قصة تأسيس شبكة مصرية في الغرب باسم مزيف لنقل معلومات ومعدات لإنتاج الصواريخ

د. خالد خيرت لـ«الشرق الأوسط»: تركنا مونتي كارلو وأقمنا في سالزبورغ للتمويه

العميد حسام خيرت وزوجته ووالدته وابنه خالد وابنته داليا وزوجات عدد من أصدقائه حين بدأ مرحلة الاستقرار في مونتي كارلو (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)،  بطاقة حجز الفندق الذي انتقل إليه العميد حسام خيرت مع أسرته في مونتي كارلو في فرنسا عام 1984 تحت اسم وهمي هو الدكتور أحمد يوسف وذلك لتأسيس الشركة المزيفة (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)
العميد حسام خيرت وزوجته ووالدته وابنه خالد وابنته داليا وزوجات عدد من أصدقائه حين بدأ مرحلة الاستقرار في مونتي كارلو (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)، بطاقة حجز الفندق الذي انتقل إليه العميد حسام خيرت مع أسرته في مونتي كارلو في فرنسا عام 1984 تحت اسم وهمي هو الدكتور أحمد يوسف وذلك لتأسيس الشركة المزيفة (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)
TT

قصة تأسيس شبكة مصرية في الغرب باسم مزيف لنقل معلومات ومعدات لإنتاج الصواريخ

العميد حسام خيرت وزوجته ووالدته وابنه خالد وابنته داليا وزوجات عدد من أصدقائه حين بدأ مرحلة الاستقرار في مونتي كارلو (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)،  بطاقة حجز الفندق الذي انتقل إليه العميد حسام خيرت مع أسرته في مونتي كارلو في فرنسا عام 1984 تحت اسم وهمي هو الدكتور أحمد يوسف وذلك لتأسيس الشركة المزيفة (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)
العميد حسام خيرت وزوجته ووالدته وابنه خالد وابنته داليا وزوجات عدد من أصدقائه حين بدأ مرحلة الاستقرار في مونتي كارلو (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)، بطاقة حجز الفندق الذي انتقل إليه العميد حسام خيرت مع أسرته في مونتي كارلو في فرنسا عام 1984 تحت اسم وهمي هو الدكتور أحمد يوسف وذلك لتأسيس الشركة المزيفة (صورة خاصة لـ«الشرق الأوسط»)

يكشف أصغر شاهد في قضية الشبكة المصرية التي جرى تأسيسها في الغرب باسم مزيف لنقل معلومات ومعدات لإنتاج الصواريخ، والمعروفة باسم «الكربون الأسود»، ذكرياته، في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» وذلك حين كان في قلب المطاردات والأسفار الغامضة بأسماء وهمية بين مصر وأوروبا. هذا الشاهد هو الدكتور خالد خيرت، نجل بطل القضية الرئيسي، العميد حسام خيرت، خبير الصواريخ والمعدات الحربية الراحل، الذي كان معروفا بقربه من المشير عبد الحليم أبو غزالة وزير الدفاع المصري آنذاك.
وبدأت وقائع هذه الأحداث في ثمانينات القرن الماضي. والتقى الدكتور خالد خلال تلك الفترة، حيث كان يقوم بزيارات متعددة لوالده في المدن الأوروبية، بالكثير من أبطال الشبكة في كل من مونت كارلو وسالزبورغ وفيينا، وذلك أثناء فترة النشاط التي انتهت نهاية مأساوية فيما بعد. وطلبت مصادر أمنية مصرية رفيعة، أثناء تحري «الشرق الأوسط» لاستكمال بعض معلومات القضية، عدم الإشارة إلى أسماء عدد من أعضاء الشبكة ممن ما زالوا على قيد الحياة، والبالغ عددهم أكثر من عشرين شخصا، وحجب تفاصيل أخرى خاصة بعملية التسليح، باعتبار أنها من مقتضيات الأمن القومي للبلاد، وهي أمور جرى وضعها في الحسبان أثناء كتابة هذا الموضوع.

