«حرب غزة»: «التهجير»... أحاديث إسرائيلية متجددة وسط رفض مصري

تحذيرات فلسطينية من تفريغ القطاع

مبانٍ مدمَّرة في شمال غزة بعد القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)
مبانٍ مدمَّرة في شمال غزة بعد القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)
TT

«حرب غزة»: «التهجير»... أحاديث إسرائيلية متجددة وسط رفض مصري

مبانٍ مدمَّرة في شمال غزة بعد القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)
مبانٍ مدمَّرة في شمال غزة بعد القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)

منذ بداية الحرب في قطاع غزة عقب عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، يتجدد الحديث عن «تهجير الفلسطينيين» خصوصاً مع تصاعد الأحاديث الإسرائيلية أخيراً بشأن «التهجير»، وسط رفض مصري متكرر لـ«تهجير الفلسطينيين خارج أرضهم».

ورفضت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية، مساء الاثنين، تصريحات صادرة من رئيس الوزراء الإسرائيلي وعدد من أعضاء حكومته حول «تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة». ورأت «الخارجية الفلسطينية»، في إفادة، مساء الاثنين، أن التصريحات الإسرائيلية الداعية لعودة المستعمرات في غزة تأتي «في سباق إسرائيلي رسمي عام على المزيد من (التطرف) في قتل الفلسطينيين وتهجيرهم»، مؤكدةً «استمرار (حرب غزة) للتخلص بأي شكل من الأشكال من سكان قطاع غزة وتفريغه كلياً منهم».

وجدَّد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تأكيد أنه «لا تهجير للفلسطينيين في قطاع غزة إلى مصر». وأضاف حينها خلال فعالية جماهيرية للتضامن مع الفلسطينيين في استاد القاهرة، أن موقف مصر «حاسم في رفض مخططات تهجير الفلسطينيين سواء من غزة أو الضفة لمصر والأردن». كما شدد على أن «التهجير (خط أحمر) لم ولن نقبل أو نسمح به».

ووفق وكيل لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب المصري (البرلمان)، سحر البزار، فإن «مصر تواصل التأكيد في كل المناسبات على رفض (تهجير الفلسطينيين) خارج أرضهم»، مضيفةً لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر لن تقبل بتصفية القضية الفلسطينية، وإنجاح أي محاولات لـ(تهجير الفلسطينيين) من أرضهم، وهو الأمر الذي يجري التأكيد عليه في أي نقاشات مرتبطة بمستقبل الوضع في مرحلة (ما بعد الحرب)، خصوصاً أن طرح فكرة (التهجير) نفسها بمثابة مخالفة لكل القوانين والمبادئ الإنسانية التي يطبّقها المجتمع الدولي».

الدخان يتصاعد فوق الأراضي الفلسطينية خلال القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)

وحذرت مصر مراراً منذ بداية الأزمة في قطاع غزة من خطورة دفع سكان غزة إلى مغادرة أراضيهم نحو سيناء. وأعرب الرئيس المصري في أكثر من مناسبة عن رفض بلاده «التهجير القسري» لسكان غزة. وفي استعراض عسكري لإحدى فرق الجيش المصري، أكتوبر الماضي، حذّر السيسي من خطورة المساس بالأمن القومي المصري، مؤكداً أنه «لا تهاون في حماية الأمن القومي لمصر». وأضاف في مناسبة أخرى أن «مصر دولة قوية ولا تُمس».

وكان وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، قد دعا، الأحد، إلى «عودة المستوطنين اليهود إلى قطاع غزة بعد انتهاء الحرب»، معتبراً أن «فلسطينيي القطاع يجب أن يجري تشجيعهم على الهجرة إلى دول أخرى». في حين أشار وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، الاثنين، إلى أن «حرب غزة» بمثابة «فرصة للتركيز على تشجيع هجرة سكان غزة بما يُسهل عودة سكان المجتمعات الإسرائيلية الحدودية مع غزة».

