إعادة هيكلة الديون في أفريقيا تسير ببطء

القارة السمراء تدفع ثمناً مضاعفاً للأزمات المالية العالمية

قطار متهالك يسير ببطء في أحد الأحياء الفقيرة في كينيا (رويترز)
قطار متهالك يسير ببطء في أحد الأحياء الفقيرة في كينيا (رويترز)
TT

إعادة هيكلة الديون في أفريقيا تسير ببطء

قطار متهالك يسير ببطء في أحد الأحياء الفقيرة في كينيا (رويترز)
قطار متهالك يسير ببطء في أحد الأحياء الفقيرة في كينيا (رويترز)

في حين يثقل تضخم الديون كاهل النمو الاقتصادي العالمي، يحذر الخبراء من أن منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا حيث يعاني كثير من البلدان من التخلف عن السداد، تشهد أسوأ أزمة لها على الإطلاق.

يقلص ارتفاع أسعار الفائدة والإفراط في الاستدانة قدرة البلدان على تمويل تنميتها، كما أكد عدد من الزعماء الأفارقة في كلماتهم في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

أصول الأزمة

في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية في الفترة 2007 - 2009، أبقت البنوك المركزية في البلدان الصناعية عموماً أسعار الفائدة منخفضة، وتوفرت لبلدان الجنوب العالمي التي كانت تقترض في الغالب على المستوى الثنائي أو من المؤسسات المالية الدولية، إمكانية غير مسبوقة للوصول إلى الأسواق المالية.

وقالت الاقتصادية الكينية عطية واريس، التي تعمل أيضاً خبيرة مستقلة لدى الأمم المتحدة، إن «كثيراً من الدول النامية التي كانت في حاجة ماسة إلى ضخ الأموال في اقتصاداتها سارعت إلى الاستعانة بهذه القروض منخفضة التكلفة، في أسواق لا تخضع لقواعد أو تنظيم».

وأضافت، وفقاً لوكالة «فرانس برس»، أن صندوق النقد الدولي شجّعها على ذلك. وساعدت هذه الأموال في إعطاء دفعة كان كثير من الاقتصادات الأفريقية في أمسّ الحاجة إليها. لكن البلدان التي تعتمد على تصدير المواد الخام مثل النفط والمعادن والخشب تعرضت لضغوط شديدة عندما بدأت أسعار السلع الأساسية في الانخفاض عام 2015، ثم زادت جائحة «كوفيد» من تفاقم الوضع.

وأدى انخفاض أسعار السلع الأساسية إلى تقليص إيرادات العملات الأجنبية التي تحتاجها هذه البلدان لتسديد خدمة قروضها. وحصل كثير من البلدان على قروض جديدة لسداد ديونها القديمة، ما أدخلها في دوامة من الديون تحول دون الاستثمار في البنية التحتية والأنظمة الصحية والتعليم.

وقدّر البنك الدولي العام الماضي أن 22 دولة معرضة لخطر الإفراط في المديونية، بما في ذلك غانا وزامبيا اللتين تخلفتا عن سداد ديونهما الخارجية.

وتضم القائمة أيضاً مالاوي وتشاد اللتين لديهما برنامج مساعدة من صندوق النقد الدولي. وتتفاوض إثيوبيا التي أعلنت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني إفلاسها جزئياً في ديسمبر (كانون الأول)، على حزمة إنقاذ.

دائنون يعرقلون الصفقات

في عام 2022، بلغ الدين العام الأفريقي 1.8 تريليون دولار مسجلاً قفزة بنسبة 183 في المائة عن عام 2010، بعد أن نما بمعدل 4 أضعاف أكثر من الناتج الاقتصادي، وفقاً لأرقام «الأمم المتحدة».

