ت. س. إليوت يتنكر لحبه الأول!

1131 رسالة غرامية كُشف عنها بعد 50 عاماً من وفاته

ت. س. إليوت
ت. س. إليوت
TT

ت. س. إليوت يتنكر لحبه الأول!

ت. س. إليوت
ت. س. إليوت

في حياة الشاعر والناقد والكاتب المسرحي الأشهر ت. س. إليوت (1888-1965) ثلاث نساء ارتبط بهن عاطفياً في فترات مختلفة من حياته، وأحياناً في الفترة نفسها.

المرأة الأولى هي إميلي هيل - حب إليوت الأول - وهي فتاة أميركية، ابنة قس من نيو إنجلند، لم تتلق تعليماً جامعياً، لكنها عملت فيما بعد معلمة لفن الدراما وفن الإلقاء (كانت ذات صوت رخيم) وأستاذة مساعدة بإحدى كليات البنات. وفي سنواتها الأخيرة عملت رئيسة لنادٍ نسائي وعادت إلى اهتماماتها القديمة بالمسرح مخرجة مسرحية وممثلة فلعبت دور والدة هنري هيجنز عالم الفونطيقا (علم الأصوات) في مسرحية برناردشو «بجماليون» في ديسمبر (كانون الأول) 1967 في كونكورد بولاية ماساشوستس وكانت وقتها في السابعة والسبعين. وقبل ذلك مثلت في مسرحية موليير «البرجوازي النبيل»، وأخرجت ملهاةً من فصل واحد عنوانها «نشر الأنباء» من تأليف الكاتبة المسرحية الآيرلندية الليدي جرجوري.

والمرأة الثانية هي فيفيان هي وود زوجة إليوت الأولى. وهي ابنة رسام، كانت تعمل مربية أطفال لدى أسرة في مدينة كمبردج، التقى بها إليوت في مارس (آذار) 1915 في حفلة. ولكنها كانت تعاني منذ الصغر من اضطرابات نفسية وعقلية وانتهى بها الأمر في مصحة للأمراض النفسية والعقلية. وانفصل عنها إليوت بعد حياة زوجية مليئة بالتعاسة. وتوفيت في 1947.

والمرأة الثالثة هي فاليري فلتشر سكرتيرة إليوت في دار «فيبر وفيبر» للنشر في لندن. وقد اقترن بها في يناير (كانون الثاني) 1957 رغم فارق السن الكبير بينهما. لكنها تمكنت من إسعاده في سنواته الأخيرة وعوضته عن تعاسة الماضي. أولى هؤلاء النساء موضوع الكتاب الذي نقدمه هنا، وهو «فتاة السنابل البرية: ملهمة ت. س. إليوت الخفية» (The Hyacinth Girl: T. S. Eliot's Hidden Muse)، وقد صدر عن «دار فيراجو للنشر» بلندن خلال العام الماضي (2022)، وهو من تأليف ليندل جوردون (Lyndall Gordon) الزميلة بكلية «سانت هيلدا» بجامعة أوكسفورد والزميلة بـ«الكلية الملكية للأدب» في لندن. وهي تعيش حالياً في أوكسفورد، وقد تخصصت في كتابة السير والتراجم وسبق أن صدرت لها كتب عن إليوت وفرجيينا وولف وتشارلوت برونتي وهنري جيمز وإميلي دكنسن.

وعنوان الكتاب تفسره أبيات من قصيدة إليوت «الأرض الخراب» حيث نقرأ:

«قد أهديتني السنابل البرية لأول مرة منذ عام:

وقد أطلقوا عليّ اسم فتاة السنابل البرية»

_ وعلى الرغم من ذلك فعندما تأخرنا في العودة من حديقة السنابل البرية

وقد امتلأ ما بين ذراعيك بها وابتل شعرك، لم يعد في مقدوري الكلام فخفضت عيني.

لم أكن بالحي ولا بالميت، ولم أكن أدرك شيئاً

فقد كنت أنظر في قلب الضوء، السكون.