التصريحات الإسرائيلية الأخيرة بشـأن «التهجير»، دفعت الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في مصر، كرم سعيد، إلى الإشارة أن «هناك تغيراً نوعياً في لغة الخطاب الإسرائيلي بشأن عملية (التهجير) من قطاع غزة منذ بداية الحرب»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «هو تغير ارتبط بالانتقال من (التهجير القسري) لسكان القطاع وإخلائه إلى (التهجير الطوعي) والبحث عن أماكن بديلة يُمكن أن تستوعب سكان القطاع، ومن بينها طرح فكرة استقبال بعض الدول الأوروبية أعداد الفلسطينيين، وهو ما تحاول إسرائيل الترويج له في الوقت الحالي».

موقع على الحدود مع قطاع غزة... ويظهر في الصورة العَلم الإسرائيلي (أ.ف.ب)

ورأى سعيد أن هذا التحول في الخطاب الإسرائيلي «يعكس (عدم نجاح) إسرائيل في تحقيق أيٍّ من الأهداف المعلنة بالحرب منذ بدايتها حتى الآن، سواء في ما يتعلق بالقضاء على (حماس) أو تحرير الأسرى بالقوة، الأمر الذي تطلب تصعيد الخطاب الإعلامي من أجل (الاستهلاك الداخلي) بعد الصدمة التي تعرض لها المجتمع الإسرائيلي في 7 أكتوبر الماضي، إلى جانب رغبة المسؤولين الإسرائيليين في تأجيل أي أحاديث داخلية عن المحاسبة على ما حدث في السابق».

عودة إلى وكيل لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب المصري التي تؤكد أن «التصورات الإسرائيلية الرسمية الأخيرة بشأن (التهجير) من قطاع غزة لا يُمكن تبريرها أو محاولة الترويج لها»، قال سعيد إن «هناك توافقاً إقليمياً ودولياً بفضل الجهود المصرية والعربية على رفض مخططات إسرائيل لتصفية القضية الفلسطينية».


مقالات ذات صلة

مؤتمر «فيفا»: رئيس الاتحاد الفلسطيني يرفض مصافحة نظيره الإسرائيلي

رياضة عالمية الرجوب لحظة رفضه مصافحة نظيره الاسرائيلي خلال مؤتمر فيفا (أ.ب)

مؤتمر «فيفا»: رئيس الاتحاد الفلسطيني يرفض مصافحة نظيره الإسرائيلي

رفض جبريل الرجوب رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم مصافحة باسم الشيخ سليمان نائب رئيس الاتحاد الإسرائيلي للعبة.

«الشرق الأوسط» (فانكوفر)
المشرق العربي سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

كبرى وسائل الإعلام الدولية تطالب إسرائيل بإتاحة الوصول لغزة

دعا مسؤولون في نحو ثلاثين وسيلة إعلام دولية خلال رسالة مفتوحة مشتركة، إسرائيل إلى إتاحة الوصول بحرية إلى قطاع غزة المغلق أمام الصحافيين الأجانب منذ بداية الحرب.

«الشرق الأوسط» (غزة)
الخليج شددت السعودية على حق الدول الأطراف في الاستخدام السلمي للطاقة النووية دون قيود إضافية (الشرق الأوسط)

السعودية تُشدد على أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية

شدَّدت السعودية على أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، مؤكدة في الوقت ذاته أن تحقيق السلام في المنطقة يتطلب وقف إطلاق النار في غزة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
المشرق العربي قوات إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب) p-circle

مقتل فلسطيني بنيران إسرائيلية واحتجاز جثمانه في الضفة الغربية

قُتل فلسطيني، الأربعاء، برصاص القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وفق وزارة الصحة الفلسطينية، التي قالت إنه جرى «احتجاز» جثمان القتيل.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)

مصدر مصري لـ«الشرق الأوسط»: مسار أميركي جديد لحل نزاع سد النهضة

«سد النهضة» بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

مصدر مصري لـ«الشرق الأوسط»: مسار أميركي جديد لحل نزاع سد النهضة

«سد النهضة» بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

أكّد مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» أن القاهرة تترقب مساراً أميركياً جديداً لحلّ نزاع «السد الإثيوبي»، لافتاً إلى وجود محاولات لإحياء «وثيقة واشنطن» بصيغة معدلة لإيجاد توافق واسع عليها من جديد.

وبحسب المصدر، فإن «المسار الجديد تعدّه واشنطن، ويستند لتعديلات ستجرى على وثيقة سابقة كانت محل تفاوض بين مصر وإثيوبيا برعاية الولايات المتحدة». وأوضح أن «الخارجية الأميركية تركت الملف الآن، وعاد لوزارة الخزانة مجدداً».