ويسعى الدائنون العامون الغربيون المنضوون في مجموعة العشرين وكثير من الشركاء إلى التوصل إلى إعادة هيكلة ديون 40 دولة أفريقية. وبين هؤلاء الصين المتهمة بتقديم قروض ميسرة لمشاريع البنية التحتية، لا تستطيع هذه البلدان تسديدها.

بُنيت صفقات الديون هذه على مبدأ المساواة في المعاملة، ومشاركة جميع الدائنين. لكن يصعب على الدول الأفريقية إبرام اتفاقات، لأن المقرضين من القطاع الخاص غالباً ما يرفضون الشروط.

وفي السنوات الأخيرة، صار المستثمرون من القطاع الخاص - بما في ذلك صناديق الاستثمار وصناديق التقاعد - أكبر دائني الدول الأفريقية.

وفي عام 2022، كان هؤلاء يمتلكون 42 في المائة من الدين العام الخارجي الأفريقي، مقارنة مع 38 في المائة للمؤسسات المتعددة الأطراف، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، و20 في المائة لدول أخرى.

ومن بين الـ20 في المائة التي تمتلكها الدول الأخرى، كانت الصين أكبر مقرض لأفريقيا، وتمتلك وحدها 11 في المائة.

قال ماثيو باريس، منسق البرنامج الفرنسي للديون والتنمية، الذي يجمع أكثر من 20 مجموعة مدنية للضغط من أجل إعادة هيكلة الديون على نحو مستدام: «يتم تقديم الصين في كثير من الأحيان على أنها الطرف الشرير، لكنها أدركت أهمية توفير جرعة هواء للدول التي تعاني من مشكلات عميقة، وهي تشارك الآن في الجهد المبذول، حتى إن استغرق ذلك بعض الوقت».

ومن المفيد هنا النظر إلى حالة زامبيا. فبعد عامين من المفاوضات الصعبة، توصلت في يونيو (حزيران) 2023 إلى اتفاق قُدم على أنه «تاريخي» لإعادة هيكلة ديونها. لكنه لا يتعلق سوى بـ6.3 مليار دولار من ديونها الخارجية، البالغة 18.6 مليار دولار.

والأسوأ من ذلك أنه لن يدخل حيز التنفيذ إلا إذا وافق المقرضون من القطاع الخاص على شروط مماثلة، في حين رفضت ذلك شركة إدارة الأصول الأميركية «بلاك روك BlackRock»، وهي من كبار مالكي الديون الخاصة التي اقترضتها زامبيا.

وقالت الخبيرة الاقتصادية واريس: «لقد عرقلت شركة (بلاك روك) عملية المفاوضات بكاملها» بالنسبة لزامبيا.

التضخم والفقر

قال الخبير الاقتصادي الغاني تشارلز أبوغري، وفق وكالة «فرانس برس»، إنه مع زيادة أسعار الفائدة التي تثقل المعاناة بسبب الديون المتراكمة، «تشهد الدول الأفريقية تقلبات خطيرة في أسعار العملات فيما يزداد التضخم باستمرار».

وأضاف أن «الأثر اليومي مأساوي بالنسبة للفقراء، فنحن نشهد تضخماً في تكاليف النقل والغذاء والسكن، في حين أن الأجور الفعلية راكدة».

ورأى أمين إدريس أدوم، أحد كبار المديرين في وكالة التنمية التابعة للاتحاد الأفريقي، أن «المسألة الحقيقية حالياً ليست معرفة كيف يمكن الخروج من تحت وطأة الديون، بل كيف يمكن الاقتراض بذكاء». وفي حين أن إعادة هيكلة الديون مهمة، فإنه «لا ينبغي أن يتم ذلك على حساب الاستثمار في البنية التحتية والصحة والطاقة» لدعم تنمية الاقتصادات والمجتمعات.


