ت. س. إليوت يتنكر لحبه الأول!

1131 رسالة غرامية كُشف عنها بعد 50 عاماً من وفاته

ت. س. إليوت
ت. س. إليوت
TT

ت. س. إليوت يتنكر لحبه الأول!

ت. س. إليوت
ت. س. إليوت

في حياة الشاعر والناقد والكاتب المسرحي الأشهر ت. س. إليوت (1888-1965) ثلاث نساء ارتبط بهن عاطفياً في فترات مختلفة من حياته، وأحياناً في الفترة نفسها.

المرأة الأولى هي إميلي هيل - حب إليوت الأول - وهي فتاة أميركية، ابنة قس من نيو إنجلند، لم تتلق تعليماً جامعياً، لكنها عملت فيما بعد معلمة لفن الدراما وفن الإلقاء (كانت ذات صوت رخيم) وأستاذة مساعدة بإحدى كليات البنات. وفي سنواتها الأخيرة عملت رئيسة لنادٍ نسائي وعادت إلى اهتماماتها القديمة بالمسرح مخرجة مسرحية وممثلة فلعبت دور والدة هنري هيجنز عالم الفونطيقا (علم الأصوات) في مسرحية برناردشو «بجماليون» في ديسمبر (كانون الأول) 1967 في كونكورد بولاية ماساشوستس وكانت وقتها في السابعة والسبعين. وقبل ذلك مثلت في مسرحية موليير «البرجوازي النبيل»، وأخرجت ملهاةً من فصل واحد عنوانها «نشر الأنباء» من تأليف الكاتبة المسرحية الآيرلندية الليدي جرجوري.

والمرأة الثانية هي فيفيان هي وود زوجة إليوت الأولى. وهي ابنة رسام، كانت تعمل مربية أطفال لدى أسرة في مدينة كمبردج، التقى بها إليوت في مارس (آذار) 1915 في حفلة. ولكنها كانت تعاني منذ الصغر من اضطرابات نفسية وعقلية وانتهى بها الأمر في مصحة للأمراض النفسية والعقلية. وانفصل عنها إليوت بعد حياة زوجية مليئة بالتعاسة. وتوفيت في 1947.

والمرأة الثالثة هي فاليري فلتشر سكرتيرة إليوت في دار «فيبر وفيبر» للنشر في لندن. وقد اقترن بها في يناير (كانون الثاني) 1957 رغم فارق السن الكبير بينهما. لكنها تمكنت من إسعاده في سنواته الأخيرة وعوضته عن تعاسة الماضي. أولى هؤلاء النساء موضوع الكتاب الذي نقدمه هنا، وهو «فتاة السنابل البرية: ملهمة ت. س. إليوت الخفية» (The Hyacinth Girl: T. S. Eliot's Hidden Muse)، وقد صدر عن «دار فيراجو للنشر» بلندن خلال العام الماضي (2022)، وهو من تأليف ليندل جوردون (Lyndall Gordon) الزميلة بكلية «سانت هيلدا» بجامعة أوكسفورد والزميلة بـ«الكلية الملكية للأدب» في لندن. وهي تعيش حالياً في أوكسفورد، وقد تخصصت في كتابة السير والتراجم وسبق أن صدرت لها كتب عن إليوت وفرجيينا وولف وتشارلوت برونتي وهنري جيمز وإميلي دكنسن.

وعنوان الكتاب تفسره أبيات من قصيدة إليوت «الأرض الخراب» حيث نقرأ:

«قد أهديتني السنابل البرية لأول مرة منذ عام:

وقد أطلقوا عليّ اسم فتاة السنابل البرية»

_ وعلى الرغم من ذلك فعندما تأخرنا في العودة من حديقة السنابل البرية

وقد امتلأ ما بين ذراعيك بها وابتل شعرك، لم يعد في مقدوري الكلام فخفضت عيني.

لم أكن بالحي ولا بالميت، ولم أكن أدرك شيئاً

فقد كنت أنظر في قلب الضوء، السكون.

