«كوب 29» يسدل ستاره بالاتفاق على تمويل مناخي بـ300 مليار دولار

بايدن وصفه بـ«التاريخي»... وغوتيريش عدّه «أساساً يمكن البناء عليه»... والدول النامية رأت أنه «غير كاف»

رئيس «كوب 29» مختار باباييف يصفق خلال الجلسة العامة الختامية لقمة الأمم المتحدة للمناخ (أ.ب)
رئيس «كوب 29» مختار باباييف يصفق خلال الجلسة العامة الختامية لقمة الأمم المتحدة للمناخ (أ.ب)
TT

«كوب 29» يسدل ستاره بالاتفاق على تمويل مناخي بـ300 مليار دولار

رئيس «كوب 29» مختار باباييف يصفق خلال الجلسة العامة الختامية لقمة الأمم المتحدة للمناخ (أ.ب)
رئيس «كوب 29» مختار باباييف يصفق خلال الجلسة العامة الختامية لقمة الأمم المتحدة للمناخ (أ.ب)

علا التصفيق في قاعة الجلسة العامة لمؤتمر «كوب 29»، في باكو، بعد إعلان الاتفاق على تمويل عالمي جديد بقيمة 300 مليار دولار سنوياً لمساعدة الدول الأكثر فقراً على التعامل مع آثار تغيُّر المناخ، رغم انتقادات الدول النامية التي رأت أنه غير كافٍ. وأشاد الرئيس الأميركي جو بايدن بالاتفاق «التاريخي» بوصفه «خطوة مهمة» في مكافحة الاحترار المناخي، متعهِّداً بأن تواصل بلاده عملها، رغم موقف خلفه، دونالد ترمب، المشكك في تغيّر المناخ.

وعندما قرعت مطرقة رئيس مؤتمر المناخ، مختار باباييف، للاتفاق الجديد، امتلأت القاعة بالتصفيق. وقام بعض المندوبين بتحية الاتفاق وقوفاً في قاعة الجلسة العامة لمؤتمر «كوب 29».

رئيس مؤتمر «كوب 29» مختار باباييف يصفق خلال الجلسة العامة الختامية (أ.ب)

الاتفاق الذي جاء بعد أسبوعين من المفاوضات الشاقة يهدف إلى توفير قوة دافعة للجهود الدولية الرامية إلى الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري في عام من المتوقَّع أن يكون الأكثر حرارة على الإطلاق. ومن شأنه توفير 300 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2035، مما يعزِّز التزام الدول الغنية السابق بتوفير 100 مليار دولار سنوياً لتمويل المناخ بحلول عام 2020. وسوف تذهب هذه المبالغ إلى البلدان النامية التي تحتاج إلى الأموال اللازمة للتكيف مع ظاهرة الاحتباس الحراري في المستقبل، ودفع ثمن الأضرار الناجمة عن الطقس المتطرف الناتج عن تغيُّر المناخ.

الأمانة العامة لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ تصفق بحرارة في الجلسة الختامية لمؤتمر «كوب 29» (د.ب.أ)

ورغم أن هذا المبلغ لا يقترب من المبلغ الكامل الذي طالبت به البلدان النامية (1.3 تريليون دولار)، فإنه يعادل 3 أمثال قيمة صفقة قيمتها 100 مليار دولار سنوياً من عام 2009، التي شارفت على الانتهاء.

ودعا الاتفاق الدول غير المتقدِّمة إلى تقديم مساهمات مالية لكن على أساس «طوعي»، وفق النص.

كذلك، يتضمن الاتفاق أمراً جديداً؛ إذ أصبح يمكن الآن احتساب التمويل المناخي الذي تساهم فيه البلدان غير المتقدمة عبر بنوك التنمية متعددة الأطراف، ضمن هدف الـ300 مليار دولار، وهو أمر لقي ترحيباً من الأوروبيين.

ضوء أخضر لائتمانات الكربون

توصَّلت الدول إلى اتفاق نهائي بشأن القواعد العامة لإطلاق أسواق تجارة الكربون، وذلك بعد ما يقرب من عقد من الزمان على اقتراحها لأول مرة. وسيسمح الاتفاق للدول والشركات بتداول أرصدة خفض انبعاثات الكربون لتعويض آثار الكربون.

وقال كيفن كونراد، رئيس وفد مجموعة من البلدان ذات الغابات الكثيفة، بما في ذلك بوليفيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية: «يمكن للأسواق المنظمة بشكل صحيح أن تصبح قوة من أجل الخير، وتبدأ في عكس إخفاقات السوق التي تسبب الدمار البيئي والجوي».

وقد أثارت ولادة السوق هتافات وتصفيقاً حاراً من قِبَل مفاوضي الأمم المتحدة في الجلسة الأولى من الجلسة العامة الأخيرة.

وستتمكن الدول والشركات من تداول الأرصدة التي من المفترَض أن تمثل طناً واحداً من ثاني أكسيد الكربون الذي تم توفيره أو إزالته من الغلاف الجوي، وذلك بموجب آليات تخضع لرقابة فضفاضة من قبل الأمم المتحدة ومصمَّمة لتجنب الحساب المزدوج لخفض الانبعاثات.

