إثيوبيا وأرض الصومال... الأمن مقابل منفذ البحر

رئيس أرض الصومال موسى بيهي عبدي وآبي أحمد يحضران توقيع اتفاقية مذكرة التفاهم (رويترز)
رئيس أرض الصومال موسى بيهي عبدي وآبي أحمد يحضران توقيع اتفاقية مذكرة التفاهم (رويترز)
TT

إثيوبيا وأرض الصومال... الأمن مقابل منفذ البحر

رئيس أرض الصومال موسى بيهي عبدي وآبي أحمد يحضران توقيع اتفاقية مذكرة التفاهم (رويترز)
رئيس أرض الصومال موسى بيهي عبدي وآبي أحمد يحضران توقيع اتفاقية مذكرة التفاهم (رويترز)

ألقت إثيوبيا حجراً في بركة ساكنة، بتوقيعها مذكرة تفاهم للاستحواذ على حصة غير محددة من ميناء بربرة، الواقع في أراضي جمهورية أرض الصومال، المعلنة من جانب واحد، لتفجر خلافاً قديماً متجدداً، مع جارتها الشرقية الصومال، التي أعلنت رفضها للاتفاقية، وسحبت سفيرها في العاصمة أديس أبابا للتشاور.

وتبحث إثيوبيا، الدولة المحرومة من أي إطلالة بحرية، منذ فترة طويلة، للحصول على منفذ بحري يحقق لها طموحاتها الاقتصادية مع دول مطلة على البحر الأحمر في القرن الأفريقي. وتعتمد حالياً على ميناء جيبوتي المجاورة، في نحو 95 في المائة من تجارتها البحرية. وحاولت إثيوبيا خلال الأعوام السابقة إنجاز اتفاقات مع إريتريا والسودان وكينيا، لاستخدام موانئها (عصب/شمال شرق، وبورتسودان/شمال غرب، ولامو الكيني/جنوب غرب). لكن محاولاتها لم يكتب لها النجاح مع إريتريا، خاصة بعد حرب التغراي، كما فشلت مع السودان التي غرقت في انقلابات وحرب أهلية.

اتفاقية تحقق مصالح الطرفين

وينص الاتفاق على منح إثيوبيا منفذاً على البحر الأحمر على طول 20كلم، لا سيما في ميناء بربرة، لمدة 50 عاماً. في المقابل «ستعترف إثيوبيا رسمياً بجمهورية أرض الصومال» كما أعلن موسى بيهي عبدي، زعيم هذه المنطقة التي لم تعترف بها الأسرة الدولية منذ إعلان استقلالها عن الصومال في عام 1991.

ويتيح استخدام ميناء بربرة على البحر الأحمر، نقل ما مقداره 30 في المائة على الأقل، من التعاملات التجارية الإثيوبية مع جيبوتي. وحسب رضوان حسين، مستشار الأمن القومي لرئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، فإن مذكرة التفاهم تمهد الطريق لإثيوبيا للتجارة البحرية في المنطقة، بمنحها إمكانية الوصول إلى قاعدة عسكرية مستأجرة على البحر الأحمر؛ ما يعني أن جمهورية أرض الصومال ستحصل على الأمن في المنطقة المضطربة، مقابل بيع جزء من أراضيها إلى أديس أبابا، كمنفذ على البحر الاحمر. وبحسب الاتفاقية، ستحصل أرض الصومال أيضاً على حصة في الخطوط الجوية الإثيوبية المملوكة للدولة.

الخبير في شؤون القرن الأفريقي، عبد الشكور عبد الصمد، يقول لـ«الشرق الأوسط»: إن الاتفاقية التي ستمتد لنحو نصف قرن من الزمان، ستفيد جمهورية أرض الصومال في تحديث بنيتها التحتية، وفي إقامة الطرق والسكك الحديدية، والاستفادة من كهرباء سد النهضة على وجه الخصوص، كما يمكن أن تحصل على حماية عسكرية، بعد توسيع الاتفاقية.

