تفاهمات «أستانا 21» تبعد شبح التصعيد عن إدلب

البيان الختامي رفض توسيع رقعة حرب غزة... ومؤشرات على دفع ملف «الدستورية»

اجتماع سابق حول مستقبل سوريا في أستانا (أرشيفية - رويترز)
اجتماع سابق حول مستقبل سوريا في أستانا (أرشيفية - رويترز)
TT

تفاهمات «أستانا 21» تبعد شبح التصعيد عن إدلب

اجتماع سابق حول مستقبل سوريا في أستانا (أرشيفية - رويترز)
اجتماع سابق حول مستقبل سوريا في أستانا (أرشيفية - رويترز)

اختتمت في العاصمة الكازاخية، الخميس، أعمال الجولة الـ 21 من المفاوضات حول سوريا بحضور وفود البلدان الثلاثة المنخرطة في «مسار أستانا» (روسيا وتركيا وإيران) وممثلي الحكومة والمعارضة في سوريا، وبمشاركة المبعوث الدولي إلى سوريا غير بيدرسن على رأس وفد يمثل الأمم المتحدة، وكذلك الصليب الأحمر الدولي ووفود البلدان التي تشارك بصفة مراقب، وعلى رأسها لبنان والأردن والعراق.

وأعلن مبعوث الرئيس الروسي إلى سوريا، ألكسندر لافرينتيف، الذي يترأس وفد بلاده أن المحادثات «كانت مكثفة ومعمقة»، معربا عن ارتياح لمسار الحوار.

وعكس البيان الختامي للجولة، الذي أصدرته البلدان الثلاثة الضامنة، العناصر الأساسية التي تقاطعت وجهات النظر فيها.

ومع أن «مسار أستانا» كان تعرض لانتقادات عدّة خلال الفترة الماضية، وصلت إلى إعلان «وفاته» بعد الجولة الماضية التي كانت نتائجها محدودة للغاية، كما أن دبلوماسيين تحدثوا عن عدم توقع «اختراقات» من جولات الحوار الحالية، إلا أن التفاهمات التي بدا أنها نجمت عن اللقاء دلت على «استمرار حيوية وأهمية صيغة أستانا»، كما قال دبلوماسي روسي.

وانعكست هذه القناعة في البيان الختامي، إذ شددت الدول الضامنة (روسيا وإيران وتركيا) على «الدور القيادي لعملية أستانا في تعزيز التسوية السورية»، وأعربت عن قلقها العميق إزاء الكارثة الإنسانية في غزة، ودعت إلى وقف إطلاق النار.

ووفقا للبيان فقد «استعرضت الدول المنضوية في صيغة أستانا الوضع في العالم والمنطقة»، وشددت على «الدور القيادي لعملية أستانا في تعزيز الحل المستدام للأزمة السورية».

جانب من أعمال اجتماع «أستانا 21» (الأناضول)

وأدان المجتمعون «جميع الهجمات العسكرية الإسرائيلية ضد سوريا، وعدّوها انتهاكا للقانون الدولي والقانون الإنساني الدولي وسيادة سوريا وسلامتها الإقليمية».

وشددت الدول الثلاث على أهمية مواصلة الجهود لـ«تطبيع العلاقات بين تركيا وسوريا على أساس الاحترام المتبادل وحسن النية وحسن الجوار، من أجل مكافحة الإرهاب وتهيئة الظروف المناسبة لعودة السوريين الآمنة والطوعية والكريمة بمشاركة مكتب الأمم المتحدة ومفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، وتكثيف العملية السياسية وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى جميع السوريين. ورحبت الدول بالجهود التي تبذلها الجهات الضامنة لصيغة أستانا ضمن الصيغة الرباعية لتحقيق هذه الغاية».

لكن اللافت أنه في مقابل إشارة البيان الختامي إلى «الصيغة الرباعية» (البلدان الثلاثة الضامنة والحكومة السورية) فإن مجريات الجولة دلت على فشل هذه الصيغة على خلفية تمسك كل من دمشق وأنقرة بمواقفهما السابقة.

