كيف تم تطوير تصميم التوسعة الثالثة للمسجد الحرام؟

«الشرق الأوسط» تنشر الحلقة الأخيرة لقصة توسعة الحرم المكي

كيف تم تطوير تصميم التوسعة الثالثة للمسجد الحرام؟
TT

كيف تم تطوير تصميم التوسعة الثالثة للمسجد الحرام؟

كيف تم تطوير تصميم التوسعة الثالثة للمسجد الحرام؟

تناول الفصلان الأولان من قصة تصميم التوسعة السعودية الثالثة للمسجد الحرام، بدايات الموضوع بتشكيل فريق من المختصين من أساتذة الجامعات السعودية وغيرهم من الخبراء العالميين لدراسة المشروع المقترح للتوسعة، وذلك بناء على الأمر السامي الذي صدر في عام 1429هـ - 2008م، مع ذكر أبرز أسماء رؤساء اللجان والفرق الفنية المشاركة في الفريق الذي قام بتقويم وضع الحرم المكي من خلال الدراسات والمسوحات الميدانية، إضافة إلى تقويم التصميم المقترح، علاوة على تقديم رؤية تقنية للمسجد الحرام قام بها فريق من أساتذة وباحثي معهد ماساتشوستس للتقنية (إم آي تي MIT ). كذلك ذكرت أسماء فريق الباحثين الذين قدموا تلك الأبحاث، وكيف تمت الاستفادة من بعض الأفكار والمقاربات التصميمية والرؤى المستقبلية التي قدمها كبار المعماريين والمكاتب الاستشارية العالمية وبعض المكاتب والجامعات السعودية، في تطوير الفكرة التصميمية التي قدمتها جامعة الملك سعود وتم اختيارها من المقام السامي.

تصميم جامعة أم القرى المقترح لرفع الطاقة الاستيعابية للمطاف

يتطرق هذا الفصل إلى إعادة تشكيل اللجان والفرق التخصصية، ومنهجية العمل مع الاستشاري (دار الهندسة) والمقاول (مجموعة بن لادن)، والرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي (رئاسة الحرمين)، إضافة إلى مسارات العمل وآلية عمل الفرق، وتشكيل الفريق المؤقت الذي باشر تطوير التصميم المقترح، وكان غالبية أعضائه من كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود، بحكم أنها الجهة صاحبة الفكرة التصميمية.

وكان الفريق باشر تلك المهمة في مكاتب «دار الهندسة» بالقاهرة، وبالتضامن مع فرقها الفنية، وصولاً إلى اعتماد الملك عبد الله رحمه الله للمسار التطويري (التجزئة على مستوى الكتلة والحيز الفراغي الأصغر)، وصولاً إلى الفكرة التخطيطية والتصميمية لمشروع توسعة الملك عبد الله بصورتها التي انتهت إليها.

ويلفت الفصل إلى عمل فريق الوزارة مع بدء التنفيذ وآلية العمل والتنسيق مع المقاول خلال تلك المرحلة، وتزامن العمل مع طرح فكرة مشروع رفع الطاقة الاستيعابية للمطاف وما تم بعدها، وتشكيل فريق فني ميداني من جامعة أم القرى لتولي بعض المهام، ثم كيفية انتهاء مهمة فريق الوزارة. كذلك سيتم ذكر المشروعات الخمسة الرئيسية التي دشنها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ضمن المشروع الشامل للتوسعة السعودية الثالثة، مروراً ببعض القصص والمواقف المتعلقة بمشروع التوسعة وأعضاء الفريق، والوقوف عند أهمية هذه التجربة وفرادتها وكيف يمكن الاستفادة منها في المشروعات التي تنفذ اليوم.

انطلاق المرحلة الثانية

فور صدور التوجيه السامي بتطوير التصميم المقترح من جامعة الملك سعود، انطلقت أعمال المرحلة الثانية للمشروع في شهر ربيع الأول عام 1430هـ - مارس (آذار) 2009م، من خلال عدد من المهام والأعمال التي تضمنها التوجيه وأوكل تنفيذها إلى فريق الوزارة.

وحدد الفريق الأساس الذي تولى أعمال المرحلة السابقة، وآلية العمل ومنهجيته لهذه المرحلة بما يضمن جودة دراسة المشروع ومستوى تخطيطه وتصميمه وتميزه من الناحية المعمارية والهندسية والتشغيلية والأمنية، فضلاً عن تحقيقه مبادئ الاستدامة ومفهومها، وإحداث نقلة نوعية في عمارة المسجد الحرام ترتقي إلى مستوى تطلعات القيادة السعودية الرامية إلى تيسير أداء العبادة لقاصدي المسجد الحرام، والنهوض بمستوى تقديم الخدمة لهم، وما تحمله هذه التطلعات من مضامين عميقة ورؤية واضحة، ترنو إلى مستوى عالٍ من التميز والجودة لمشروع التوسعة، ووفقاً لما نص عليه التوجيه السامي، وتلخصت آلية العمل في هذه المرحلة كما يلي:

أولاً: اللجنة الثلاثية

حلت بدلاً من اللجنة التوجيهية السابقة، لجنة ثلاثية مكونة من وزير التعليم العالي (د. خالد العنقري)، والرئيس العالم لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي (الشيخ صالح الحصين)، ورئيس «مجموعة بن لادن السعودية» (م. بكر بن لادن)، وهي تعمل كمرجعية للمشروع. وكان ممثلو فريق الوزارة يعرضون مخرجات العمل الجوهرية على هذه اللجنة بين فترة وأخرى، ويطلعونها على وضع المشروع ومساره وتحدياته.

ثانياً: إعادة تشكيل الفرق التخصصية

أُعيد تشكيل الفرق التخصصية للعمل ضمن إطار المشروع وفق الآتي:

أولاً، الفريق الفني في وزارة التعليم العالي الذي ضم عدداً من الفرق الفنية المتخصصة والمتكاملة، من مختلف منسوبي الجامعات السعودية. وتعد هذه الفرق الذراع الفنية لإدارة المشروع المعنية بتحديد وتوجيه الدراسات اللازمة والتصاميم المطلوبة، وكذلك مراجعة واعتماد الدراسات والتصاميم المقدمة من الاستشاري (دار الهندسة)، وجاء تشكيل الفرق على النحو الآتي:

الإدارة الفنية العامة: برئاسة أ.د. صالح بن حامد السيد.

الفريق المعماري: برئاسة د. سمير بن محمود زهر الليالي.

الفريق الإنشائي: برئاسة أ.د. يوسف بن عبد الله السلوم.

فريق الحركة والحشود والخدمات المساندة: برئاسة أ.د. عبد الرحيم بن حمود الزهراني.

فريق الكهروميكانيكا والمرافق الصحية: برئاسة د. إبراهيم بن عمر حبيب الله.

فريق البيئة والاستدامة: برئاسة د. خالد بن محمد الجماز.

ثانياً، هناك الفرق الفنية التخصصية لدى الاستشاري (دار الهندسة) والمقاول (مجموعة بن لادن السعودية)، وتعمل بالتضامن والتنسيق التام مع الفريق الفني في وزارة التعليم العالي على إعداد الدراسات والتصاميم اللازمة بتوجيه من الفريق الفني في الوزارة، الذي يقوم بمراجعتها وتقويمها ومن ثم اعتمادها. وأخيراً ممثل إدارة المشروعات في الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي.

ثالثاً: منهجية تنسيق الفريق مع الاستشاري والمقاول ورئاسة الحرمين

لعله من المناسب إعطاء نبذة عن «دار الهندسة» (استشاري المشروع)، التي ارتبطت بعلاقة استراتيجية مع «مجموعة بن لادن السعودية» وغدت استشاري مشروعات الحرمين الشريفين. تأسست «دار الهندسة» عام 1956 (1376هـ) على يد 4 من أساتذة كلية الهندسة في الجامعة الأميركية ببيروت؛ وهم كمال الشاعر ونزيه طالب وخليل معلوف وسمير ثابت، ونمت وتطورت عبر السنوات لتصبح إحدى كبرى الشركات المهنية والمكاتب الاستشارية الهندسية حول العالم. وفي الثمانينات من القرن الماضي، تشابكت «مجموعة بن لادن السعودية» وترابطت مع «دار الهندسة»، الأمر الذي مكن الأخيرة ومن خلال مكتبها بالقاهرة تحديداً، من أن تصبح «الصندوق الأسود» لمشروعات الحرمين الشريفين، بحيث بات لديها كل المعلومات والخرائط والمخططات والدراسات والتصاميم والمسارات، وغيرها من المعلومات المهمة والمرتبطة بمشروعات الحرمين الشريفين. هذا الكم من المعلومات إضافة إلى كوادرها المهنية المتميزة جعل دورها مهماً ومحورياً في تطوير التصميم.

هيكلية تنظيمية لفرق العمل

وقد انتهج الفريق الفني في وزارة التعليم العالي أسلوب عمل فريداً يعتمد على العمل الجماعي المتكامل داخل فريق الوزارة بتخصصاته المختلفة، وعلى التنسيق المباشر والتكامل مع الاستشاري والمقاول ورئاسة الحرمين خلال مراحل العمل المشترك. واتسم المنهج بالمرونة والكفاءة الفاعلة والعمل بروح واحدة وعقول متعددة، وبالحرص على اقتناص كل فكرة تطويرية واعدة في أي مجال تخصصي بغض النظر عن مصدرها، ومناقشتها وتعزيزها ودعمها وإثرائها من الجميع.

واشتملت منهجية العمل الجماعي هذه على ورش العمل الدورية، حيث نُظمت مجموعة من ورش العمل التخصصية الدورية لتدارس وتنظيم العمل في مشروع تصميم توسعة المسجد الحرام وضبط جودته، ومناقشة المهام الفرعية المرتبطة به، ومتابعة أعمال تطوير التصميم وتوجيهه. وعُقدت ورش العمل هذه بحضور الفرق التخصصية المختلفة في وزارة التعليم العالي والاستشاريين في «دار الهندسة» و«مجموعة بن لادن السعودية» ورئاسة الحرمين، وبحضور خبراء عالميين في الاختصاصات المختلفة، استعين بهم أحياناً بحسب متطلبات مرحلة العمل.

الشيخ صالح الحصين والدكتور صالح السيد والدكتور يوسف السلوم أمام مجسم التصميم قبل تطويره

كذلك، اعتمدت المنهجية على تشكيل فرق عمل تصميم مشتركة لتسريع العمل ودعم تطوير تصميم مشروع التوسعة ولرفع مستوى الجودة ودقة الأداء. وشُكلت فرق عمل موحدة، بحسب ما تقتضيه المرحلة، مكونة من أعضاء بالفرق التخصصية بوزارة التعليم العالي ومن الاستشاري والمقاول ورئاسة الحرمين. وقد أنيط بها مهمة تطوير التصاميم المعمارية والهندسية لمشروع التوسعة المعتمد من المقام السامي الكريم، بحيث يقوم فريق الوزارة بمتابعة وتوجيه ودعم الأعمال المقدمة من الاستشاري (دار الهندسة) عبر التكامل مع فرقه المتخصصة والعمل معها، والمساهمة المشتركة الفاعلة بالأفكار والمقترحات التطويرية، كما أنيط بالفرق التخصصية في فريق الوزارة مهمة اتخاذ القرارات التصميمية والإشراف على مراجعة ضبط وتوحيد منظومات الأنظمة الأخرى في لغة معمارية وهندسية موحدة.

رابعاً: مسارات العمل

لما كانت المرحلة الثانية من المشروع تقتضي مراجعة وتقويم مخرجات تطوير تصميم مشروع التوسعة وتعزيزه بالأفكار الفنية التطويرية، اتخذ العمل في هذه المرحلة المسارات المتتابعة الآتية:

مسار البحث والبرمجة: تضمن هذا المسار إعداد الدراسات اللازمة لمشروع التوسعة ووضع المعايير المرجعية التصميمية العامة والتفصيلية والبرنامج الفراغي للمشروع وتحديد المساحة البنائية التقديرية للتوسعة.

وقد شرع فريق وزارة التعليم العالي ضمن هذا المسار في دراسة وتحليل جميع المقترحات التصميمية (الرؤى المعمارية) التي قدمت في المرحلة الأولى من قبل دور الخبرة المحلية والعالمية بهذا المجال، في ورشة عمل بالتعاون مع الاستشاري (دار الهندسة) و«مجموعة بن لادن السعودية»، وبمشاركة الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي وخبراء محليين تم إشراكهم مؤقتاً في هذا المهمة. وتم استخلاص بعض الأفكار والحلول التصميمية الواعدة من هذه المقترحات.

كذلك حدد فريق الوزارة الدراسات اللازمة للمشروع وصاغ الإطار العام للملخص التصميمي التفصيلي في جميع الجوانب الفنية للمشروع، بالإضافة إلى تحديد نطاق البرنامج الفراغي، وتقدير مساحة البناء، بينما عمل الاستشاري (دار الهندسة) على إعداد المعايير التفصيلية والبرنامج المعماري التفصيلي، وذلك بالتنسيق مع فريق الوزارة الذي تولى مراجعتها واعتمادها.

مسار تطوير تصميم مشروع التوسعة: عني هذا المسار بتطوير تصميم مشروع التوسعة من قبل الاستشاري (دار الهندسة) وبالتعاون والتنسيق المباشر والآني مع الفريق الفني في وزارة التعليم العالي.

وسعى الفريق الفني بالوزارة ضمن هذا المسار إلى توجيه ومتابعة أعمال تصميم مشروع التوسعة والمشاركة الفاعلة والجوهرية في تطويره فكرياً وفنياً؛ منذ البداية وحتى عمل التصاميم المعمارية والهندسية التطويرية وتفاصيلها ومراجعة تطبيقها في أرض الواقع.

ولتنفيذ المهام المتضمنة في هذا المسار بجودة وإتقان، تطلب ذلك تكامل الفريق الفني للوزارة واندماجه أحياناً مع الفرق المتخصصة للاستشاري (دار الهندسة) و«مجموعة بن لادن السعودية» ورئاسة الحرمين، والعمل معاً كفريق عمل موحد متكامل باتباع منهجية التصميم المتكامل لا المتتابع، كالتشاور المستمر والمتبادل بين جميع التخصصات، ما أدى إلى تسريع وتيرة العمل والارتقاء بجودته ونوعيته.

وقد اتسم تشكيل فرق عمل المشروع بالديناميكية والمرونة بما يتوافق مع حاجات العمل وطبيعة مراحل المشروع، بحيث يشارك الأعضاء في مراحل المشروع حسب الحاجة. وتميزت طريقة العمل بروح الفريق الواحد والانسجام بين الأعضاء، وكانوا يتعاملون كزملاء في هذه المهمة السامية، فتتبلور الأفكار والحلول وتطرح من خلال النقاشات الجماعية، دون تمييز بين رئيس ومرؤوس؛ بل إنه كان يُناب بعض الأعضاء في حال غياب المدير الفني العام أو رؤساء الفرق، وكان الجميع يعملون بروح الفريق كما يقال: «الجميع يعمل على طاولة مستديرة».

