بنغلاديش: الشيخة حسينة لانتصار مجهول العواقب

المصالح المشتركة للهند والصين دعمت استمرارية زعيمة «رابطة عوامي» رغم المعارضين

الشيخة حسينة تستقبل مراقبين وصحافيين في مقرها بالعاصمة داكا (رويترز)
الشيخة حسينة تستقبل مراقبين وصحافيين في مقرها بالعاصمة داكا (رويترز)
TT

بنغلاديش: الشيخة حسينة لانتصار مجهول العواقب

الشيخة حسينة تستقبل مراقبين وصحافيين في مقرها بالعاصمة داكا (رويترز)
الشيخة حسينة تستقبل مراقبين وصحافيين في مقرها بالعاصمة داكا (رويترز)

أحرز حزب «رابطة عوامي» الذي تتزعمه رئيسة وزراء بنغلاديش، الشيخة حسينة واجد، فوزاً ساحقاً في الانتخابات البرلمانية الـ12 التي تشهدها البلاد، والتي قاطعتها أحزاب المعارضة. وبهذا الفوز أصبحت الشيخة حسينة، التي تحكم بلا انقطاع منذ 2009، صاحبة أطول فترة قيادة دولة في العالم، كما منح الفوز حزبها فترة رابعة على التوالي في انتخابات من جانب واحد، وشهدت نسبة إقبال ضئيلة بلغت 40 في المائة. أما عن بنغلاديش، التي كانت تُعرف سابقاً بباكستان الشرقية، فإنها بعد نيلها استقلالها عن باكستان عام 1971، وأصبحت ثامن أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان. إذ يبلغ عدد سكانها 174 مليون نسمة (غالبيتهم العظمى من المسلمين). وللعلم، يتألف البرلمان البنغلاديشي من 350 نائباً، منهم 300 يجري انتخابهم بشكل مباشر لفترة خمس سنوات. أما المقاعد الـ50 المتبقية فمخصصة للنساء اللاتي يشكلن ما يقرب من نصف الناخبين المؤهلين البالغ عددهم نحو 120 مليوناً، في حين يبلغ عدد الناخبين لأول مرة قرابة 15 مليوناً. ويتولى النواب الـ300 المنتخبون بدورهم انتخاب 50 نائبة بشكل متناسب للمقاعد المحجوزة. ووفق تقارير إعلامية فإن نسبة المشاركة كانت متدنية بلغت 41.8 في المائة فقط، وفقاً للجنة الانتخابات، مقارنة بأكثر من 80 في المائة في الانتخابات الأخيرة عام 2018.

بينما تبدو بنغلاديش كأنها تشق لنفسها طريقاً نحو الرخاء والتخلص من إرث الانقلابات والاغتيالات، جاءت الانتخابات المفتقرة إلى التنافسية لتكشف كيف تظل السياسة في هذه البلاد رهينة لعقود من العداء بين الحزبين الرئيسيين، «رابطة عوامي» و«الحزب الوطني البنغلاديشي».

وتوافقاً مع ما كانت عليه الحال خلال الجزء الأكبر من العقود الثلاثة الماضية، هيمنت على الساحة السياسية البنغلاديشية حالة من التنافس المرير بين امرأتين: الشيخة حسينة واجد (76 سنة) زعيمة حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، والبيغوم خالدة ضياء (78 سنة) زعيمة «الحزب الوطني البنغلاديشي» (يمين الوسط).

حسينة هي ابنة مؤسس لبنغلاديش، الشيخ مجيب الرحمن، الذي قاد حركة استقلال البلاد عن باكستان خلال ديسمبر (كانون الأول) 1971. وفي أغسطس (آب) 1975، اغتيل الشيخ مجيب الرحمن وزوجته (أم حسينة) وإخوتها الثلاثة، إلى جانب الكثير من أفراد الأسرة الآخرين في بنغلاديش في مجزرة مروّعة داخل منزلهم على يد ضباط عسكريين. في حين نجت حسينة وشقيقتها ريحانة من الموت لأنهما كانتا في الخارج.