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد (أ.ب)

وكان آبي أحمد قال قبل أشهر إن بلاده في حاجة إلى تعزيز حقها في الوصول إلى البحر، في تصريح أثار مخاوف في المنطقة. وأكد أن «وجود إثيوبيا كأمة (كان) مرتبطاً بالبحر الأحمر»، وأن بلاده في حاجة إلى ميناء، عادّاً أن «السلام» في المنطقة يقوم على «تقاسم متبادل متوازن» بين إثيوبيا وجيرانها في القرن الأفريقي المطلّين على البحر الأحمر، ذاكراً تحديداً جيبوتي وإريتريا والصومال.

وفي مواجهة المخاوف التي أثارتها تصريحاته، أكد أنه «لن يحصل أبداً على مصالحه بالحرب».

وذكرت «وكالة الأنباء الإثيوبية» (إنا)، أن مذكرة التفاهم تؤكد من جديد الموقف المبدئي للحكومة الإثيوبية المتمثل في تعزيز المصالح المتبادلة، من خلال التعاون على أساس المعاملة بالمثل، في حين قال مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، عبر منصة «إكس»، الاثنين: إن الاتفاق «سيفتح الطريق أمام تحقيق تطلع إثيوبيا إلى تأمين وصولها إلى البحر، وتنويع وصولها إلى الموانئ البحرية». وأضاف، أن الاتفاق يعزز أيضاً الشراكة الأمنية والاقتصادية والسياسية للطرفين الموقعين.

استحواذ جزئي أم كامل؟

ورغم أن مذكرة التفاهم لم تحدد نسبة الاستحواذ لميناء بربرة، فإن عبد الصمد، من أديس أبابا، أشار إلى أنها قد تكون نسبة استحواذ كاملة، وسيكون الميناء تحت إشراف كامل من الدولة الإثيوبية. وتقول سلطات إثيوبيا إنها ستعلن التفاصيل كاملة رسمياً خلال فترة وجيزة.

وكانت اتفاقية سابقة أبرمت في مارس (آذار) 2018، تمتلك بموجبها «موانئ دبي العالمية» على 51 في المائة من المشروع، و30 في المائة لـ«موانئ أرض الصومال»، بينما تبلغ حصة إثيوبيا 19 في المائة. وكجزء من الاتفاقية، ستستثمر الحكومة الإثيوبية في البنية التحتية لتطوير ممر بربرة كبوابة تجارية لها، ولكن يبدو أن هذه الاتفاقية لم تر النور.

ولم يعد لإثيوبيا منفذ بحري منذ استقلال إريتريا في عام 1993. واستفادت من منفذ على ميناء عصب الإريتري، لكنها خسرته خلال النزاع بين البلدين بين عامي 1998 و2000. وتعتمد إثيوبيا الآن على ميناء جيبوتي في صادراتها ووارداتها.

ولم تحصل أرض الصومال على اعتراف دولي واسع النطاق، رغم إعلانها الحكم الذاتي بعيداً عن الصومال في عام 1991. وتعد إثيوبيا من أوائل الدول التي اعترفت بجمهورية أرض الصومال في عهد الرئيس مليس زيناوي (1955 - 2012)، في حين حصلت على اعترافات ضمنية من دول أخرى، من خلال السماح بإقامة ممثليات دبلوماسية، أو معاملات تجارية. وكان وفد من الاتحاد الأوروبي قد راقب الانتخابات التي جرت في أرض الصومال، وهنأ الشعب والحكومة ومفوضية الانتخابات والأحزاب السياسية في أرض الصومال على إجراء الانتخابات بنجاح.

وسجلت زيارات متبادلة بين المسؤولين في كينيا وأرض الصومال خلال الفترات الماضية. ويسافر الصوماليون بجوازات تابعة لأرض الصومال إلى جميع أنحاء العالم من دون أي عقبات.

رئيس أرض الصومال موسى بيهي عبدي (رويترز)

وتقول الصومال: إن جمهورية أرض الصومال جزء من أراضيها. وقالت «وكالة الأنباء الوطنية الصومالية» (صونا)، الأسبوع الماضي: إنه بعد جهود وساطة تزعمتها جيبوتي، اتفقت الصومال وأرض الصومال على استئناف محادثات تستهدف حسم نزاعاتهما.