وأنيط بالفريق خلال انطلاق المرحلة الثانية مهمة ضبط جودة واتجاه تطوير تصميم التوسعة انطلاقاً من الفكرة التخطيطية والتصميمية لمشروع جامعة الملك سعود والمعتمدة من المقام السامي، وكان على الفريق الالتزام بمضامين التوجيه السامي خلال العمل في التطوير، وبالتضامن مع الفريق الفني للاستشاري (دار الهندسة) والرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، وتطلبت هذه المرحلة تكوين فريق عمل مشترك (مؤقت) برئاسة رئيس الفريق المعماري للمشروع، وعضوية عميد كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود، الذي كان رئيساً لفريق التصميم الأساسي، وعدد من أعضاء هيئة التدريس ممن شاركوا ضمن فريق التصميم الأساسي بالكلية، بحكم أنها الجهة صاحبة الفكرة التصميمية، وذلك كاستشاريين غير متفرغين، كما انضم أيضاً إلى هذا الفريق أعضاء آخرون من كليات العمارة في الجامعات الأخرى، وأصبح بعضهم لاحقاً استشاريين متفرغين.

وعقدت اجتماعات هذا الفريق المؤقت بمقر «دار الهندسة» في القاهرة، وذلك خلال الفترة من 17 جمادى الآخرة 1430هـ - 10 يونيو (حزيران) 2009م، إلى 16 رجب 1430هـ - 9 يوليو (تموز) 2009م.

وأسفرت هذه المهمة التعاونية والتكاملية العاجلة التي استمرت لمدة شهر عن تطوير مسارات تطويرية متكافئة انطلقت جميعها من الفكرة التخطيطية والمعمارية للتصميم المقترح من جامعة الملك سعود والمعتمد من المقام السامي أساساً للتطوير، حيث ارتكزت هذه المسارات التطويرية على المبادئ الآتية:

المسار التطويري الأول: القائم على مبدأ التجزئة على مستوى الكتلة والحيز الفراغي الأوسع.

المسار التطويري الثاني: القائم على مبدأ التجزئة على مستوى الكتلة والحيز الفراغي الأصغر.

والمساران متكافئان، أما الفرق الأساسي بينهما ففي التشكيل المعماري الداخلي للتوسعة.

مخططات للتوسعة الثالثة

وقد قُوّمت مخرجات هذين المسارين التطويريين المتكافئين والمطورين من قبل الفريق ذاته باستخدام معايير محددة، وبتفصيل أدق وضعت بهدف التحقق قبل عرضهما على المقام السامي من أن كلا المسارين يمكن أن يعمل بكفاءة في حال اختياره.

أما معايير تقويم مخرجات المسارات التطويرية فهي:

معايير مرتبطة بالأمن والسلامة وحركة الحشود: الأمن والسلامة ضمن المبنى والفراغات الخارجية - حركة الحشود ضمن المبنى والفراغات الخارجية - حركة الحشود من مبنى المسجد الحرام (التوسعتان الأولى والثانية) وإليه - التعرف المكاني (way finding) - ووضوح الإرشاد للمستخدمين.

معايير مرتبطة بالكفاءة التشغيلية:

العبادية، والمتعلقة خصوصاً بأماكن أداء الصلاة؛ ومنها اتجاه الكعبة وانتظام صفوف المصلين وتحفيز الخشوع.

أداء الأنشطة الأخرى: إلقاء المحاضرات والدروس العلمية والوصول إلى المصاحف والوضوء والسقيا وغيرها.

اقتصاديات التوزيع الفراغي: ترشيد مناطق الخدمات التشغيلية وترشيد ممرات الحركة الأفقية وترشيد مناطق الحركة الرأسية والاقتصاد في حجم شبكات الخدمات (مياه، تكييف، كهرباء، حريق... إلخ).

مرونة إدارة المنشأة: تنظيم توزيع الرجال والنساء بعدة خيارات وتنظيم استخدام أجزاء محددة من المبنى وتنظيم إغلاق أو فتح بعض أجزاء المبنى على المستوى الأفقي، كما تنظيم إغلاق أو فتح بعض أجزاء المبنى على المستوى الرأسي، بالإضافة إلى تنظيم الوصول إلى مبنى التوسعة السعودية الأولى دون الحاجة لفتح مبنى التوسعة السعودية الثالثة للاستخدام، وتنظيم صيانة المنشأة وشبكات الخدمات دون الاختلاط بالمستخدمين في جميع الأوقات، بما في ذلك أوقات الذروة.

معايير مرتبطة بعلاقة التشكيل الفراغي بالجوانب البيئية: الاستفادة القصوى من الإضاءة والتهوية الطبيعيتين وحماية محيط المبنى من العوامل البيئية وترشيد استخدام الطاقة غير المتجددة.

معايير مرتبطة بالجودة الجمالية لعناصر مكونات المشروع: مبدأ الوحدة (Unity) - إثراء تجربة المستخدم للمكان من خلال التنوع المكاني (Variety) - التوازن بين المقياس الإنساني (Human Scale) وتحقيق المهابة الشرفية (Formalty) - الانسيابية (Spatial Interpenetration) - الشفافية (Form Transparency).

معايير مرتبطة بمرونة التنفيذ: مرونة تحديد مراحل التنفيذ (Construction Phasing) - توحيد عناصر البناء (Building Components Standardization).

لقطات لتصاميم المسار التطويري الثاني

العرض والموافقة:

في يوم السبت 18 رجب 1430هـ الموافق 11 يوليو 2009، عُرض المساران التطويريان المتكافئان على الملك عبد الله بن عبد العزيز في قصره بمدينة جدة من قبل أعضاء فريق الوزارة، وبحضور عدد من أصحاب السمو الملكي الأمراء والمعالي الوزراء، من بينهم وزير التعليم العالي ونائبه والرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، إضافة إلى رئيس «مجموعة بن لادن السعودية»، حيث اعتمد حينها المسار التطويري الثاني خياراً لتطوير تصميم مقترح جامعة الملك سعود للتوسعة، وصدرت الموافقة السامية بذلك.

المرحلة الثالثة:

استمر فريق الوزارة في ممارسة أعماله بالكفاءة ذاتها والروح الجماعية المتفائلة والمتفانية، ويشهد لها كل من عايش المشروع أو سنحت له فرصة الاطلاع على العمل من مسؤولين وغيرهم.

وانطلاقاً من مبدأ العمل كفريق واحد بين وزارة التعليم العالي والاستشاري (دار الهندسة)، والمقاول (مجموعة بن لادن السعودية)، والرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، سعى الفريق المعماري وجميع الفرق التخصصية الأخرى بالوزارة في فترة تزيد على السنة، وبالتحديد في المدة من 22 رجب 1430هـ الموافق 13 يوليو 2009، إلى 23 رمضان 1431هـ الموافق 2 سبتمبر (أيلول) 2010، في عمل دائب ومتواصل إلى تطوير التصاميم الابتدائية والتصاميم التفصيلية للتوسعة، وذلك من خلال عقد ورش عمل متعددة ومكثفة ولقاءات نقاش ومراجعة متتالية في مقر الاستشاري (دار الهندسة) بالقاهرة أو بيروت حيناً، ومقر فريق الوزارة في كلية علوم البحار بجدة أحياناً أخرى. مع الأخذ في الحسبان تحقيق التكامل في جميع التصاميم المعمارية مع حلول ومقترحات وتصاميم النظم الهندسية (الإنشائية، والكهروميكانيكية، وتغذية المياه والصرف) وغيرها.

وكان العمل في الفريق يسير وفق ما انتهجه منذ بداية تشكيله في المرحلة الأولى؛ على طاولة مستديرة تتلاقح فيها الأفكار والعقول وتسودها روح مهنية واحدة رغم اختلاف الآراء الذي كان يثري العمل ولا يعيقه.

والجدير ذكره في هذه المرحلة أن العمل فيها كان بمنهجية تزامن التصميم والتنفيذ في الموقع (Design-Build Approach)، وهذا احتاج إلى مراعاة عالية للأولويات وضبط دقيق في جدول المهام والوقت وتناسق تام للمهام رغم تعددها وتراكبها وتداخلها.

وبذلك كانت التصاميم والمخططات المعتمدة نهائياً تسلم للمقاول أولاً بأول للتنفيذ المباشر.

جانب من التفاصيل المعمارية الداخلية

يشار هنا إلى أن الحوار الثنائي بين أعمال الموقع وأعمال التصميم كان يغذي بعضها بعضاً، حيث كان تطوير التصميم يستجيب بصورة جادة مع معطيات الموقع، كمسارات زمزم ونحوها مما يستجد ظهوره، كما يستجيب في الوقت ذاته لمتطلبات التنفيذ والتصنيع والتوريد.

نماذج من زخارف وتفاصيل معمارية للتوسعة

ولم يكن العمل في هذه المرحلة مكتبياً أو على الورق أو الرسومات ثنائية الأبعاد، بل كانت التصاميم تمر بـ4 مستويات من العمل المهني التكاملي: التصاميم الورقية والحاسوبية، والمحاكاة الحاسوبية (Digital modeling)، والتجسيم الفيزيائي (physical modeling)، والبناء الفعلي للنماذج التصميمية (mockup) بمقياس 1:1 في ورشة بناء تقع في بحرة بين جدة ومكة المكرمة، خُصصت لاختبارات التصاميم من قبل المقاول المنفذ، ومراجعة ذلك في حركة تغذيات راجعة وتعديلات حتى الوصول إلى التصميم الأكمل، ومن ثم ينفذ على أرض الواقع بصورته النهائية المعتمدة.

وفي هذه المرحلة تمت تغطية جميع جوانب التصاميم الأساسية من مساقط وقطاعات وواجهات داخلية وخارجية وأسقف وأرضيات ونظم صوتية وإضاءة وغيرها، واختيار المواد والعينات، وكثير من الجوانب التصميمية والمواصفات التفصيلية، سواء على المستوى المعماري أو التخصصات الهندسية الأخرى. وسواء كانت التصاميم لمبنى التوسعة الرئيسي، أو لمبنى الخدمات (المصاطب) بكل مكوناتها وعناصرها، أو مبنى الخدمات المركزية للتكييف والمعالجة، الواقع على بعد كيلومترات من التوسعة، أو بما يتعلق بأنفاق المشاة والأنفاق الأخرى تحت جبل الشامية (جبل قعيقعان)، أو الساحات وجسورها وما تحت الساحات من خدمات مواضئ ودورات مياه وغيرها، كل ذلك تمت تغطيته وإنهاء تصاميمه الأساسية وتفاصيلها، وتم اختبارها على أرض الواقع بمقياس 1:1، بل وتنفيذ أهمها فعلياً.

وبعد هذا الإنجاز الضخم من الأعمال والتصاميم، بدا أن مهمة الفريق الفني التابع لوزارة التعليم العالي تقترب من نهايتها، تلك المهمة السامية التي انطلقت بتقويم التصميم المقترح للتوسعة المقدم من «مجموعة بن لادن السعودية»، وانتهت بتطوير التصميم المقترح من جامعة الملك سعود، ومرت خلالها بتكليف الفريق بدراسة عدد من المشروعات النوعية أو الحرجة الإضافية التي أحيلت إليه، وتخص بعض الجهات الحكومية، لكن تلك المشروعات لها قصة ثانية.

كما تزامن عمل الفريق في تطوير تصميم التوسعة مع طرح فكرة دعوة كليات وأقسام العمارة في جامعات الملك سعود، والملك عبد العزيز، وأم القرى، والدمام (الإمام عبد الرحمن الفيصل حالياً)، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، لتقديم مقترحات تصميمية لزيادة الطاقة الاستيعابية للمطاف، وأعد الفريق الأسس والشروط المرجعية لتصميم هذا المشروع.

تصميم جامعة الملك عبدالعزيز المقترح لرفع الطاقة الاستيعابية للمطاف

وأسند إلى جامعة أم القرى تطوير تصميمها المقترح في فترة لاحقة بعد انتهاء عمل الفريق، وذلك بالتضامن مع أحد المكاتب الاستشارية العالمية. وتم عرض المقترح على خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله، في قصر الصفا بمكة المكرمة مساء يوم السبت 27 رمضان 1432هـ الموافق 22 يونيو 2011. وكانت الجامعة شكلت لجنة فنية بإشراف مديرها الأستاذ الدكتور بكري بن معتوق عساس، وتولت اللجنة متابعة أعمال تشييد التوسعة السعودية الثالثة التي تنفذها «مجموعة بن لادن السعودية»، إلى جانب مراجعة دراسات وتصاميم مشروع رفع الطاقة الاستيعابية للمطاف، من خلال فريق فني برئاسة الأستاذ الدكتور فيصل بن فؤاد وفا. لكن تفاصيل تصميم ثم تنفيذ مشروع توسعة المطاف ومراحله تحديداً، وما حصل فعلاً على أرض الواقع، تستحق قصة منفصلة.

تصميم جامعة الدمام (الإمام عبد الرحمن الفيصل حالياً) المقترح لرفع الطاقة الاستيعابية للمطاف

المرحلة الأخيرة

بانتهاء المرحلة الثالثة والاطمئنان على سلامة مخرجات تصاميم تطوير مشروع التوسعة الثالثة، بل وتنفيذ أجزاء منها، لم يتبقَّ حينذاك إلا مهمة مواصلة العمل في متابعة الرسومات التفصيلية لبعض الأجزاء ومتابعة تنفيذ ما تم اعتماده سابقاً في المرحلة الثالثة، مثل منظومة الاهتداء ومنظومة صحة المنشأة التي اعتمدت توجهاتها وبعض متطلباتها، بعد هذا كله رأت الوزارة وجاهة تجديد الدماء في الفريق، فتم إنهاء عمل الفريق الأساسي الذي بدأ منذ اليوم الأول حتى انقضاء المرحلة الثالثة بخطابات شكر خاصة بكل فرد منهم. وحينذاك رجع أعضاء الفريق الأساسي إلى مواقعهم بالجامعات، والبعض رأى الانضمام لـ«مجموعة بن لادن» للعمل هناك.

الأمير نايف والأمير خالد الفيصل يستمعان لشرح من الدكتور سمير زهر الليالي

وتزامناً مع هذا التغيير انتهت أيضاً مهمة اللجنة الثلاثية، وأسندت بعد ذلك بعض مهام فريق الوزارة إلى فريق جامعة أم القرى الذي توسعت مهامه الفنية والإدارية، ليصبح اسمه «اللجنة الفنية لمشروعات توسعة المسجد الحرام والعناصر المرتبطة به».

ومن المهم الإشارة هنا إلى ملخص الفكرة التخطيطية والتصميمية لمشروع التوسعة بصورتها التطويرية التي انتهت إليه، كما يلي:

يتكون مشروع التوسعة السعودية الثالثة للمسجد الحرام من جزأين رئيسيين.