وأضاف المصدر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «وزارة الخارجية الأميركية كانت ترى أن المواقف لا تزال بحاجة إلى أن تتكشف، وقد أرسلت في وقت سابق عقب دعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مسؤولاً بوزارة الخارجية، إلى مصر، التقى مسؤولين، لكننا فوجئنا بأن الأمر وكأنه سيبدأ من نقطة الصفر من جديد».

وأشار إلى أن «وزارة الخزانة الأميركية قطعت شوطاً كبيراً في هذا الملف، وهي التي ستتولى صياغة المقترحات الجديدة قبل عرضها على إدارة ترمب».

كما لفت إلى أن «هذا المسار الذي تترقبه القاهرة يُبنى على ما يعرف بـ(وثيقة إعلان واشنطن)، وهي الوثيقة التي قدّمها الرئيس ترمب للأطراف الثلاثة خلال ولايته السابقة، ومصر وقّعت على الوثيقة، بينما انسحب الجانب السوداني، ولم تصادق عليها إثيوبيا، ما أدى إلى توقف مسار التفاوض آنذاك».

وأكّد أن «ما يحدث الآن هو إعادة صياغة لبعض الأفكار التي تضمنتها الوثيقة، وسنرى ماذا سيطرح»، آملاً «أن تنحاز هذه الأفكار لموقف مصر العادل لكل الأطراف بوجود اتفاق قانوني ملزم يضمن الحقوق المائية».

وسبق أن رعت واشنطن مفاوضات في 6 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، عبر اجتماع استضافته وزارة الخزانة الأميركية، شارك فيه وزراء خارجية مصر وإثيوبيا والسودان، بحضور البنك الدولي.

ونصّ بيان مشترك وقتها على عقد 4 جولات فنية على مستوى وزراء المياه، تتبعها اجتماعات في واشنطن، بهدف التوصل إلى اتفاق بشأن قواعد ملء وتشغيل السدّ بحلول 15 يناير (كانون الثاني) 2020.

ترمب يصافح السيسي خلال اجتماع ثنائي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

لكن مدّدت المناقشات لجلسات متواصلة في الفترة ما بين 28 و31 يناير 2020 في واشنطن، باستضافة وزارة الخزانة أيضاً، وخرجت ببيان مشترك تضمن توصل الأطراف إلى تفاهمات في 3 حزم حساسة، شملت جدولاً مرحلياً لملء السد، وآلية للتوافق أثناء الملء في حالات الجفاف، والجفاف الممتد، وفترات السنوات الجافة الطويلة، وآلية للتوافق بشأن التشغيل السنوي وطويل الأمد للسد في الظروف نفسها.

وأعلن آنذاك أنه يجري استكمال عناصر أخرى بقيت قيد الصياغة، بينها آلية التشغيل في الظروف الهيدرولوجية العادية، وآلية للتنسيق، وبنود لتسوية النزاعات وتبادل المعلومات، إضافة إلى التوافق على معالجة سلامة السد والدراسات العالقة بشأن الآثار البيئية والاجتماعية.

وانتهت الجولة بتكليف الفرق الفنية والقانونية بإعداد نص الاتفاق النهائي متضمناً ما تم التوافق عليه، تمهيداً لتوقيعه من الدول الثلاث في نهاية فبراير (شباط) 2020، قبل أن تغيب إثيوبيا عن الاجتماع الختامي، وتوقع مصر بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق، التي جرى إعدادها برعاية وزارة الخزانة الأميركية، وبمدخلات فنية من البنك الدولي.

ويأتي حديث المصدر المصري المطلع بعد أيام من تصريحات كبير مستشاري الرئيس ترمب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لـ«الشرق الأوسط» بشأن أزمة السد، التي قال فيها إن الرئيس ترمب «أعرب عن استعداد الولايات المتحدة لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا من أجل التوصل إلى تسوية مسؤولة ونهائية لقضية سد النهضة». وأضاف: «نعتقد أن التوصل إلى اتفاق شامل أمر ممكن، ونحن على استعداد لدعم التفاوض بشأنه وإنجازه».