مقالات ذات صلة

الدبيبة يبحث مع مسؤول بقوة «أفريكوم» الشراكة مع أميركا لدعم الاستقرار

شمال افريقيا رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة (الوحدة)

الدبيبة يبحث مع مسؤول بقوة «أفريكوم» الشراكة مع أميركا لدعم الاستقرار

رئيس حكومة الوحدة الوطنية يبحث مع نائب قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) آفاق تعزيز التعاون العسكري والأمني بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ إريك برينس مؤسس شركة «بلاك ووتر» (رويترز)

حليف لترمب ساعد جيش الكونغو على تأمين مدينة استراتيجية

قالت 4 مصادر مطلعة إن إريك برينس، مؤسس شركة «بلاك ووتر»، أرسل قوة أمنية خاصة لتشغيل طائرات مسيرة ومساعدة جيش جمهورية الكونغو الديمقراطية على تأمين أوفيرا.

«الشرق الأوسط» (كينشاسا)
أفريقيا مدخل جامعة «الشيخ أنتا ديوب» في داكار عاصمة السنغال (رويترز)

وفاة طالب في جامعة سنغالية عقب مواجهات مع الشرطة

أغلقت السلطات السنغالية حرماً جامعياً في داكار؛ بعد وفاة طالب، الاثنين، عقب اشتباكات بين الطلاب وقوات الأمن، بينما أكدت رابطة طلابية أنّه تُوفّيَ بسبب التعذيب.

«الشرق الأوسط» (داكار)
الاقتصاد منظر عام لمحطة الحاويات في ميناء ديربان بجنوب أفريقيا (رويترز)

ترمب يمدّد برنامج التجارة المعفاة من الرسوم الجمركية مع أفريقيا

وقَّع الرئيس دونالد ترمب على قانون يمدّد برنامج التجارة التفضيلية لأفريقيا حتى 31 ديسمبر (كانون الأول)، على أن يكون ساري المفعول بأثر رجعي إلى 30 سبتمبر (أيلول)

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أفريقيا رئيس جنوب السودان سلفا كير (أرشيفية - رويترز)

رئيس جنوب السودان يعين سياسياً راحلاً في لجنة الانتخابات

عيّن رئيس جنوب السودان سلفا كير رجلاً متوفى في لجنة للتحضير للانتخابات بالبلاد.

«الشرق الأوسط» (جوبا)

تركيا: «المركزي» يرفع توقعاته للتضخم بنهاية العام إلى حدود 21 %

رئيس البنك المركزي التركي فاتح كاراهان خلال عرض التقرير الفصلي حول التضخم (موقع البنك المركزي)
رئيس البنك المركزي التركي فاتح كاراهان خلال عرض التقرير الفصلي حول التضخم (موقع البنك المركزي)
TT

تركيا: «المركزي» يرفع توقعاته للتضخم بنهاية العام إلى حدود 21 %

رئيس البنك المركزي التركي فاتح كاراهان خلال عرض التقرير الفصلي حول التضخم (موقع البنك المركزي)
رئيس البنك المركزي التركي فاتح كاراهان خلال عرض التقرير الفصلي حول التضخم (موقع البنك المركزي)

عدل البنك المركزي التركي توقعاته السابقة للتصخم بنهاية العام الحالي بالزيادة مبقياً على هدفه المرحلي.

وقال رئيس البنك فاتح كاراهان، خلال عرضه تقرير التضخم الأول لعام 2026 الخميس، إنه تم رفع نطاق توقعات التضخم لنهاية العام المحدد سابقاً ما بين 13 و19 في المائة إلى ما بين 15 و21 في المائة.

وأضاف أن تقديراتنا لنهاية عام 2027 تشير إلى أن التضخم سينخفض ​​إلى نطاق يتراوح بين 6 و12 في المائة، وأبقينا على هدفنا المرحلي للتضخم عند 16 و9 في المائة لعامي 2026 و2027 على التوالي، وحددنا هدفنا المرحلي لعام 2028 عند 8 في المائة.