احتجاج صومالي شديد اللهجة

واستدعى الصومال سفيره لدى إثيوبيا للتشاور؛ احتجاجاً على مذكرة التفاهم الإثيوبية مع أرض الصومال. وعقد مجلس الوزراء الصومالي، برئاسة حمزة عبدي باري، اجتماعاً طارئاً، الثلاثاء؛ لبحث الخطوة التي وصفتها حكومة الصومال بأنها «انتهاك إقليمي غير قانوني»، وفقاً لما نشرته وكالة الأنباء الصومالية. وقال الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، في تدوينة على منصة «إكس»: «أدنّا الانتهاك غير المشروع الذي قامت به إثيوبيا لسيادتنا الوطنية وسلامتنا الإقليمية ورفضناه. لا يمكن، ولن يمكن لأحد، أن ينتزع شبراً من الصومال. الصومال ملك للشعب الصومالي. هذا أمر محسوم».

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (رويترز)

من جانبه، أكد رئيس الوزراء الصومالي عزم الحكومة على حماية سيادة البلاد، وقال: «ما من أحد يمكنه أن ينتهك أي جزء من أراضي الصومال أو بحره أو جوه». وأصدر مجلس الوزراء الصومالي بياناً عقب اجتماعه الطارئ، قال فيه: إن توقيع مذكرة التفاهم «لا أساس له من الصحة، وهو اعتداء سافر على السيادة الداخلية لجمهورية الصومال الفيدرالية».

ودعا البيان الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، إلى اجتماع طارئ بهذا الخصوص.

وتشهد العلاقات بين إثيوبيا والصومال توتراً حاداً منذ عقود، كما توجد خلافات تاريخية بين دول القرن الأفريقي، إلا أن الخبير عبد الصمد يقول: إن «مياهاً كثيرة جرت تحت الجسر»، وصارت المصالح الاقتصادية وسياسات الانفتاح توفر باباً للتقارب بين هذه الدول.

الوضع مع إريتريا

ورغم أن السلطات الرسمية في إريتريا لاذت بالصمت إزاء الاتفاقية بين إثيوبيا وأرض الصومال، فإن مراقبين يرون أن أسمرا ربما لا تعجبها الاتفاقية، ولكنها لن تعلق عليها. ويقول عبد الصمد: إن إريتريا ربما تكون قد أضاعت فرص اتفاق سابق كان سيدرّ عليها أموالاً طائلة من إثيوبيا عن طريق استخدام ميناء عصب. ويضيف: إن إثيوبيا، بتوقيعها على هذه الاتفاقية، لن تغفل عن الاتفاقيات السابقة مع إريتريا والسودان، وربما تعود إليها في أوقات لاحقة «لأن إثيوبيا تعمل من أجل تنويع مصادر تعاملاتها التجارية، في ظل أن الدولة التي تحتضن كثافة سكانية عالية تقدر بنحو 120 مليون نسمة، تحتاج إلى تحريك عجلة اقتصادها لمواجهة التحديات الكبيرة».


مقالات ذات صلة

تحذير مصري لإثيوبيا من خطط السيطرة على تدفقات مياه النيل

شمال افريقيا سد النهضة الإثيوبي (رويترز)

تحذير مصري لإثيوبيا من خطط السيطرة على تدفقات مياه النيل

في تصعيد جديد للتوتر بين القاهرة وأديس أبابا بشأن أزمة «سد النهضة» الإثيوبي، حذّر مصدر مصري مسؤول من «خطط إثيوبيا للسيطرة على تدفقات مياه النيل».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مشاركون في الحوار الوطني بإثيوبيا (وكالة الأنباء الإثيوبية)

«توافق» على أجندة «الحوار الوطني» في إثيوبيا... هل يترجم إلى واقع؟

بعد نحو شهر من إطلاق مسار الحوار الوطني، أعلنت إثيوبيا التوافق على محاوره الرئيسية الثمانية رغم غياب معارضة تيغراي وأمهرة

محمد محمود (القاهرة )
العالم العربي وزير الدفاع الصومالي يبحث مع قادة القوات البحرية الباكستانية تعزيز التعاون العسكري (وكالة الأنباء الصومالية)

الصومال يعزز تعاونه العسكري مع باكستان وسط توترات بـ«القرن الأفريقي»

تتجه مقديشو لتعزيز التعاون العسكري مع إسلام آباد وسط تهديدات تتصاعد في منطقة القرن الأفريقي، لا سيما مع تنامي تداعيات اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال».