الجزء الأول: ويقع في منطقة الشامية بالجهة الشمالية من المسجد الحرام، ويشتمل على المبنى الرئيسي للتوسعة، والمصاطب المتدرجة والمرافق الخدمية الملحقة بها، إلى جانب الأفنية والساحات المفتوحة.

الجزء الثاني: ويقع في منطقة التيسير على بعد 2 كم في الجهة الشمالية الغربية من المسجد الحرام، ويشتمل على محطة خدمات مركزية لخدمة المشروع تتضمن محطة تبريد مياه التكييف، والمولدات الاحتياطية، ومعالجة المياه الرمادية، والتخلص من النفايات، وورش الصيانة ونحوها.

وقد اعتمدت الفكرة التخطيطية لتصميم مشروع التوسعة السعودية الثالثة على مبدأ «احترام مركزية الكعبة المشرفة وصفوف الصلاة، وتجزئة الحشود». لذا فقد تم تشكيل المشروع عن طريق توظيف محاور إشعاعية منطلقة من الكعبة المشرفة تقسم المشروع إلى أجزاء تتقاطع مع قطاعات حلقية دائرية مركزها الكعبة المشرفة، كالآتي:

القطاعات الحلقية الدائرية: تشكل مكونات المشروع وتتضمن:

المبنى الرئيسي: يتكون من 3 أجزاء رئيسية تقع بين 4 محاور إشعاعية.

الأفنية الخارجية المفتوحة: تقع شمال وجنوب المبنى الرئيسي.

المصاطب المتدرجة ومباني المرافق الخدمية: تقع شمال الأفنية الخارجية المفتوحة.

الساحات الخارجية تقع حول المشروع من الجهات الشرقية (ساحة المسعى ومنطقة المروة) والغربية (ساحة باب العمرة وشارع أم القرى).

المحاور الإشعاعية:

تشكل هذه المحاور الإشعاعية جسوراً وممرات للحركة الأفقية والرأسية. وتقسم هذه المحاور للمشروع إلى أجزاء يمكن لكل منها احتواء عدد محدد من الحشود، مما يدعم من انسيابية وسلاسة حركة الحشود وتدفقهم وتعريفهم ويعمل على تحقيق أمنهم وسلامتهم. كما تحتوي على مجموعة الخدمات المساندة لخدمة تلك الحشود وتربط هذه المحاور بين أجزاء وعناصر المشروع.

وقد اعتمدت الفكرة الأساسية لجامعة الملك سعود التي انطلق تطوير التصميم (المشروع) منها على مبدأ «الوحدة الوظيفية النموذجية» التي تمثل وحدة بنائية متكاملة في وظائفها وخدماتها، ويمكن تكرارها في اتجاه المحاور الإشعاعية، أو في اتجاه القطاعات الحلقية الدائرية لتكوين الكتل البنائية للمشروع التي تكوّن في مجموعها تشكيلاً عمرانياً وظيفياً مترابطاً يلبي المتطلبات الرئيسية للمشروع، ويتجانس مع مبنى المسجد الحرام ويراعي طبوغرافية الموقع. ويمكن من خلال هذه الوحدات البنائية تحقيق ما يلي:

تجزئة الحشود إلى أجزاء محددة يمثل كل منها الحجم الأمثل الذي يمكن التعامل معه بصورة تحقق الأمن والسلامة وتساعد في انتظام صفوف المصلين وتمكنهم من أداء الشعائر التعبدية بسكينة وخشوع.

توفير الخدمات والوظائف الحيوية للمستخدمين بصورة متكاملة من قاعات الصلاة والخدمات الملحقة بها.

توفير المرونة اللازمة لتشغيل المبنى؛ مثل إمكانية استخدام أجزاء من المبنى في كل دور فقط أو استخدام أدوار محددة فقط بحسب الحاجة خلال المواسم المختلفة، مع إمكانية تخصيص مواقع مصليات النساء والرجال بشكل مرن.

تيسر أعمال الصيانة لشبكات النظم الهندسية في مستويات ومسارات منفصلة تماماً للمستخدمين، وصيانة الفراغات الداخلية لكل وحدة بنائية دون التأثير على الأداء الوظيفي للوحدات عن حركة الأخرى.

تصميم مكونات قياسية نموذجية لكل العناصر والتفاصيل المستخدمة بالمشروع المعمارية والنظم الهندسية.

دعم وتيسير استراتيجيات مراحل التنفيذ أو التمدد للمستقبلي.

إثراء التشكيل الفراغي وتحقيق الجودة الجمالية لعناصر المشروع مع إمكانية تميز كل وحدة بنائية بشخصية مستقلة تحقق سهولة التوجيه والإرشاد المكاني في كل منطقة من مناطق المشروع.

البهو الرئيسي للتوسعة في المراحل النهائية

وماذا بعد؟

توفي الملك عبد الله رحمه الله في 3 ربيع الثاني 1436هـ الموافق 23 يناير (كانون الثاني) 2015، وأكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله، فور توليه مقاليد الحكم، مواصلة العمل بواجبات ومسؤوليات خدمة الحرمين الشريفين التي تشرف بها ملوك البلاد السابقون، وتوفير الأمن والراحة والطمأنينة لضيوف الرحمن. وتأكيداً لحرصه على كل ما من شأنه أداء قاصدي المسجد الحرام لمناسكهم بكل يسر وراحة، تفقد الملك سلمان يوم السبت 12 شعبان 1436ه الموافق 30 مايو (أيار) 2015، مراحل مشروع التوسعة السعودية الثالثة للحرم المكي، ووجه بتسخير كل الإمكانات والمتطلبات التي يحتاج إليها المسجد الحرام ومشروع التوسعة. وقال: «سأنفذ وصية الملك عبد الله وقد أوصاني بالمشاريع في مكة».

خادم الحرمين الشريفين يدشن عدد من المشاريع الرئيسية ضمن المشروع الشامل للتوسعة السعودية للحرم المكي(واس)

وفي يوم 24 رمضان 1436هـ الموافق 11 يوليو 2015، دشَّن الملك سلمان 5 مشروعات رئيسية ضمن المشروع الشامل للتوسعة السعودية الثالثة، الذي تشرف على تنفيذه وزارة المالية، وهي: مشروع مبنى التوسعة الرئيسي، ومشروع الساحات، ومشروع أنفاق المشاة، ومشروع محطة الخدمات المركزية للحرم، ومشروع الطريق الدائرية الأول.

قصة تصميم التوسعة ليست قصة أشخاص، أو جامعات، أو شركات أو استشاريين، أسهم كل منهم بدوره وجهده، ولكنها قصة عمل مهني مشرف، وقبل ذلك وبعده قصة قيادة نذرت نفسها لخدمة الحرمين ودولة سخرت مواردها لأمن وسلامة وراحة قاصديهما واستثمرت في الإنسان الذي أسهم في عمارتهما، وقدم الفكرة التصميمية لثالث التوسعات بعد نحو 75 عاماً من تصميم أول توسعة سعودية للحرمين الشريفين.

وبعد، هذا جزء يسير من تاريخ التوسعة الطويل، مما يمكن استلحاقه لاحقاً.

وكان في زوايا القصة وكواليسها جوانب مشرقة ومواقف مقدرة وجهود مشكورة، وقبل ذلك وبعده كثير من التوفيق والتيسير من المولى القدير، رغم التحديات والصعوبات التي تمثلت في ضيق الوقت المحدد لإنهاء الدراسة والجوانب المتعددة والمعقدة المتصلة بطبيعة وضع المسجد الحرام من حيث الإنشاءات والحركة وتباين ثقافات وخلفيات القاصدين وغير ذلك.

أما عن الأعضاء، بل أكثرهم فتلك قصة أخرى. بعضهم رفض تسلم المكافآت رغم حاجته لها، وجلهم كانوا لا يريدون أن تذكر أسماؤهم في سجلات توثيق المشروع ولا غيرها، لأنهم يرون أن مجرد المشاركة في مشروع توسعة الحرم شرف لا يضاهيه شرف، وكل ذلك رغبة فيما عند الله وحده، وبذلك تولوا إلى الظل من دون أن يتباهوا بما قدموا أو يحمدوا بما عملوا.

وتلك ليست مبالغة. فهنا قصتان فيهما خير مثال. أولاً فريق كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود الذي طلب رئيسه تنفيذ استوديو افتراضي ثلاثي الأبعاد مقابل اختيار تصميم الجامعة أساساً لتصميم التوسعة، ليكون مكافأة لمنسوبي الكلية وتعم الفائدة للجميع، وبالفعل تم تنفيذ الاستوديو وتجهيزه في أحد معامل الكلية.

الاستوديو الافتراضي الثلاثي الأبعاد بكلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود

أما القصة الثانية، فقد كانت هناك حاجة ملحة لرئاسة الحرمين لاستشارة فنية حول إحدى المنشآت الإلكتروميكانيكية المرتبطة بالمسجد الحرام، وكانت كل الحلول التي قدمت من مقاول الصيانة تتجه إلى استبدال الأجهزة الموجودة بالكامل؛ بل ونقل المحطة إلى مكان آخر بما يستلزم ذلك من حفر لأنفاق وتكاليف إنشاء وتجهيز، فقرر الشيخ صالح الحصين رحمه الله، أن يستعين بأحد الاستشاريين المختصين في ذات التخصص المطلوب (هذا الاستشاري من جنسية عربية، وعمل لاحقاً ضمن الفريق الأساسي لوزارة التعليم العالي في مشروع التوسعة الثالثة)، وبعد أن عاين الدكتور المشكلة، واطلع على التقارير التي قدمت، اجتمع مع الفريق المسؤول عن تلك المنشأة ودرس بعناية مقترحات الاستبدال وما يقابلها من بديل، ورأى أن مقترح رفع مستوى حجم وطاقة المحطة الحالية في الموقع ذاته أمر ممكن ومجدٍ، وقدم التصور الكامل لإمكانية تحقيق ذلك فنياً، مما حسم الأمر، هذا الحل وفر ملايين الريالات على الميزانية العامة فرأى الشيخ الحصين تقديم مكافأة مالية له تعادل نسبة مئوية من إجمالي قيمة التوفير واستصدر الموافقة على ذلك، وحين قابل الشيخ الدكتور وشكره على جهده قدم له ظرفاً يحوي شيكاً بقيمة الأتعاب الاستشارية المقدرة، فلما علم الدكتور أن في الظرف شيكاً له رفض تسلمه من دون أن ينظر حتى إلى قيمة المبلغ (وكان كبيراً)، وباءت كل محاولات الشيخ لإقناعه بأخذه لأنه حقه الشرعي والنظامي أو ربما هو أقل، وأن عمله كان سبباً للتوفير على خزينة الدولة، وأدى لاختصار الجهد والوقت.

كما صاحب تلك التجربة الفريدة والمعقدة الكثير من التسهيلات والدعم اللامحدود من حكومة خادم الحرمين الشريفين وتوفير جميع احتياجات الفريق وتأمين طلباته وتيسير الإجراءات واستقدام كبار الخبراء في العالم عند الحاجة، وتسهيل التواصل مع مراكز الفكر وبيوت الخبرة العالمية. كل ذلك من أجل توسعة بيت الله الحرام لاستيعاب الأعداد المزدادة من الحجاج والمعتمرين وتيسير أداء نسكهم بكل راحة وسلامة وأمان.

إن المتمعن في هذه التجربة، يجد أنها مختلفة في منهجها عما سبق من توسعات الحرمين وفريدة في مشروعات الدولة الكبرى، عمل عليها مئات المتخصصين من أعضاء هيئات التدريس بالجامعات السعودية والخبراء العالميين في مختلف المجالات، وغيرهم من المهندسين والفنيين تجاوز عددهم المئات من مختلف الجنسيات، هذا عدا بيوت الخبرة والجامعات العالمية والرواد المعماريين، وغيرهم، بتنسيق بديع وتكامل فريد، وأنفق عليها مئات الملايين من الريالات. لذا يجب ألا تتوقف؛ بل يمكن أن تُدرس وتقوم ويستفاد منها ويؤسس عليها؛ ليس في مخرجاتها فحسب، بل وفي كونها تجربة مهنية جماعية نقلت كثيراً من العلوم والمعارف والتجارب والخبرات، وأسهمت في تطوير معارف وتجارب أعضاء الفريق وسن طريقة غير مسبوقة في تنفيذ دراسات المشروعات العملاقة من خلال منظومة عمل فرق تكاملية في جميع التخصصات والعلوم.

ولعل الأهم بعد هذا التوثيق معرفة كيف يمكن تقويم تلك التجربة الفريدة والاستفادة منها ثم البناء عليها...

*كاتب وباحث سعودي

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

رمضان يرفع إيقاع العطر... 35 مبخرة يومياً و13 ألف لتر لتعطير المسجد الحرام

يوميات الشرق دهن العود لتطييب الحجر الأسود (الهيئة العامة للعناية بشؤون الحرمين)

رمضان يرفع إيقاع العطر... 35 مبخرة يومياً و13 ألف لتر لتعطير المسجد الحرام

لا يتلاشى المشهد من الذاكرة ولا الرائحة. هكذا يصف كثير من الحجاج والمعتمرين تجربتهم في المسجد الحرام؛ إذ يرافقهم عبقٌ مميز، ثابت، يعرفونه كلما عادوا بذاكرتهم…

أسماء الغابري (جدة)
يوميات الشرق توسعة الحرم المكي شاهد على الرعاية السعودية وجدوى الابتكار في التطوير (واس)

توسعة الحرم المكي... رعاية سعودية وريادة في الابتكار المعماري

اعتمد تصميم التوسعة الثالثة على محاور إشعاعية تنطلق من الكعبة المشرفة وكتل حلقية تحيط بها، في رؤية معمارية تراعي قدسية المكان وتستوعب التوسعات المستقبلية.

عمر البدوي (الرياض)
الخليج عدد المُصلين بالمسجد الحرام بلغ 30 مليوناً و16 ألفاً و73 مُصلياً خلال شهر (واس)

أكثر من 68 مليون زائر ومعتمر بالحرمين الشريفين خلال شهر

استقبل المسجد الحرام بمكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، أكثر من 68 مليون زائر خلال شهر.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج الأمير سعود بن مشعل لدى ترؤسه الاجتماع في مكة المكرمة الأربعاء (إمارة المنطقة)

سعود بن مشعل: خدمة المقدسات وقاصديها على هرم أولويات السعودية

أكّد الأمير سعود بن مشعل، نائب أمير منطقة مكة المكرمة، أن السعودية منذ تأسيسها «أولت خدمة المقدسات وقاصديها اهتماماً خاصاً، وجعلتها على هرم الأولويات».

