ت. س. إليوت يتنكر لحبه الأول!

1131 رسالة غرامية كُشف عنها بعد 50 عاماً من وفاته

ت. س. إليوت
ت. س. إليوت
TT

ت. س. إليوت يتنكر لحبه الأول!

ت. س. إليوت
ت. س. إليوت

في حياة الشاعر والناقد والكاتب المسرحي الأشهر ت. س. إليوت (1888-1965) ثلاث نساء ارتبط بهن عاطفياً في فترات مختلفة من حياته، وأحياناً في الفترة نفسها.

المرأة الأولى هي إميلي هيل - حب إليوت الأول - وهي فتاة أميركية، ابنة قس من نيو إنجلند، لم تتلق تعليماً جامعياً، لكنها عملت فيما بعد معلمة لفن الدراما وفن الإلقاء (كانت ذات صوت رخيم) وأستاذة مساعدة بإحدى كليات البنات. وفي سنواتها الأخيرة عملت رئيسة لنادٍ نسائي وعادت إلى اهتماماتها القديمة بالمسرح مخرجة مسرحية وممثلة فلعبت دور والدة هنري هيجنز عالم الفونطيقا (علم الأصوات) في مسرحية برناردشو «بجماليون» في ديسمبر (كانون الأول) 1967 في كونكورد بولاية ماساشوستس وكانت وقتها في السابعة والسبعين. وقبل ذلك مثلت في مسرحية موليير «البرجوازي النبيل»، وأخرجت ملهاةً من فصل واحد عنوانها «نشر الأنباء» من تأليف الكاتبة المسرحية الآيرلندية الليدي جرجوري.

والمرأة الثانية هي فيفيان هي وود زوجة إليوت الأولى. وهي ابنة رسام، كانت تعمل مربية أطفال لدى أسرة في مدينة كمبردج، التقى بها إليوت في مارس (آذار) 1915 في حفلة. ولكنها كانت تعاني منذ الصغر من اضطرابات نفسية وعقلية وانتهى بها الأمر في مصحة للأمراض النفسية والعقلية. وانفصل عنها إليوت بعد حياة زوجية مليئة بالتعاسة. وتوفيت في 1947.

والمرأة الثالثة هي فاليري فلتشر سكرتيرة إليوت في دار «فيبر وفيبر» للنشر في لندن. وقد اقترن بها في يناير (كانون الثاني) 1957 رغم فارق السن الكبير بينهما. لكنها تمكنت من إسعاده في سنواته الأخيرة وعوضته عن تعاسة الماضي. أولى هؤلاء النساء موضوع الكتاب الذي نقدمه هنا، وهو «فتاة السنابل البرية: ملهمة ت. س. إليوت الخفية» (The Hyacinth Girl: T. S. Eliot's Hidden Muse)، وقد صدر عن «دار فيراجو للنشر» بلندن خلال العام الماضي (2022)، وهو من تأليف ليندل جوردون (Lyndall Gordon) الزميلة بكلية «سانت هيلدا» بجامعة أوكسفورد والزميلة بـ«الكلية الملكية للأدب» في لندن. وهي تعيش حالياً في أوكسفورد، وقد تخصصت في كتابة السير والتراجم وسبق أن صدرت لها كتب عن إليوت وفرجيينا وولف وتشارلوت برونتي وهنري جيمز وإميلي دكنسن.

وعنوان الكتاب تفسره أبيات من قصيدة إليوت «الأرض الخراب» حيث نقرأ:

«قد أهديتني السنابل البرية لأول مرة منذ عام:

وقد أطلقوا عليّ اسم فتاة السنابل البرية»

_ وعلى الرغم من ذلك فعندما تأخرنا في العودة من حديقة السنابل البرية

وقد امتلأ ما بين ذراعيك بها وابتل شعرك، لم يعد في مقدوري الكلام فخفضت عيني.

لم أكن بالحي ولا بالميت، ولم أكن أدرك شيئاً

فقد كنت أنظر في قلب الضوء، السكون.