وأكد البيان الختامي على «الدور المهم للجنة الدستورية السورية، التي أنشئت بمساهمة حاسمة من الدول الضامنة لصيغة أستانا، في تنفيذ قرارات مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي بشأن تعزيز التسوية السياسية للصراع السوري. كما دعت الدول إلى الإسراع باستئناف أنشطة المؤتمر وعقد الجلسة التاسعة لهيئته التحريرية بنهج بناء من الأطراف السورية، مؤكدين مجددا تصميمهم على دعم عمل اللجنة من خلال التفاعل المستمر مع أطرافها السورية والمبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسن».

واستعرضت الدول الثلاث وفقا للبيان «بالتفصيل الوضع في منطقة خفض التصعيد بإدلب وشددت على ضرورة الحفاظ على الهدوء على الأرض من خلال التنفيذ الكامل لجميع الاتفاقات القائمة بشأن إدلب».

كما أعرب المجتمعون عن قلق بسبب وجود وأنشطة الجماعات الإرهابية التي تهدد المدنيين داخل منطقة خفض التصعيد وخارجها.

المبعوث الأممي غير بيدرسن خلال اجتماعات اللجنة الدستورية السورية في جنيف يونيو الماضي (الأمم المتحدة)

ووافقت الدول على بذل المزيد من الجهود لضمان التطبيع المستدام للوضع في منطقة خفض التصعيد وما حولها بما في ذلك ما يتعلق بالوضع الإنساني.

كما شددت الدول على ضرورة وقف الحرب على غزة وعلى أهمية منع توسيع منطقة المواجهة المسلحة وجذب دول أخرى في المنطقة إليها.

وبدا أن صيغة البيان حملت توافقا بين الدول الثلاث على العناصر الرئيسية التي كانت مطروحة على أجندة الحوار. وخصوصا ما يتعلق بتثبيت وقف النار في سوريا ومنع التصعيد. وتعد هذه النتيجة الأساسية للقاء، وهو أمر كان وفد المعارضة السورية برئاسة أحمد طعمة قد ركز عليه خلال المحادثات مع الوفود الحاضرة.

وأبلغ طعمة «الشرق الأوسط» أنه تلقى تأكيدات لوجود تفاهمات روسية - تركية - إيرانية على منع وقوع أي تصعيد عسكري في منطقة إدلب، وعلى أن تتم معالجة أي انتهاكات لوقف النار بشكل مشترك.

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يلتقي مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا غير بيدرسن في موسكو 8 يونيو الماضي (أ.ف.ب)

كما أفاد بأنه لمس أن «التوافقات في هذا الشأن بدت مطمئنة وكبيرة»، وزاد أن الوفد الروسي أكد على ذلك خلال لقاء مع وفد المعارضة.

وأشاد طعمة بتحقيق تقدم حول ملف اللجنة الدستورية. لكنه في المقابل أعرب عن أسفه بسبب غياب أي تقدم في ملف المعتقلين الذي كان بدوره على رأس أولويات وفد المعارضة. وقال طعمة إن جلسة خاصة انعقدت في إطار الجولة لـ«مجموعة العمل» الخاصة بملف المعتقلين بحضور الأمم المتحدة وممثلي البلدان الضامنة والصليب الأحمر الدولي و«لم ينجح الحاضرون في حمل النظام على التقدم بأي خطوة على صعيد الإفراج عن المعتقلين أو حتى الإفصاح عن مصير بعض المغيبين». علما بأن المعارضة كانت تستعد وفقا لتفاهمات مع الصليب الأحمر على إجراء عملية تبادل للمعتقلين في إطار هذه الجولة.

وفي ملف اللجنة الدستورية علمت «الشرق الأوسط» أن بيدرسن قد يتوجه قريبا في زيارة إلى دمشق لبحث ترتيبات استئناف عمل اللجنة، وفي حال تمت هذه الزيارة ستكون الأولى للمبعوث الدولي بعد مماطلة طويلة من جانب دمشق.

وكان لافتا في اختتام الجولة، أن تركيز الجانب الروسي انصب على تجديد توجيه انتقادات كبيرة للوجود الأميركي في سوريا.