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا سد النهضة (رويترز)

مخططات إثيوبيا لسدود جديدة على النيل تزيد الارتباك مع مصر

ردت القاهرة بشكل حاسم على تقارير إخبارية بشأن اعتزام إثيوبيا بناء سدود جديدة على نهر النيل، مؤكدة أنها «لن تسمح بذلك».

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال «المؤتمر الأول حول البحار الصومالية» الثلاثاء (وكالة الأنباء الصومالية)

مؤتمر البحار الأول في الصومال... رسائل إقليمية لتعزيز السيادة والنفوذ

احتضنت مقديشو أعمال المؤتمر الأول حول البحار الصومالية بحضور الرئيس حسن شيخ محمود

محمد محمود (القاهرة )

مصر: معركة على الذاكرة لإعادة صياغة أحداث «فض رابعة»

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
TT

مصر: معركة على الذاكرة لإعادة صياغة أحداث «فض رابعة»

مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)
مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

«فض رابعة»... صراع يتجدد سنوياً على صياغة رواية أحداث شهدتها القاهرة قبل نحو 13 عاماً، وتسرد أحداثاً من وجهتي نظر مختلفتين في الرؤى والتوجه.

ومع ذكرى فضّ التجمع الموالي للرئيس الأسبق الراحل محمد مرسي في «ميدان رابعة» بشرق القاهرة، دخل محسوبون على «تنظيم الإخوان»، الذي تصنّفه مصر «إرهابياً»، ومؤيدون للدولة، في تلاسن لم يتوقف خلال الأيام الماضية على منصات التواصل الاجتماعي وعبر وسائل إعلام مختلفة، في محاولة من كل طرف لإثبات روايته.

وقع الفضّ يوم 14 أغسطس (آب) 2013 بعدما طالبت السلطات مراراً المشاركين في التجمع بإنهائه، مؤكدة أنهم كانوا مسلحين.

«مظلومية»

مناصرو «الفض» عدُّوه تعزيزاً لسلطة الدولة في حفظ الاستقرار والسلم الأهلي، فيما زعم معارضون ومحسوبون على «تنظيم الإخوان» أنه كان «سلمياً» ونشروا صوراً لقتلى قالوا إنهم من المعتصمين.

ويرى خبير في شؤون الإسلام السياسي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن الحديث عن «فض رابعة» يعدّ بمثابة صراع يتجدد سنوياً مع ذكراه، على صياغة الرواية واللعب على ذاكرة المصريين، حيث يصرّ «تنظيم الإخوان» على رفع راية «المظلومية» لكسب أي تعاطف، مشدداً على أهمية تركيز الدولة على دحض هذه الرواية التي يركز عليها التنظيم من أجل البقاء.

صراع روايات

وبين عشرات التغريدات المؤيدة لرواية الدولة في فضّ اعتصام مسلح، قال الكاتب والباحث ماهر فرغلي، الذي أعدّ وثائقياً عن الفضّ، عبر منصة «إكس»، إن معارضي الفض «خططوا جيداً في صناعة مظلومية تاريخية، تساهم في بقاء التنظيم لأطول فترة ممكنة، وتعيد فتح بؤر للصراع مع الدولة بالكامل».