بعد اغتيال العائلة، عاشت حسينة لسنوات في المنفى بالهند المجاورة. لكنها، عادت في ما بعد إلى الوطن عام 1981، وانضمت إلى منافستها السياسية المستقبلية خالدة ضياء لقيادة انتفاضة شعبية من أجل الديمقراطية أطاحت الحاكم العسكري الجنرال حسين محمد إرشاد من السلطة عام 1990. بيد أن التحالف مع خالدة (أرملة الرئيس الأسبق الجنرال ضياء الرحمن) لم يطل، بل استمر التنافس المرير والعميق بين المرأتين، مهيمناً على الساحة السياسية بالبلاد لعقود.

الانتصار الأول

قادت حسينة «رابطة عوامي» للمرة الأولى نحو نصر انتخابي عام 1996، وحكمت فترة ولاية مدتها خمس سنوات قبل أن تستعيد السلطة عام 2009، ولم تخسرها بعد ذلك قط. غير أن جماعات حقوق الإنسان والحكومات الغربية تتهم الشيخة الملقبة عادة بـ«المرأة الحديدية»، بقمع «الحزب الوطني البنغلاديشي» المعارض وغيره من المعارضين والمنتقدين عبر حملات قمع عنيفة واختلاق مشاكل قانونية أمامهم. ويُذكر أن الجنرال ضياء الرحمن، زوج البيغوم خالدة كان ضابطاً في الجيش، قبل أن يغدو أول ديكتاتور عسكري يحكم بنغلاديش عندما تولى الرئاسة بين عامي 1977 و1981، قبل أن يقضي اغتيالاً.

لماذا قاطعت المعارضة الانتخابات؟

قاطع «الحزب الوطني البنغلاديشي» وحلفاؤه، إلى جانب بعض الأحزاب الإسلامية الكبرى، الانتخابات بعد مطالبتهم باستقالة الحكومة الحالية خلال فترة الانتخابات لصالح حكومة مؤقتة محايدة. إلا أن حسينة رفضت طلب التنحي إبّان الحملة الانتخابية لكي تُجرى الانتخابات تحت إدارة محايدة. وحقاً، احتشد عشرات الآلاف من أنصار المعارضة في العاصمة دكا في ديسمبر 2022 لمطالبة حكومة حسينة بالاستقالة وتعيين حكومة تصريف أعمال محايدة قبل الانتخابات العامة. وفي سلسلة من المقابلات مع وسائل الإعلام المحلية، أعرب عدد من المحللين والشخصيات المدنية عن مخاوفهم بشأن الانتخابات. ورأوا أنه من دون مشاركة «الحزب الوطني البنغلاديشي» والأحزاب الأخرى، ستفتقر النتائج للصدقية، وسيواجه البرلمان الوطني الـ12 فترة صعبة.

في المقابل، استبعدت حسينة وحزبها طلب المعارضة، مبرّرين ذلك بأن تشكيل حكومة انتقالية يتعارض مع روح دستور البلاد. وهنا نذكر أنه لم تُجر سوى أربع من الانتخابات الوطنية الـ11 السابقة في ظل حكومة تصريف أعمال محايدة: خلال الأعوام 1991، و1996، و2001، و2008. ولاقت هذه الانتخابات قبولاً على نطاق واسع، بكونها حرة ونزيهة نسبياً.

لقد أقرّ مبدأ تكليف حكومات تصريف الأعمال بالإشراف على الانتخابات في دستور عام 1996، لكنه ألغي عام 2011 إبان عهد حسينة عبر تعديل دستوري، بعدما قضت المحكمة العليا بأن هذا النظام يتعارض مع الدستور. وعلى الأثر، قاطع «الحزب الوطني البنغلاديشي» انتخابات عام 2014. وكانت نتائج التصويت عام 2018 محل نزاع بسبب مزاعم حول التزوير لصالح «رابطة عوامي» الذي فاز بأغلبية ساحقة.

