة إلى متاحف متنوعة، ومطاعم ومقاهٍ، كل ذلك وفق روية استراتيجية وإدارة جيدة».

وكان أيمن سليمان، الرئيس التنفيذي لـ«صندوق مصر السيادي»، قد أشار في حديثه أمام مجلس النواب المصري (البرلمان) مطلع العام الحالي إلى «خطة لاستغلال» مباني الوزارات التي انتقلت إلى العاصمة الإدارية. وقال: «هناك دراسة نفذتها شركة استشارات عالمية، بشأن مباني وسط البلد، ومربع الوزارات، لاستخدامها بالشكل الأمثل، بتحويلها إلى فنادق وشقق فندقية، وسكنية ومحلات ومطاعم ومكاتب إدارية، وأماكن للفنون للشباب». ولفت سليمان إلى أن «الدولة تستهدف إنشاء 2600 غرفة فندقية في منطقة وسط البلد، وتطوير 15 ألف متر مساحات ومناطق خضراء لتكون متنفساً للمنطقة».

ومطلع العام الحالي، أعلن «صندوق مصر السيادي»، عن إبرام صفقة مع تحالف إماراتي لتطوير أرض الحزب الوطني المنحل (بالتحرير وسط القاهرة)، وتحويله إلى «مبنى فندقي وتجاري وسكني». كما أعلن «الصندوق» العام الماضي عن «تحويل مبنى مجمع التحرير وسط القاهرة إلى «مبنى متعدد الأغراض: فندقي، تجاري، إداري، ثقافي».

بنايات على نيل القاهرة (الشرق الأوسط)

القاهرة القديمة

بدورها، قالت أستاذة التخطيط العمراني بجامعة القاهرة الدكتورة سهير حواس: «إن نقل المقرات الحكومية إلى العاصمة الإدارية سيعيد القاهرة القديمة إلى طبيعتها؛ لأن الجهات الحكومية غيرت ملامح القاهرة الخديوية». وأوضحت لـ«الشرق الأوسط» أن «منطقة وسط البلد كانت حياً سكنياً وتجارياً وإدارياً يضم كبرى المحلات التجارية، والبنوك، يسكنه طبقة ترقى للتعامل مع مبانيه الفخمة ومنشآته شديدة التميز، لكن مع خروج هذه الطبقة وتحويل المنطقة إلى مقرات حكومية خدمية تراجعت مكانة الحي وأسيء التعامل مع مبانيه وحدائقه».

وعدت حواس نقل الوزارات «فرصة لاستعادة الشكل الأصيل للقاهرة، وتقليل الكثافات بها، مع تحويلها لمركز ترفيهي سياحي به مطاعم وسينمات ومسارح وكافيهات كما كانت من قبل»، لكنها «اشترطت تقليل المرور العابر بها، من مناطق أخرى، ووضع خطة جيدة لتطويرها».

ولا ترى حواس في نقل المقرات الحكومية «تغيراً في الهوية السياسية للعاصمة»، وقالت: «هذا تطور يتماشى مع عصر الإدارة الرقمية».

وتعول مصر على تلك المقرات وما تصفه بـ«الأصول غير المستغلة»، للمساهمة في مواجهة الأزمة الاقتصادية، وقدرت تلك الأصول بنحو 4 آلاف أصل، منها 101 أصل صالح للاستثمار، وفق وزيرة التخطيط المصرية.

وأكد الرئيس التنفيذي لصندوق مصر السيادي، في حديثه أمام البرلمان، أن «الصندوق نجح في تنفيذ 16 مشروعاً خلال الثلاثة أعوام الماضية، بإجمالي 48 مليار جنيه استثمارات»، من بينها الاستثمارات العينية، مثل حق انتفاع مجمع التحرير، «الذي حقق استثمار بقيمة 300 مليون دولار، وحق إيجار مبنى وزارة الداخلية حقق 800 مليون جنيه استثمار».