وقال لافرينتيف خلال مؤتمر صحافي ختامي إن «الولايات المتحدة هي السبب الرئيسي لعدم الاستقرار في سوريا عبر مواصلة وجودها العسكري غير الشرعي، ودعمها التنظيمات الإرهابية والمجموعات الانفصالية».

وأشار إلى أن «الشعب السوري الذي لا يزال يعاني جراء الإجراءات الاقتصادية القسرية التي تفرضها الولايات المتحدة والدول الأوروبية» عليه أيضا «مواجهة الأجندات الانفصالية للمجموعات المدعومة أميركياً».

أضاف أن هذا الموقف تتقاسمه روسيا وإيران و«هناك موقف مشابه لتركيا بأن الوجود الأميركي غير الشرعي في منطقتي الجزيرة والتنف، هو السبب الرئيس لعدم الاستقرار المستمر في سوريا».

وحض المبعوث الروسي المكون الكردي في سوريا على فتح قنوات اتصال مباشرة مع دمشق.

وهو الأمر الذي كان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أكد عليه خلال مشاركته في جلسة لمجلس الأمن قبل يومين. وقال لافروف إن «القوى السياسية بين الأكراد السوريين الذين يعتمدون على حماية الولايات المتحدة، تراهن على رهان زائف أخلاقيا وسياسيا».

وتعليقا على المعلومات التي تفيد بأن الولايات المتحدة تدرس إمكانية الانسحاب الكامل للقوات من سوريا، ذكّر لافروف بأن «هذا حدث بالفعل مرة واحدة»، عندما أعلن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب عن نية مماثلة.

وقال لافروف: «بعد أيام قليلة، غيرت الولايات المتحدة رأيها، وتوقف ممثلو قوات سوريا الديمقراطية، الأكراد، عن مطالبتنا بالمساعدة على إقامة اتصالات مع دمشق وعادوا على الفور إلى تحت الجناح الأميركي».


مقالات ذات صلة

قافلة ثالثة من مخيمات الجزيرة السورية الى رأس العين

العالم العربي طفلتان تبدو عليهما بهجة العودة إلى بيتهما في رأس العين/ سري كانية (مركز رأس العين الإعلامي)

قافلة ثالثة من مخيمات الجزيرة السورية الى رأس العين

وصلت عائلات القافلة الثالثة للنازحين في الجزيرة السورية، اليوم الاثنين، إلى مناطقها الأصلية في الريف الجنوبي لرأس العين/ سري كانيه (شمال غربي محافظة الحسكة).

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي جمال طرابلسي الذي ألقت إدارة مكافحة الإرهاب القبض عليه مع علي كيالي المعروف بـ”معراج أورال” زعيم ميليشيا “المقاومة السورية” وشغل جمال طرابلسي منصب نائبه (قوى الأمن الداخلي)

سوريا: القبض على «نائب» جزار بانياس

ألقي القبض على جمال طرابلسي، نائب علي كيالي المعروف بـ«معراج أورال» قائد ميليشيا «المقاومة السورية» التي ارتكبت مجازر مروعة أبرزها مجزرة بانياس عام 2013.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جنود ينتظرون عند مدخل قرية زوطر الغربية جنوب لبنان مع انتشار الجيش اللبناني في المنطقة عقب انسحاب القوات الإسرائيلية 21 يوليو الماضي (رويترز)

لبنان يبدأ ملاحقة سليمان الأسد بحيازة أسلحة حربية ومخدرات

تخطّى توقيف سليمان هلال الأسد في لبنان إطاره القضائي، وملاحقته باتهامات تتصل بـ«حيازة الأسلحة الحربية والاتجار بها وبالمخدرات».

يوسف دياب (بيروت)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري خلال لقاء نظيره السوري على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في يونيو الماضي (صفحة وزارة الخارجية المصرية على فيسبوك)

مصر ترفض التوغلات الإسرائيلية المتكررة بالجنوب السوري

أدانت مصر بأشد العبارات استمرار الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية، واستئناف أعمال الحفر والإنشاءات العسكرية في ريف القنيطرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي قيادة الأمن الداخلي بريف حماة انتشرت في مدينة السقيلبية وأوقفت عدداً من المتورطين بالمشاجرة ليلة السبت - الأحد (الأمن العام في حماة)

انتشار أمني يضبط التوتر في السقيلبية والسلطات تتعهد بفرض القانون

تمكنت قوى الأمن الداخلي في محافظة حماة وسط سوريا من احتواء توتر أمني شهده شارع المشوار بمدينة السقيلبية بسبب مشاجرة بين شبان من المدينة وآخرين من قلعة المضيق.