فترة حكم خالدة

من جهتها، تولّت البيغوم خالدة ضياء رئاسة الحكومة مرتين بين عامي 1991 و1996 وعامي 2001 و2006، وعاون خالدة ولداها طارق الرحمن وعرفات الرحمن (المتوفى الآن). وراهناً، يعيش طارق - الوريث السياسي لخالدة - في المنفى منذ عام 2008، بعدما غادر بنغلاديش لأول مرة لتلقي العلاج الطبي، وهو يدير حزبه اليوم من لندن.

خالدة كانت اتُّهمت بسرقة 252.000 دولار من صندوق أسس أصلاً لدار أيتام. وحكم القضاء على ابنها طارق أيضاً بالسجن لمدة تسع سنوات بتهم الفساد في قضية رفعتها حكومة حسينة عام 2007. ويزعم أنصار «الحزب الوطني البنغلاديشي» أن وراء الحكم دوافع سياسية، أبرزها إبعاد طارق عن السياسة، حيث يقولون إنه إذا عاد إلى بنغلاديش سيُعتقَل، ويُزَج به في السجن.

أما خالدة فتعيش قيد الإقامة الجبرية، وما زال حزبها يواجه تحديات متزايدة من جانب حكومة حسينة، بينها منعها من مغادرة البلاد لتلقي العلاج الطبي. وبالفعل، انتقد «الحزب الوطني البنغلاديشي» وعدّها عملاً من أعمال «الانتقام السياسي».

أيضاً برّرت الشيخة حسينة موقفها بأن على خالدة تمضية عقوبة السجن قبل الحصول على الإذن بالمغادرة؛ إذ قالت لوسائل الإعلام: «عليها العودة إلى السجن أولاً إذا أرادت السفر إلى الخارج لتلقي العلاج، وإذا أراد حزبها نقلها للخارج يتوجب عليه الذهاب إلى المحكمة والتقدم بطلب للحصول على ذلك، وإذا سمحت يمكنها السفر».

انتخابات «صوَرية»

في أي حال، زعم «الحزب الوطني البنغلاديشي» أن «رابطة عوامي» دعمت مرشحين «صوريين» كمستقلين لمحاولة جعل الانتخابات تبدو ديمقراطية. كذلك وصف الجنرال المتقاعد سخاوت حسين، مفوض الانتخابات السابق، انتخابات الأحد الفائت بأنها «صورية». وفعلاً، بقاء خالدة قيد الإقامة الجبرية واستمرار غياب حزبها عن المشهد السياسي، يهددان النفوذ السياسي الذي يتمتع به الحزب، في حين تبدو حسينة في طريقها لأن تغدو أقوى وأكثر نفوذاً، على غرار مثلها الأعلى أنديرا غاندي، حسبما يضيف تقرير نشرته صحيفة «إنديان إكسبريس».

صناديق الاقتراع داخل أحد مراكز الفرز (رويترز)

الهند والصين تدعمان الشيخة حسينة

يقدر حجم اقتصاد بنغلاديش بـ400 مليار دولار، ونما بنسبة 7.1 في المائة عام 2022. وفي الوقت ذاته، لدى كل من الهند والصين مصالح كبيرة في نتيجة العملية الانتخابية ومصداقيتها، ليس فقط بفضل علاقاتهما الاقتصادية القوية مع بنغلاديش، بل أيضاً في ضوء التنافس الأوسع بينهما على مستوى المنطقة. ورغم تفضيل الولايات المتحدة والدول الأوروبية تشكيل حكومة محايدة قبل الانتخابات الأخيرة، وقف الغريمان الآسيويان، الهند والصين، صفاً واحداً خلف الشيخة حسينة. إذ كانت واشنطن قد اعتمدت سياسة تأشيرات جديدة لبنغلاديش في العام الماضي بهدف «دعم الانتخابات الحرة والنزيهة» في البلاد، وهي تتيح للسلطات الأميركية رفض منح التأشيرات لأي فرد أو كيان يعرقل العملية الانتخابية في بنغلاديش. لكن لدى كل من الهند والصين رغبة ومصلحة كبرى في بقاء «رابطة عوامي» بزعامة حسينة في سدة الحكم.