من أشهر الأسماء المعروفة للرأي العام، في تلك القضية، الدكتور عبد القادر حلمي، وهو أميركي الجنسية من أصل مصري، وكان يعمل في وكالة ناسا وبرامج الصواريخ الأميركية، وهو الرجل الذي جرى ربط اسمه باسم الدكتور محمد مرسي الرئيس المصري الأسبق، تحت مزاعم تقول إن مرسي هو من وشى بالشبكة خلال وجوده في أميركا، لكن يبدو أن هذه المزاعم لم تكن دقيقة، وفقا لشهادة الدكتور خالد. ومن جانبه أفاد الدكتور حلمي عبر وسيط أن محاميه الأميركي ينصحه بعدم التعليق بخصوص ملابسات هذه القضية.
وبسبب غموض تفاصيل هذه الشبكة المعقدة التركيب، لسنوات، وعدم وجود خط متسلسل واضح المعالم عنها، كان يعتقد، حتى أيام قليلة مضت، أن ضابطا متقاعدا، ما زال على قيد الحياة، هو بطل القضية. وثبت من عمليات التحقق التي قامت بها «الشرق الأوسط» أن هذا غير صحيح، وأنه مجرد لبس وقعت فيه غالبية وسائل الإعلام المصرية، لأسباب تتعلق بوجود تشابه في الاسم الأول بين الرجلين (حسام الدين) وجزء من الاسم الأخير (خيرت - خير الله)، وهو ما أكده الدكتور خالد، ومصادر أمنية وأطراف كانت تعمل ضمن الشبكة.
واستمدت قضية «الكربون الأسود» اسمها من مادة الكربون التي تدخل في صناعة الصواريخ وتجعلها تتحمل الحرارة المرتفعة، وكذا تجعلها غير مرئية لأجهزة الرادار، ويبدو أن آخر عمليات الشبكة المصرية انكشفت أثناء محاولة تهريب كميات من هذه المادة من الولايات المتحدة إلى مصر، رغم أن نشاط الشركة المزيفة لم يقتصر على مادة الكربون، ولكنه شمل نقل الكثير من المعدات والمعلومات والأمور الأخرى، كما يقول الدكتور خيرت، وعناصر أخرى لها علاقة بالشبكة، التي لا مجال لذكرها هنا.
على كل حال كان مركز الشبكة قد شرع في العمل في البداية انطلاقا من مدينة مونتي كارلو الفرنسية، تحت ستار شركة لاستيراد المعدات، وكان يعمل فيها بشكل أساسي، أي في الجانب السري من مهمة الشركة، أربعة مصريين من رتب نظامية مختلفة (أحيلوا للتقاعد بعد انكشاف العملية وغير مسموح بنشر أسماء عدد منهم). وكانوا تحت رئاسة العميد خيرت، وتضاعف عدد عناصر الشبكة من المصريين بعد ذلك أربع مرات. وكانت هناك كذلك أطراف عراقية مجهولة، لكنها مربوطة بالقائد العسكري العراقي في بغداد عامر السعدي، وهو المسؤول عن إدارة برامج التسليح العراقي، وحامل أسرار التصنيع لجيش صدام حسين. بينما كان يعمل في الجانب المرئي والظاهر للعيان شخصيات أجنبية، بالإضافة إلى طاقم سكرتارية أجنبي كان من بينه فرنسيون.
تولت الشخصيات الأجنبية، ومن بينهم ألمان وأرجنتينيون، إدارة فرعي الشركة وأعمالها في كل من الأرجنتين والولايات المتحدة وألمانيا وغيرها من بلدان أوروبية. كانت التعليمات أن تقوم الشركة بتغيير مقرها الرئيسي كل سنتين في أوروبا من أجل التمويه، ويقول الدكتور خالد إنه لهذا السبب «تركنا مونتي كارلو عام 1986 وأقمنا في سالزبورغ بالنمسا».
سقطت الشبكة بأكملها في عام 1988.. أي بعد أقل من يومين على قيام العميد خيرت، الذي كان وقتها يمضي أيام إجازته في فندق هيلتون فيينا، بتوجيه ابنه خالد، وهو في منزله الذي يطل على ضفة النهر في سالزبورغ، بأن يدخل إلى مكتبه المنزلي، ويقوم بفرم أوراق معينة بسرعة. يقول الدكتور خيرت: قمت بهذه العملية في ذلك الوقت مع صديق لوالدي كان معي في سالزبورغ.