منظر عام لميدان رابعة شرق القاهرة (رويترز)

وكتب الإعلامي المصري أحمد موسى: «لن ننسي جرائمهم وغدرهم وخيانتهم، ولن نتركهم يزوِّرون التاريخ ونحن كنا جميعاً شهوداً على جرمهم وخيانتهم»، مؤكداً «أنهم استهدفوا الدولة وكانوا يريدون تقسيم مصر، والإصرار على تحويل اعتصام رابعة مركز عمليات مسلحاً، ونقل شحنات أسلحة داخله واستخدام عناصرهم قنابل مفخخة».

بالمقابل، حرص أنصار «اعتصام رابعة» الذي يعدّونه «سلمياً» أن ينشروا صوراً لقتلى، ويذكروا أن ما حدث «ضد القانون».

رفض شعبي

أما الخبير في شؤون الجماعات المسلحة والإسلام السياسي، أحمد بان، فيرى أن الهدف الأساسي من اعتصام رابعة كان يرمي في جوهره إلى «إعادة تعويم التنظيم في الضمير الجمعي للمصريين».

وأضاف أن التنظيم «راهن في ذلك على الحسّ العاطفي للشعب المصري، ومحاولة دفع الناس لنسيان جرائم الجماعة، سواء تلك التي ارتكبتها إبان فترة حكمها أو ما قبل ذلك». ورأى أنه كان هناك سعي متعمد من الجماعة لخلق جدار تختبئ خلفه، في محاولة للهروب من فكرة المساءلة التاريخية والسياسية.

وبحسب بان، فإن «السؤال الكبير الذي كان يطرح نفسه في أحداث رابعة هو: أين كنا؟ وكيف أصبحنا؟ حيث كانت الجماعة في سدة الحكم لأكبر دولة عربية، ثم انتهى بها الأمر إلى الرفض الشعبي الواسع عبر حراك جماهيري كبير، وتعاون واضح بين مؤسسات الدولة والشارع المصري، وهو ما أدى في النهاية إلى لفظ هذا التنظيم ومشروعه التخريبي».

وشدّد بان على «حاجة الدولة المصرية الماسّة إلى توثيق كافة التفاصيل المحيطة بهذه المحاولة التي استهدفت إقامة بؤرة بديلة للدولة داخل رابعة»، مؤكداً أن «ما تم طرحه ونشره حتى الآن أقل مما ينبغي أن يعرفه الشارع المصري عن حقيقة هذه المحاولة التي قادها التنظيم».


لقاء بين الحية وكوشنر لدفع خطة غزة

لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومستشار ترمب في العلمين الأحد (الرئاسة المصرية)
لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومستشار ترمب في العلمين الأحد (الرئاسة المصرية)
TT

لقاء بين الحية وكوشنر لدفع خطة غزة

لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومستشار ترمب في العلمين الأحد (الرئاسة المصرية)
لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ومستشار ترمب في العلمين الأحد (الرئاسة المصرية)

كشفت مصادر مصرية مطلعة وكذلك مصادر من حركة «حماس»، لـ«الشرق الأوسط»، أن وفد الحركة برئاسة خليل الحية التقى، أمس، في مدينة العلمين المصرية، مع جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومبعوث «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، بحضور ممثلي الوسطاء من مصر وقطر وتركيا.

وبحسب المصادر، فقد شمل اللقاء مجموعة مطالب من «حماس»؛ مفادها أن تمارس الإدارة الأميركية ضغوطاً على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليقبل بتنفيذ المرحلة الثانية من خريطة الطريق، والبدء بإدخال 600 شاحنة مساعدات لغزة، والوقف الفوري لعمليات الاغتيال التي تقوم بها إسرائيل لقيادات «حماس» ولأبناء القطاع.

وأضافت المصادر أن كوشنر أكد التزام الإدارة الأميركية «خطة السلام»، بشرط أن تلتزم «حماس» جدولاً زمنياً محدداً لنزع السلاح وحل الجناح العسكري للحركة، وأنه سيعمل للحصول على التزام إسرائيلي بالسير في تنفيذ الخطة بالتوازي مع تسليم «حماس» سلاحها للجنة إدارة قطاع غزة وقوة الاستقرار الدولية المتفق عليها ضمن بنود خطة السلام، وأنه سيعمل على التفاهم مع نتنياهو خلال زيارته لإسرائيل، اليوم.

