التأثير الإسلامي يبرز من جديد

كتب عن أمجاد الفنون الإسلامية ومعارض وأزياء تستحضر زرياب وجمال الأندلس

زرياب وحدائق قصر قرطبة ومعمارها تجلّت في تشكيلة غنية من إبداع أروى العماري (أروى العماري)
زرياب وحدائق قصر قرطبة ومعمارها تجلّت في تشكيلة غنية من إبداع أروى العماري (أروى العماري)
TT

التأثير الإسلامي يبرز من جديد

زرياب وحدائق قصر قرطبة ومعمارها تجلّت في تشكيلة غنية من إبداع أروى العماري (أروى العماري)
زرياب وحدائق قصر قرطبة ومعمارها تجلّت في تشكيلة غنية من إبداع أروى العماري (أروى العماري)

تأثير التراث الإسلامي على الفنون الغربية لا يختلف عليه اثنان، يُعيده البعض إلى الفتوحات ورحلات الحج إلى بيت المقدس في العصور الوسطى وغيرها. وبفضل هذه الرحلات، وصلت الفنون الإسلامية، من الهندسة المعمارية، إلى النقش على الخشب والجص والجدران، إلى أوروبا.

وهكذا بين رحلة وجولة أصبح المستشرقون والحِرفيون يستعيرون من فنون الشرق مفرداتٍ تُثري أعمالهم وتتماهى معها بسهولة. عن هذه التأثيرات، التي تمتد من عمق الشرق إلى أقصى الأندلس، أصدرت دار «أسولين» للنشر مؤخراً، ثلاثة كتب تتناول مدى هذا التأثير؛ ليس على الفنون فحسب، بل على عالم الترف ككل. الأول بعنوان «Morocco: kingdom of lights (المغرب: مملكة الضوء)»، ويركز على المغرب بوصفه بلداً تنصهر فيه روافد ثقافية إسلامية وأفريقية وأمازيغية وأندلسية، والثاني بعنوان «المغرب.. الفنون الزخرفية (Moroccan, Decorative Arts)» يستعرض الفنون الحِرفية وتقاليدها في كل المدن، من الشمال إلى الجنوب، ولا سيما أنه أكثر بلد حافظ على الإرث الأندلسي حياً في المخيّلة، كما في الحياة اليومية من خلال المطبخ والأزياء والحِرف اليدوية، مثل الجص والنقش على الخشب والفسيفساء، وغيرها.

غلاف كتاب «المغرب: الفنون الزخرفية» (أسولين)

أما الكتاب الثالث فبعنوان «Golden Opulence: 500 Years of Luxuriant Style (البذخ الذهبي: 500 عام من الأناقة الفاخرة)»، ويتناول مدى تأثير الثقافة الإسلامية والعثمانية تحديداً على صناعة الترف والموضة، لكن يبقى القاسم المشترك بين الكتب الثلاثة الانبهار الغربي بثراء ثقافة الشرق، وكيف شكّلت مغناطيساً جذب المستشرقين والمبدعين والحِرفيين على حد سواء.

غلاف كتاب «Golden Opulence: 500 Years of Luxuriant Style (البذخ الذهبي: 500 عام من الأناقة الفاخرة)» (أسولين)

غنيٌّ عن القول إنه كان لصُناع الموضة نصيب من هذا الإرث، منذ بداية القرن العشرين، حيث يبرز اسم المصمم بول بواريه الذي يمكن وصفه بالمصمم المستشرق. استلهم سراويل الحريم، كما نعرفها اليوم، من لوحات تجسد صور حريم السلاطين، وكانت ثورية حينها، لكنها صمدت لتدغدغ خيال كثير من المصممين الذين أتوا بعده.

بعده جاء سان لوران، ثم فالنتينو وألكسندر ماكوين وكريستيان لوبوتان وجورجيو أرماني وأنطونيو ماراس ورفعت أوبيك وحسين تشالايان وإيرديم وديتشي كاييك، وغيرهم ممن نهلوا من ألوان الشرق ونقشاته، وطبعاً شاعريته، فكل واحد منهم تأثّر في مرحلة من مشواره إما بالأشكال الهندسية أو المقبَّبة التي تُميّز المعمار الإسلامي، أو المشربيات والزخرفات التي طرزوها على أقمشة من المخمل أو البروكار، وحتى الجِلد.