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج عدد المعتمرين القادمين من الخارج أكثر من مليون معتمر (واس)

السعودية: 5.4 مليون معتمر خلال الربع الثاني من عام 2025

صدرت الهيئة العامة للإحصاء السعودية، نتائج إحصاءات العمرة للربع الثاني من عام 2025م، التي أظهرت أن إجمالي عدد المعتمرين من داخل السعودية والقادمين إليها.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)

أميركا واللقاحات: هل ينتصر مجتمع الشك على دولة العلم؟

عاملان من الصليب الأحمر بلباس عازل يحملان نعش طفل توفى جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديموقراطية في 24 مايو الحالي (رويترز)
عاملان من الصليب الأحمر بلباس عازل يحملان نعش طفل توفى جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديموقراطية في 24 مايو الحالي (رويترز)
TT

أميركا واللقاحات: هل ينتصر مجتمع الشك على دولة العلم؟

عاملان من الصليب الأحمر بلباس عازل يحملان نعش طفل توفى جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديموقراطية في 24 مايو الحالي (رويترز)
عاملان من الصليب الأحمر بلباس عازل يحملان نعش طفل توفى جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديموقراطية في 24 مايو الحالي (رويترز)

في بلد يملك بعضاً من أضخم المختبرات الطبية في العالم، وأقوى شركات الدواء، وأكبر منظومات البحث والتطوير، يبدو التردد الأميركي المتصاعد حيال اللقاحات مفارقة صادمة. فالولايات المتحدة التي قادت سباقات إنتاج اللقاحات، ودفعت أحياناً نحو تسريع ترخيص علاجات وأدوية قبل دول غربية أخرى أكثر تحفظاً، تجد نفسها اليوم أمام عودة أمراض تشبه أمراض البلدان النامية، ويُفترض أنها صارت من ذاكرة الطب الوقائي في البلدان المتطورة. عودة الحصبة إلى الانتشار الواسع، وتجدد المخاوف من «إيبولا» وفيروسات أخرى مثل «هانتا»، لا تعكس أزمة وبائية فحسب، بل تكشف أيضاً أزمة ثقة بين العلم والمجتمع، وبين الدولة والمواطن، وبين السياسة والمؤسسات الصحية.

طفلان أميركيان ينظران عبر الزجاج إلى والدهما المصاب بـ«إيبولا» في غرفة الحجر الصحي في أحد مستشفيات برلين في 21 مايو الحالي (رويترز)

تزداد المفارقة حدّة اليوم في عهد إدارة الرئيس دونالد ترمب، إذ يتزامن القلق من موجات وبائية جديدة مع اتهامات للإدارة بأنها أضعفت أدوات الوقاية داخل الولايات المتحدة وخارجها. وهو ما تجلَّى بالفعل منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، عبر تقليص المساعدات الصحية الخارجية، وتفكيك أجزاء من بنية الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (يو إس إيد)، والانسحاب من منظمة الصحة العالمية، وتخفيض أدوار مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها.

وفي الداخل، جاء تسليم وزارة الصحة والخدمات الإنسانية إلى روبرت إف. كينيدي جونيور، المعروف بتاريخ طويل من التشكيك في اللقاحات، ليحوّل النقاش الصحي إلى مواجهة سياسية وثقافية مفتوحة. وهذه ليست مجرد مسألة طبية، بل هي اختبار لمعنى الحرية الفردية حين يصبح قرار شخص واحد بعدم تلقي اللقاح خطراً على طفل رضيع، أو مريض سرطان، أو مجتمع بأكمله.

موكب يرافق سيارة إسعاف نقلت مسعفاً أميركياً أصيب بـ«إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية وتم نقله إلى برلين لإسعافه (رويترز)

عودة «الحصبة»: إنذار مبكر

يجمع الأطباء وعلماء الأمراض على أن «الحصبة» لا تحتاج إلى كثير من الثغرات كي تعود. فهي من أكثر الأمراض المعدية انتشاراً، ويكفي تراجع محدود في معدلات التلقيح كي تتحول حالة وافدة إلى بؤرة محلية.

ووفق بيانات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، سجَّلت الولايات المتحدة حتى 14 مايو (أيار) 2026 ما مجموعه 1893 إصابة مؤكدة بالحصبة في 40 ولاية أو نطاقاً صحياً، مع 27 تفشياً جديداً خلال العام، وارتباط 93 في المائة من الحالات بتفشيات قائمة. كما سجلت البلاد في عام 2025 ما مجموعه 2288 إصابة مؤكدة و48 تفشياً، مقارنة بـ285 إصابة فقط في عام 2024. هذه الأرقام لا تعني مجرد زيادة إحصائية، بل تشير إلى أن «درع المناعة الجماعية» بات مثقوباً في مناطق متعددة.

تزداد خطورة المؤشر لأن الولايات المتحدة كانت أعلنت القضاء على الانتقال المحلي المستمر للحصبة منذ عام 2000. لكن القضاء لا يعني اختفاء الفيروس من العالم، بل يعني أن النظام الصحي قادر على منع تحوله إلى سلسلة انتقال داخلية. وعندما تتراجع معدلات التطعيم، تسقط هذه القدرة.

ويشير مجلس العلاقات الخارجية إلى أن دولاً عدة فقدت أو باتت مهددة بفقدان وضع القضاء على الحصبة، بينها كندا ودول أوروبية وآسيوية، وأن الولايات المتحدة والمكسيك تواجهان خطر مراجعة وضعهما من منظمة الصحة للبلدان الأميركية.

طبيبة تشير إلى لقاحات ضد الحصبة بعد انتشار الوباء في لوبوك تكساس الأميركية في 5 مارس 2025 (رويترز)

وهنا المعيار العلمي واضح: يحتاج المجتمع إلى تلقيح نحو 95 في المائة من أفراده ضد الحصبة لتحقيق المناعة الجماعية. واللقاح نفسه ليس موضع شك علمي جدي؛ فمراكز مكافحة الأمراض تقول إن جرعة واحدة من لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية فعالة بنسبة 93 في المائة ضد الحصبة، وترتفع الفعالية إلى 97 في المائة بعد جرعتين. لكن المشكلة لا تكمن في توفر المعرفة، بل في تآكل الثقة بها.

بلد العلم... ومجتمع الشك

الانقسام الأميركي حول اللقاحات ليس جديداً، لكنه اتخذ بعد وباء «كوفيد - 19» طابعاً أكثر حزبية، مع تآكل الثقة في الإرشادات المتغيرة وتحول المعرفة الطبية إلى مادة في حرب ثقافية. في مراحل سابقة، كانت معارضة اللقاحات توجد داخل مجموعات دينية محافظة، أو تيارات «الطب الطبيعي»، أو أوساط ليبرالية قلقة من شركات الأدوية. لكن الوباء أعاد توزيع الخريطة: صارت الكمامة واللقاح والإغلاق وإلزامية التطعيم إشارات هوية سياسية، لا مجرد أدوات للصحة عامة فقط.

في استطلاع أجرته «بوليتيكو» عبر مؤسسة «بابليك فيرست» وشمل 3851 بالغاً، برزت شريحة واسعة من الأميركيين تشكك في سلامة اللقاحات، وتؤيد تقليل عدد الجرعات، وتميل إلى اعتبار حق الفرد في تقرير ما يدخل جسده أهم من منع انتشار المرض. كما أشار الاستطلاع إلى أن قرابة نصف البالغين يرون أن علم اللقاحات لا يزال موضع نقاش، أو أن فرض اللقاحات يسبب ضرراً.

أميركية تحمل لافتة كتب عليها «أمهات ماها»: «فلنجعل أميركا صحية من جديد» خلال تجمع في واشنطن العاصمة في 22 أبريل 2025 (رويترز)

هذا المزاج لا ينفصل عن صعود حركة «لنجعل أميركا صحية مجدداً» المرتبطة سياسياً بكينيدي جونيور. فالحركة تمزج بين نقد شركات الدواء، والقلق من الأغذية المصنعة، والشك في المبيدات، ومعارضة جزء من سياسات اللقاحات. هذه التركيبة تمنحها جاذبية مزدوجة: فهي تخاطب ناخبين محافظين يرفضون تدخل الدولة، وناخبين غير محافظين يرتابون من نفوذ الشركات. لكن الخطر يظهر حين يتحول نقد مشروع للمصالح الدوائية إلى إنكار للأدلة العلمية الأساسية.

كينيدي يقحم السياسة في جدول التطعيم

تعيين كينيدي على رأس وزارة الصحة لم يكن تفصيلاً إدارياً. فالرجل بنى جزءاً كبيراً من حضوره العام على التشكيك في سلامة اللقاحات، رغم أن الادعاءات الأكثر شهرة عن علاقة اللقاحات بالتوحد دُحضت علمياً مراراً. ومع دخوله الوزارة، انتقل الخطاب من هامش القناعات السياسية إلى مركز القرار الصحي.

تقول «رويترز» إن مجموعات مرتبطة بحركة كينيدي دفعت باتجاه مشروعات قوانين مناهضة لإلزامية اللقاحات في ولايات عدة، لكن هذه المشروعات مُنيت بهزائم واسعة بعدما حشدت منظمات طبية وصحية، بينها الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال، ضدها. اللافت أن هذه الهزائم حصلت حتى في ولايات جمهورية، ما يشير إلى أن القاعدة المحافظة ليست كتلة واحدة معادية للقاحات، وأن كثيراً من الناخبين يميزون بين الاعتراض على البيروقراطية وبين تفكيك متطلبات التطعيم المدرسي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الصحة المثير للجدل روبرت كينيدي متحدثاً عن أثر عقار تايلنول على الحوامل والتسبب في توحّد الأطفال وهو ما دحضته الأبحاث العلمية (رويترز)

ومع ذلك، لا يمكن التقليل من الأثر السياسي للتشكيك الرسمي. فحين يسمع المواطن رسائل متناقضة من الدولة نفسها، يضعف الامتثال الطوعي. وحين يصبح وزير الصحة نفسه رمزاً لتيار يشكك في اللقاحات، فإن كل تفشٍّ جديد يتحول إلى معركة تأويل: هل السبب هو الهجرة والسفر العالمي؟ أم تراجع الثقة؟ أم خفض التمويل؟ أم الإعلام؟ في الواقع، كل هذه العوامل قد تتداخل، لكن القيادة الصحية مسؤولة عن تقليل الالتباس لا زيادته.

بين حرية الجسد وواجب الدولة

السؤال القانوني في قلب النقاش الأميركي هو: إلى أي حد تستطيع الدولة إلزام الفرد بإجراء طبي لحماية الآخرين؟ التاريخ الدستوري الأميركي يجيب من حيث المبدأ منذ قضية «جاكوبسون ضد ماساشوستس» عام 1905، حين أيَّدت المحكمة العليا سلطة الولاية في فرض التطعيم ضد الجدري باعتباره ممارسة مشروعة لـ«سلطة الشرطة» لحماية الصحة العامة. وتعود القضية إلى رفض القسّ السويدي هننغ جاكوبسون الامتثال لقانون في ولاية ماساشوستس يفرض التطعيم ضد الجدري أو دفع غرامة صغيرة. فطعن في القانون باسم الحرية الفردية، لكن المحكمة العليا رأت أن حق الفرد يتراجع عندما يهدد رفضه الصحة العامة. ورغم أن الحكم لم يقل إن الدولة تستطيع أن تفعل ما تشاء بجسد المواطن، لكنه أكد أن الحرية الفردية ليست مطلقة عندما يترتب على ممارستها خطر مباشر على المجتمع.

وزير الصحة الأميركي روبرت كينيدي متحدثاً في مؤتمر «ماها»: «فلنجعل أميركا صحية من جديد» في واشنطن العاصمة يوم 12 نوفمبر 2025 (رويترز)

منذ ذلك الوقت، قامت سياسات التطعيم المدرسي في الولايات المتحدة على منطق مشابه: لا تجبر الدولة عادة كل شخص بالقوة الجسدية على أخذ اللقاح، لكنها تربط الالتحاق بالمدارس العامة أو بعض الوظائف أو الأماكن الحساسة بمتطلبات صحية من بينها أن يكون المرء قد حصل على اللقاحات التي تُعد أساسية. وفي المقابل، أبقت الولايات على استثناءات طبية، وأحياناً دينية أو فلسفية. غير أن اتساع هذه الاستثناءات يحولها من ضمانة حقوقية إلى ثغرة وبائية. فالقانون لا يحمي الفرد من الدولة فقط، بل يحمي الضعفاء أيضاً من قرارات الآخرين.

هنا يكمن التوتر الأميركي العميق. فثقافة الحرية الفردية تجعل كثيرين يرون اللقاح قراراً شخصياً خالصاً، لكن الأمراض المعدية لا تعترف بهذا الفصل. رفض اللقاح ليس كرفض علاج لا يؤثر إلا في صاحبه؛ إنه قرار قد يفتح طريق العدوى أمام مجتمع كامل. لذلك، تصبح مسؤولية الدولة مزدوجة: أن تشرح وتقنع وتبني الثقة أولاً، وأن تستخدم الإلزام المتدرج عندما يهدد التردد الصحة العامة.

«إيبولا» يفضح الهشاشة

إذا كانت الحصبة تكشف ثغرات الداخل، فإن «إيبولا» يكشف هشاشة الجدار الخارجي للأمن الصحي الأميركي. التفشي الحالي في الكونغو وأوغندا، المرتبط بسلالة «بونديبوغيو» النادرة، أثار قلقاً خاصاً، لأنه لا يوجد لقاح مرخص أو علاج نوعي ضدها، بخلاف بعض سلالات «إيبولا» الأخرى. وأعلنت منظمة الصحة العالمية في 16 مايو (أيار) 2026 أن التفشي يشكل طارئة صحية عامة ذات قلق دولي، مع تأكيد حالات في الكونغو وأوغندا، ووجود مئات الحالات المشتبه بها ووفيات عديدة.

عمّال الصليب الأحمر يعقّمون محيط مستشفى بعد تسلّم جثة أحد المصابين بـ«إيبولا» في ولاية إيتوري في جمهورية الكونغو الديمقراطية في 21 مايو الحالي (رويترز)

كما أن طبيعة المنطقة تضيف المنطقة خطراً مضاعفاً. فإيتوري ومنطقة شرق الكونغو ليستا مجرد رقعة صحية، بل مساحة نزاع، وتعدين، وحركة حدودية، وضعف مؤسسات، وانعدام ثقة بين السكان والسلطات. وفي مثل هذه البيئات، لا يكفي إرسال معدات وقاية أو إنشاء عيادات عزل. فالاستجابة الفعالة تحتاج إلى تتبع مخالطين، ودفن آمن، ومختبرات، وعاملين محليين موثوقين، وشبكات إنذار مبكر. أي أن الأمن الصحي يبدأ قبل ظهور الحالة الأولى في مطار أميركي.