مقالات ذات صلة

اتصالات مصرية متسارعة لتجنيب المنطقة موجة جديدة من المواجهات العسكرية

شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية في العاصمة الجديدة شرق القاهرة (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)

اتصالات مصرية متسارعة لتجنيب المنطقة موجة جديدة من المواجهات العسكرية

اتصالات متسارعة أجرتها مصر خلال الساعات الماضية من أجل «تجنيب المنطقة موجة جديدة من المواجهات العسكرية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر وأميركا لمزيد من التعاون في مجالات متعددة (الخارجية المصرية)

مصر وأميركا توقِّعان اتفاق «الأهداف الاستراتيجية» بهدف توسيع التعاون

في إطار تعزيز العلاقات بين البلدين وقَّعت مصر والولايات المتحدة، الأربعاء، «الاتفاقية الإطارية للأهداف الاستراتيجية بشأن تعزيز الازدهار المتبادل».

فتحية الدخاخني (القاهرة)
شمال افريقيا وزير النقل يتفقد خط السكك الحديدية في سيناء (وزارة النقل المصرية)

طمأنة مصرية جديدة لإسرائيل بشأن مشاريع سيناء

وجهت مصر رسالة طمأنة جديدة إلى إسرائيل بشأن مشروعات التنمية التي تنفذها في شبه جزيرة سيناء

أحمد جمال (القاهرة)
رياضة عربية حسام حسن وزوجته دان (حسابها في فيسبوك)

بسبب طليقته... «الأعلى للإعلام المصري» يمنع ظهور حسام حسن إعلامياً

قرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، برئاسة خالد عبد العزيز، منع ظهور حسام حسن، المدير الفني للمنتخب المصري الأول لكرة القدم، إعلامياً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي ونظيراه القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن والمصري الدكتور بدر عبد العاطي (الشرق الأوسط)

السعودية وقطر ومصر تؤكد دعم المساعي الدبلوماسية لتعزيز أمن المنطقة

أكدت السعودية وقطر ومصر دعم المساعي الدبلوماسية الرامية إلى التوصل لحلول دبلوماسية شاملة تسهم في ضمان سلامة الممرات المائية، وتعزز أمن المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
TT

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

تروي السودانية سوسن محمود في العاصمة السودانية، حيث أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود، أنها باتت توفر مجموع راتبها وراتب زوجها الشهري فقط لشراء الخبز. وتقول سوسن (44 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «الوضع أصبح لا يحتمل. لقد خفضنا كمية الخبز التي نتناولها، وأصبحنا نأكله في وجبة واحدة فقط»، مضيفة: «علينا توفير 900 ألف جنيه شهرياً (88 دولاراً) لشرائه. وهذا تقريباً راتبي وراتب زوجي».

مواطن من أم درمان في رحلته اليومية مع طفليه للحصول على الماء (رويترز)

* مخاوف من انتشار المجاعة

تضاعف سعر رغيف الخبز في العاصمة السودانية من 250 إلى 500 جنيه (من 0,25 سنت من الدولار إلى 0,50 سنت)، خلال الأسبوع الماضي، في ارتفاع غير مسبوق. وباتت عائلات سودانية كثيرة لا تتحمّل تكلفته، فيما تتصاعد التحذيرات الدولية من احتمال انتشار المجاعة في أنحاء البلد، الذي يعاني 20 مليوناً من سكانه من انعدام حاد في الأمن الغذائي. من جهتها، تقول عبير محمد بعد أن اشترت خبزاً من أحد المخابز القليلة، التي لا تزال تعمل في الخرطوم: «في السابق كنّا نأكل الخبز في جميع وجبات اليوم، الآن لا يمكننا ذلك». ويستورد السودان معظم احتياجاته من القمح، الذي يتأثر سعره سريعاً بتدهور العملة المحلية. وخلال الشهر الماضي، سجّلت العملة السودانية تراجعاً بنسبة 25 في المائة أمام الدولار، في انخفاض قياسي ليصل سعر العملة الخضراء إلى أكثر من 10500 جنيه سوداني في ذروة ارتفاعه، قبل أن يستقرّ عند 10200 جنيه الأربعاء. علماً بأن الدولار كان يساوي 500 جنيه قبل الحرب.

يعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة (رويترز)

* غياب الطحين

داخل مخبز يملكه محمد الفاتح في الخرطوم، يخلط العمال الطحين مع الماء والخميرة لتشكيل عجينة سميكة، يقسمونها إلى أقراص مستديرة، ثم يدخلونها الفرن باستخدام ألواح خشبية طويلة، وتتحوّل العجينة في دقائق إلى خبز تقليدي يشكّل جزءاً أساسياً من وجبات السودانيين. يقول الفاتح: «أغلقت مخابز كثيرة لأنه لا يوجد طحين في السوق». ويضيف: «يمكن أن تنتظر ليوم أو يومين كاملين في مركز توزيع (الطحين)، ثم تعود بخفي حُنين». في حي الأزهري بجنوب العاصمة، يجد متوكل أحمد بابكر صعوبة في تشغيل مخبزه، بعد أن تضاعف سعر الطحين، «بالإضافة إلى قطع الكهرباء، ولذلك أصبحنا مضطرين لشراء الوقود للمولد». يقول بابكر: «أغلب الظن سأغلق المخبز. نبيع رغيف الخبز بـ500 جنيه، وهذا أقلّ من تكلفته، لكن لا يمكنني رفع السعر بسبب أوضاع الناس». وتعاني العاصمة الخرطوم ومناطق شرق السودان من انقطاع واسع للتيار، بعد هجمات بمسيّرات استهدفت محطات الكهرباء نهاية الشهر الماضي، وأخرجتها عن العمل.

طفل سوداني يعاني من سوء تغذية حادة داخل أحد المخيمات المخصصة للاجئين السودانيين (رويترز)

وفي أنحاء الخرطوم، عاد السودانيون للاصطفاف خارج المطابخ العامة (التكايا) انتظاراً للوجبات المجانية، بعد أن توقف الكثير منها عن العمل، بعد سيطرة الجيش على العاصمة وإخراج «قوات الدعم السريع» منها في مارس(آذار) 2025. وحذّرت غرفة طوارئ أمبدة في أم درمان بالخرطوم، التي تنسّق عمل التكايا في المنطقة، من اتساع «دائرة الاحتياج لتطول آلاف الأسر والنازحين»، كما حذّرت من «شحّ في المواد الغذائية وغلاء الأسعار، ما يجعل الحصول على وجبة يومية واحدة حُلماً». وبلغت معدّلات الفقر في السودان 80 في المائة، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء، فيما أعلنت الحكومة أنها تستهدف خفض التضخم إلى ما دون 60 في المائة مع نهاية 2026، بعد أن بلغ 99 في المائة العام الماضي.

* «لا وقود»

خارج الخرطوم، يصل جزء كبير من إمدادات القمح على شكل مساعدات إغاثية، غير أن نقص الوقود وارتفاع أسعاره، إضافة إلى قطع الطرق جراء المعارك، يحول دون وصول المساعدات. وقسّمت الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023 البلاد إلى مناطق نفوذ، إذ يسيطر الجيش على الخرطوم ومدن وسط السودان وشرقه، بينما تسيطر «قوات الدعم السريع» على كامل إقليم دارفور في الغرب وأجزاء من الجنوب. ويعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة، حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة، حذّرت أيضاً من إمكانية توسّعها إلى ثمانية مدن بحلول عام 2027. وأسهم انخفاض قيمة العملة في تراجع قدرة الخرطوم على شراء الوقود، التي تستورد معظم احتياجاتها منه. يقول الموظف الحكومي ياسر محمد إنه أمضى يومه واقفاً في طابور في الخرطوم من أجل شراء الوقود من دون طائل. مضيفاً: «أقف منذ السادسة صباحاً خارج المحطة، وقد حانت الرابعة ولم أحصل على بنزين، وقد تغيبت عن العمل اليوم».

بلغت معدّلات الفقر في السودان 80 % وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء (رويترز)

وحذّر بيان وزاري وقّع عليه وزراء خارجية أوروبيون وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الأسبوع الماضي من أن أكثر من 19 مليون شخص (أي 41 في المائة من السكان) في السودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي، بما في ذلك خمسة ملايين يواجهون مستويات طارئة».

في إحدى أسواق أم درمان، حيث بدت حركة البيع والشراء متباطئة، يقول الموردي عوض لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بينما يشتري احتياجاته: «انخفضت القيمة الغذائية للوجبة». ويضيف: «سعر الكيلوغرام من اللحم بات يتراوح بين 50 و70 ألف جنيه (5 إلى 7 دولارات)، وإن كان في استطاعتك في السابق شراء كيلوغرامين من اللحم، فسوف تشتري اليوم 125 غراماً فقط».


إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
TT

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين، بسبب اتهام كل طرف للآخر بدعم خصومه.