كيف جرى تجسيد الهندسة المعمارية والفنون الزخرفية في الموضة (تصوير لعزيز هاماني)

كل هذا بعيداً عن الصورة النمطية للأزياء الإسلامية المحتشمة، فحتى عندما راجت هذه الموضة العالمية، ترجمها المصممون الغربيون بأساليب تتضمن إبداعاً فنياً أرادوه معبراً عن لقاء الحضارات. لم يكتفوا بالأكمام الطويلة والياقات العالية والاستغناء عن الفتحات المثيرة في الفساتين الواسعة والطويلة، وتفنّنوا كذلك في طرح الإيشاربات وكل أغطية الرأس عموماً. جاء بعضها على شكل قلنسوات تغطي الرأس ونصف الوجه لتؤطّره بشكل جميل، وبعضها على شكل عمامات بأقمشة من الساتان تزينها أحياناً بروشات من الماس أو الذهب. هذه العمامات ظهرت، في السنوات الأخيرة، في عروض أنطونيو ماراس ولويفي وبرادا، الأمر الذي كان له وقع مثير أدخلها الحياة اليومية، بعد أن كانت مقتصرة على مناسبات معينة.

من تشكيلة أروى العماري التي استلهمت فيها من الأندلس هندسيتها ونقشاتها (أروى العماري)

بَيْد أنه من الخطأ القول إن هذا الانبهار يقتصر على المصممين الغربيين، فمع ظهور مصممين عرب رسّخوا مكانتهم عالمياً من أمثال إيلي صعب وزهير مراد وجورج حبيقة وجورج شقرا وغيرهم، أخذت هذه التأثيرات الشرقية شكلاً جديداً مفعماً بالرومانسية والشاعرية. ومؤخراً طرحت المصممة السعودية أروى العماري تشكيلة لا تقلّ شاعرية قالت إنها استوحتها من حدائق الأندلس ومعمار قصر قرطبة.

تقول لـ«الشرق الأوسط»: «الموضة استقت كثيراً من فنون العمارة العربية وموسيقاها وشعرها، وهذا أمر له مبرراته؛ لأنك لا بد أن تنبهر بجمالها وثرائها التاريخي، وليس أدلَّ على هذا مما يثيره قصر قرطبة بمعماره وحدائقه من مشاعر في النفس». لهذا لم يكن غريباً أن يظهر كثير من النقشات الإسلامية والموتيفات الأندلسية، فضلاً عن الخطوط الهندسية في تشكيلتها.

الأندلس بورودها وفسيفسائها وشاعريتها كانت مصدر إلهام للمصممة أروى العماري (أروى العماري)

تشرح أروى أن هذه التشكيلة كانت تحية لحقبة ذهبية في التاريخ الإسلامي: «شهدت كثيراً من الإبداعات والعطاءات في مجالات شتى، بدءاً من الطب والهندسة، إلى العلوم الاجتماعية والشعر والموسيقى، الأمر الذي أثّر على أسلوب حياة الناس وتطورهم الاجتماعي والإنساني والثقافي».

وتُتابع: «على ذكر الشعر والموسيقى مثلاً لا بد من التنويه هنا بمدى تأثير زرياب على الموضة؛ فقد كان سابقاً لأوانه، لم يكن موسيقياً ماهراً فحسب، بل أيضاً مصمم أزياء وصورة، كان فناناً شاملاً وضع بصماته على طريقة تصميم موائد الطعام، كما على الموضة والأناقة عموماً، بدليل أنه كان أول من بدأ استعمال اللون الأبيض في الصيف».

طوق شعر «شرقيّ» من كارتييه باريس، 1911 حقوق الصورة: © دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي. تصوير: إسماعيل نور/ سيينغ ثينغز

عالم المجوهرات لم يَسلم من التأثير الشرقي والإسلامي، وليس أدلّ على هذا من دار «كارتييه»، التي بدأت علاقتها بالمنطقة في بداية القرن الماضي، بعد رحلة قام بها جاك كارتييه، حفيد مؤسس الدار إلى الخليدد. كان هدفه من هذه الرحلة استكشاف سوق اللؤلؤ، لتتطور العلاقة إلى ما هو أكثر من مجرد تبادل السلع. كان جاك مدفوعاً بالفضول للتعرف على ثقافة غريبة تماماً عما تعوّد عليه. عند وصوله إلى الخليج، انبهر بما تُخفيه من أسرار جمالية وتقاليد عريقة تظهر في المشربيات وأسلوب العيش.