هنا تتصاعد الاتهامات لسياسات إدارة ترمب. فقد نقلت وسائل إعلام أميركية بينها «أكسيوس» و«بوليتيكو» و«واشنطن بوست» تحذيرات خبراء من أن تفكيك برامج «يو إس إيد»، والانسحاب من منظمة الصحة العالمية، وتقليص دور مراكز مكافحة الأمراض في برامج عالمية، وجهت ضربة لبنية الرصد والاستجابة. كما نقلت عن لجنة الإنقاذ الدولية قولها إن خفض التمويل ترك المنطقة «مكشوفة بشكل خطير»، وإن ارتفاع الحالات يعكس أن أنظمة المراقبة بدأت تلاحق حالات تفشٍ كان جارياً على الأرجح منذ فترة.

إدارة ترمب ترد بأنها موَّلت عيادات علاجية وأرسلت معدات وتشغل تنسيقاً بين الوكالات. لكن الاعتراض الجوهري، بحسب خبراء، هو أن الاستجابة المتأخرة لا تعوض دائماً عن الوقاية المبكرة. في الأوبئة، الساعة الأولى قد تساوي أسابيع لاحقة من الجهد.

دمى من البالونات على شكل بيل غيتس ومدير عام «الصحة العالمية» تادروس جبريوس يحملان حقناً رفعها معارضون لسياسات المنظمة حيال الاستعداد للأوبئة أمام مبنى الجمعية العامة في جنيف في 19 مايو 2025 (أ.ف.ب)

«الحرية الطبية» والتكلفة الجماعية

تعتمد الحركات المناهضة للتلقيح الملزم على لغة جذابة: «حرية طبية»، و«حق الاختيار»، و«شفافية»، و«مقاومة نفوذ شركات الدواء». ولا يمكن إنكار أن جزءاً من هذه الأسئلة مشروع. تاريخ الدواء لا يخلو من تضارب مصالح، ومن تسويق عدواني، ومن إخفاقات رقابية. كما أن وباء «كوفيد-19» ترك في الذاكرة الأميركية شعوراً بالارتباك بسبب تبدل الإرشادات، والقيود الاجتماعية، والصراع بين العلماء والسياسيين.

لكن المشكلة تبدأ حين تُستخدم أخطاء المؤسسات لتقويض الطب الوقائي كله. فإصلاح الرقابة على شركات الدواء لا يعني إسقاط اللقاحات. والمطالبة بشفافية بيانات السلامة لا تعني مساواة الدراسات العلمية المُحكمة بمنشورات التضليل التي أغرقت وسائل التواصل الاجتماعي في ذلك الوقت. كما أن القلق من تسرع بعض الترخيص لا يبرر تجاهل لقاحات ثبتت فعاليتها لعقود. والكلفة هنا لا تقع بالتساوي. فالعائلات القادرة قد تؤخر اللقاح لكنها تملك أطباء ومعلومات ووسائل علاج. أما المجتمعات الفقيرة، والمدارس المكتظة، والمناطق الريفية، والمهاجرون، والأطفال غير المؤهلين طبياً للتطعيم، فيدفعون الثمن الأكبر. لذلك، فإن تراجع التطعيم ليس مجرد خيار فردي، بل يعمّق اللامساواة الصحية، بحسب الخبراء.

اللقاحات تحمي من تفشي الأوبئة والأمراض (أ.ف.ب)

دولة عظمى أمام سؤال الثقة

القضية في النهاية ليست ما إذا كانت الولايات المتحدة تملك العلم؛ فهي تملكه لا شك. وليست ما إذا كانت تملك المال؛ فهي تملكه أيضاً، وإن اختلفت أولويات الإنفاق. السؤال هو ما إذا كانت تملك الثقة العامة اللازمة لتحويل العلم إلى سلوك جماعي.

لقد أظهرت هزائم مشروعات القوانين المناهضة للقاحات في ولايات عدة أن المجتمع الأميركي لم ينقلب بالكامل على التطعيم، وأن هناك مقاومة مؤسسية وشعبية لتفكيك متطلبات الصحة العامة. لكن أرقام الحصبة، وصعود الخطاب المشكك، وتسييس وزارة الصحة، وتراجع البنية العالمية للرصد، كلها تقول إن النظام الصحي الأميركي دخل مرحلة أكثر هشاشة.

طفل يتلقى جرعة من لقاح «كوفيد - 19» في بنسلفانيا أميركا في 11 سبتمبر 2025 (رويترز)

الأوبئة لا تبدأ عادة ككارثة شاملة. تبدأ بثغرة صغيرة: عائلة لم تطعم أطفالها، مقاطعة انخفضت فيها التغطية، عيادة أُغلق تمويلها، مختبر فقد موظفيه، أو رسالة سياسية زرعت الشك في لحظة حرجة. ومن هذه الثغرات تتسع الدائرة.

لذلك، لا تكفي العودة إلى خطاب تقني عن «سلامة اللقاح». المطلوب عقد اجتماعي صحي جديد: شفافية أكبر، ورقابة أقوى على شركات الدواء، واعتراف بأخطاء مرحلة «كوفيد»، وخطاب علمي أقل تعالياً، وحزم قانوني عندما يتحول الرفض الفردي إلى خطر عام. فأميركا لا تواجه نقصاً في اللقاحات بقدر ما تواجه نقصاً في الثقة، وهذه، في زمن الأوبئة، قد تكون العدوى الأخطر.


مستشفيات سوريّة تحولت أقبية تعذيب وتصفية: «تشرين العسكري» نموذجاً

لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
TT

مستشفيات سوريّة تحولت أقبية تعذيب وتصفية: «تشرين العسكري» نموذجاً

لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)

جمعت «الشرق الأوسط» شهادات مؤلمة لناجين من عمليات «تصفية متعمّدة» كانت ترتكب بحقّ موقوفين معارضين في مشفى تشرين العسكري بدمشق ومشافٍ عسكرية أخرى خلال سنوات الثورة السورية، ورووا كيف كانت تتم عمليات التعذيب وأساليب القتل، وأبرزها «كسر العنق».

وأوقفت السلطات الأمنية السورية عشرات قيد التحقيق على خلفية تلك الجرائم، فيما لا يزال معظم المسؤولين عنها ومرتكبيها فارّين. وذكرت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» أن المعطيات التي جمعتها تفيد بوجود شبكات منظمة من الأطباء والممرضات ورجال الأمن الضالعين في هذه الجرائم، وتشمل عمليات استئصال الأعضاء والقتل المباشر.

يأتي ذلك وسط استمرار صدمة، يعيشها غالبية السوريين منذ مطلع الشهر الحالي، بعد نشر مقاطع فيديو وصور مسرّبة توثق تعذيب معتقلين داخل عدد من المواقع، من بينها مستشفى تشرين.

مدخل مستشفى تشرين العسكري قبل إعادة تسميته «مشفى دمشق العسكري» (أ.ف.ب)

أكبر تجمّع طبي

افتتح مشفى تشرين العسكري، الواقع في حي برزة شمال شرقي دمشق عام 1982، كأكبر تجمع طبي في سوريا، متضمناً أبنية حديثة، ويستقبل المدنيين كما العسكريين. وأصبح المشفى أحد أفضل المراكز التخصصية، إذ يضم أكثر من 36 قسماً وشعبة طبية تخصصية، وأجهزة حديثة خصوصاً لغسيل الكلى، وكادراً يناهز عدده 1600 بين أطباء وممرضين وإداريين وحراس.

وتتألف الهيكلية الإدارية في المستشفى من المدير العام، وهو ضابط برتبة عميد، ونائبين له، غالباً برتبة عميد أو عقيد، أحدهما للشؤون الفنية والطبية، وآخر للشؤون الإدارية، وضابط الأمن تتراوح رتبته من نقيب حتى عقيد، ورؤساء الشعب والأقسام برتب من مقدم حتى عميد، والأطباء الاختصاصيون والمقيمون من ملازم أول حتى عقيد، والكادر التمريضي، وهؤلاء ضباط صف، إضافة إلى العاملين من مجندين وعرفاء.

وبلغ عدد المشافي والمستوصفات العسكرية في عهد النظام السابق نحو 30 تابعة لـ«إدارة الخدمات الطبية العسكرية»، وموزعة على 14 محافظة، وأبرزها مستشفيات «تشرين» و«601» و«حرستا» في دمشق وريفها، ومشافي حلب وحمص واللاذقية.

ومنذ تسريب المقاطع المصورة والصور القديمة التي تبين أن المشافي العسكرية، ومنها تشرين، تحولت إلى «مسالخ بشرية» في عهد النظام السابق، يطالب الأهالي بالكشف عن أسماء مرتكبي الجرائم وإلقاء القبض عليهم ومحاسبتهم، وكشف مصير أحبتهم.

وعلمت «الشرق الأوسط» أنه تم توقيف نحو 40 طبيباً قيد التحقيق بينهم 3 رؤساء أقسام وشعب طبية، لكن وزارتي الدفاع والداخلية لم تردّا على أسئلة «الشرق الأوسط» حول الكوادر الطبية المتورطة وعدد من جرى توقيفهم.

سوريون يبحثون عن ذويهم المفقودين بين جثث عُثر عليها في سجن صيدنايا ونقلت إلى مشرحة مستشفى المجتهد في دمشق (أ.ف.ب)

قسم التصفية

كان الطبيب محمود رهبان ضابطاً برتبة عقيد ضمن «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» السابقة، وهو من سكان دمشق، وتنقل خلال فترة خدمته في عدة مراكز طبية ومشافي عسكرية، آخرها «مشفى حلب». وتحدث رهبان لـ«الشرق الأوسط»، كيف تحولت مبانٍ من المستشفيات العسكرية، ومنها «تشرين»، في سنوات الثورة إلى فروع أمنية مصغّرة لا تتبع إدارة المستشفى، وإنما يفرز لها عناصر من الشرطة العسكرية يشرفون عليها.

والمبنى الصغير في مستشفى تشرين، كما في مستشفى حلب، مستقل كلياً عن المبنى العام الذي يعمل فيه الأطباء، ويأتيه المواطنون العاديون للعلاج.

وخلال السنوات الأولى للثورة، عمل رهبان برفقة مجموعة من الناشطين على إدخال أدوية ومواد طبية إلى حيي برزة والقابون، وكان ناشطاً ضمن تنسيقية مساكن برزة للثورة السورية واتحاد تنسيقيات دمشق.

وتم اعتقال رهبان بتهمة «تمويل أعمال إرهابية»، وأحيل إلى «محكمة الإرهاب»، ثم أودع سجن «صيدنايا» السيئ الصيت. وبعد توقيف استمر 75 يوماً أخلي سبيله، بقرار «منع محاكمة لعدم كفاية الأدلة»، بعدما دفع رهبان رشاوي كبيرة للمحققين وقاضي التحقيق للإفراج عنه.

ويشير رهبان إلى أنه عند مرض المعتقلين يتم إحالة غالبيتهم إلى «القسم الخاص» في مشفى تشرين. ويقول: «المعاملة كانت سيئة جداً، إذ كنا نتعرض للضرب بقوة، ونوصف بالإرهابيين والخونة من قبل الأطباء والكوادر الطبية الذين كان همّهم في بداية الثورة إظهار ولائهم المطلق للنظام».

عناصر من الدفاع المدني و«الخوذ البيضاء» يكتشفون مقابر جماعية في سوريا حيث تعرض أكثر من 100 ألف شخص للتعذيب والقتل منذ عام 2013 (أ.ف.ب)

تصفية بكسر الأعناق

على رغم شدة التعذيب في تلك المستشفيات، وخصوصاً «تشرين»، فإن هناك من قدر له أن ينجو منها، مثل العميد محمد منصور عمار، الذي كان يخدم في مطار «السين» العسكري بريف دمشق، مع انطلاق الثورة عام 2011، وجرى اعتقاله في صيدنايا بين 2014 و2022 بتهمة «تزويد الإرهابيين بالمعلومات».

يذكر عمار لـ«الشرق الأوسط»، أنه تم تحويله إلى مستشفى تشرين 6 مرات خلال تلك السنوات. ويقول: «في كل مرة يكون عدد المحولين نحو 20 موقفاً، ولكن لا يعود منا أكثر من 3».

ويروي عمار كيف كانت تجري التصفيات، ويقول: «عناصر مفرزة الشرطة العسكرية جميعهم من (القبضايات)، يختارون كل يوم 10 معتقلين، ويأمرونهم بالاستلقاء على ظهورهم، ثم يأتي العنصر ويدوس بقوة على عنق الموقوف ليفارق الحياة بدقائق، بينما يجبرون من هم على قيد بتجميع الجثث عند باب المفرزة».

ويلفت إلى عدم الاكتراث الذي كان يبديه الطبيب الشرعي، ويقول: «لم يكن يدخل إلى المفرزة أو يعاين المرضى، بل يكتفي بسؤال المساعد من الباب بقرف عن عدد الجثث لتسجيلها». ويؤكد عمّار أنه خلال 4 مراجعات لمشفى تشرين شهد «تصفية نحو 45 موقوفاً بكسر أعناقهم».

صور مفقودين عُلقت على جدران مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق (الشرق الأوسط)

من الناجين أيضاً «إبراهيم علي الحمدان»، الذي كان برتبة ملازم أول مجند في جيش النظام السابق بدرعا، وانشق منتصف 2012، ليتم اعتقاله في دمشق في أغسطس (آب) 2012.

ويتحدث الحمدان لـ«الشرق الأوسط» بمرارة عن تعذيب شديد تعرض له على مدار شهر ونصف شهر في مشفى «حرستا». ويقول: «أرهق جسمي من التعذيب طوال 3 أسابيع، وقال لي مساعد اسمه (أبو الليث): هناك توصية من رئيس الفرع بذبحك... لأنك عوايني (مخبر) للجيش الحر». ويضيف: «جاءت لجنة طبية إلى القسم، وعندما كشف عليّ الطبيب وجد قدميّ متقيحتين من شدة الضرب، فقام بشقّ الورم بمشرط دون أي بنج أو معقمات، وراح يضغط عليهما».

ووفق الحمدان، أتى أبو الليث في أحد الأيام بموقوف، وكان معه طبيب وعنصران، وقاموا بتعذيبه بشدة لساعات، وبعدما استراحوا قليلاً عادوا لتعذيبه حتى منتصف الليل، ليفارق الحياة مع الفجر.

في يوليو (تموز) 2013، تم تحويل الحمدان إلى سجن صيدنايا. وخلال فترة اعتقاله تمت إحالته 47 مرة إلى «مشفى تشرين»، حيث بقي في إحدى المرات نحو 4 أشهر، وكان مصاباً بعدة أمراض.

يقول الحمدان: «أعطوني مصلاً فأصبت بارتفاع حرارة شديد، وشعرت أنني أفارق الحياة، حتى استفرغت دماً، بينما الأطباء يتحدثون بأنني قد أموت».

وبسبب حالته طلب طبيب نقل الحمدان إلى قسم العناية المشددة، لكن مدير القسم الطبي ردّ بالقول: «سيبقى بالنظارة حتى يموت... العناية المشددة لجرحى الحرب، وليست للخونة».