جانب من «سد النهضة» بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

وفي يناير الماضي، أرسل الرئيس الأميركي خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» والتوصل لحل نهائي وعادل للقضية، بعد 3 أحاديث متواصلة في منتصف يونيو (حزيران) و4 و8 يوليو (تموز) 2025، يؤكد على أن «واشنطن موّلت (السد)، ويجب أن يكون هناك حلّ سريع لتلك الأزمة».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024 بعد جولات استمرت لسنوات، «نتيجة لغياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السدّ بهدف التنمية وليس الضرر لدولتي المصبّ».

في سياق ذلك، قال أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، عباس شراقي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الولايات المتحدة قادرة على حسم القضية في فترة وجيزة، قد لا تتجاوز الأسبوع الواحد، بل ربما في يوم واحد إن أرادت».

ويرى شراقي أن «حلّ الأزمة حالياً أيسر من السنوات الماضية، لأسباب أبرزها أن الخلاف الرئيسي حول سنوات الملء الأول لخزان السد والخوف من حجز المياه انتهى عملياً بملء أديس أبابا للسد منذ 2024 و2025 و2026»، موضحاً أن «العملية صارت الآن مقتصرة على تصريف كميات مياه واستقبال أخرى».


الجزائر وفرنسا تتفقان على خريطة طريق لترميم العلاقات

الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)
TT

الجزائر وفرنسا تتفقان على خريطة طريق لترميم العلاقات

الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)

رسمت زيارة الوزيرة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو، إلى الجزائر ملامح عودة متسارعة للعلاقات الثنائية إلى سابق عهدها؛ وهو ما أكدته رسالة خطية بعث بها رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون إلى نظيره الجزائري عبد المجيد تبون، حاملة مؤشرات قوية على رغبة باريس في إنهاء القطيعة.

وأعلنت روفو، إثر انتهاء محادثاتها مع تبون، السبت، أن حكومة الجزائر أعطت موافقتها على استئناف اجتماعات «اللجنة المشتركة للمؤرخين المعنية بملف الذاكرة»، والتي كانت قد توقفت بسبب التوترات بعد إنجازها أعمالاً وُصفت بـ«المهمة» في «ملف مصالحة الذاكرتين».

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزيرة القوات المسلحة الفرنسية وسفير فرنسا لدى الجزائر يوم السبت (الرئاسة الجزائرية)

وإلى جانب التعاون الأمني وملف الهجرة اللذين استؤنفا منذ زيارة وزير الداخلية، لوران نونيز، إلى الجزائر في فبراير (شباط) الماضي، أشارت روفو إلى أنها بحثت مع رئيس الدولة ملف التعاون القضائي؛ في إشارة إلى مطالب جزائرية تخص تسليم ملاحقين قضائياً أدانتهم محاكم جزائرية بتهم تتعلق بـ«الفساد» و«المس بالوحدة الوطنية».

وقالت روفو بهذا الخصوص: «أدرك جيداً مدى أهمية هذا الملف بالنسبة للسلطات الجزائرية»، مؤكدة «وجود إرادة مشتركة لجعل الأشهر المقبلة مثمرة في علاقاتنا، مع العمل بهدوء ومثابرة».

انفراجة

أشارت روفو إلى وجودها، يوم الجمعة، في سطيف بشرق الجزائر للمشاركة في الاحتفالات الرسمية بذكرى «مجازر 8 مايو (أيار) 1954» التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي، وقالت إنها تأثرت «تأثراً بالغاً بحفاوة الاستقبال في سطيف»، وهو ما وصفته بأنه كان «استقبالاً دافئاً شعرت به كما شعر به الوفد المرافق لي؛ ونحن ندرك تماماً ما تمثله مأساة 8 مايو 1945 بالنسبة للشعب الجزائري».

وزيرة القوات المسلحة الفرنسية خلال زيارتها الجزائر (وزارة المجاهدين الجزائرية)

وفيما يخص العلاقات الرسمية بين البلدين، قالت: «لقد كلفني الرئيس ماكرون بتبليغ عزمه على إيجاد السبل والوسائل الكفيلة بإعادة إرساء علاقة تتسم بالاحترام بين بلدينا، تقوم على الندّية، وتكون هادئة ومبنية على الثقة».