في الأثناء، أدانت السعودية ومصر والأردن وباكستان وإندونيسيا وتركيا وقطر والإمارات، أمس، الرفض الإسرائيلي المعلن لخريطة الطريق التي أيدها قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803.


«أخرجوا المرتزقة»... ليبيون يطالبون ساستهم بإنهاء الوجود الأجنبي

«مرتزقة سوريون» يحتجون في طرابلس على تأخر مستحقاتهم المالية نهاية الأسبوع الماضي (صفحة حراك ضد التوطين)
«مرتزقة سوريون» يحتجون في طرابلس على تأخر مستحقاتهم المالية نهاية الأسبوع الماضي (صفحة حراك ضد التوطين)
TT

«أخرجوا المرتزقة»... ليبيون يطالبون ساستهم بإنهاء الوجود الأجنبي

«مرتزقة سوريون» يحتجون في طرابلس على تأخر مستحقاتهم المالية نهاية الأسبوع الماضي (صفحة حراك ضد التوطين)
«مرتزقة سوريون» يحتجون في طرابلس على تأخر مستحقاتهم المالية نهاية الأسبوع الماضي (صفحة حراك ضد التوطين)

دفعت احتجاجات مفاجئة لعناصر من «المرتزقة» في شوارع العاصمة طرابلس، ليبيين إلى مطالبة ساستهم بضرورة إنهاء الوجود الأجنبي، وإخراج هذه المجموعات من البلاد، وسط تحذيرات من أن هذه المجموعات «ستصبح أهدافاً مشروعة للشعب».

ولا تزال سلطات طرابلس تحتفظ بأعداد من «المرتزقة» السوريين الموالين لتركيا، في ظل وجود قوات روسية في مناطق تابعة للقيادة العامة لـ«الجيش الوطني»، تحت مسمى «الفيلق الأفريقي».

واحتشد عدد من «المرتزقة» السوريين، مساء الثلاثاء، قبالة كلية ضباط الشرطة في طرابلس، لمطالبة حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة بتسوية أوضاعهم المالية، الأمر الذي أثار حفيظة ليبيين، وأعاد ملف «المرتزقة» إلى الواجهة بعد تجاهل.

وبات خطاب الليبيين، خاصة في غرب البلاد، يتمثل في مطالبة ساسة البلاد بإخراج «هذه العناصر من البلاد».

ويرى خالد الغويل، مستشار «اتحاد القبائل للشؤون الخارجية»، أن ليبيا «تعج بالمرتزقة، وخروج أعداد منهم إلى الشارع للمطالبة بحقوقهم المالية فضح الساسة الذين ينكرون وجودهم»، متهماً من جلبهم إلى البلاد بـ«التآمر عليها».

ويحذر الغويل من أن المرتزقة في ليبيا «سيصبحون أهدافاً مشروعة للشعب»، مضيفاً: «الأمر أصبح في غاية الخطورة؛ الشارع سينفجر حتماً، وغضبه المرة المقبلة لن يقف أمامه أحد».

وذهب الغويل إلى أن «خروج المرتزقة إلى الشارع يحرج المجتمع الدولي بالنظر إلى عدم إيفائه بالتزاماته في مؤتمري (برلين1) و(برلين2)... لقد تعهدوا بإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية، لكنه يؤشر على أنه لا يزال يمارس سياسة الكيل بمكيالين».

وسبق أن صعَّد ليبيون، من بينهم قبائل موالية لنظام الزعيم الراحل معمر القذافي، ضد وجود «المرتزقة» والقوات الأجنبية في البلاد، وطالبوا بإخراج هذه العناصر.

وتحدثت الدكتورة رانيا الصيد، العضو المؤسس لـ«التجمع السياسي الوطني فزان»، عن معضلة «المرتزقة» في ليبيا، وأسباب جلبهم، ولماذا يتم الإبقاء عليهم حتى الآن، على الرغم من إبرام طرفي الحرب في جنيف اتفاق وقف إطلاق النار في جميع أنحاء ليبيا في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2020.