كانت إميلي ملهمة هذه الأبيات، كما أنها ملهمة قصيدة أخرى لإليوت عنوانها «الفتاة التي تبكي» وفيها يقول:

إن شعرها على ذراعيها، وإن ذراعيها لملؤها الأزهار

وإني لأتساءل كيف ينبغي أن يكون اجتماع الاثنين!

التقى إليوت بإميلي هيل لأول مرة في مارس 1905 في مدينة كمبردج بولاية ماسوشوستس. كانت في الرابعة عشرة وهو في السابعة عشرة. وكان وقتها تلميذاً في المرحلة الثانوية بمدينة سانت لويس في ولاية ميزوري ثم طالباً جامعياً يدرس الفلسفة في جامعة هارفرد (1911- 1914). واشترك الاثنان في تمثيل إعداد مسرحي لرواية جين أوستن «إما». وفيما بعد هاجر إليوت إلى بريطانيا وحصل على الجنسية البريطانية وعمل موظفاً في بنك لويدز ثم رئيساً لتحرير مجلة فصلية هي «ذاكرايتريون» (المعيار) وأحد مديري دار النشر «فيبر وفيبر». هذا إلى جانب حياته الأدبية الغنية التي توجت بحصوله على «وسام الجدارة»، وهو أرفع وسام بريطاني، في 1948، وجائزة نوبل للأدب في العام نفسه.

وفي إنجلترا اقترن إليوت بفيفيان بعد فترة قصيرة من التعارف سرعان ما تبين بعدها أنه لم يقترن بالمرأة المناسبة (يقول المثل الإنجليزي: «تزوج على عجل واندم على مهل»). واشتغل لفترة قصيرة مدرساً وبالصحافة الأدبية وإلقاء الأحاديث الإذاعية وكان عليه أن يكافح كفاحاً شاقاً من أجل اكتساب معاشه والقيام بنفقات بيته وفواتير أطباء زوجته التي كانت في حالة مرض نفسي وبدني يكاد يكون متصلاً. وخلال ذلك لم تنقطع علاقته بإميلي عن طريق الرسائل والزيارات المتقطعة بين بريطانيا والولايات المتحدة. وبلغت علاقته بها أعلى نقطة لها في 1935. على أنها لم تكن علاقة جنسية فقد كان إليوت مسيحياً ملتزماً وكانت إميلي فتاة محافظة النشأة من بوسطن.

وخلال فترة علاقتهما الطويلة خط إليوت لها 1131 رسالة أودعتها إميلي في مكتبة جامعة برنستون الأمريكية، وكان إليوت قد طلب ألا يفرج عن هذه الرسائل إلا بعد 50 عاماً من وفاته. وفعلاً لم يكشف النقاب عن أرشيف هذه الرسائل إلا في 2 يناير 2020.

تغطي رسائل إليوت إلى إميلي الفترة 1930- 1956 وقد ظلت محفوظة في 14 صندوقاً ظلت مغلقة من ديسمبر (كانون الأول) 1956 حتى أكتوبر (تشرين الأول) 2019 (أي بعد 50 عاماً من وفاة إميلي) وذلك في مكتبة فايرستون بجامعة برنستون.

كان إليوت يوقع رسائله إليها بعبارة «عابدك توم». ويكرر كلمة «أعبدك»، ويدللها بتسميتها «عندليبي» و«طائري المحاكي» و«حمامتي»، ويقول إنه يلمس الورق الذي تخط عليه رسائلها.

أما إميلي فقد كتبت إلى إليوت حوالي ألف رسالة في الفترة 1930 - 1947 ولكن إليوت مزق رسائلها فلم يبق منها سوى 26 رسالة.

وليس من الصعب أن تتخيل الصدمة التي أصيبت بها إميلي حين علمت بخبر زواج إليوت من سكرتيرته فاليري، خصوصاً وأن إليوت كان قد قال لها إنه لا يستطيع أن يقترن بها إلا إذا توفيت زوجته فيفيان. وحين توفيت هذه الأخيرة تراجع إليوت عن وعده في 1947 وكتب لإميلي زاعماً أن شعوره بالذنب والمسؤولية الجزئية عن وفاة فيفيان في المصحة قد جلب معه «نفوراً حاداً من الجنس في أي شكل من أشكاله»، ولم تتزوج إميلي قط وإنما ظلت تنتظر حبيباً لا يجيء.