سعاد جرَوس (دمشق)

تصعيد في الضفة مع بدء إغلاقها في ذكرى 7 أكتوبر

قوات إسرائيلية أثناء هدم مبنى فلسطيني قرب الخليل في الضفة الغربية يوم 5 أكتوبر 2026 (رويترز)
قوات إسرائيلية أثناء هدم مبنى فلسطيني قرب الخليل في الضفة الغربية يوم 5 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

تصعيد في الضفة مع بدء إغلاقها في ذكرى 7 أكتوبر

قوات إسرائيلية أثناء هدم مبنى فلسطيني قرب الخليل في الضفة الغربية يوم 5 أكتوبر 2026 (رويترز)
قوات إسرائيلية أثناء هدم مبنى فلسطيني قرب الخليل في الضفة الغربية يوم 5 أكتوبر 2026 (رويترز)

قتل الجيش الإسرائيلي، اليوم (الاثنين)، فلسطينياً وأصاب آخرين، في الضفة الغربية، في ظل تصعيد أمني مع بداية الإغلاق الشامل للضفة في الذكرى الثالثة لحرب السابع من أكتوبر (تشرين الأول).

وأطلق الجيش الإسرائيلي الرصاص على سيارة قرب مدخل بلدة بني نعيم جنوب شرقي الخليل، جنوب الضفة، بزعم محاولة تنفيذ عملية دهس، فقتل رجلاً وأصاب اثنين. وذكرت مصادر محلية أن محمود ادعيس (41 عاماً) من مدينة يطا جنوب الخليل، هو الذي قُتل فوراً بالرصاص.

واتهم الفلسطينيون الجيش بإعدامه بدم بارد لمجرد الاشتباه بأن سيارته مسرعة.

وقالت مصادر أمنية ومحلية لوكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية إن قوات الاحتلال أطلقت الرصاص الحي بشكل مباشر صوب المركبة قرب مدخل بني نعيم، بينما قال الهلال الأحمر إن قوات الاحتلال منعت طواقمه في الخليل من الوصول إلى الإصابات داخل المركبة.

ورد الجيش الإسرائيلي ببيان لاحق قال فيه إن قوة تابعة له رصدت مركبة تسير بشكل مشبوه وعلى متنها ثلاثة من المشتبه بهم. وبعد ذلك، أسرعت المركبة باتجاه مركبة تابعة للقوة واصطدمت بها.

وأضاف البيان: «لم تقع إصابات في صفوف قواتنا. ورداً على ذلك، أطلقت القوة النار باتجاه المركبة المشبوهة، وتم رصد إصابات. وباشرت القوات عمليات تمشيط وأغلقت الطرق والقرى القريبة».

وزادت الحادثة من التوتر في الضفة الغربية التي شهدت اشتباكات ومداهمات واغتيالات إسرائيلية وعمليات فلسطينية في الأسابيع القليلة الماضية.

وأغلقت السلطات الإسرائيلية الضفة الغربية إلى جانب المعابر المؤدية إلى قطاع غزة، الاثنين، في إجراء يستمر حتى الأربعاء، بالتزامن مع الذكرى الثالثة لهجمات السابع من أكتوبر 2023.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في بيان، إنه أقر توصية الجيش بفرض الإغلاق في ضوء ما وصفه بـ«تقييم الوضع الأمني»، وبمناسبة إحياء ذكرى أحداث السابع من أكتوبر.

وتخشى إسرائيل تصعيداً فلسطينياً في ذكرى هجمات أكتوبر، وتخشى أيضاً بحسب وسائل إعلام إسرائيلية أن يشارك رجال أمن فلسطينيون في مثل هذه الهجمات، وهو سيناريو قديم.