في هذه الزيارة وُلدت رؤية جديدة سجلها في مذكراته، وتبلورت، فيما بعد، فيما تشير إليه الدار الفرنسية في أرشيفاتها بـ«نشأة الحداثة في بداية القرن العشرين». في هذا السياق يعلّق بيير رينيرو، مدير الصورة والأسلوب والتراث فيها، قائلاً: «لقد أدى الفن الإسلامي دوراً محورياً ترك أثراً ملموساً وهيكلياً في أسلوب كارتييه الإبداعي منذ بداية القرن العشرين. ولا يزال هذا الأثر ممتدّاً ويتسع نطاقه حتى يومنا هذا؛ وذلك بفضل ثراء الأنماط الهندسية وتشكيلاتها المتعددة».

جانب من معرض «كارتييه... الفنّ الإسلامي ومنابع الحداثة» في متحف اللوفر بأبوظبي (تصوير إسماعيل نور)

هذه العلاقة تستعرضها «كارتييه» حالياً في متحف اللوفر بأبوظبي في معرض بعنوان «كارتييه.. الفنّ الإسلامي ومنابع الحداثة»، يتناول هذا التأثر والتأثير من خلال أكثر من 400 قطعة فنية جرى تجميعها من متحف اللوفر أبوظبي، ومتحف الفنون الزخرفية، ومتحف اللوفر، إضافة إلى مجموعة من مقتنيات وأرشيفات دار كارتييه. هناك أيضاً قطع جرت استعارتها من «لوبوتيه باليه» - متحف الفنون الجميلة في باريس، عبارة عن لوحات ورسومات وقِطع فنية مصغرة أو قطع «زليج»، كلها تتغنى بروائع الفن الإسلامي، وتلك العلاقة التي ربطت الدار بالعالم الإسلامي، وجسّدته في مجوهرات رفيعة وراقية، فمِن أكثر ما يُسلّط عليه المعرض الضوء تلك اللغة التي ظهرت في أسلوب كارتييه، سواء في تصميم المجوهرات أم في مجال الفن.

علبة سجائر تعود إلى 1930 من مجموعة «كارتييه» ذهب، لازورد، حجر الفيروز، ياقوت أزرق، ألماس حقوق الصورة: © دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي

كل قطعة، سواء أكانت فسيفساء أم علبة سجائر أم تاجاً مرصعاً باللؤلؤ أو الماس، تحكي كيف فتحت الرحلة التي قام بها جاك كارتييه في عام 1912 إلى منطقة الخليج، الأبوابَ لاستكشاف أنماط جديدة وأشكال هندسية وزخرفات قديمة عبّرت عنها بشكل عصري في وِرشها الباريسية منذ عقود طويلة.

تاج من كارتييه، 2012 حقوق الصورة: © دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي. تصوير: إسماعيل نور/ سيينغ ثينغز

الجميل في المعرض أنه بمثابة رحلة تأخذ الزائر إلى أعماق التاريخ وأمجاده، عبر عدة أقسام يستكشف كل واحد منها المصادر التي استمدّت منها الدار الإلهام، وهي تشرح أساليبها الإبداعية، فهناك أكثر من 400 قطعة فنية من روائع الفن الإسلامي، تشمل المجوهرات، واللوحات، والرسومات، والقطع الفنّية المصغّرة، والمنسوجات، والصور الفوتوغرافية، والمواد الأرشيفية تجعل الجولة في المعرض بمثابة رحلة في عُمق التاريخ.


مقالات ذات صلة

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

لمسات الموضة أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

استعمل «إيرديم» منذ انطلاقته في عام 2005 أساليب تقليدية في تصاميم مبتكرة تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

لعب العرض على فكرة السفر والترحال، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تفخر الدار الإيطالية التابعة حالياً لمجموعة «إل في إم إتش» الفرنسية بمهارتها في نسج أرق خيوط الصوف في العالم

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)

هل يفقد الشرق الأوسط مكانته مركزاً للموضة العالمية؟

قبل أسابيع قليلة فقط، كانت بيوت الأزياء العالمية تتسابق على ترسيخ أقدامها في الشرق الأوسط، وهو من أكثر أسواقها حيوية وربحية. أطلقت تشكيلات خاصة بهذه المناسبة…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة التويد بشكله الطبيعي المائل إلى الخشونة في عرض «رالف لورين» الأخير للموسم المقبل (رالف لورين)

أناقة شتاء 2026... أزياء دافئة وطبقات متعددة

عندما تنخفض درجات الحرارة وتتلون السماء بالرمادي، تتغير الأولويات. لكن رحلة البحث عن الدفء لا تعني التنازل عن الأناقة بأي شكل من الأشكال. بل على العكس، يُفضِل…

«الشرق الأوسط» (لندن) «الشرق الأوسط» (لندن)

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.