ويؤكد الحمدان، الذي خرج من «صيدنايا» أواخر عام 2020 بعد قضاء محكوميته، أن «المشفى كان مكاناً للإجهاز على المعتقلين، وليس معالجتهم، فخلال 4 أشهر لقّنت الشهادة لـ40 شخصاً قبل وفاتهم».

المدير التنفيذي لـ«رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا»، دياب سرّية، يقول: «ليس من الممكن ضمن المعطيات والظروف الحالية التأكد من أي أرقام للضحايا في مستشفى تشرين العسكري. لكنّنا نقدّر أعداد من دخلوا سجن صيدنايا بين عامي 2011 و2021 بنحو 39 ألف معتقل، بقي منهم نحو 6 آلاف على قيد الحياة». ويلفت سرّية في تقرير نشر عام 2023 إلى أن «جزءاً غير يسير ممن فقدوا حياتهم تم تحويلهم إلى مستشفى تشرين العسكري أحياءً، ثم ماتوا هناك»، موضحاً أنه «استطعنا توثيق 80 حالة فقط لأشخاصٍ عادوا من المستشفى إلى سجن صيدنايا على قيد الحياة، وذلك من أصل 1160 حالة موثقة داخل السجن».

الطبيب السوري المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية يخبئ وجهه عند دخوله قاعة المحكمة بفرانكفورت (أ.ف.ب)

مصير الجناة

في السياق، يوضح الطبيب رهبان أن «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» القديمة جرى «حلّها بالكامل، ومعظم المتورطين في تلك الجرائم على الأرجح هربوا خارج البلاد».

ويعدّ مدير إدارة الخدمات الطبية العسكرية السابق اللواء الطبيب عمار سليمان الذي كانت تربطه علاقة وثيقة مع بشار الأسد، المسؤول الأول عن عمليات التصفية التي كانت تحصل في تلك المشافي. ويرجح رهبان أن يكون سليمان «هرب إلى خارج البلاد، بينما جرى بعد شهرين أو 3 أشهر من التحرير توقيف العميد الطبيب نزار إسماعيل الذي كان يشغل مناصب نائب مدير (الإدارة)، ورئيس فرع الإمداد، ورئيس الفرع العلاجي فيها.

وتفيد معلومات بأن رئيسة قسم الضباط في (الإدارة) العقيد (لبنى علي)، هربت ليلة التحرير من مكتبها إلى بلدتها، ثم إلى خارج البلاد. أما ضابط أمن (الإدارة) العميد مازن إسكندر، فلا توجد أي معلومات عنه».

ووفق رهبان، كان اللواء الطبيب مفيد درويش، الذي شغل منصب مدير المشفى حتى سقوط النظام، يعلم بكل تفاصيل ما يجري في المستشفى، سواء في المبنى العام أو المبنى المعزول الخاص بالمعتقلين المرضى، ولكن تعامله كان سيئاً للغاية حتى مع الكادر الطبي العامل في المبنى العام (المدني). وبقي درويش في البلاد لفترة بسيطة بعد التحرير، ومن ثم غادر إلى الإمارات، في حين هناك أطباء جرى توقيفهم، ومن ثم إخلاء سبيلهم، منهم ضابط الأمن في مشفى تشرين، العميد الطبيب هاني سلوم.

وبالنسبة لرؤساء الأقسام والشعب الطبية في المبنى العام، يقول رهبان إنه «لم تكن لهم علاقة بما كان يجري في المبنى المنعزل»، لافتاً إلى أن أغلبيتهم أجروا تسوية وضع ومنحوا وثيقة تسوية بعد التأكد من أنهم غير متورطين بالدماء وعدم وجود ادّعاء شخصي بحقّهم، مع وضع إشارات منع سفر على أسمائهم في المنافذ البرية والجوية والبحرية، ومن يريد السفر عليه تقديم طلب لوزارة الدفاع، ويسمح له بذلك لمرة واحدة لمدة 3 أشهر بعد إجراء دراسة أمنية عنه.

توزيع أدوار ومهام

كان دور شعبة الطبابة الشرعية في المستشفى توثيق وفاة المعتقلين وإصدار شهادات وفاة، لكن رئيسها كان يدعي في شهادة الوفاة أنها نتيجة «توقف القلب والتنفس» أو «الوهط القلبي الدوراني»، بعد أن قضى هؤلاء فعلياً تحت التعذيب.

ومنذ عام 2011 حتى التحرير في ديسمبر (كانون الأول) 2024، كان العميد الطبيب أكرم فارس الشعار من ريف حماة يرأس شعبة الطبابة الشرعية بمستشفى تشرين، وكانت تضم أيضاً نائبه العميد إسماعيل كيوان من مدينة السويداء، والمقدم أيمن خلو، والملازم منقذ شموط، إضافة إلى 7 ضباط صف ممرضين وإداريين.

وبينما يتحدث رهبان عن توقيف الشعار، يلفت إلى أن أيمن خلو موقوف منذ فترة على خلفية قضية جنائية لا علاقة لها بمستشفى تشرين، في حين فرّ إسماعيل كيوان إلى مناطق سيطرة رجل الدين الدرزي حكمت الهجري في محافظة السويداء جنوب البلاد.

ومع حلّ «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» القديمة، تشير معلومات «الشرق الأوسط» إلى أن من عادوا من طاقم الكوادر الطبية القديمة من أطباء وممرضين «يعدّ على أصابع اليد»، بينما يمارس عدد من الأطباء ممن لم يتورطوا بجرائم مهنتهم في عيادات خاصة، في حين غادر قسم آخر إلى دول غربية وإقليمية وعربية.

وتجري حالياً بوتيرة متسارعة عملية إخلاء مساكن الجاهزية التابعة لمستشفى تشرين من قبل شاغليها وتسليمها، تنفيذاً لقرار أصدرته بداية مايو (أيار) الحالي وزارة الدفاع، وحددت فيه مدة شهر للتنفيذ اعتباراً من تاريخ إصداره.

شبكة قتل وتعذيب منظمة

«الشبكة السورية لحقوق الإنسان» لا تملك حتى الآن رقماً موثقاً بالكامل لعدد الأطباء والعناصر الطبية المتورطين في عمليات التصفية داخل مشفى تشرين تحديداً. وما يمكن تأكيده، وفق منهجية التوثيق التي تعتمدها الشبكة، أن المشفى كان يضم شبكة منظمة من أطباء وممرضين وضباط أمن تعاونوا في عمليات القتل والتعذيب، ولم تكن الانتهاكات صادرة عن أفراد منفردين.

ويقول مديرها فضل عبد الغني لـ«الشرق الأوسط» إن «المعطيات التي جمعتها الشبكة تفيد بوجود شبكات من الأطباء والممرضات ورجال الأمن الضالعين في هذه الجرائم، بما يشمل عمليات استئصال الأعضاء إلى جانب القتل المباشر».

وتشير المعطيات المتاحة إلى 3 فئات: الأولى تضم المعتقلين الذين تمكنت السلطات الأمنية الجديدة من القبض عليهم، والثانية تضم الفارين خارج سوريا، والثالثة تضم من بقوا داخل البلاد في وضع قانوني غير محسوم، مشيراً إلى أن بعض العناصر من الكوادر الطبية لا يزالون في مساكن المشفى أو في مناطق مختلفة داخل سوريا، وهو ما كشفته العملية الأمنية التي نُفِّذت مؤخراً في مساكن الممرضين التابعة للمشفى. وعدّ عبد الغني أن فرار جزء من هؤلاء يمثل تحدياً جدياً أمام مسار المحاسبة، ما يستدعي تنسيقاً دولياً فورياً لإصدار نشرات الإنتربول ومذكرات توقيف دولية بحقّ المشتبه بهم.

الناشطة السورية ياسمين المشعان تحمل صور ضحايا نظام الأسد أمام محكمة في ألمانيا يوم 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

ولفت عبد الغني إلى أنه جرى إلقاء القبض على متورطين، غير أن أعداد هؤلاء لا تزال محدودة قياساً بحجم الجرائم الموثقة، ومن أبرز ما وثّقته المصادر الرسمية السورية إعلان وزارة الداخلية في أواخر 2025 اعتقال 5 عناصر سابقين من الكوادر الطبية والقضائية العسكرية الأمنية الأخيرة في مساكن الممرضين مطلع مايو 2026، واحتجاز عدد من العاملين السابقين.

وكانت محكمة ألمانية أصدرت حكمها في 16 يونيو (حزيران) 2025 بالسجن مدى الحياة بحق الطبيب السوري علاء موسى المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، من بينها تعذيب معتقلين في مستشفيات عسكرية في سوريا.


حرب إيران في ميدان العراق... مشاهد لاكتمال نفوذ الفصائل

عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
TT

حرب إيران في ميدان العراق... مشاهد لاكتمال نفوذ الفصائل

عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)
عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة)

«إذا تحتم عليك السقوط، كن نيزكاً». عبارة خطت على جدارية داخل المنطقة الخضراء في بغداد. إلى جانبها رسمٌ لمقاتلين بلا ملامح، يرتدون خوذاً، ويحملون بنادق. يبدو أنهم مستعدون للقتال في جبهات مختلفة.

على الأغلب، يمر بجوار هذه الجدارية كبار المسؤولين والضباط في بغداد وهم في طريقهم إلى مكاتبهم في مباني الحكومة، بمن فيهم قادة فصائل في «الحشد الشعبي». وبعد مرور نحو شهرين على الحرب الأميركية–الإيرانية، يتبين أن كثيرين منهم لا يرغبون في أن يكونوا نيازك تسقط.

قبل يوم من الحرب، كنت أحاول إجراء مقابلات في بغداد. المسؤولون العراقيون الذين التقيتهم كانوا منهمكين في اجتماعات «طارئة». أحدهم قال إن الموظفين في وزارة الهجرة العراقية شاركوا في نقاشات عن حالة «إنذار محتملة»، في «إشارة مقلقة جداً» من وجهة نظره.

اهتزت بغداد صباح 28 فبراير (شباط) 2026 على وقع غارات في طهران. في المساء قيل لنا إن صورة لجثمان المرشد الإيراني علي خامنئي وصلت إلى هواتف قادة في «الإطار التنسيقي» قبل ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب نبأ مقتله. ثم بدأت واحدة من أغرب الليالي في العاصمة العراقية.

في بغداد، يظهر صنفان من حلفاء طهران يقفان على طرفي نقيض. بدا أنهما يتجهزان لتصفية حسابات ظلت صامتة منذ سنوات، أو يستعدان لولادة جديدة؛ ولادة تعيد نفسها مرات ومرات، منذ 2003.

متظاهر يحمل علم إيران خلال محاولة اقتحام متظاهرين بوابة المنطقة الخضراء في مارس 2026 (الشرق الأوسط)

«هؤلاء يوالون خامنئي حقاً»؟

اليوم الثاني من الحرب. المنطقة الخضراء في حالة استنفار. شوارع مغلقة، وحواجز، ونقاط تفتيش، رجال أمن يتحققون من الذين لا يحملون رخصة دخول المنطقة الحكومية. لم يفرض حظر تجول، لكنك عملياً تتجول في حظر غير معلن.

عند المساء، أقامت حركة «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي مجلس عزاء للمرشد علي خامنئي. تجمع العشرات قرب جسر الجمهورية وسط بغداد. رافقهم موكب من سيارات «شيفروليه تاهو» الرائجة لدى شريحة واسعة من سياسيين، ومسؤولين، وقيادات في الجماعات المسلحة. حمل المتظاهرون لافتات رثاء خامنئي تحت نصب الحرية التاريخي، يحميهم طوق من عناصر الأمن، ودون احتكاك.

حركة المرور طبيعية على الجسر. السيارات تعبر بانسيابية نحو المدخل الشرقي للمنطقة الخضراء، سوى تجمع محدود لمراسلي محطات حزبية تمولها فصائل لها نفوذ في الحكومة يجرون مقابلات مع «المعزين بمقتل خامنئي». تضامن صامت، لم يتأخر الوقت قبل أن يتفرق.

عام 2019، المسرح نفسه كان دموياً حين قُتل وأصيب مئات الشبان الذين خرجوا في احتجاجات شبه يومية ضد الفساد، والنفوذ الإيراني في بغداد، بشعار «إيران برا برا». لا يسمع صوت هؤلاء بعد مرور 7 سنوات، و40 يوماً من الحرب، بعضهم انخرط تماماً في أحزاب التحالف الحاكم.

على بعد 4 كيلومترات من العزاء الصامت، كان الوضع عنيفاً وصاخباً عند الجسر المعلق المؤدي إلى المدخل الغربي من المنطقة الخضراء. العشرات يندفعون نحو حواجز الأمن غير مبالين. يريدون الوصول إلى السفارة الأميركية. شاهدت شباناً يبكون بحرقة، ويحدقون في المارة، ويتحققون من أولئك الذين لا يبدو عليهم الحزن. كأنهم يسألون: «أيعقل ألا تحزن؟».

للوهلة الأولى بدا الاحتجاج ارتجالياً. وجوه خائفة كما هي غاضبة. ثمة من يقذف الحجارة على عناصر الأمن الذين يغلقون مدخل الجسر بالحواجز الفولاذية، وعربات كبيرة تحمل مدافع المياه. آخرون يحملون أعلاماً إيرانية، ويهتفون ضد ترمب «قاتل المرشد».

اخترقت جرافة كبيرة الحشد نحو الحاجز، خلفها سحابة سوداء، وموجة غبار، وملثمون يحملون العصي. بدأ إطلاق الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع. استقرت الجرافة عند سياج خرساني، وتعطل محركها دون اختراق الحصن الأمني، فصار الهتاف مدوياً أكثر.

سألت متظاهراً عما سيفعله في حال كان الطريق مفتوحاً نحو سفارة واشنطن. قال: «لا أعرف. لا يهم. حتى لو ألقيت بنفسي على دبابة». كان يستغرب السؤال فحاول تنبيهي: «قتلوا قائدنا... إنه ولينا. هل تعرف ما يعنيه هذا؟». خلال الليل، أعلنت السلطات إصابة العشرات من الطرفين، المحتجين وقوات الأمن.

الحال أنهما كانا في صف واحد قبل أيام، حكومة وفصائل. المتظاهرون أيضاً، عند الجسرين، كانا في خندق واحد قبل مقتل خامنئي. «الفصائل» و«المقاومة» و«الحشد الشعبي» في الأيام اللاحقة فتحت الطرق والسماء للمسيرات، والغارات الأميركية.

باستثناء هذين الصنفين من حلفاء إيران، وقد بدا أنهما يحتكران المجال العام في بغداد، كانت شريحة من العراقيين الشيعة ترى في الحرب فرصة لإعلان انتقاد النفوذ الإيراني في البلاد، لكن «حملة تخويف كممت أفواههم»، كما يقول ناشطون تحدثنا معهم.