كانت إميلي ملهمة هذه الأبيات، كما أنها ملهمة قصيدة أخرى لإليوت عنوانها «الفتاة التي تبكي» وفيها يقول:

إن شعرها على ذراعيها، وإن ذراعيها لملؤها الأزهار

وإني لأتساءل كيف ينبغي أن يكون اجتماع الاثنين!

التقى إليوت بإميلي هيل لأول مرة في مارس 1905 في مدينة كمبردج بولاية ماسوشوستس. كانت في الرابعة عشرة وهو في السابعة عشرة. وكان وقتها تلميذاً في المرحلة الثانوية بمدينة سانت لويس في ولاية ميزوري ثم طالباً جامعياً يدرس الفلسفة في جامعة هارفرد (1911- 1914). واشترك الاثنان في تمثيل إعداد مسرحي لرواية جين أوستن «إما». وفيما بعد هاجر إليوت إلى بريطانيا وحصل على الجنسية البريطانية وعمل موظفاً في بنك لويدز ثم رئيساً لتحرير مجلة فصلية هي «ذاكرايتريون» (المعيار) وأحد مديري دار النشر «فيبر وفيبر». هذا إلى جانب حياته الأدبية الغنية التي توجت بحصوله على «وسام الجدارة»، وهو أرفع وسام بريطاني، في 1948، وجائزة نوبل للأدب في العام نفسه.

وفي إنجلترا اقترن إليوت بفيفيان بعد فترة قصيرة من التعارف سرعان ما تبين بعدها أنه لم يقترن بالمرأة المناسبة (يقول المثل الإنجليزي: «تزوج على عجل واندم على مهل»). واشتغل لفترة قصيرة مدرساً وبالصحافة الأدبية وإلقاء الأحاديث الإذاعية وكان عليه أن يكافح كفاحاً شاقاً من أجل اكتساب معاشه والقيام بنفقات بيته وفواتير أطباء زوجته التي كانت في حالة مرض نفسي وبدني يكاد يكون متصلاً. وخلال ذلك لم تنقطع علاقته بإميلي عن طريق الرسائل والزيارات المتقطعة بين بريطانيا والولايات المتحدة. وبلغت علاقته بها أعلى نقطة لها في 1935. على أنها لم تكن علاقة جنسية فقد كان إليوت مسيحياً ملتزماً وكانت إميلي فتاة محافظة النشأة من بوسطن.

وخلال فترة علاقتهما الطويلة خط إليوت لها 1131 رسالة أودعتها إميلي في مكتبة جامعة برنستون الأمريكية، وكان إليوت قد طلب ألا يفرج عن هذه الرسائل إلا بعد 50 عاماً من وفاته. وفعلاً لم يكشف النقاب عن أرشيف هذه الرسائل إلا في 2 يناير 2020.

تغطي رسائل إليوت إلى إميلي الفترة 1930- 1956 وقد ظلت محفوظة في 14 صندوقاً ظلت مغلقة من ديسمبر (كانون الأول) 1956 حتى أكتوبر (تشرين الأول) 2019 (أي بعد 50 عاماً من وفاة إميلي) وذلك في مكتبة فايرستون بجامعة برنستون.

كان إليوت يوقع رسائله إليها بعبارة «عابدك توم». ويكرر كلمة «أعبدك»، ويدللها بتسميتها «عندليبي» و«طائري المحاكي» و«حمامتي»، ويقول إنه يلمس الورق الذي تخط عليه رسائلها.

أما إميلي فقد كتبت إلى إليوت حوالي ألف رسالة في الفترة 1930 - 1947 ولكن إليوت مزق رسائلها فلم يبق منها سوى 26 رسالة.