وجعل البلد المضيف أذربيجان من مسألة تجارة انبعاثات الكربون أولوية؛ حيث ضغطت بنجاح في اليوم الأول من القمة التي استمرَّت أسبوعين من أجل أن تتبنى الدول عنصراً أولياً من عناصر السوق العالمية.

ويضع الاتفاق الأساس لقمة المناخ العام المقبل، التي ستُعقَد في غابات الأمازون المطيرة في البرازيل؛ حيث من المفترض أن ترسم البلدان خريطة العقد المقبل من العمل المناخي.

صفقة في الاتجاه الصحيح

وقال بعض الوفود إن هذه الصفقة تسير في الاتجاه الصحيح، مع الأمل في تدفق المزيد من الأموال في المستقبل.

وأشاد الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، سيمون ستيل، بالنتيجة باعتبارها بوليصة تأمين للإنسانية رغم المفاوضات الشاقة.

وقال: «كانت رحلة صعبة، لكننا توصلنا إلى اتفاق. وسوف يعمل هذا الاتفاق على استمرار نمو طفرة الطاقة النظيفة وحماية مليارات الأرواح. ولكن مثل أي بوليصة تأمين، فإنها لن تنجح إلا إذا تم دفع الأقساط بالكامل وفي الوقت المحدد».

الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ سيمون ستيل مصفقاً (أ.ب)

كما أشاد المفوض المسؤول عن مفاوضات المناخ، فوبكه هوكسترا، بـ«بداية حقبة جديدة» للتمويل المناخي. وقال: «عملنا بجدّ معكم جميعاً لضمان توفير مزيد من الأموال على الطاولة. نحن نضاعف هدف الـ100 مليار دولار 3 مرات، ونعتقد أن هذا الهدف طموح، وأنه ضروري وواقعي وقابل للتحقيق».

من ناحيته، اعتبر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أن الاتفاق يشكل «أساساً» يمكن البناء عليه. وقال في بيان: «كنت آمل في التوصل إلى نتيجة أكثر طموحاً من أجل التحدي الكبير الذي نواجهه»، داعياً «الحكومات إلى اعتبار هذا الاتفاق أساساً لمواصلة البناء عليه».

ورحَّب وزير الطاقة البريطاني، إد ميليباند، بدوره في الاتفاق، واصفاً إياه بأنه «اتفاق حاسم في اللحظة الأخيرة من أجل المناخ»، وقال: «ليس هذا كل ما أردناه نحن أو الآخرون، لكنها خطوة إلى الأمام لنا جميعاً».

أما وزيرة الانتقال البيئي الفرنسية، أنييس بانييه روناشيه، فقد أعربت عن أسفها لأن الاتفاق الذي تم التوصل إليه في أذربيجان «مخيب للآمال»، و«ليس على مستوى التحديات».

«المجموعة العربية»

أما ممثل السعودية (متحدثاً نيابة عن المجموعة العربية) توفيق البراء، فقال: «ترى (المجموعة العربية) أننا بحاجة إلى مزيد من التأكيد على المبادئ الأساسية في جهود التخفيف، كجزء من عملنا في إطار اتفاقية باريس واتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ».

أضاف: «تشمل هذه المبادئ المساواة والمسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة، فضلاً عن الإصرار على أهمية أن تقود الدول النامية هذه الجهود على الصعيد العالمي». وتابع: «يتضمن هذا أيضاً الاعتراف بالمسارات المختلفة التي تعكس الظروف والقدرات المختلفة لكل دولة، فضلاً عن أهمية احترام سيادة كل دولة، وكذلك الطموح في المساهمات المحدَّدة على المستوى الوطني، التي تشكل المحور والعمود الفقري لـ(اتفاقية باريس)، لأنها تعكس طموحات وتطلعات وظروف كل دولة... نحن بحاجة إلى تمكين البلدان من تحديد مساراتها الخاصة».

وختم قائلاً: «يجب علينا أيضاً أن ندرك أن حلاً واحداً لا يمكن أن يحل جميع التحديات المختلفة التي نواجهها بشكل جماعي أثناء تقدمنا في رحلة التنمية الخاصة بنا».

بايدن: الاتفاق تاريخي

وصف الرئيس الأميركي المنتهية ولايته، جو بايدن، اتفاق «كوب 29» بأنه «نتيجة تاريخية أخرى»، مضيفاً أنه لا يمكن لأي أحد عكس التحول الجاري إلى الطاقة النظيفة في الولايات المتحدة. وقال، في بيان أصدره الأحد، إن الاتفاق يُعدّ «هدفاً طموحاً» في مجال تمويل المناخ. وأضاف أن هذا الاتفاق سيساعد في جمع مستويات مختلفة من التمويل، وخلق أسواق للسيارات الكهربائية الأميركية ومنتجات أخرى صديقة للمناخ. وفي إشارة غير مباشرة إلى الرئيس المنتخَب دونالد ترمب، الذي تعهَّد بزيادة التنقيب عن النفط بمجرد توليه المنصب في 20 يناير (كانون الثاني) المقبل، قال بايدن: «بينما قد يسعى البعض إلى إنكار أو تأجيل ثورة الطاقة النظيفة الجارية في أميركا وحول العالم، فإنه لا أحد يمكنه عكسها - لا أحد».