خلال الحرب، حرض مقربون من إيران على محاسبة معارضيها في العراق. في مواقع التواصل الاجتماعي انتشرت صور لشكاوى ضد هؤلاء، بعضهم اعتقلته الأجهزة الأمنية، لكن المحاكم لم تتعاطَ مع هذه الشكاوى بعد. عدا هذا كان هناك مدونون ينشرون صور مؤثرين تحت عنوان «سيأتي يوم حسابكم».

في الميدان، شنت مجموعات مسلحة تحت مظلة ما يعرف بـ«المقاومة الإسلامية في العراق» عشرات الهجمات منذ الساعات الأولى بعد مقتل خامنئي. استخدام تسمية «المقاومة» كان واحداً من أساليب «الحرس الثوري» والفصائل العراقية للتمويه على المنفذين الأصليين، بينما كثير من قادة الفصائل وجدوا أنفسهم مضطرين للمشي على حبل رفيع خلال الحرب، إذ طالما تعهدوا بالاندماج في الدولة، و«حصر السلاح» بيدها.

يقول قيادي في فصيل مسلح إنه لم «يكن متأكداً طيلة أسابيع الحرب على إيران إن كان أتباعه من المسلحين قد شاركوا في الهجمات على الأميركيين، وعلى إقليم كردستان». ليس من المؤكد أنه لا يعرف حقاً.

خلال مقابلات مع شخصيات أمنية وسياسية عراقية وغربية، حاولنا فهم كيف يضبط قادة الفصائل المسلحة في العراق، ومن خلفهم «الحرس الثوري»، الانتقال السلس لهذه المجموعات بين المؤسسات الحكومية، والميليشيات، وكيف شكلت الحرب ضوءاً كاشفاً على مساحات مظلمة من النفوذ الإيراني في البلاد.

ثمة فرضيات مختلفة عن نجاح هذه العملية، لكن المرجح أن إيران تمسك بـ«عصب النخاع» بين الجميع في الحكومة، والمسلحين خارج سلطتها. وما بينهما صراع مرير، وقد يكون مميتاً، على الموارد، والنفوذ.

عناصر من «الحشد الشعبي» خلال انتشارهم في منطقة زراعية قرب بغداد (موقع الهيئة)

الميليشيات بوصفها «إقطاعية»

تشق السيارة طريقها ببطء على كتف نهر صغير في أحد الحقول الشاسعة جنوبي بغداد. على مد البصر تتناثر أكوام من الطابوق، ومواد البناء في قلب الريف.

منذ عقود، كان السكان هنا يزرعون الحبوب، والخضراوات، ويبيعون محاصيلهم للحكومة، أو الأسواق المحلية. بعضهم كان من الذين انتفعوا من برامج الإصلاح الزراعي منذ الستينات، قبل أن تتدهور خلال الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينات، وتنقرض تدريجياً منذ الغزو الأميركي للبلاد عام 2003.

يصف أحد الوجهاء في جنوب بغداد، ويبلغ من العمر 70 عاماً، وضع الحقول الآن: «كأننا نعود بالزمن بطريقة عنيفة إلى زمن الإقطاعيات. هناك زحف من إقطاعيين جدد (...)، الأمر لا يقتصر على نزاع ملكيات؛ بل سلطة غير مرئية تتحكم بالموارد».

رغم أن الرجل يتجنب ذكر أي تفاصيل تتعلق بالكيفية التي خسر فيها أرضه قبل نحو 7 سنوات، وتمتد على مساحة شاسعة على الطريق بين بغداد وبابل (جنوباً)، لكن مصادر تصف الأمر بأنه «متاهة من عمليات متعددة من الاحتيال تحميها بيروقراطية حكومية اخترقتها بإتقان الفصائل المسلحة».

يقول الرجل إن «هذه الأراضي غابة استثمارات، تختفي في ظلالها منشآت تابعة لجماعات مسلحة». يضيف: «أعرفهم. سيبدون لك ودودين للغاية، لكن مع الحرب الأخيرة أصبحوا شديدي التوتر، والارتياب».

تبدو استراتيجية الفصائل في الاستحواذ على هذه الأراضي أبعد من كونها «دجاجة تبيض ذهباً» كما يصفها مسؤولان -سابق وحالي- في وزارة الزراعة العراقية، لكنها على المدى البعيد «ابتلاع مستمر للجغرافيا لصالح نفوذ إيران السياسي».

يقول قيادي شيعي في أحد الفصائل: «كل شبرٍ يتراجع عنه (حزب الله) في جنوب لبنان، تعوّضه إيران بكيلومترات في العراق».

لكن الفصائل تتصادم وهي في طريق تقدمها نحو هذه الأراضي. غالباً ما يفلت زمام الأمور إلى احتكاك، أو اشتباكات. في يوليو (تموز) 2025 قُتل شرطي، ومدني، وعنصر من «كتائب حزب الله» بعد مواجهة عنيفة بين قوة حكومية والفصيل الذي اقتحم دائرة زراعة بغداد في منطقة «الدورة» جنوبي العاصمة لمنع تنصيب مدير جديد لها. كانت العملية في الحقيقة غطاء لـ«تدوير للنفوذ بين الجماعات المسلحة»، كما يقول القيادي الشيعي.

في أعقاب الاشتباكات قالت الحكومة إن مسؤول الدائرة المعنية بتنظيم عقود الأراضي الزراعية متورط، قبل إقالته من منصبه، في «تزوير عقود أدى إلى سلب أراضٍ زراعية من أصحابها الشرعيين».

تبدو رواية الحكومة متماسكة، لكنها لا تعكس كل الصورة. تقول مصادر مختلفة، حكومية وفصائلية، إن اشتباكات دائرة الزراعة لم تكن سوى الحلقة الأخيرة من عمليات سياسية سبقتها بأشهر لتبديل نفوذ الفصائل على هذه الأراضي. يقول أحد المصادر: «الأمر ببساطة إدارة الصراع على الموارد بين الميليشيات».

لم يكن هذا الاحتكاك هو الأول من نوعه خلال السنوات الماضية. فمنذ عام 2020 اعتقلت مديرية أمن «الحشد الشعبي»، وهي المظلة الرسمية لجميع الفصائل المسلحة في العراق، قادة ميليشيات سبق أن كان لهم دور في محاربة تنظيم «داعش»، وأغلقت مكاتب لهم في العاصمة بغداد. كما حدث مع «سرايا طليعة الخراساني» برئاسة علي الياسري، ونائبه حميد الجزائري، وفصيل «جيش المختار» الذي يقوده رجل يدعى واثق البطاط. سبقهما في ذلك اعتقال شخص يدعى حمزة الشمري كان عنصراً محورياً في أنشطة سياحية بين بغداد وبيروت، واتهم بتهريب الأموال، وتجارة المخدرات، ومصادر عديدة تحدثت عن صلاته الوثيقة بميليشيات عراقية.

وسجلت حوادث على أنها «حرق حقول دواجن في الكوت، ومستشفى في بابل، ومطاعم في بغداد، وشركات صغيرة في البصرة»، هي في الحقيقة أعراض جانبية لاحتكاك بين الجماعات المسلحة، وفق شهادات رجل أمن، ومسؤول محلي، وعنصر في فصيل مسلح.

يقول قيادي شيعي مقرب من الفصائل إن «بعض الجماعات المسلحة تعمل كحافظة مالية لصالح (الحرس الثوري) الإيراني، لكنها حين تحصل على أموال تفوق حصة الراعي الأصلي يجري معاقبتها، وإزالتها من اللعبة».

من وجهة نظر نيك غازيتي، وهو باحث أميركي متخصص في الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط، وعمل سابقاً في العراق، فإن «حوادث الاشتباك أو الاعتقال التي تطفو على سطح الميليشيات العراقية بين فترة وأخرى تعود إلى أحد أمرين: صراع محموم على الموارد، أو عقوبة ينفذها (الحرس الثوري) بحق قيادات، أو أفراد خرجوا عن طاعته».

عناصر من القناصة خلال تدريب في معسكر تابع لـ«الحشد الشعبي» (موقع الهيئة)

إدارة التوسع

ينظر إلى عدد من قادة هذه الجماعات على أنهم متمردون على «الحرس الثوري». أقرب الأمثلة التي تستخدم للإشارة إلى هؤلاء هو أوس الخفاجي الذي يقود فصيل «أبو الفضل العباس»، إذ شارك في معارك ضد تنظيم «داعش» في محافظتي صلاح الدين، والأنبار، لكن «لسانه صار خشناً مع طهران».

وكانت قوة من «أمن الحشد الشعبي» اعتقلت الخفاجي في يوليو 2019، وأغلقت مقراً له وسط بغداد بذريعة أنه «وهمي». بعد 4 أشهر أفرج عن الرجل، وصرح بأن سبب اعتقاله هو انتقاده للمشروع الإيراني في العراق، ومعارضته لقتل المحتجين الشباب في أكتوبر (تشرين الأول) 2019.

يميل هشام داود، وهو باحث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، إلى أن الاحتكاكات المتكررة بين الفصائل ليست مجرد صراعات عرضية على النفوذ، أو الموارد، بل هي، في جوهرها، تعبير عن تحولات داخلية عميقة في بنية هذه القوى، وعن انتقالها من طور «التشكّل» إلى طور «إعادة التموضع» داخل الدولة، والمجتمع، لكنه يشدد على أن «أول ما ينبغي تثبيته أن هذه الفصائل -وخاصة الولائية منها لإيران- لا تعمل في فراغ، ولا تمتلك حرية مطلقة في تشكيل الواقع وفق إرادتها».

ويقول سجاد سالم، وهو نائب سابق في مجلس النواب، إن الفرضية التي تساعدنا على فهم احتكاكات الفصائل تتمثل في إدراك عمق الصراع على الموارد الاقتصادية، لأن النفوذ لا يتعلق فقط بقادة هذه الجماعات، بل بشبكة واسعة تعمل تحت هؤلاء، وتضم وجهاء اجتماعيين، وقبليين، وتجاراً، وجيشاً من الموظفين من الكوادر الوسيطة في القطاع العام، وكل هؤلاء لديهم مصالح متحركة، «وكلما تقاطعت لمعت شرارة عنف، وعادة ما يحل (الحرس الثوري) الخلافات».

مثلما يضبط إيقاع التنافس، يقوم «الحرس الثوري» بقطف الثمار من تمدد الميليشيات على الأرض العراقية، إذ تتسع «المحافظ المالية» بوصفها موارد أساسية لإيران، وفي الوقت نفسه بناء المنشآت العسكرية الضرورية للتمدد الإقليمي.

إن هذه المناطق كانت ضرورية لإنشاء «معسكرات تدريب استضافت مقاتلين من جنسيات مختلفة من بلدان محور المقاومة خلال السنوات الماضية، إلى جانب مخازن صواريخ، ومسيرات، وسجون خاصة، ومراكز تحقيق مع معارضي إيران، ومراكز قيادة عملياتية»، وفق قياديين في مجموعتين مسلحتين.

يقول أحد هذين الرجلين: «كل منشأة عسكرية كانت محاطة بحقول ومشاريع استثمارية، ومنتجعات سياحية ينشط فيها مجتمع أفراد الفصائل، ودوائر متعددة من منتفعين منهم».

في الحرب الأخيرة، انكشفت الميزة الميدانية لهذا التوسع الجغرافي، إذ استخدمت منشآت انطلقت منها هجمات صاروخية، أو بالمسيرات من داخل حقول جنوب وغرب البلاد في مناطق قريبة من الشريط الحدودي مع دول الخليج العربي التي تعرضت لعشرات الهجمات بالمسيرات، والصواريخ، وفي محيط بغداد القريبة تم الهجوم على أهداف أميركية داخل العاصمة، وفي الشمال في نينوى وكركوك، القريبتين من أهداف في إقليم كردستان.

حياة الفصائل... تاريخ الدمج

الأسبوع الثاني من الحرب. مشرعون، ومسؤولون حكوميون، وضباط في أجهزة أمن مختلفة ينضمون إلى مجالس عزاء، وجنازات رمزية للمرشد الإيراني علي خامنئي الذي لم يشيع في بلاده حتى اليوم. على الأرجح، كانت المناسبة هي الزمان والمكان اللذين يجتمع فيهما المتنافسون دون احتكاك. هدنة بين صنفين لحليف واحد؛ بين مندمج في الدولة، وآخر ينتظر في «المقاومة». في النهاية يبدو أن الجميع في نفس القارب.

اختفت المنطقة الرمادية في الفضاء العام العراقي؛ لا يقوى كثيرون على إظهار الآراء الوسطية. أخبرني مدون معروف على منصة «إكس» أنه حضر جلسة نظمتها السفارة الإيرانية في بغداد، وسمع دبلوماسياً إيرانياً يوبخ ناشطاً عراقياً لم يكتب شيئاً «دفاعاً عن إيران».

ليس بعيداً عن هذا المناخ، ما تعرض له رئيس «منظمة بدر» هادي العامري حين هاجمه أعضاء قبيلة جنوب البلاد يشاع أنها على صلات عضوية بفصائل مسلحة، وجزء من شبكة الولاء للمرشد الإيراني.

لا تبدو الفصائل الشيعية التي بدأت تدمج في السياسة أنها مرضي عنها في إيران. لقد ازداد الحنق الإيراني عليها مع تصاعد الغارات المتبادلة خلال الحرب. في 17 مارس 2026، انتقد محمد أسد قصير، وهو مدير مكتب المرشد الإيراني في لبنان، «المواقف المترددة لقادة (الإطار التنسيقي) بشأن دعم الجمهورية الإسلامية في إيران».

في الانتخابات التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، فاز ممثلون عن الفصائل المسلحة بأكثر من 100 مقعد في مجلس النواب، كما تقول تقديرات متداولة في الصحافة المحلية. منذ ذلك الحين بدأت نيران الطبخ تشتعل في أفران تشكيل الحكومة، غالبية الفصائل تتصارع على حصصها في الوزارات، وكلمتها مدوية في هوية المرشح لرئاستها.

يقول قيادي شيعي إن «ممثلي الفصائل لا يحتكرون القرار السياسي داخل (الإطار التنسيقي)، لكن بإمكانهم كسر إرادة الطرف الذي لا يمثل مصالحهم».

تزامنت الحرب مع أوسع عملية اندماج للفصائل المسلحة في مؤسسات الدولة الرسمية، بشقيها التنفيذي والتشريعي، وهي الأكبر التي يشهدها العراق منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003. لطالما حدث الأمر نفسه مرة على الأقل كل خمس سنوات، ولكن على نحو أقل وطأة.

يقول مسؤول شيعي في «التحالف الوطني» -وهو المظلة السابقة التي شكلت حكومتي نوري المالكي- إن الدولة هي النهاية الطبيعية لجماعات المقاومة، «ليس بالضرورة أن يكون ذلك تنفيذاً لرغبة الأميركيين المنزعجين من السلاح المنفلت». يضيف: «لقد بدأ الأمر مع الأميركيين وانتهى إلينا (...) نحن شركاء في هذا دون قصد».