ويتهم السودان إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية، في حين تتهم أديس أبابا الخرطوم بدعم المتمردين في منطقة تيغراي بشمال إثيوبيا.

وأثارت الاتهامات المتبادلة، التي ينفيها الطرفان، مخاوف من تداخل الحرب في البلدين، ما ‌قد يؤدي إلى ‌اتساع رقعة الصراع في القرن ​الأفريقي.

وقالت ‌الحكومة ⁠السودانية، ​يوم الأحد، ⁠إنها قدمت شكوى ضد إثيوبيا إلى مجلس الأمن الدولي، التابع للأمم المتحدة ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، متهمةً إياها بالسماح لـ«قوات الدعم السريع» باستخدام أراضيها في إطلاق طائرات مسيّرة ملغومة لاستهداف البنية التحتية المدنية في السودان.

ولم يرد ⁠المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي ‌على طلب من «رويترز» ‌للتعليق.

وقال المسؤول الإثيوبي الكبير إن ​بلاده أمرت 6 ‌من موظفي القنصلية السودانية في بلدة أصوصا الحدودية ‌بمغادرة البلاد في غضون 48 ساعة، دون أن يذكر سبب هذا القرار. وطلب المسؤول عدم نشر اسمه نظراً لحساسية الأمر.

وتنفي أديس أبابا مساعدة «قوات الدعم ‌السريع» في السودان.

وكشفت بيانات الأمم المتحدة أن الحرب الأهلية في السودان ⁠أدّت إلى ⁠نزوح أكثر من 14 مليون شخص، وتسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم منذ اندلاعها في أبريل (نيسان) 2023.

واتهمت إثيوبيا كلاً من السودان ومصر وإريتريا بدعم متمردي تيغراي، الذين شنّوا هجوماً على القوات الحكومية في سبتمبر (أيلول). ونفت الدول الثلاث هذه الاتهامات.

وقال أمجد فريد، مستشار «مجلس السيادة الانتقالي» السوداني للشؤون السياسية والخارجية، إن الحكومة السودانية ملتزمة بحقها ​في الدفاع عن أراضيها، ​لكنها تبذل كل جهد ممكن لتجنب اندلاع حرب مفتوحة مع إثيوبيا.


هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
TT

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)

مع تعثر المبادرات الإقليمية والدولية في إنهاء الانقسام السياسي الليبي، يعود النفط إلى واجهة النقاش، بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها، في ظل مقترح فرنسي بـ«حظر تصديره» أثار اعتراضات مسؤولين وخبراء ليبيين.

وتعتمد ليبيا على النفط كمورد رئيسي في الإنفاق، عبر تغطية نحو 82 في المائة من الإنفاق العام، بينما يبلغ الإنتاج نحو 1.4 مليون برميل يومياً، وفق الأرقام المتداولة، في بلد دأب على الاعتماد على هذا المورد الحيوي، منذ تصدير أول شحنة من ميناء البريقة قبل 65 عاماً.

يعود النفط إلى واجهة النقاش بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها (المؤسسة الوطنية للنفط)

وطرح «معهد البحوث من أجل التنمية الفرنسي» أخيراً فكرة الرهان على «ورقة النفط» في تمويل الدولة. ويفترض هذا الطرح أن «تعطيل المورد الرئيسي لمدة شهر سيدفع القوى الليبية المتنافسة إلى مراجعة حساباتها، وسيجبر الأفرقاء الليبيين على الجلوس معاً لحل خلافاتهم، بما يعني أن الضغط الاقتصادي قد يدفع الأطراف إلى التفاوض، بعدما تتقلص الموارد المتاحة».

لكن مقترح حظر تصدير النفط أثار تساؤلات حول الجهة التي ستتحمل تكلفة الحظر، ومدى القدرة على توظيفه كورقة ضغط لدفع القوى المتنافسة إلى تسوية سياسية.

ورفض وزير النفط الليبي السابق محمد عون استخدام الصادرات النفطية كأداة للضغط السياسي، معتبراً أن الحظر «لن يحقق الغاية المعلنة منه، بل سيفاقم معاناة المواطنين، الذين يواجهون ارتفاع الأسعار وصعوبة الأوضاع المعيشية». ورأى أن «معالجة الأزمة تتطلب النظر إلى أسبابها السياسية والاقتصادية، بدلاً من تعطيل المورد الرئيسي للدولة».