تغطي رسائل إليوت إلى إميلي الفترة 1930 - 1956 وقد ظلت محفوظة في 14 صندوقاً بقيت مغلقة من ديسمبر 1956 حتى أكتوبر 2019

لكنها تجلدت وتصرفت بكرامة ولياقة. فكتبت له ولفاليري مهنئة بالزواج (التقت المرأتان في نيويورك بعد سنوات من وفاة إليوت وكان لقاؤهما في الغالب في عام 1968). وكانت إميلي قد سافرت إلى لندن على أمل الالتقاء بإليوت ولكنه اعتذر متعللاً بإصابته بإنفلونزا آسيوية! فعادت إلى أمريكا دون أن تراه وقد أدركت أن الكاتب العظيم يمكن أن يسلك «مثل أي مخلوق بشري عادي». وخطت له قبل عودتها إلى أمريكا خطاب وداع نبيلاً ولكنها لم تذكر فيه عنواناً يستطيع الاتصال بها عن طريقه فيما بعد مما يدل على أنها فقدت كل أمل ورضيت بنصيبها منه.

ولا مفر من القول بأن صورة إليوت، بعد قراءة كتاب جوردون، ليست بالصورة الجذابة. فهو في زواجه الأول - مع الإقرار بمعاناته - كان ينطوي في دخيلته –فيما يبدو- على جانب مظلم يتمنى، ولو لا شعورياً، موت زوجته.

كذلك نرى الفرق واضحاً بين شخصية إميلي هيل وشخصية إليوت من حيث الثبات على العهد. فعلى حين ظلت إميلي وفية لحبها حتى النهاية، أراد إليوت أن يطوي صفحة حبه لها قائلاً إنه كان «حب شبح لشبح». واتهمها بقلة القراءة وكثرة الشكوى من إهمال الأصدقاء. وعاب سوناته نظمتها (وهو أمر مقبول من شاعر عظيم مثله). ولكن أسوء ما في الأمر أنه (ربما إرضاء لزوجته الثانية) أنكر أنه أحبها وراح ينتقص منها.

ولكن - في نهاية المطاف - من الذي يملك الحق في أن يدين أحداً وكل ابن آدم خطاء؟ أو ليس من حق إليوت - بعد عمر من المعاناة - أن يلتمس السعادة حيث يجدها، وقد وجدها في زواجه الثاني؟

طوى الموت أبطال هذه الدراما جميعاً: فيفيان هي وود في 22 يناير 1947 عن 58 عاماً. إليوت في 4 يناير 1965 عن 77 عاماً. إميلي هيل في 12 أكتوبر 1969 عن 78 عاماً. فاليري إليوت في نوفمبر 2012 عن 86 عاماً. وبقيت منهم هذه الرسائل التي تحمل - مثل رسائل جون كيتس ود. هـ. لورنس وفرانز كافكا - صوراً حيةً لعباقرة في لحظات قوتهم وضعفهم، علوهم ودنوهم، ولكنها تظل -على مر السنوات- متوقدة بلهيب العاطفة، ورغبات البدن، ولوامع الفكر، وأزمات الضمير، وأشواق الروح.

دفن رماد فاليري - التي ترملت في سن الثامنة والثلاثين- إلى جانب رماد إليوت في كنيسة القديس ميخائيل بقرية إيست كوكر وهي قرية صغيرة في مقاطعة جلوسترشير جنوب غرب إنجلترا. وأسدل الستار على حياة شاعر عظيم وزوجتين وفتاة السنابل البرية التي ألهمت إليوت بعضاً من خير شعره، ولكنه تركها ليقترن بغيرها.


مقالات ذات صلة

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار
ثقافة وفنون سيرة سينمائية بلا ماكياج

سيرة سينمائية بلا ماكياج

في كتابه «صانع النجوم حلمي رفلة - سيرة سينمائية بلا ماكياج» الصادر عن دار «آفاق» بالقاهرة، يتتبع الشاعر جرجس شكري سيرة واحد من المؤسسين الأوائل لصناعة الفيلم

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً

عمر شهريار
ثقافة وفنون «غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية،

فارس الذهبي

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.