وقالت: «تم جلب أعداد من المرتزقة تحت لافتة الحماية، وقد دخلوا ليبيا من جنوب الصحراء وغرب المتوسط، وذلك لأن سياسة بلادنا بعد الانهيار عجزت عن إنتاج جيش وطني واحد». وأضافت: «كل طرف بحث عن قوة جاهزة. وأُعطي المال والسلاح مقابل الولاء الفوري. وهكذا، صار الخارج شريكاً في المعادلة، لا وسيطاً فيها».

واستعرضت رانيا الصيد، في حديثها إلى «الشرق الأوسط»، انقسام الخطاب الشعبي الليبي حيال «المرتزقة»، الذين قالت إنهم «حملوا بنادقهم بأجرة شهرية»، إلى 3 تيارات لا تلتقي إلا في نقطة واحدة، وهي أن «الوجود الأجنبي المسلح يمسّ السيادة».

واستعانت سلطات غرب ليبيا وشرقها بعناصر من سوريا وروسيا، بالإضافة إلى بعض الدول الأفريقية، في أعقاب الحرب التي شنّها «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، على طرابلس في أبريل (نيسان) 2019. وظلّت هذه العناصر على حالها منذ توقف الحرب في منتصف يونيو (حزيران) 2020.

وتشير الصيد إلى أن التيار الأول يرى أن «استدعاء المرتزقة خيانة، قدّم مفتاح الباب لغير الليبيين، وأن بقاءهم إهانة يومية للدولة». أما التيار الثاني «فيتعامل مع الملف ببراغماتية باردة. يقرّ بأن جلبهم كان خطأ تكتيكياً في لحظة ضعف، لكنه يعتقد أن إخراجهم الآن أصعب من إدخالهم».

أما التيار الثالث، بحسب الصيد، فهو «صامت في العلن، وضاجّ في الداخل. وتمثله الأجهزة الأمنية والميليشيات التي استفادت عملياً من وجود المرتزقة، سواء من خبرتهم القتالية، أو من كونهم لا يملكون قاعدة اجتماعية في ليبيا فيسهل التضحية بهم».

وظلّ ملف «المرتزقة» محل نقاش دائم أمام الوفود الأجنبية التي تزور ليبيا، وأيضاً لدى البعثات الدبلوماسية، ولا سيما الأميركية والأوروبية، فيما يخص ضرورة العمل على إخراجهم من البلاد.

وترى رانيا الصيد أن ليبيا «دخلت في حلقة مفرغة. فجلب المرتزقة كان لتعويض غياب الدولة، وصار بقاؤهم سبباً إضافياً في غيابها. كل مبادرة دولية تطالب بالخروج تتصادم مع حقيقة ميدانية: لا أحد يريد أن يكون أول من ينزع سلاحه».

وانتهت إلى أن «الخروج من هذه الحلقة يبدأ باعتراف داخلي بأن السيادة لا تستعاد بتغيير الوجوه، بل ببناء قوة وطنية واحدة لا تحتاج إلى أجير، وتبدأ بإرادة إقليمية تتفق على أن ليبيا ليست ساحة مناورة. وحتى يحدث ذلك، سيبقى المرتزق شاهداً على أن الحرب في البلاد لم تعد حرب الليبيين وحدهم».

وهذه ليست المرة الأولى التي يحتج فيها مرتزقة سوريون من الموالين لتركيا في العاصمة، في وقت تنضوي قوات روسية في مناطق تقع تحت سيطرة «الجيش الوطني» في شرق وجنوب ليبيا.

وفي ظل انقسام سياسي في ليبيا، لا توجد أرقام رسمية معلنة بشأن أعداد المرتزقة أو المقاتلين الأجانب في البلاد، ولا ما يتعلق برواتبهم.

ويتصاعد في ليبيا تيار يتمسك بضرورة إخراج «المرتزقة» من البلاد، من بينهم السياسي محمد المزوغي، الذي يرى أن «وجود المرتزقة والقوات الأجنبية في البلاد مرفوض، والسيادة الليبية لا تقبل المساومة».