وتابع كاراهان : «نتوقع أن ينخفض ​​التضخم إلى 8 في المائة عام 2028 ثم يستقر عند نحو 5 في المائة على المدى المتوسط».

وذكر أن نتائج السياسة النقدية المتشددة، التي طُبقت في عام 2025، بدأت تظهر، و«نرى أن من المفيد أن الجمود الذي طال أمده في بعض بنود الخدمات، مثل الإيجارات، بدأ يُظهر بوادر انكسار خلال هذه الفترة، وسيكون هذا أحد العناصر الأساسية في عملية خفض التضخم».

عوامل مؤثرة

ولفت كاراهان إلى أن عوامل مثل كارثة زلزال 6 فبراير (شباط) 2023، والعوامل الديمغرافية، وربط الإيجارات بمعدلات التضخم السابقة، تسببت في تباطؤ ملحوظ في عملية خفض التضخم، وأن البيانات المعدلة موسمياً والمؤشرات الرائدة للإيجارات، مثل بيانات نظام الدفع بالتجزئة، تظهر أن الاتجاه العام هو الانخفاض، حيث هناك تباطؤ واضح في معدل التضخم الشهري للإيجارات.

إيجارات المساكن أسهمت في تعزيز عملية خفض التضخم (رويترز)

وأضاف أنه من المتوقع أن يتراوح معدل التضخم في الإيجارات بين 30 و36 في المائة في نهاية العام الحالي، لافتاً إلى أن توقعات التضخم مستمرة في التحسن في مختلف القطاعات مقارنة بالفترات السابقة، وهناك انخفاض في توقعات المشاركين في السوق لمختلف آجال الاستحقاق، ومع ذلك، فإن حقيقة أن التوقعات أعلى من توقعات التضخم تشير إلى أن مخاطر انخفاض التضخم لا تزال قائمة.

وعن ارتفاع التضخم الشهري في يناير (كانون الثاني) الماضي بنسبة 4.84 في المائة، قال كاراهان: «يمكننا القول إن آثار التضخم المرتبط بالغذاء بارزة، فقد شهد تضخم أسعار الغذاء تقلبات حادة خلال الأشهر الستة الماضية».

أسعار المواد الغذائية لا تزال تشكل أحد عوامل الضغط على التضخم (إ.ب.أ)

وأضاف أنه كان لتحديد الأسعار تبعاً للوقت في يناير، وميل أسعار الخدمات إلى الارتباط بالتضخم السابق، تأثيرٌ واضح، وظهرت انعكاسات تعديلات الأجور والأسعار المُدارة والضرائب.

وأشار إلى أن الاتجاه الرئيسي في يناير كان أعلى مما توقعناه في التقرير السابق، كما نشهد ارتفاعاً في مؤشر اتجاه التضخم، وتشير هذه التطورات إلى ضرورة مواصلة سياستنا النقدية المتشددة بحزم.

السياسة المتشددة

وشدّد كاراهان على أن البنك المركزي سيواصل تطبيق سياسة نقدية متشددة رغم انخفاض أسعار الفائدة، قائلاً: «في ديسمبر (كانون الأول)، خفضنا سعر الفائدة من 39.5 إلى 38 في المائة، وأشارت البيانات الأولية في يناير إلى ارتفاع طفيف في الاتجاه العام، مع زيادة التضخم الشهري بشكل رئيسي في المواد الغذائية».

وأضاف أنه تم خفض سعر الفائدة في يناير إلى 37 في المائة بمعدل طفيف بلغ 100 نقطة أساس، لكننا نؤكد التزامنا الراسخ بسياسة نقدية متشددة خلال الفترة المقبلة.

البنك المركزي التركي يعتزم الاستمرار في السياسة النقدية المتشددة (الموقع الرسمي للبنك)

وأشار رئيس البنك المركزي التركي إلى أن مخاطر النمو العالمي تتجه نحو الانخفاض، حيث حافظت أسعار السلع غير النفطية على اتجاهها التصاعدي رغم التقلبات، وتستمر التقلبات في أسعار الطاقة، وبينما يختلف مسار التضخم بين الدول، ينعكس ذلك في السياسات النقدية، التي تخضع لمراقبة دقيقة في الدول المتقدمة.