في الواقع، الشيخة حسينة كانت دائماً تضع في حسبانها المصالح الهندية، رغم توسع نطاق الوجود الصيني بقطاع البنية التحتية. وتكشف الأرقام عن أن التجارة الثنائية بين الهند وبنغلاديش تجاوزت 15 مليار دولار في 2021-2022. كذلك، ترى الهند بنغلاديش «منطقة عازلة» شرقية حيوية، وتؤمّن دعماً محورياً لها على مستوى الموانئ والوصول إلى شبكة الكهرباء، ثم أن الروابط التاريخية والتلاصق الجغرافي يعززان العلاقات التجارية التكافلية بين الجانبين.

وبالتوازي، تجاوزت التجارة الثنائية بين بنغلاديش والصين 25 مليار دولار عام 2022. وتتوافق بنغلاديش استراتيجياً مع الصين، التي تساعد في تحويل المشهد العام بها من خلال مشروعات ضخمة. ولقد تجاوزت الاستثمارات الصينية في مشروعات البنية التحتية الممولة عبر «مبادرة الحزام والطريق» 10 مليارات دولار.

حول الحسابات السياسية لعلاقات نيودلهي وبكين مع مَن يحكم في دكا، يقول المعلق السياسي سي. رجا موهان: «جرت مراقبة الانتخابات البنغلاديشية باهتمام كبير في الهند، لجملة من الأسباب، أبرزها:

- تشارك بنغلاديش مع الهند في حدود يبلغ طولها 4096 كلم، هي الأطول للهند مع أي من جيرانها.

- العلاقات التاريخية والثقافية والاقتصادية عميقة التي تعني أن بنغلاديش مستقرة ومزدهرة وصديقة يصبّ في مصلحة الهند؛ ولذا تقف بقوة خلف الشيخة حسينة.

- لطالما كان المنافس الرئيسي لحسينة، أي «الحزب الوطني البنغلاديشي»، يتمتع دائماً بعلاقات وثيقة مع «الجماعة الإسلامية» ويرتبط الحزب بتحالف تقليدي مع باكستان. وحقاً، إبان حكم «الحزب الوطني البنغلاديشي»، وقعت هجمات إرهابية عدة ضد الهند من داخل بنغلاديش. وبالتالي، تخشى نيودلهي أنه إذا عاد إلى السلطة، قد يتحول الإرهاب هاجساً كبيراً.

أما بالنسبة لبكين، فقد نما الحضور الصيني في بنغلاديش بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. وبعد عام 2016، انضمت بنغلاديش، مثل دول أخرى بالمنطقة، إلى «مبادرة الحزام والطريق» الصينية. ومنذ ذلك الحين، أنجزت الصين الكثير من مشروعات البنية التحتية في البلاد. وخلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، أنجز بناء وصلة السكك الحديدية «جسر بادما»، بجانب مشاركة بكين في الكثير من المشروعات الأخرى داخل بنغلاديش. وبالتالي، يهم بكين الاستمرارية والاستقرار داخل بنغلاديش؛ لضمان نجاح خطط «مبادرة الحزام والطريق»، وترى أن قوة «رابطة عوامي» الخيار الأفضل لتحقيق هذا النجاح.

التحديات أمام حسينة

على صعيد آخر، ستواجه حكم الشيخة حسينة تحديات عدة. وهنا يرى الصحافي صلاح الدين شعيب شودري، المقيم في بنغلاديش، أن «أحد أكبر التحديات الأكثر إلحاحاً التي تواجه حسينة سيكون إدارة مخاطر الاضطرابات التي أعقبت الانتخابات، لا سيما وأن الانتخابات تسببت في تفاقم الاستقطاب السياسي الخطير في البلاد. وبينما طمّعت النتيجة «رابطة عوامي» يشعر «الحزب الوطني البنغلاديشي» بالغضب والظلم... وسيكون من الحكمة رصد ردة الفعل التالية التي سيتخذها «الحزب»، فهل سيبقى مبتعداً عن دائرة الضوء أم سيحاول تعزيز جهود المقاومة من جانبه؟».