كما أشارت إلى أنها ناقشت مع الرئيس الجزائري العلاقات الثنائية في ظل «سياق التوترات الدولية، سواء في الشرق الأوسط ومضيق هرمز، أو في منطقة الساحل، أو مع أزمة الطاقة العالمية والتحديات في منطقة البحر المتوسط»، مؤكدة ضرورة وجود حوار مستمر.

وأضافت: «هدفنا هو تحقيق نتائج سريعة؛ لذا ناقشنا مسارات ملموسة لتكون الأشهر المقبلة مفيدة لمصالحنا وللعلاقات بين الجزائر وفرنسا».

كما أوضحت أن المحادثات شملت التعاون في مجالي الأمن والدفاع اللذين قالت إنها كانا محل نقاش طويل مع الفريق أول سعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، واصفة هذا التعاون بأنه «مهم جداً في ظل سياق أفريقي ودولي يتسم بعدم الاستقرار».

ملف الهجرة

ذكرت روفو أن الجانبين تطرقا أيضاً إلى التعاون في مجال الهجرة، مؤكدة أن فرنسا «ترحب باستئناف هذا التعاون عقب زيارة وزير الداخلية لوران نونيز إلى الجزائر».

وتسعى الجزائر إلى تحويل هذا الملف من مجرد عملية ترحيل تقني لقرابة 50 ألف مهاجر غير نظامي، كما تطالب باريس، إلى إدارة مشتركة تحمي حقوق الرعايا الجزائريين، وتلتزم بالضمانات القانونية، بالتوازي مع إحداث فرص تخص التنمية للشباب للحد من دوافع الهجرة من جذورها.

وقالت الوزيرة الفرنسية: «بحثنا كذلك سبل تكثيف التعاون، لا سيما في المجال القضائي ومكافحة تهريب المخدرات»، وهو الجانب الذي عدَّته «حيوياً جداً لكلا البلدين». وشددت على «أهمية مواصلة الأجندة التي اتفقنا عليها، وحددناها معاً، والتي يأمل رئيس الجمهورية تنفيذها في الأشهر المقبلة لجعلها سنة مثمرة».

السفير الفرنسي لدى الجزائر ستيفان روماتيه (السفارة الفرنسية)

وشهدت زيارة روفو حضوراً لافتاً للسفير الفرنسي بالجزائر، ستيفان روماتيه، العائد لممارسة مهامه بعد عام من الفراغ الدبلوماسي الذي أعقب بلوغ التوتر ذروته بين البلدين جراء تداعيات انحياز فرنسا إلى المغرب في نزاع الصحراء في صيف 2024.

وبات جلياً، بحسب مراقبين، أن تصريحات الوزيرة الفرنسية رسمت «خريطة طريق» للمرحلة المقبلة، بعد اتفاق الطرفين على تجاوز حقبة الخلافات».

بناء التقارب

ووفق مصادر جزائرية مطلعة، شكلت محادثات الوزيرة الفرنسية في الجزائر فرصة سانحة لطرح حزمة من الملفات الاستراتيجية التي صاغها خبراء جزائريون وفرنسيون لتكون حجر الزاوية في بناء التقارب.

ففي الملف الأمني، أخذ النقاش، حسب المصادر، حيزاً واسعاً من المحادثات، خصوصاً مع اعتراف باريس الضمني على لسان مسؤوليها بأن «سياسة التوتر مع الجزائر» لم تعد منتجة، وأن الحاجة لاستعادة الحوار الأمني أصبحت ملحة لإحباط التهديدات الإرهابية العابرة للحدود.

الرئيس الجزائري يتسلم رسالة من نظيره الفرنسي (الرئاسة الجزائرية)

وقد ركز الجانب الجزائري على ضرورة تبادل المعلومات الاستخباراتية حول شبكات المتشددين، وتكثيف التنسيق الميداني في منطقة الساحل التي تواجه تدهوراً خصوصاً مع تسارع المواجهات في مالي، وهو ما يجعل التعاون الأمني ضرورة وجودية للطرفين لا مجرد خيار دبلوماسي، حسبما قالت المصادر.

اقتصادياً، تجاوزت المباحثات سياق دعم الشركات الفرنسية في السوق الجزائرية إلى طرح الجانبين رؤية أكثر براغماتية تهدف إلى حماية مصالحهما، وتوسيع الاستثمارات، مع سعي الجزائر لانتزاع دعم فرنسي صريح لإعادة التفاوض حول «اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي» بما يضمن توازناً تجارياً عادلاً.