وأضاف أنه بينما يُتوقع أن يواصل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي خفض أسعار الفائدة في عام 2026، إلا أن حجم وتوقيت هذه التخفيضات لا يزالان غير مؤكدين.

وأشار كاراهان إلى أنه على الرغم من الزيادة الطفيفة في عجز الحساب الجاري خلال الربع الثالث من العام الماضي، فإنه ظل متوافقاً مع توقعات الطلب المحلي.

وقال إن نسبة عجز الحساب الجاري إلى الدخل القومي بلغت 1.3 في المائة في الربع الثاني، ونقدر أن هذه النسبة اختتمت العام بأقل بكثير من المتوسطات طويلة الأجل، ونتوقع أن يرتفع عجز الحساب الجاري ارتفاعاً طفيفاً في عام 2026، ولكنه سيستمر في مساره المعتدل.

احتياطيات المركزي

وعن احتياطيات البنك المركزي، قال كاراهان: «مع أننا فرضنا حداً أقصى للنمو بنسبة 2 في المائة لمدة 8 أسابيع على حسابات الودائع الائتمانية الفردية، فقد خفضنا حد نمو القروض الأجنبية إلى 0.1 في المائة، ونلاحظ أن حصة ودائع الليرة التركية قريبة من المتوسطات التاريخية عند 59 في المائة».

ارتفعت الودائع بالليرة التركية إلى مستوى 59 % وهو من المستويات القياسية (د.ب.أ)

وأضاف أنه عند ارتفاع أسعار الذهب، كما حدث مؤخراً، يُلاحظ انخفاض في حصة ودائع الليرة التركية، وقد انخفضت عوائد السندات في جميع آجال الاستحقاق، ونتوقع استمرار هذا الأداء في سوق السندات خلال الأيام المقبلة، كما يستمر التفاؤل بشأن الاحتياطيات.

وتابع أنه بالنظر إلى فترة التقرير السابقة، ارتفع إجمالي الاحتياطيات بمقدار 24 مليار دولار، من 184 مليار دولار إلى 208 مليارات دولار في 6 فبراير الحالي. وارتفع صافي الاحتياطيات، باستثناء عمليات المقايضة، إلى 78 مليار دولار، ومع انخفاض التضخم وتراجع الشكوك بشأنه، نعتقد أن الاتجاه الإيجابي في مؤشرات المخاطر سيستمر.

وذكر كاراهان أن قرارات أسعار الفائدة تنعكس بشكل كبير على تسعير الودائع والقروض، وأنهم اتخذوا خطوات إضافية للحفاظ على نمو الائتمان بما يتماشى مع عملية خفض التضخم، ولتعزيز فاعلية السياسة النقدية، لافتاً إلى أن نسبة ودائع الليرة التركية تدور حول 59 في المائة وهي قريبة من متوسطها التاريخي.


استطلاع: «المركزي الأوروبي» يتجه لإطالة تثبيت الفائدة حتى نهاية العام

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

استطلاع: «المركزي الأوروبي» يتجه لإطالة تثبيت الفائدة حتى نهاية العام

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

أظهر استطلاع رأي أجرته «رويترز» أن البنك المركزي الأوروبي سيُبقي سعر الفائدة على الودائع عند 2 في المائة على الأقل حتى نهاية هذا العام، مُمدِّداً بذلك أطول فترة استقرار لتكاليف الاقتراض منذ حقبة أسعار الفائدة السالبة، على الرغم من تصاعد المخاطر الجيوسياسية.