وقالت القناة 14 الإسرائيلية إن الجيش والمؤسسة الأمنية يستعدان لعرض الخطط العملياتية لقيادة المنطقة الوسطى للتعامل مع سيناريو «انقلاب البنادق» على اجتماع المجلس الوزاري والأمني المقبل.

و«انقلاب البنادق» هو المصطلح الذي تطلقه الأجهزة الأمنية على سيناريو تستخدم فيه السلطة بنادقها ضد إسرائيل والمستوطنين.


الجيش اللبناني يجري تدريبات مشتركة مع الجيش البريطاني

عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية خلال جولة إعلامية للاطلاع على عمليات الجيش في منطقة جنوب الليطاني ببلدة علما الشعب قرب الحدود مع إسرائيل يوم 28 نوفمبر 2025 (رويترز)
عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية خلال جولة إعلامية للاطلاع على عمليات الجيش في منطقة جنوب الليطاني ببلدة علما الشعب قرب الحدود مع إسرائيل يوم 28 نوفمبر 2025 (رويترز)
TT

الجيش اللبناني يجري تدريبات مشتركة مع الجيش البريطاني

عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية خلال جولة إعلامية للاطلاع على عمليات الجيش في منطقة جنوب الليطاني ببلدة علما الشعب قرب الحدود مع إسرائيل يوم 28 نوفمبر 2025 (رويترز)
عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية خلال جولة إعلامية للاطلاع على عمليات الجيش في منطقة جنوب الليطاني ببلدة علما الشعب قرب الحدود مع إسرائيل يوم 28 نوفمبر 2025 (رويترز)

يبدأ الجيش اللبناني، الثلاثاء، تدريبات مشتركة مع الجيش البريطاني، وفق ما أعلن الطرفان، على أن يشارك عناصر من جيوش الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا في هذه المناورة غير المعتادة التي تمتد 3 أسابيع، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

تُعدّ بريطانيا من الدول الرئيسية الداعمة للجيش اللبناني، وقدّمت له على مدى سنوات دعماً بملايين الدولارات شمل تدريب آلاف العناصر على تأمين الحدود البرية.

وذكر الجيش في بيان، الاثنين، أن التمارين المشتركة التي تحمل اسم «بيغاسوس سيدار 2026» تهدف إلى «تعزيز قدرات الوحدات العسكرية، ورفع مستوى التنسيق بين الجيش اللبناني والجيوش الصديقة».

وتشمل المناورة، وفق الجيش، «تدريبات على الاستطلاع والدَّهم والقتال في الأماكن المبنية، وعمليات إنزال بالطوافة، ورمايات بـ(الهاون)».

وبالإضافة إلى الجنود البريطانيين من الفوج الملكي الاسكوتلندي وعناصر من الفوج المجوقل في الجيش اللبناني، يشارك في التدريب «عناصر من جيشي الولايات المتحدة وإيطاليا، مع انضمام عناصر من جيوش فرنسا وقبرص وقطر والأردن كمراقبين»، وفق ما أعلنت السفارة البريطانية في بيان، الاثنين.

وقالت إن التدريب الذي سبقه تمرين مماثل في عام 2023، يهدف إلى «تعزيز العلاقات الدفاعية الثنائية والارتقاء بالجهوزية العملانية».

ويواجه الجيش اللبناني الذي يعاني من نقص في العديد والعتاد والقدرات التقنية تحدّيات عديدة لجهة استكمال انتشاره في جنوب لبنان، بموجب اتفاق إطار أبرمته الحكومتان اللبنانية والإسرائيلية في يونيو (حزيران) الماضي، نص على نزع سلاح «حزب الله»، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب.

ويطالب لبنان المجتمع الدولي بدعم إضافي للجيش ليتمكن من استكمال انتشاره، وتنفيذ مهامه.

وإثر حرب مدمرة خاضها «حزب الله» وإسرائيل لأكثر من عام، وانتهت بوقف لإطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أقرّت الحكومة اللبنانية خطة لنزع سلاح «حزب الله»، نصّت على حصر السلاح بيد القوى الشرعية، وكلّفت الجيش تنفيذها. وتلقى لبنان إثر ذلك وعوداً دولية بدعم الجيش لأداء مهماته.