ويبقى ملف «السيادة والذاكرة» المظلة الكبرى لتحركات الجزائر في اتجاه تطبيع العلاقات؛ إذ تصر على احترام قرارها السيادي وعدم التدخل في شؤونها، مع ضرورة إحداث اختراق حقيقي في قضايا الذاكرة العالقة و«الممتلكات المنهوبة» في عهد الاستعمار (1830-1962)، وحسم ملف المعارضين المقيمين في فرنسا والمطلوبين لدى القضاء الجزائري، ويأتي على رأسهم اليوتيوبر أمير بوخرص.


ماكرون يركض في شوارع الإسكندرية... رسائل ودّ خارج القاعات الرسمية

السيسي وماكرون خلال التقاط مواطنين مصريين لصور بكاميرات هواتفهم المحمولة في الإسكندرية السبت (الرئاسة المصرية)
السيسي وماكرون خلال التقاط مواطنين مصريين لصور بكاميرات هواتفهم المحمولة في الإسكندرية السبت (الرئاسة المصرية)
TT

ماكرون يركض في شوارع الإسكندرية... رسائل ودّ خارج القاعات الرسمية

السيسي وماكرون خلال التقاط مواطنين مصريين لصور بكاميرات هواتفهم المحمولة في الإسكندرية السبت (الرئاسة المصرية)
السيسي وماكرون خلال التقاط مواطنين مصريين لصور بكاميرات هواتفهم المحمولة في الإسكندرية السبت (الرئاسة المصرية)

تلقى مصريون رسائل فرنسية بدت من منظورهم «ودية»، مع حرص الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على إضفاء طابع غير رسمي على زيارته إلى مصر، صباح الأحد، عبر الركض في شوارع الإسكندرية (شمال)، والتقاط صور مع عمال مطاعم، غداة جولة أخرى في قلعة قايتباي التاريخية.

أجواء زيارة ماكرون وأنشطته غير التقليدية في مصر حظيت بصدى واسع على المستويات البرلمانية والدبلوماسية والإعلامية، وامتد أثرها إلى منصات التواصل الاجتماعي، فاتحةً مجالاً واسعاً لتفسير الرسائل والدلالات القادمة من قصر الإليزيه، خصوصاً أنها جاءت بعد عام من زيارة مماثلة شملت جولة وعشاء مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في حي خان الخليلي بالقاهرة الفاطمية.

ويرى دبلوماسيون، من بينهم السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أن تحركات الرئيس الفرنسي «تمثل رسالة ودّية تعكس مستوى متقدماً من الدبلوماسية الرئاسية الحديثة»، معتبرين أنها «تحمل دلالات سياسية إيجابية، وتُسهم في الترويج لصورة مصر واستقرارها»، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط».

وتوقع بيومي أن تنعكس هذه المؤشرات الإيجابية على مسار العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي، بوصفه الشريك التجاري الأكبر للقاهرة في مجالي الاستيراد والتصدير، وذلك في إطار اتفاقية الشراكة المصرية - الأوروبية، مبرزاً أن باريس تحتل موقعاً محورياً داخل دوائر صنع القرار في القارة الأوروبية، بما يعزز أهمية التنسيق السياسي والاقتصادي بين الجانبين.

ورغم أن ملفات إقليمية مهمة احتلت جانباً من مباحثات السيسي وماكرون، السبت، على هامش افتتاح جامعة سنجور، فإن الزيارة تحررت جزئياً من قيود القاعات الرسمية، سواء خلال اصطحاب الرئيس المصري لضيفه الفرنسي في جولة على الممشى السياحي بكورنيش الإسكندرية، وصولاً إلى قلعة قايتباي التاريخية، حيث استمعا إلى شرح حول تاريخ إنشائها وما تم استخراجه من كنوز أثرية وتاريخية من مختلف العصور.

السيسي وماكرون في قلعة قايتباي التاريخية بمدينة الإسكندرية (الرئاسة المصرية)

وتُعد قلعة قايتباي من أبرز الحصون الدفاعية على ساحل البحر المتوسط، وقد شيدها السلطان المملوكي الأشرف قايتباي بين عامي 1477 و1479 فوق أنقاض فنار الإسكندرية القديم، بهدف تحصين المدينة، وحمايتها من الغزوات البحرية.