تعود أول عملية دمج للميليشيات في الدولة إلى يونيو (حزيران) 2004 حين أصدر بول بريمر، الحاكم الأميركي «المدني» على العراق حينها، القرار 91 الذي سمح للميليشيات بالاندماج في الدولة تحت عنوان حظرها. لقد أنشأ القرار ما يمكن اعتباره لحظة تأسيس لـ«المنطقة الرمادية» التي ازدهر فيها النفوذ الإيراني في السنوات اللاحقة.

تعامل القرار مع الميليشيات كما لو أنها شركات أمنية، على حد تعبير ضابط متقاعد في الداخلية يقيم اليوم خارج البلاد. يقول: «كان الفصيل ينتقل إلى الوزارات كما لو أنه أبرم عقداً استثمارياً، لكنه في الجوهر اختراق سياسي».

أسرار لعبة الدمج

مع كل موجة دمج، تظهر أذرع جديدة خارج الإطار الرسمي، لتستمر دورة إعادة توزيع النفوذ بين الداخل المؤسسي والخارج المسلح، مصحوبة باحتكاكات تعكس عملية نمو تنافسية.

يوضح الباحث هشام داود أن «بعض هذه الفصائل تشكّل مباشرة بعد 2003، في حين نشأ قسم آخر عبر انشطارات متتالية داخل فضاء التيار الصدري، بزعامة مقتدى الصدر، الذي مثّل في بداياته حاضنة واسعة لتيارات متباينة قبل أن تتفكك إلى تشكيلات مستقلة، ومتناحرة».

ما بين عامي 2005 و2010 حدث الاختراق المؤسسي الأول، حين دخلت جماعات -مثل «منظمة بدر» و«جيش المهدي»- كانت تابعة للتيار الصدري في وزارة الداخلية، ووكالات إنفاذ القانون، وبموازاة صعود نفوذها السياسي. في تلك المرحلة، لم يكن المشهد محصوراً بفصائل آيديولوجية فقط، بل ظهرت أيضاً جماعات محلية الطابع، يقول داود إنها «أقرب إلى تجّار حرب، نشأت من تحولات اجتماعية، حيث تداخلت العصبية العشائرية مع الاقتصاد غير الرسمي، لتنتج تشكيلات ذات طابع مافيوي».

بدأت ملامح «دولة داخل الدولة» في الفترة التي سبقت احتلال تنظيم «داعش» لثلث العراق، وكان نوري المالكي رئيس الوزراء حينها قد أبرم اتفاقاً مع واشنطن لسحب قواتها، لتبدأ الفصائل مرحلة جديدة من النشاط، مثل «عصائب أهل الحق»، بينما شكّلت بالتوازي أجنحة مسلحة جديدة.

يلفت داود إلى نمط ثالث من الفصائل «برز بعد الانسحاب الأميركي، لا قبله، ونشأ بدعم مباشر من الدولة، وتمويلها، خاصة في سياق تصاعد التوترات الطائفية بين 2011 و2014، وتزامناً مع الأزمة السورية»، موضحاً أن «خصوصية هذه الفصائل أنها لم تتكوّن خارج الدولة، بل إلى جانبها، وتغذت منذ البداية على مواردها، ما جعلها أكثر ارتباطاً بمنطق الريع، وأقل استقلالية من حيث القرار».

حدثت الشرعنة الكبرى في الفترة 2014–2017، حيث سمحت الحرب ضد «داعش» للمنتصرين الذين قدموا آلاف الضحايا في سبيل استعادة الأراضي بالحصول على إدماج قانوني، واعتراف منقطع النظير، سياسياً واجتماعياً، رغم خروقات رافقت عمليات هذه الفصائل.

ويعزز داود هذه الصورة بقوله إن هذه المرحلة «مثّلت انتقالاً إلى هيمنة رمزية، ومادية، مستندة إلى دور الفصائل في (إنقاذ الدولة)، خصوصاً عبر مؤسسة (الحشد الشعبي)، ما منحها شرعية مضاعفة».

في السنوات الأخيرة، تمددت الفصائل المسلحة إلى كل شيء تقريباً في الدولة. أصبح نفوذها حاكماً في الوزارات، والمنافذ الحدودية، ومن مظلتها تخرج عقود تجارية، واستثمارات، وولدت شبكات تمويل محلية. تضخم عدد المنتسبين إلى مستويات غير مسبوقة، كما يشير داود، «ما جعلها تتحول إلى قوة اجتماعية–اقتصادية، لا مجرد تشكيل عسكري».

يقول كثيرون من أنصار تحالف «الإطار التنسيقي» إن الحديث عن نفوذ الجماعات المسلحة داخل الدولة «مبالغات صنعتها سرديات إقليمية»، إلا أن الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران ألغت الحدود الفاصلة بين الميليشيات والدولة.

يقول النائب السابق سجاد سالم إن «الميليشيات هي التي تحكم العراق (...)، هذا مبدأ أساسي للنفوذ الإيراني، حتى وإن كان رئيس الحكومة شخصية مقبولة دولياً، وإقليمياً».

في النهاية سيبدو أن الفصائل تدحرجت مثل كرة ثلج صغيرة داخل الدولة قبل عشرين عاماً، وباتت تكبر كلما اندمجت في الدولة. من وجهة نظر سالم، فإن ما حدث يثبت خطأ التصور الأميركي «أن منح السلطة يمكنه تهذيب سلوك الفصائل، ويحد من النفوذ الإيراني».

لقد بلغ هذا التصور مرحلة متقدمة مع وصول محمد شياع السوداني إلى رئاسة الحكومة العراقية عام 2022، حين «تخيلت واشنطن أن بغداد ستقوم بعملية توطين ناعمة للسلاح المنفلت في الدولة»، على حد تعبير مسؤول حكومي سابق.

دمج الفصائل العراقية في الدولة شكل «قصة نجاح» «الحرس الثوري» الإيراني في بغداد. يقول نيك غازيتي إن «العراق هو البيئة المثالية لظهور الفصائل، وربما هي فرصة مثالية لـ(الحرس الثوري)، خصوصاً مع دمجها داخل مؤسسات الدولة العراقية».

بالنسبة لغازيتي، فإن «(الحرس الثوري) يقوم عملياً بتهيئة كادر من موظفي الدولة عقائدياً قبل دمجه في الحياة العامة داخل مؤسسات الدولة العراقية، ما يضمن الولاء شبه المطلق بناء على أسس عقائدية، ومادية أيضاً».

يقول هشام داود: «في هذا السياق، يمكن فهم صعود السوداني بوصفه تعبيراً عن التوازن الفصائلي–السياسي. شبكات نفوذ، وقدرة مالية على استيعاب مطالب الفصائل ذات المصالح المتداخلة».

هذه المصالح «ترسل أحياناً حقائب أموال للمعترضين على صفقة التوازن، حتى لو كانوا في طهران»، وفق تعبير قيادي شيعي.

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

تغيير الجلود... المزيد من المكاسب؟

طيلة أسابيع الحرب تعرضت المنطقة الخضراء إلى مئات الهجمات بالصواريخ، والمسيرات، واستهدفت غالبيتها السفارة الأميركية، ومنشآت حكومية. وبينما كانت واشنطن تتوقع من حكومة محمد شياع السوداني حفظ قواعد الاشتباك المعتادة خلال حرب الـ12 يوماً في يوليو 2025، تحطمت العلاقة بينهما على صخرة الفصائل الصلبة.

لقد ساعدت هذه الحرب على فك الالتباس العراقي بشأن الجماعات الخارجة عن الدولة، إذ تتمركز في داخلها. ومنذ أشهر كان السوداني يكافح للظفر بولاية ثانية في المنصب، مستنداً إلى كتلة نيابية فائزة في الانتخابات التشريعية الأخيرة بنحو 45 مقعداً، أكثر من نصفها فصائل مسلحة موالية لإيران.

يقود السوداني كتلة «الإعمار والتنمية» أكبر الفائزين الشيعة، وهو تحالف غير متجانس يضم أحزاباً، وجماعات مسلحة، بينهم فالح الفياض الذي يترأس هيئة «الحشد الشعبي»، وأحمد الأسدي قائد «كتائب جند الإمام»، وحيدر الغراوي قائد ميليشيا «أنصار الله الأوفياء». بات ينظر إليهم كجزء من القوة الإيرانية الضاربة التي نفذت هجمات في العراق خلال الحرب.

كيف تندمج هذه الفصائل في المؤسسات الحكومية، وتنفذ في الوقت نفسه هجمات ضد إراداتها؟ ثمة تفسيرات مختلفة، لكن النتيجة واحدة.

في شهادة لمسؤول سابق في الحكومة العراقية، يقول إن قوة حكومية اعتقلت خلية صغيرة تضم مسلحين متخصصين بنصب وإطلاق المسيرات بعد وقت قصير من تنفيذها لهجوم على السفارة الأميركية.

أثناء التحقيق مع هؤلاء، تقدم زعيم إحدى الفصائل بـ«طلب غريب» إلى الحكومة: «أحتاج إلى معلومات عن أحد أعضاء الخلية (...)، إنه عضو في فصيلي، لكنني لم أكلفه بهذه المهمة».

في العراق، كان هذا الأمر واحداً من ألغاز ابتكرتها الجماعات الشيعية في العراق. ثمة هيكل سياسي–اقتصادي للفصيل المسلح يندمج في الدولة، بينما تبقى النخبة القتالية خارج الدولة، «تقاوم الدولة نفسها».

كان التصور الأولي، بحسب مصادر متقاطعة، يفيد بأن «الحرس الثوري» يشكل «قوة ضاربة من نخبة مقاتلين ينتمون لفصائل متعددة يعملون تحت إمرته، وينفذون هجمات دون العودة إلى الزعماء المحليين»، لكن الصورة الأكثر قرباً من الواقع تفيد بأن الضباط الإيرانيين، لا سيما النشطاء في قوة «القدس» الإقليمية، يديرون مجموعات خاصة داخل كل فصيل.

يتفق سجاد سالم مع هذا التصور. يقول إن «إيران تتعامل مع كل ميليشيا عراقية على حدة. داخل كل منها مجاميع تتبع إيران، وليس لقائدها المحلي». ويضيف: «تتعامل إيران مع (حزب الله) في لبنان أو الحوثي في اليمن كمشهد واحد بصورة مركزية، إلا في العراق، يدار النفوذ بالتجزئة».

في أبريل 2025، قالت جماعات شيعية إن «الحرس الثوري» طلب منها «القيام بما يلزم» لتجنب الصراع مع الولايات المتحدة، بما في ذلك تسليم سلاحها الثقيل. وفي مارس 2026 (آذار)، قالت جماعات أخرى إنها وافقت على هدنة تشمل وقف الهجمات على السفارة الأميركية.

والحال أنه مع وجود المجموعات الخاصة داخل هذه الفصائل، والتي تتبع هرمياً «الحرس الثوري»، يمكن لزعماء الفصائل إبرام اتفاقات تشمل تسليم السلاح، ووقف الهجمات، وحصد مكاسبها السياسية، دون أن يعني ذلك شيئاً على الأرض.

لا يمكن إغفال عقوبة وزارة الخزانة الأميركية منتصف أبريل (نيسان)، حين اتهمت «عصائب أهل الحق» باستخدام مسيرات إيرانية في مهاجمة القوات الأميركية في شمال العراق عبر قيادي في الفصيل يدعى صفاء عدنان.

منذ مشاركته القوية في حكومة محمد شياع السوداني، يحاول قيس الخزعلي تغيير لغته السياسية، والإيحاء بأنه قادر أيضاً على تغيير جوهره، لكن «إلى أي حد يمكن اعتبار العملية أكثر من تغيير جلد»، على حد تعبير مسؤول سابق في الخارجية الأميركية كان مهتماً بمراقبة «التحولات المثيرة في سيرة الرجل الذي انشق من تيار مقتدى الصدر عام 2006».

جدارية وشعار مجهول في أحد شوارع المنطقة الخضراء ببغداد (الشرق الأوسط)

اليوم التالي للحرب في العراق

منذ إعلان وقف النار وانطلاق مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يمارس الأميركيون ضغوطاً خشنة لتغيير جوهر الحكم في بغداد، رغم أن سجاد سالم يرى أن الحرب أظهرت «من يحكم بغداد بالفعل»، في إشارة إلى الفصائل، ومهما كانت نتائج المفاوضات في إسلام آباد، فإن «طهران ربحت بغداد بالكامل».

مع ذلك، يتصور الباحث هشام داود «اليوم التالي» للحرب، في حال تعزز نفوذ القوى الفصائلية، بأن الدولة المركزية في العراق «لن تتجه نحو الانهيار الكامل، ولا نحو التماسك الصلب، بل نحو نموذج انتقالي من دولة مركزية تحتكر الريع، لكنها موزعة فعلياً بين شبكات نفوذ متعددة».

وفرضت الرسائل الأميركية الضاغطة على الأحزاب الشيعية مسارات محسوبة لتشكيل الحكومة الجديدة، وتدفع باتجاه ربح المعركة مع الإيرانيين عبر تحييد «الحشد الشعبي» من المؤسسة الحاكمة، لكن طهران تبدي ممانعة قوية حتى الآن.

هذا هو الاختبار الحقيقي لقادة «الإطار التنسيقي»، إذ يصلون إلى مفترق الطرق بين حماية نفوذهم المتنامي ضمن صفقة جديدة ليست بعيدة المتغيرات الإقليمية، أو حماية السلاح بوصفه السبيل لجني مكاسب جديدة.

ويقترح نيك غازيتي أنموذجاً كلاسيكياً، حين تحولت الميليشيات الأميركية التي نشأت في فترة حرب الاستقلال عام 1776 إلى «حرس وطني» للولايات المتحدة، لكنه يجد صعوبة في مقاربتها عراقياً بسبب «السردية العقائدية للجماعات الشيعية».

ولأن «العقيدة ليست كل شيء في العراق»، كما يقول مسؤول سياسي بارز في «الإطار التنسيقي»، فإن التحول المحتمل لجماعات «الحشد الشعبي» سيكون هجيناً بين المصلحة والولاء.

ويقول هشام داود إن «شكل الدولة القادمة، لن يكون دولة ما بعد ميليشيا، بل دولة تعيد تعريف نفسها بإدارة مساحة الفصائل –وليس بإلغائها- داخل النظام السياسي».

في بغداد ينظر إلى التحالف الحاكم على أنه خصم لا يتوقف عن القتال، ولا ينزع السلاح، ويريد عقد صفقات سياسية مع محيطه، كما هي الصورة الأوسع في المنطقة؛ لا حرب ولا سلام بين الولايات المتحدة وإيران. وسيبدو الجنود في جدارية «السقوط المحتم للنيازك» في المنطقة الخضراء لوحة تعبيرية عن قادة «الإطار التنسيقي»، يحملون بنادق لحماية مكاسبهم، لكنهم لا ينوون إطلاق النار.