إسرائيل تحيي ذكرى 7 أكتوبر... وسط هرب من «الحقيقة الكاملة»

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث في احتفال لاستذكار ضحايا هجوم 7 أكتوبر في القدس يوم 5 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث في احتفال لاستذكار ضحايا هجوم 7 أكتوبر في القدس يوم 5 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تحيي ذكرى 7 أكتوبر... وسط هرب من «الحقيقة الكاملة»

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث في احتفال لاستذكار ضحايا هجوم 7 أكتوبر في القدس يوم 5 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث في احتفال لاستذكار ضحايا هجوم 7 أكتوبر في القدس يوم 5 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

ابتداء من الاثنين تنطلق في إسرائيل فعاليات واسعة جداً لاستذكار أحداث هجوم حركة «حماس» على 21 بلدة و11 موقعاً عسكرياً في محيط قطاع غزة، والذي وقع في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) قبل ثلاث سنوات. والجمهور الإسرائيلي، الذي وقف موحداً في مواجهة الهجوم وساند الحكومة في ردها الشرس على قطاع غزة واتساع حلقة الحرب إلى جبهات أخرى، يجد نفسه أمام صراعات ما بين معسكرات متضادة، كل منها يبرز شيئاً مختلفاً؛ فالجيش يعترف بإخفاقاته لكنه يضيف أنه حقق انتصاراً على الأعداء. والحكومة، برئاسة بنيامين نتنياهو، تتهرب من أي مسؤولية وتتهم أجهزة الأمن بالمسؤولية عن الإخفاق، وترفض المطلب الواسع الذي يؤيده 63 في المائة من الجمهور بإقامة لجنة تحقيق رسمية ذات صلاحيات. والمعارضة تتهم الحكومة، في حين ترفض جهات مستقلة إقامة برامج بحضور نتنياهو ووزرائه.

ولم يعد الناطقون باسم هذه التيارات المتضاربة يخفون خلافاتهم، لكنهم في موضوع واحد متفقون حتى الآن، وهو إبراز الألم اليهودي مما جرى، بلا تطرق للآلام الرهيبة التي عانى ويعاني منها الفلسطينيون جراء الانتقام الإسرائيلي من هجوم 7 أكتوبر.

مشاركون في احتفال بذكرى هجوم 7 أكتوبر 2023 في القدس الاثنين (رويترز)

ولا شك أن هناك آلاماً كبيرة في الطرف الإسرائيلي، ما من شك في ذلك، خصوصاً في البلدات التي قُتل وجرح فيها مدنيون من الرجال والنساء والشيوخ والعجز. وبين هؤلاء أناس اشتهروا بنشاطات عديدة لأجل السلام، مثل المجموعات التي كانت تهتم بنقل مرضى من غزة إلى المستشفيات الإسرائيلية للعلاج، فتم قتل هؤلاء بلا رحمة. وهناك أيضاً الشباب الذين كانوا يشاركون في الحفل الموسيقي الضخم «نوفا»، فتحول حفلهم إلى مأساة جماعية، فقُتل منهم 374، وخُطف العشرات إلى غزة. وهناك مواطنون عرب من «فلسطينيي 48» قُتلوا أيضاً في الهجوم، وبينهم مواطنون من النقب قُصفت بيوتهم بصواريخ «حماس». وهناك عمّال كانوا يعملون في البلدات اليهودية، بما في ذلك واحدة محجّبة قُتلت لأنها قالت للمهاجمين «حرام عليكو. مش هيك الإسلام»، وآخر يعمل ممرضاً في سيارة إسعاف قتلوه لأنه كان يسعف أحد المصابين اليهود.

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يحمل إكليل ورد في احتفال لاستذكار ضحايا هجوم 7 أكتوبر في مقبرة بالقدس يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

لكن في إسرائيل هناك من يتعامل مع هذا الألم باعتباره واقعاً، ويوثقه للتاريخ، وهناك من يستغله بلا رحمة، ليجعله وقوداً للكراهية والعنف والوعد بحرب أبدية للأجيال القادمة، وكل ذلك من خلال تجاهل تام للطرف الفلسطيني الذي تعرّض لجرائم حرب وقتل جماعي وتهجير.