واستيقظ سكان الإسكندرية، صباح الأحد، على مشهد غير معتاد لرئيس فرنسي يمارس رياضة الركض في حي خالد بن الوليد الشعبي، قبل أن يحرص على التقاط صور تذكارية مع شباب وعمال مطاعم مصريين على كورنيش المدينة.

وعدّ البرلماني والإعلامي المصري مصطفى بكري هذه المشاهد رسالة تؤكد «مصر الآمنة المستقرة»، بينما رأى الإعلامي أحمد موسى وآخرون أنها تمثل دعاية رئاسية تعزز صورة مصر دولياً.

وقرأ آخرون المشهد من زاوية مختلفة؛ إذ قارن المدون والناشط لؤي الخطيب الزيارة بمرحلة سابقة شهدت تبايناً في المواقف بين القاهرة وباريس بشأن حقوق الإنسان، معزياً هذا التحول إلى «تفهم فرنسي لطبيعة التحديات في مصر»، إلى جانب «الذكاء الاجتماعي للقيادة المصرية».

ويلاحظ السفير بيومي أن «العلاقات الخارجية المصرية شهدت تطورات ملحوظة في نمط إدارتها خلال السنوات الأخيرة مقارنة ببعض المراحل السابقة التي عمل خلالها داخل الجهاز الدبلوماسي»، لافتاً إلى أن الأداء الحالي بات أكثر حيوية وسرعة في الحركة والتفاعل مع المتغيرات الدولية.

ماكرون في لقطة جماعية مع عاملين مصريين في أحد المطاعم بمدينة الإسكندرية الأحد (مقطع من فيديو متداول)

وسبق أن اصطحب الرئيس المصري نظيره الفرنسي، في أبريل (نيسان) 2025، في جولة بالقاهرة شملت مسجد الإمام الحسين وخان الخليلي، تخللتها زيارة تراثية وعشاء ودي، وقد لقيت أصداءً واسعة أيضاً ضمن زيارة رسمية.

وفي هذا السياق، تبدو زيارتا ماكرون إلى مصر شكلاً من «الدبلوماسية الشعبية» ذات الطابع الإنساني القريب من الناس، وفق رؤية رئيس المجلس الاستشاري للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية وعضو مجلس الشيوخ المصري السابق، الدكتور عبد المنعم سعيد.

وأوضح سعيد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه المشاهد تعكس جانباً من «شخصية ماكرون التي تميل إلى الحيوية والتواصل المباشر وبناء العلاقات خارج الأطر الرسمية التقليدية»، مشيراً إلى أن «هذا النوع من الحضور يعزز مناخ التفاعل الإيجابي بين القيادات والشعوب».

وكان ماكرون قد نشر تسجيلاً مصوراً يوثق جولة له برفقة الرئيس المصري، وسط تفاعل لافت من مواطنين تجمعوا لالتقاط صور «سيلفي» معه، على خلفية أغنية أحسن ناس للمطربة الفرنسية المولودة في مصر داليدا. وكتب عبر حسابه على منصة «إكس»: «شكراً للإسكندرية على حسن الاستقبال والكلام الشيق بالفرنسية!».

السيسي وماكرون خلال مباحثات في الإسكندرية السبت (الرئاسة المصرية)

ولا تغيب حسابات الإقليم عن هذه الزيارة؛ إذ يرى سعيد أن هذه الأجواء تمثل بيئة مساعدة للتنسيق السياسي في ملفات إقليمية حساسة، خصوصاً في ظل انخراط فرنسا في جهود الوساطة المتعلقة بلبنان، إلى جانب الدور المصري المحوري في ملف غزة، معتبراً أن هذا التقاطع في الأدوار يجعل من تعزيز قنوات التواصل غير الرسمية عنصراً مهماً في دعم مسارات التفاهم السياسي بالمنطقة.

وبحث الرئيسان المصري والفرنسي، السبت، خلال لقائهما في برج العرب على هامش افتتاح مقر جامعة سنجور، تطورات الأزمات الإقليمية والقضية الفلسطينية ولبنان، مع التأكيد على دعم الاستقرار الإقليمي، ووقف الحرب في غزة، وتعزيز التعاون بين دول المتوسط.