كانت إميلي ملهمة هذه الأبيات، كما أنها ملهمة قصيدة أخرى لإليوت عنوانها «الفتاة التي تبكي» وفيها يقول:

إن شعرها على ذراعيها، وإن ذراعيها لملؤها الأزهار

وإني لأتساءل كيف ينبغي أن يكون اجتماع الاثنين!

التقى إليوت بإميلي هيل لأول مرة في مارس 1905 في مدينة كمبردج بولاية ماسوشوستس. كانت في الرابعة عشرة وهو في السابعة عشرة. وكان وقتها تلميذاً في المرحلة الثانوية بمدينة سانت لويس في ولاية ميزوري ثم طالباً جامعياً يدرس الفلسفة في جامعة هارفرد (1911- 1914). واشترك الاثنان في تمثيل إعداد مسرحي لرواية جين أوستن «إما». وفيما بعد هاجر إليوت إلى بريطانيا وحصل على الجنسية البريطانية وعمل موظفاً في بنك لويدز ثم رئيساً لتحرير مجلة فصلية هي «ذاكرايتريون» (المعيار) وأحد مديري دار النشر «فيبر وفيبر». هذا إلى جانب حياته الأدبية الغنية التي توجت بحصوله على «وسام الجدارة»، وهو أرفع وسام بريطاني، في 1948، وجائزة نوبل للأدب في العام نفسه.

وفي إنجلترا اقترن إليوت بفيفيان بعد فترة قصيرة من التعارف سرعان ما تبين بعدها أنه لم يقترن بالمرأة المناسبة (يقول المثل الإنجليزي: «تزوج على عجل واندم على مهل»). واشتغل لفترة قصيرة مدرساً وبالصحافة الأدبية وإلقاء الأحاديث الإذاعية وكان عليه أن يكافح كفاحاً شاقاً من أجل اكتساب معاشه والقيام بنفقات بيته وفواتير أطباء زوجته التي كانت في حالة مرض نفسي وبدني يكاد يكون متصلاً. وخلال ذلك لم تنقطع علاقته بإميلي عن طريق الرسائل والزيارات المتقطعة بين بريطانيا والولايات المتحدة. وبلغت علاقته بها أعلى نقطة لها في 1935. على أنها لم تكن علاقة جنسية فقد كان إليوت مسيحياً ملتزماً وكانت إميلي فتاة محافظة النشأة من بوسطن.

وخلال فترة علاقتهما الطويلة خط إليوت لها 1131 رسالة أودعتها إميلي في مكتبة جامعة برنستون الأمريكية، وكان إليوت قد طلب ألا يفرج عن هذه الرسائل إلا بعد 50 عاماً من وفاته. وفعلاً لم يكشف النقاب عن أرشيف هذه الرسائل إلا في 2 يناير 2020.

تغطي رسائل إليوت إلى إميلي الفترة 1930- 1956 وقد ظلت محفوظة في 14 صندوقاً ظلت مغلقة من ديسمبر (كانون الأول) 1956 حتى أكتوبر (تشرين الأول) 2019 (أي بعد 50 عاماً من وفاة إميلي) وذلك في مكتبة فايرستون بجامعة برنستون.

كان إليوت يوقع رسائله إليها بعبارة «عابدك توم». ويكرر كلمة «أعبدك»، ويدللها بتسميتها «عندليبي» و«طائري المحاكي» و«حمامتي»، ويقول إنه يلمس الورق الذي تخط عليه رسائلها.

أما إميلي فقد كتبت إلى إليوت حوالي ألف رسالة في الفترة 1930 - 1947 ولكن إليوت مزق رسائلها فلم يبق منها سوى 26 رسالة.

وليس من الصعب أن تتخيل الصدمة التي أصيبت بها إميلي حين علمت بخبر زواج إليوت من سكرتيرته فاليري، خصوصاً وأن إليوت كان قد قال لها إنه لا يستطيع أن يقترن بها إلا إذا توفيت زوجته فيفيان. وحين توفيت هذه الأخيرة تراجع إليوت عن وعده في 1947 وكتب لإميلي زاعماً أن شعوره بالذنب والمسؤولية الجزئية عن وفاة فيفيان في المصحة قد جلب معه «نفوراً حاداً من الجنس في أي شكل من أشكاله»، ولم تتزوج إميلي قط وإنما ظلت تنتظر حبيباً لا يجيء.