ويرى شودري، أنه رغم الاتهامات الغربية بانحسار الديمقراطية، فإن ما تسعى إليه «رابطة عوامي» الحاكمة لنفسها هو سياساتها وأدائها، ومن المتوقع أن تصبح بنغلاديش دولة متوسطة الدخل بحلول عام 2041. كما أنها في طريقها للخروج من فئة أقل البلدان نمواً، تبعاً لتصنيف الأمم المتحدة بحلول عام 2026. وبالمقارنة مع بلدان جنوب آسيا الأخرى، تجد بنغلاديش نفسها أعلى من المتوسط في معايير مؤشر التنمية البشرية. وأفاد تقرير للبنك الدولي صدر في أكتوبر (تشرين الأول) بأن معدل الفقر المدقع انخفض من 9 في المائة عام 2016 إلى 5 في المائة عام 2022. وقد يشكّل هذا الوضع تحدياً لبعض علاقات دكا الدبلوماسية، خاصة مع واشنطن.

أما سيما غوها، الصحافية المعنية بشؤون بنغلاديش، فتعلّق: «ثمة إجماع واسع في الولايات المتحدة وأوروبا على أن هذه لم تكن انتخابات ديمقراطية. وكمثال، لم يرسل الاتحاد الأوروبي بعثة لمراقبة الانتخابات بسبب انعدام الظروف المواتية لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وكذلك ضمان عمل البعثة نفسها بحرية. إن قمع المعارضة البنغلاديشية أمر معروف ومرفوض بشكل عام داخل الولايات المتحدة والعواصم الأوروبية».

على هذا، يرد أنصار حسينة وحزبها «رابطة عوامي» بالقول إن الرئيسة والحزب شيّدا دولة تتمتع بصناعة متنامية ومشروعات تنموية مزدهرة. وكذلك أسهم الاستقرار في تجنيب بنغلاديش الانقلابات العسكرية.

وعلى الساحة الدولية، نجحت في تعزيز العلاقات مع الدول القوية، وتحقيق توازن بعلاقات بلدها مع قوى متنافسة. ثم أنها مدعومة بقوة من كل من الهند والصين، حتى عندما تواجه العملاقان الآسيويان عسكرياً في المناطق الحدودية المتنازع عليها، ناهيك من تمويلهما عدداً كبيراً من مشروعات البنية التحتية البنغلاديشية.

أيضاً في عهد حسينة، بنت دكا علاقات مهمة مع روسيا، حتى عندما كانت تضغط لوقف القتال في أوكرانيا، وتتودّد على نحو متزايد إلى الزعماء الغربيين.

ثم أنه يُنسب إلى حسينة الفضل في تغيير مسار الاقتصاد البالغ حجمه 416 مليار دولار وصناعة الملابس الضخمة، في حين نالت كذلك إشادة دولية لإيواء ما يقرب من مليون مسلم من الروهينغا الفارين من الاضطهاد في ميانمار المجاورة. ورغم، الهزة الاقتصادية خلال الأشهر الأخيرة، إثر اشتعال احتجاجات عنيفة على القفزة في تكاليف المعيشة، وافق صندوق النقد الدولي على المراجعة الأولى لخطة إنقاذ بنغلاديش البالغة 4.7 مليار دولار في ديسمبر الماضي؛ ما أتاح الوصول الفوري إلى نحو 468.3 مليون دولار وأتاح 221.5 مليون دولار لأجندة مكافحة التغييرات المناخية.