وانخفض التضخم إلى أدنى مستوى له خلال 16 شهراً، مُسجِّلاً 1.7 في المائة في يناير (كانون الثاني)؛ ما دفع بعض صانعي السياسات إلى التحذير من احتمال تباطؤ نمو الأسعار بشكل مفرط، مع التأكيد على ضرورة استعداد البنك المركزي الأوروبي للتدخل عند الحاجة. ومع ذلك، ظلَّ الاقتصاد متماسكاً.

وأبقى الاقتصاديون المشاركون في الاستطلاع، الذي أُجري في الفترة من 9 إلى 12 فبراير (شباط)، على توقعاتهم الراسخة بشأن استقرار أسعار الفائدة، وتقارب التضخم مع الهدف المحدد، واستقرار النمو. ومن المتوقع أن يحافظ البنك المركزي الأوروبي، الذي أبقى أسعار الفائدة دون تغيير للأسبوع الخامس على التوالي، الأسبوع الماضي، على سياسته النقدية دون تغيير حتى عام 2027 على الأقل، وفقاً لـ66 من أصل 74 خبيراً اقتصادياً، وهي توقعات لم تتغير منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وإذا تحقَّق ذلك، فسيمثل أطول فترة من أسعار الفائدة الثابتة منذ جائحة «كوفيد - 19»، حين امتدت فترة أسعار الفائدة السالبة لعقد تقريباً في مراحلها الأخيرة، قبل أن يدفع التضخم القياسي البنك المركزي الأوروبي لاحقاً إلى رفع أسعار الفائدة بسرعة.

وقال كلاوس فيستيسن، كبير الاقتصاديين لمنطقة اليورو في «بانثيون ماكروإيكونوميكس»: «يتمتع البنك المركزي الأوروبي الآن بوضع مثالي، أشبه بالوضع النموذجي لبنك مركزي... ومن الواضح أن خلال الأشهر الـ6 المقبلة، سيُبقي البنك المركزي الأوروبي على سعر الفائدة عند 2 في المائة أو سيخفضه».

ويتوقع أن ينمو اقتصاد منطقة اليورو، الذي نما بنسبة 0.3 في المائة في الرُّبع الأخير من عام 2025، بوتيرة مماثلة خلال عام 2026، مع انتعاش طفيف لاحقاً. وتشير التوقعات إلى نموه بنسبة 1.2 في المائة هذا العام و1.4 في المائة في عام 2027 بعد ارتفاعه بنسبة 1.5 في المائة العام الماضي، وهي تقديرات مستقرة منذ أغسطس (آب)، مدعومة جزئياً بالتفاؤل بشأن الإنفاق على البنية التحتية.

وأظهر المسح أن التضخم، المستهدف عند 2 في المائة، من المتوقع أن يبلغ متوسطه 1.7 في المائة هذا الرُّبع، ويرتفع إلى 1.9 في المائة في الرُّبع المقبل، ويستقر حول هذا المستوى حتى عام 2026. ومن المتوقع أن يبلغ متوسط التضخم 1.8 في المائة هذا العام و2 في المائة العام المقبل، وهي توقعات لم تتغيَّر بشكل كبير منذ مارس (آذار) من العام الماضي.

وأشار خبراء اقتصاديون في «دويتشه بنك» إلى أن السيناريو الأساسي يفترض قدرة مرونة الاقتصاد المحلي على تعويض نقاط الضعف الخارجية، وتمكين البنك المركزي الأوروبي من الإبقاء على سياسته النقدية دون تغيير، مع التحذير من أن حالة عدم اليقين بشأن مسار السياسة مرتفعة.

ويرى بعض المحللين أن ارتفاع قيمة اليورو قد يزيد من الضغوط على خفض التضخم، لكن من حيث القيمة المرجحة بالتجارة، التي يراقبها البنك المركزي من كثب، لا تظهر العملة أي مؤشرات تحذيرية. وبعد انخفاض اليورو بنحو 1.6 في المائة عن ذروته الأخيرة التي تجاوزت 1.20 دولار، من المتوقع أن يستعيد تلك الخسائر خلال العام المقبل، وفقاً لاستطلاع رأي منفصل أجرته «رويترز».