وليس من الصعب أن تتخيل الصدمة التي أصيبت بها إميلي حين علمت بخبر زواج إليوت من سكرتيرته فاليري، خصوصاً وأن إليوت كان قد قال لها إنه لا يستطيع أن يقترن بها إلا إذا توفيت زوجته فيفيان. وحين توفيت هذه الأخيرة تراجع إليوت عن وعده في 1947 وكتب لإميلي زاعماً أن شعوره بالذنب والمسؤولية الجزئية عن وفاة فيفيان في المصحة قد جلب معه «نفوراً حاداً من الجنس في أي شكل من أشكاله»، ولم تتزوج إميلي قط وإنما ظلت تنتظر حبيباً لا يجيء.

تغطي رسائل إليوت إلى إميلي الفترة 1930 - 1956 وقد ظلت محفوظة في 14 صندوقاً بقيت مغلقة من ديسمبر 1956 حتى أكتوبر 2019

لكنها تجلدت وتصرفت بكرامة ولياقة. فكتبت له ولفاليري مهنئة بالزواج (التقت المرأتان في نيويورك بعد سنوات من وفاة إليوت وكان لقاؤهما في الغالب في عام 1968). وكانت إميلي قد سافرت إلى لندن على أمل الالتقاء بإليوت ولكنه اعتذر متعللاً بإصابته بإنفلونزا آسيوية! فعادت إلى أمريكا دون أن تراه وقد أدركت أن الكاتب العظيم يمكن أن يسلك «مثل أي مخلوق بشري عادي». وخطت له قبل عودتها إلى أمريكا خطاب وداع نبيلاً ولكنها لم تذكر فيه عنواناً يستطيع الاتصال بها عن طريقه فيما بعد مما يدل على أنها فقدت كل أمل ورضيت بنصيبها منه.

ولا مفر من القول بأن صورة إليوت، بعد قراءة كتاب جوردون، ليست بالصورة الجذابة. فهو في زواجه الأول - مع الإقرار بمعاناته - كان ينطوي في دخيلته –فيما يبدو- على جانب مظلم يتمنى، ولو لا شعورياً، موت زوجته.

كذلك نرى الفرق واضحاً بين شخصية إميلي هيل وشخصية إليوت من حيث الثبات على العهد. فعلى حين ظلت إميلي وفية لحبها حتى النهاية، أراد إليوت أن يطوي صفحة حبه لها قائلاً إنه كان «حب شبح لشبح». واتهمها بقلة القراءة وكثرة الشكوى من إهمال الأصدقاء. وعاب سوناته نظمتها (وهو أمر مقبول من شاعر عظيم مثله). ولكن أسوء ما في الأمر أنه (ربما إرضاء لزوجته الثانية) أنكر أنه أحبها وراح ينتقص منها.

ولكن - في نهاية المطاف - من الذي يملك الحق في أن يدين أحداً وكل ابن آدم خطاء؟ أو ليس من حق إليوت - بعد عمر من المعاناة - أن يلتمس السعادة حيث يجدها، وقد وجدها في زواجه الثاني؟

طوى الموت أبطال هذه الدراما جميعاً: فيفيان هي وود في 22 يناير 1947 عن 58 عاماً. إليوت في 4 يناير 1965 عن 77 عاماً. إميلي هيل في 12 أكتوبر 1969 عن 78 عاماً. فاليري إليوت في نوفمبر 2012 عن 86 عاماً. وبقيت منهم هذه الرسائل التي تحمل - مثل رسائل جون كيتس ود. هـ. لورنس وفرانز كافكا - صوراً حيةً لعباقرة في لحظات قوتهم وضعفهم، علوهم ودنوهم، ولكنها تظل -على مر السنوات- متوقدة بلهيب العاطفة، ورغبات البدن، ولوامع الفكر، وأزمات الضمير، وأشواق الروح.

دفن رماد فاليري - التي ترملت في سن الثامنة والثلاثين- إلى جانب رماد إليوت في كنيسة القديس ميخائيل بقرية إيست كوكر وهي قرية صغيرة في مقاطعة جلوسترشير جنوب غرب إنجلترا. وأسدل الستار على حياة شاعر عظيم وزوجتين وفتاة السنابل البرية التي ألهمت إليوت بعضاً من خير شعره، ولكنه تركها ليقترن بغيرها.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».