ناشطو المعارضة في تظاهرة تدعو إلى مقاطعة الانتخابات (رويترز)

أحداث وعنف وانتخابات في بنغلاديش

1971: ولادة بنغلاديش، بعد حرب مزَّقت باكستان، بقيادة «رابطة عوامي» وزعيمها الشيخ مجيب الرحمن. 1973: أول انتخابات انتهت بانتصار ساحق لـ«رابطة عوامي»، وسط مزاعم بوقوع تزوير في بعض الأماكن. 1974: مجيب يحظر أحزاب المعارضة، ويحول بنغلاديش فعلياً إلى نظام الحزب الواحد. 1975: قتل مجيب إثر انقلاب عسكري مع معظم أفراد عائلته. ولم ينجُ سوى ابنتيه الشيخة حسينة والشيخة ريحانة، اللتين كانتا في الخارج ذلك الوقت. الجنرال ضياء الرحمن تولى المسؤولية فعلياً. 1979: «الحزب الوطني البنغلاديشي» يفوز بالانتخابات، بقيادة ضياء الرحمن، و«رابطة عوامي» تزعم حدوث عمليات تزوير واسعة وترفض النتائج. 1981: اغتيال ضياء الرحمن، وتولي نائبه عبد الستار السلطة، وفوزه بالانتخابات العامة. 1982: قائد الجيش الجنرال حسين إرشاد يقود انقلاباً آخر. 1986: حزب «غاتيا» بزعامة إرشاد يفوز بالانتخابات، وسط إقبال ضعيف. «الحزب الوطني البنغلاديشي»، الذي تترأسه الآن خالدة ضياء، أرملة ضياء الرحمن، يقاطع، بينما يشارك حزب «رابطة عوامي» بقيادة حسينة. الغالبية ترى أن النتائج غير مشروعة. 1988: انتخابات أخرى وسط دعوات لإقالة إرشاد، قاطعها كل من «رابطة عوامي» و«الحزب الوطني البنغلاديشي»، وقادت خالدة وحسينة الاحتجاجات معاً. 1990: استقالة إرشاد وسط احتجاجات حاشدة، وتولي حكومة تصريف الأعمال السلطة. 1991: «الحزب الوطني البنغلاديشي» يفوز بغالبية ضئيلة فيما عُدَّت الانتخابات الأكثر نزاهة حتى الآن. خالدة تصبح رئيسة للوزراء، و«رابطة عوامي» في المعارضة. 1996: «الحزب الوطني البنغلاديشي» يرفض تعيين حكومة تصريف أعمال، ويفوز في انتخابات مثيرة للجدل مع مقاطعة معظم الأحزاب. تستمر الحكومة 12 يوماً فقط، وتُجرى الانتخابات مرة أخرى، وهذه المرة في ظل حكومة تصريف أعمال. فوز «رابطة عوامي» وتولي حسينة مقاليد السلطة للمرة الأولى. 2001: «الحزب الوطني البنغلاديشي» يفوز في الانتخابات في ظل حكومة تصريف أعمال. ويمنح الحقائب الوزارية للجماعة الإسلامية. عنف انتخابي يستهدف الأقلية الهندوسية في بنغلاديش. 2006: حالة جمود مع عجز «الحزب الوطني البنغلاديشي» و«رابطة عوامي» عن اتخاذ قرار بشأن حكومة تصريف الأعمال، والرئيس عياض الدين أحمد، بدعم من الجيش، يعلن نفسه زعيماً للبلاد. 2007: حكومة تصريف الأعمال المدعومة من الجيش تعتقل خالدة ضياء والشيخة حسينة بتهم الفساد. 2008: إجراء انتخابات في ظل حكومة تصريف الأعمال، وحققت الشيخة حسينة و«التحالف الكبير» بقيادة «رابطة عوامي» فوزاً كاسحاً. 2011: حسينة تلغي الأحكام المتعلقة بحكومة تصريف الأعمال مستشهدة بالخبرة السابقة في الفترة من 2006 إلى 2007. المعارضة تتعرض للقمع. 2014: وضع خالدة قيد الإقامة الجبرية، و«الحزب الوطني البنغلاديشي» وأحزاب المعارضة يقاطعون الانتخابات. وفوز كبير آخر لـ«رابطة عوامي». 2018: «رابطة عوامي» يحقق انتصاراً ساحقاً، حتى مع ظهور تقارير عن العنف وقمع الناخبين وتزوير الانتخابات مرة أخرى. «الحزب الوطني البنغلاديشي» يقاطع الانتخابات من جديد.



قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.