العودة إلى أكتوبر

أحد أبرز المواقع التي تحيي الذكرى هو متحف 7 أكتوبر في منطقة غليلوت، الذي يُعرف رسمياً باسم معرض «العودة إلى أكتوبر»، وهو معرض وثائقي دائم أُقيم داخل مركز تراث الاستخبارات الإسرائيلية على اسم مئير عميت. ومع أنه ما زال في طور البناء، فقد زاره حتى الآن عشرات ألوف الإسرائيليين (من جيل 16 عاماً وما فوق فقط بسبب المحتوى القاسي المعروض فيه)، ومئات الوفود الأجنبية لدبلوماسيين وجنرالات ورؤساء أركان جيوش من مختلف دول العالم.

ويقوم هذا المتحف على مساحة تقارب 600 متر مربع، وتم بناء قسم منه تحت الأرض في مساحات خرسانية تحاكي شكل وتصميم أنفاق «حماس» في غزة. ويتألف من عدة غرف، كل منها تعرض قصة أو موضوعاً مختلفاً. تبدأ بالوثائق والمقتنيات التي غنمها الجيش الإسرائيلي خلال احتلال قطاع غزة ومواقع «حماس» و«الجهاد»، وتلك التي تم العثور عليها مع مقاتلي النخبة التابعين لـ«حماس». تتضمن هذه الوثائق خرائط تفصيلية للمستوطنات وخططاً هجومية مكتوبة بخط اليد (من بينها وثائق وتوجيهات تعود ليحيى السنوار). كما تتضمن أسلحة ومعدات عسكرية استُخدمت في الهجوم (آر بي جي، كلاشنيكوف، وغير ذلك). وهناك أيضاً آليات تابعة لمهاجمي «حماس» مثل دراجات نارية وسيارات دفع رباعي (تويوتا)، بالإضافة إلى سيارات تم الاستيلاء عليها من موقع حفل «نوفا».

عناصر من «حماس» مع رهينة إسرائيلي في دير البلح وسط قطاع غزة يوم 8 فبراير 2025 (رويترز)

وفي قسم التجربة السمعية والبصرية، يعرض المتحف عبر تقنيات تفاعلية وشاشات عملاقة تسلسلاً زمنياً للأحداث وفق الرواية الإسرائيلية من خلال فيديوهات وتسجيلات صوتية أصلية لعمليات الاقتحام والاشتباكات التي دارت في مستوطنات غلاف غزة. وهي تُعرض بشكل انتقائي؛ إذ إن هناك صوراً قاسية للغاية تظهر فيها أطراف مبتورة ورأس مقطوع وجثث محروقة... لا تُعرض إلا على أناس أشداء يستطيعون تحملها.

كعربي فلسطيني ينتمي إلى الشعب الذي ينتمي إليه منفذو تلك الجرائم، تُصعق وتصاب بالخجل والألم الشديدين. وتغادر بشعور من القلق على مستقبل الأجيال القادمة. وتتساءل: كيف يمكن التخلص من مثل هذه التقاليد الوحشية؟ لكن في الوقت ذاته، تخرج بانطباع أن التجاهل التام في هذا المتحف للرد الإسرائيلي، الذي اتسم بسياسة «الأرض المحروقة»، يجعل الحدث بداية وليس نهاية لحرب يُراد لها أن تبقى حرباً مفتوحة إلى أجيال.

يُغفل المعرض أن الشعبين، الإسرائيلي والفلسطيني، يحتاجان إلى رؤية موضوعية، لا تتهرب من الواقع، بل تعرض الروايتين، وتُجري مراجعة صادقة لما جرى في 7 أكتوبر وما سبقه وما تلاه. فالكارثة لم تبدأ في هذا التاريخ فحسب. وهناك حاجة ماسة لأن يُفتح الباب لخطط ومشاريع توقف الحرب، وتنقل أبناء الشعبين إلى مستقبل تُحقن فيه دماء الطرفين، وترسم مستقبلاً للأجيال الجديدة، فيه الحياة هي العنوان، والسلام هو المصير.