الصين والمكسيك تجريان محادثات وسط توترات تجارية

امرأة تسير تحت زينة العام الجديد بأحد المعابد في العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)
امرأة تسير تحت زينة العام الجديد بأحد المعابد في العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)
TT

الصين والمكسيك تجريان محادثات وسط توترات تجارية

امرأة تسير تحت زينة العام الجديد بأحد المعابد في العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)
امرأة تسير تحت زينة العام الجديد بأحد المعابد في العاصمة الصينية بكين (أ.ف.ب)

التقى كبيرُ المفاوضين التجاريين الصينيين، لي تشينغ قانغ، نائبَ وزير الاقتصاد المكسيكي، فيدال ليريناس، في بكين، في أولى المحادثات المباشرة بينهما منذ فرضت المكسيك رسوماً جمركية أعلى على الواردات الصينية؛ مما استدعى تحذيرات من بكين.

وأفادت وزارة التجارة الصينية في بيان لها، الخميس، بأن البلدين أجريا مناقشات معمقة بشأن العلاقات الاقتصادية والتجارية الثنائية وقضايا أخرى.

وكانت المكسيك قد أعلنت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي عن زيادات كبيرة في الرسوم الجمركية على الصين ودول أخرى لا تربطها بالمكسيك اتفاقيات تجارة حرة، حيث بلغ معظم هذه الزيادات 35 في المائة. وقد فسّر المحللون هذه الخطوة على نطاق واسع بأنها محاولة لاسترضاء الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الذي فرض رسوماً جمركية كبيرة على البضائع الصينية.

وتُفرض الرسوم الجمركية المكسيكية على آلاف السلع، بما في ذلك السيارات وقطع الغيار الخاصة بها والمنسوجات والملابس والبلاستيك والصلب. وقالت الرئيسة المكسيكية، كلوديا شينباوم، إن هذه الرسوم تهدف إلى زيادة الإنتاج المحلي ومعالجة الاختلالات التجارية. ومن المتوقع أن يكون لهذه الرسوم أكبر الأثر على الصين؛ ثاني أكبر شريك تجاري للمكسيك بعد الولايات المتحدة.

وكانت وزارة التجارة الصينية قد حذرت المكسيك من مغبة فرض رسوم جمركية، وأكدت أنها ستتخذ إجراءات لحماية حقوقها ومصالحها المشروعة، إلا إنها لم تعلن حتى الآن عن أي إجراءات مضادة. وتتزامن المباحثات مع إعلان شركة «بي واي دي»؛ كبرى الشركات الصينية لصناعة السيارات، في عام 2024 أنها تدرس إنشاء مصنع في المكسيك، على الرغم من أن صحيفة «فاينانشال تايمز» ذكرت في مارس (آذار) الماضي أن الصين تؤجل الموافقة على المصنع خشية تسريب التكنولوجيا إلى الولايات المتحدة.

وتأتي المحادثات الصينية - المكسيكية في وقت تستعد فيه الولايات المتحدة والمكسيك وكندا لمراجعة اتفاقية التجارة الحرة بينها بحلول 1 يوليو (تموز) المقبل. وقد صرّح كبير المفاوضين التجاريين الأميركيين بأن الاتفاقية الحالية غير مهيأة للتعامل مع التدفقات الكبيرة للصادرات والاستثمارات من اقتصادات غير سوقية كالصين إلى المنطقة؛ مما يشير إلى أن الولايات المتحدة قد تضغط من أجل فرض قواعد أشد صرامة على السلع الصينية في الاتفاقية الجديدة. وهذا من شأنه أن يُصعّب على الشركات الصينية استخدام المكسيك بوصفها قاعدة للتصدير إلى الولايات المتحدة.