وزير النفط الليبي السابق محمد عون (الوزارة)

وأوضح عون لـ«الشرق الأوسط» أن «الأزمة الليبية تتجاوز الخلافات المحلية إلى تدخل قوى إقليمية ودولية في شؤون البلاد»، مستشهداً بما كشفته تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن الفساد الاقتصادي. وانتقد صمت دول كبرى عن التجاوزات، عازياً ذلك إلى تشابك مصالحها مع أطراف ليبية نافذة.

من جهته، لا يرى الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي أن المبادرات الدولية «كافية وحدها لحل الأزمة؛ فالبعثة الأممية واجتماعات برلين وفرت آليات متعددة لإدارة الصراع، لكنها لم تنجح في إنهاء الانقسام». ويعتقد أن «أي تحرك جديد لن يحقق اختراقاً دون تغيير أسلوب التعامل مع جذور الأزمة، وفي مقدمتها الفساد وضعف الرقابة».

وسبق أن خلص فريق الخبراء، التابع للأمم المتحدة، في تقريره النهائي الصادر في مارس (آذار) 2026، إلى أن «جهات مرتبطة بجماعات مسلحة وسّعت نفوذها داخل مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة الوطنية للنفط، عبر العنف والتدخل في صنع القرار والضغط الاقتصادي».

وهنا تحذر مديرة إدارة التعاقدات السابقة بالمؤسسة الوطنية للنفط، نجوى البشتي، من أن وقف الصادرات قد يدفع إلى مزيد من تهريب النفط، وبيعه خارج المنظومة الرسمية، بما يفاقم الخسائر ويضعف قدرة الدولة على إدارة مواردها. ويحمل هذا الاحتمال خطراً إضافياً يتمثل في تعميق انتقال جزء من النشاط النفطي إلى مسارات يصعب إخضاعها للرقابة الرسمية، بحسب البشتي.

رفض وزير النفط الليبي السابق استخدام صادرات النفط أداةً للضغط السياسي بحجة أن القرار سيفاقم معاناة المواطنين الذين يواجهون ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)

وسبق أن رصد تقرير خبراء الأممي تهريب الوقود داخلياً عبر تحويل شحنات مخصصة للاستهلاك المحلي والكهرباء إلى مسارات غير مشروعة، وخارجياً عبر تصدير نحو مليون طن من المشتقات النفطية من موانئ ليبية، بينها 578 ألف طن من الديزل.

وبحسب البشتي، فإن «فرض الحظر سيضر بالمواطنين أكثر من الأطراف المتصارعة»، وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن تداعياته «قد تكون أشد وطأة مما شهدته دول، مثل روسيا وإيران وفنزويلا، بالنظر إلى الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعانيه ليبيا».

ويكتسب النقاش حول المقترح الفرنسي أهمية بالنظر إلى أن الاتحاد الأوروبي يمثل السوق الرئيسية للنفط الخام الليبي بين الجهات المستوردة، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، التي أوردتها وكالة «إيكوفين».

وبالتوازي مع رفض فرض حظر على صادرات النفط، تبرز بدائل أخرى لمعالجة الاختلالات القائمة، إذ يرى عون «ضرورة مكافحة الفساد، وإبعاد المتورطين فيه عن مواقع النفوذ»، وحذر من أن «استمرار الصراع على الثروة يفتح المجال أمام مزيد من النهب، وسوء إدارة الموارد العامة».

ومن وجهة نظره، لا يمكن تحويل النفط إلى مدخل لتسوية سياسية، من دون معالجة آليات استغلال عائداته.

أما البشتي فإنها ترى «ضرورة إصلاح القطاع النفطي الليبي، وإعادة هيكلته على أسس مهنية، بدلاً من حظر تصديره، بل وإبعاده عن التجاذبات السياسية وتدخل أصحاب النفوذ، مع إسناد المسؤوليات إلى أصحاب الكفاءة والخبرة والنزاهة، وضمان استقلال القرارات الفنية والإدارية عن المحاصصة وموازين القوى المتنافسة»، مبرزة أن هذه الحلول «لن تأتي بها السلطات القائمة في شرق البلاد وغربها، بل تحتاج ربما إلى إرادة وتحرك من شخصيات وطنية حقيقية للحل، بعيداً عن الوجوه المتصدرة للمشهد الليبي».