الدول النامية تنتقد

في المقابل، أثار الاتفاق حالة من الإحباط لدى الدول النامية المستفيدة منه، ووصفته بأنه غير كافٍ على الإطلاق؛ فقد أعرب رئيس مفاوضي المجموعة الأفريقية، علي محمد، عن أسفه على الالتزام المالي «الضعيف جداً والمتأخر جداً» في هذا الاتفاق، وقال إن «الالتزام بحشد مزيد من التمويل بحلول عام 2035 ضعيف جداً ومتأخر جداً وغامض جداً لناحية تنفيذه».

وأضاف: «نغادر باكو، ونحن نعلم أننا أحرزنا تقدماً في بعض المجالات، ولكن ما حققناه بعيد عما كنا نأمله».

أحد الحضور يتفاعل خلال الجلسة العامة الختامية (أ.ب)

كما قال إيفانز نجيوا من ملاوي (الذي يرأس مجموعات البلدان الأقل نمواً) إن الاتفاق بشأن تمويل المناخ في باكو «ليس طموحاً بما فيه الكفاية». وأضاف في الجلسة العامة: «هذا الهدف ليس ما كنا نأمله بعد سنوات من المناقشات».

وقالت ممثلة الوفد الهندي شاندني راينا في الجلسة الختامية للقمة بعد دقائق من التوقيع على الاتفاق: «يؤسفني أن أقول إن هذه الوثيقة ليست أكثر من مجرد خداع بصري. وفي رأينا لن تعالج ضخامة التحدي الذي نواجهه جميعاً».

تشارك شاندني راينا من الهند في الجلسة الختامية لمؤتمر «كوب 29» (رويترز)

وكان من المقرَّر أن تنتهي مفاوضات «كوب 29» يوم الجمعة، لكنها استغرقت وقتاً إضافياً حيث كافح ممثلو ما يقرب من 200 دولة للتوصل إلى توافق في الآراء.

وانقطعت المحادثات، يوم السبت، حيث انسحبت بعض البلدان النامية والدول الجزرية في إحباط. وقالت تينا ستيغ، مبعوثة المناخ في جزر مارشال: «نغادر بجزء صغير من التمويل الذي تحتاج إليه البلدان المعرضة لتغير المناخ بشكل عاجل. إنه ليس كافياً على الإطلاق، لكنه بداية».


مقالات ذات صلة

البديوي: استقرار الخليج ينعكس على العالم

الخليج جاسم البديوي خلال إحاطة أمام لجنة الشؤون الخارجية للبرلمان الأوروبي في بروكسل الأربعاء (مجلس التعاون الخليجي)

البديوي: استقرار الخليج ينعكس على العالم

قال جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، إن تطورات المنطقة الأخيرة تؤكد أن استقرار الخليج ليس شأناً إقليمياً فحسب، بل عنصر أساس في الاستقرار العالمي

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد منصات حقول نفط في بحر الشمال بالنرويج التي تعدّ أكبر مورد للغاز الطبيعي في أوروبا ومنتجاً رئيسياً للنفط (رويترز)

قيمة صادرات النفط النرويجي ترتفع لمستوى قياسي جراء حرب إيران

ارتفعت قيمة صادرات النفط الخام في النرويج لمستوى قياسي خلال الشهر الماضي بسبب حرب إيران، مما ساعد في ارتفاع الفائض التجاري لأعلى مستوى منذ أكثر من ثلاثة أعوام.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في جدة الثلاثاء (واس) p-circle 00:21

ولي العهد السعودي ورئيس المجلس الأوروبي يناقشان تداعيات أوضاع المنطقة

ناقش ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، مستجدات الأوضاع الراهنة في المنطقة، وتداعياتها الأمنية والاقتصادية دولياً.

«الشرق الأوسط» (جدة)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

ماكرون يبحث مع قادة أوروبا حماية القُصّر من وسائل التواصل الاجتماعي

كشف قصر الإليزيه أن الرئيس الفرنسي سيجري اتصالاً بالفيديو مع قادة آخرين في الاتحاد الأوروبي ‌​بهدف التأسيس ⁠لتحرك منسق بشأن حظر استخدام القصر للتواصل الاجتماعي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد طائرة من «إير فرنس» تتزود بوقود الطيران المستدام في مطار نيس قبل رحلة إلى باريس (أرشيفية - رويترز)

شركات الطيران تحث «الاتحاد الأوروبي» على التدخل مع اختناق إمدادات الوقود

حثت شركات الطيران الأوروبية «الاتحاد الأوروبي» على التدخل باتخاذ إجراءات طارئة لمعالجة تداعيات الحرب الإيرانية، بما فيها إغلاق المجال الجوي على نطاق واسع.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.