* حكم نهائي

وفي سياق منفصل، خفضت الصين، الخميس، الرسوم الجمركية على واردات الألبان من «الاتحاد الأوروبي» بقيمة تزيد على 500 مليون دولار، في الحكم النهائي لتحقيق مكافحة الإغراق الذي بدأ قبل 18 شهراً رداً على رسوم «الاتحاد» على السيارات الكهربائية الصينية. وتعتزم الصين فرض تعريفات جمركية تتراوح بين 7.4 و11.7 في المائة على واردات الألبان من «الاتحاد الأوروبي» لمدة 5 سنوات، بدءاً من 13 فبراير (شباط) الحالي. وهذا أقل كثيراً من النسبة بين 21.9 و42.7 في المائة التي فُرضت في البداية بقرار أولي خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي، كما ذكرت وزارة التجارة الصينية.

وفي 3 فبراير، قال «الاتحاد الأوروبي» إنه تلقى الحسابات النهائية للصين بشأن رسوم مكافحة الدعم المخطط لها بشأن منتجات الألبان في «الاتحاد الأوروبي»، مع التعريفات النهائية المستحقة بحلول 21 فبراير. وقالت مجموعات الصناعة إن المعدلات النهائية المقترحة تراوحت بين 7.4 و⁠11.7 في المائة، تماشياً والإعلان الصيني الرسمي يوم الخميس. وهذه هي ثاني مرة خلال شهرين تخفض فيها الصين التعريفات الجمركية لـ«الكتلة» على المنتجات المستهدفة بعد أن فرض «الاتحاد الأوروبي» تعريفات على السيارات الكهربائية.

وأصدرت بروكسل قواعد مفصلة في يناير (كانون الثاني) الماضي بشأن كيفية الاستبدال بالتعريفات الجمركية التزاماتِ الحد الأدنى للسعر التي دعت إليها بكين، على الرغم من أن الخلافات لا تزال قائمة بشأن مقترحاتها. وبدأت تحقيقات مكافحة الإغراق في منتجات الألبان في الصين خلال أغسطس (آب) 2024 وأثرت على مصدري الألبان الرئيسيين مثل فرنسا وإيطاليا والدنمارك وهولندا. واستهدف التحقيق بشأن منتجات الألبان الحليب والقشدة غير المحلاة، بالإضافة إلى الجبن الطازج والمعالج، بما في ذلك الأصناف الفرنسية الشهيرة، مثل «روكفور» و«كاميمبرت».

واستوردت الصين، ثالث أكبر منتج للألبان في العالم، العام الماضي ما قيمته 506.3 مليون دولار من منتجات الألبان التي يغطيها التحقيق، بانخفاض 14 في المائة من 589 مليون دولار في عام 2024.

وحتى في ظل المعدلات المنخفضة، فإن التعريفات الجمركية لا تزال تمثل أخباراً جيدة للمنتجين الصينيين الذين يواجهون الطاقة الفائضة وانخفاض الأسعار. وفي الشهر الماضي، تعهدت وزارة الزراعة الصينية تسريع الإجراءات لمساعدة قطاعَي لحوم البقر والألبان على استقرار القدرة الإنتاجية. وقال محللون إن فائض الحليب في الصين، وتغير طلب المستهلكين على منتجات الألبان، دفعا بالموردين في البلاد إلى التركيز على المنتجات ذات هامش الربح الأعلى خلال العام الماضي؛ مما جعلها أقل اعتماداً على الواردات. وقال ييفان لي، رئيس «قسم منتجات الألبان في آسيا» في مؤسسة «ستون إكس»، إن التعريفات الجمركية على واردات الألبان من «الاتحاد الأوروبي» يمكن أن تكون في مصلحة نيوزيلندا، أكبر مورد للصين، والتي تستفيد منتجاتها من سلسلة توريد أكبر استقراراً وبيئة تجارية يمكن التنبؤ بها.