تغطي رسائل إليوت إلى إميلي الفترة 1930 - 1956 وقد ظلت محفوظة في 14 صندوقاً بقيت مغلقة من ديسمبر 1956 حتى أكتوبر 2019

لكنها تجلدت وتصرفت بكرامة ولياقة. فكتبت له ولفاليري مهنئة بالزواج (التقت المرأتان في نيويورك بعد سنوات من وفاة إليوت وكان لقاؤهما في الغالب في عام 1968). وكانت إميلي قد سافرت إلى لندن على أمل الالتقاء بإليوت ولكنه اعتذر متعللاً بإصابته بإنفلونزا آسيوية! فعادت إلى أمريكا دون أن تراه وقد أدركت أن الكاتب العظيم يمكن أن يسلك «مثل أي مخلوق بشري عادي». وخطت له قبل عودتها إلى أمريكا خطاب وداع نبيلاً ولكنها لم تذكر فيه عنواناً يستطيع الاتصال بها عن طريقه فيما بعد مما يدل على أنها فقدت كل أمل ورضيت بنصيبها منه.

ولا مفر من القول بأن صورة إليوت، بعد قراءة كتاب جوردون، ليست بالصورة الجذابة. فهو في زواجه الأول - مع الإقرار بمعاناته - كان ينطوي في دخيلته –فيما يبدو- على جانب مظلم يتمنى، ولو لا شعورياً، موت زوجته.

كذلك نرى الفرق واضحاً بين شخصية إميلي هيل وشخصية إليوت من حيث الثبات على العهد. فعلى حين ظلت إميلي وفية لحبها حتى النهاية، أراد إليوت أن يطوي صفحة حبه لها قائلاً إنه كان «حب شبح لشبح». واتهمها بقلة القراءة وكثرة الشكوى من إهمال الأصدقاء. وعاب سوناته نظمتها (وهو أمر مقبول من شاعر عظيم مثله). ولكن أسوء ما في الأمر أنه (ربما إرضاء لزوجته الثانية) أنكر أنه أحبها وراح ينتقص منها.

ولكن - في نهاية المطاف - من الذي يملك الحق في أن يدين أحداً وكل ابن آدم خطاء؟ أو ليس من حق إليوت - بعد عمر من المعاناة - أن يلتمس السعادة حيث يجدها، وقد وجدها في زواجه الثاني؟

طوى الموت أبطال هذه الدراما جميعاً: فيفيان هي وود في 22 يناير 1947 عن 58 عاماً. إليوت في 4 يناير 1965 عن 77 عاماً. إميلي هيل في 12 أكتوبر 1969 عن 78 عاماً. فاليري إليوت في نوفمبر 2012 عن 86 عاماً. وبقيت منهم هذه الرسائل التي تحمل - مثل رسائل جون كيتس ود. هـ. لورنس وفرانز كافكا - صوراً حيةً لعباقرة في لحظات قوتهم وضعفهم، علوهم ودنوهم، ولكنها تظل -على مر السنوات- متوقدة بلهيب العاطفة، ورغبات البدن، ولوامع الفكر، وأزمات الضمير، وأشواق الروح.

دفن رماد فاليري - التي ترملت في سن الثامنة والثلاثين- إلى جانب رماد إليوت في كنيسة القديس ميخائيل بقرية إيست كوكر وهي قرية صغيرة في مقاطعة جلوسترشير جنوب غرب إنجلترا. وأسدل الستار على حياة شاعر عظيم وزوجتين وفتاة السنابل البرية التي ألهمت إليوت بعضاً من خير شعره، ولكنه تركها ليقترن بغيرها.


مقالات ذات صلة

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب «بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ وقصصه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكتاب والقراء الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً

سعيد الأبيض (الطائف)
ثقافة وفنون باومان

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان.

محمود الزيباوي

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.