ويتابع قائلا: على أي حال حين بدأت أرافق والدي وهو في عمله الجديد في أوروبا كنت أشعر أن هناك أمورا غريبة تحدث، لكنني كنت أدرك أنه في مهمة عمل من أجل مصر. فحتى اسمي الرسمي كان قد جرى تغييره في جواز السفر إلى اسم مزيف.
ارتبط الدكتور خالد بحياة والده العسكرية منذ فتح عينيه على الدنيا. يقول: «منذ فتحت عيني على الحياة وأنا أعلم أن أبي ضابط في القوات المسلحة.. من خلال بدلته العسكرية ومن خلال مناوبات عمله التي كان يذهب إليها. كنت أحيانا أذهب إليه بالطعام المنزلي وأمضي معه بعض الوقت في فترة المناوبة. كان يعمل في وزارة الدفاع وفي هيئة التسليح في ضاحية العباسية وعمل أيضا في المدفعية حيث إنه تنقل بين وحدات مختلفة».
وعمل العميد خيرت أيضا في مكاتب تابعة للجيش تقع في منطقة ألماظة بالعاصمة، بينما كان منزله وهو ما زال في القاهرة، يقع في ميدان سفير في ضاحية مصر الجديدة. ويقول الدكتور خالد: كنت أذهب إليه وأنا صغير في العمر عن طريق سيارة بسائق تابعة لجهة عمله. وعن الوقت الذي بدأ يشعر فيه أن والده مقبل على مهمة كبيرة وعما إذا كان قد لاحظ وجود استعدادات لهذا الأمر، يوضح: شعرت بهذا وعرفت به حين حصل على الموافقة على السفر. أنا كنت اعتبرها مهمة عمل عادية، بينما هو كان سعيدا جدا.. وكان يذكر اسم المشير أبو غزالة كثيرا في البيت.
وكان أبو غزالة وقتها قد أمضى نحو عام كوزير للدفاع والإنتاج الحربي، بعد أن كان يعمل كمدير لإدارة المخابرات الحربية والاستطلاع. العلاقة بين هذا القائد العسكري الذي توفي عام 2008 بسبب إصابته بالسرطان، وبين العميد خيرت، الذي توفي في 2013 بالسرطان أيضا، علاقة عمل ذات طابع خاص يغلب عليها الثقة والاحترام.
يتضمن مشروع العميد خيرت تأسيس شركة في أوروبا، تعمل علانية وفقا للقوانين الأوروبية، تحت ستار شركة مدنية، من أجل جمع المعلومات والمعدات التي تدخل في تطوير الصناعات العسكرية وعلى رأسها الصواريخ، ونقلها إلى كل من القاهرة وبغداد، وذلك بتمويل عراقي وافق عليه الرئيس الراحل صدام حسين بعد جلسة خاصة بين خيرت ومسؤولين كبار في الجيش العراقي آنذاك، منهم الفريق السعدي نفسه، الذي يعتقد أنه سلم نفسه للقوات الأميركية عند اجتياحها بغداد عام 2003.
ويبدو أن العميد خيرت كان مهووسا بالتطوير وبالدخول في عالم التكنولوجيا والتقنية المتقدمة، في جميع المجالات، المدنية والعسكرية، وهذا ما سيتضح فيما بعد، حيث اختتم حياته، عقب إحالته للتقاعد الإجباري، بتأسيس شركة مدنية تعمل في هذا الغرض عقب تسوية القضية التي كان مطلوبا فيها في الولايات المتحدة، بخصوص الشبكة. لقد حكم عليه القضاء الأميركي هو ومن معه من المصريين بالسجن لأكثر من مائة سنة.
كان لدى حسام خيرت منذ سنوات تصورات عما ينبغي عمله للحصول على الجديد من العالم، وعدم الاكتفاء بالاستيراد أو الاكتفاء بالمعدات المعلبة جاهزة التصنيع. كان يريد أن تكون مراحل التصنيع محلية لكن بتقنيات متقدمة. وقدم مشروع تأسيس شركة في الخارج لهذا الغرض لعدد من القادة المصريين في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، لكنه لم يحصل على موافقة، بحسب ما يتذكره الدكتور خالد، قائلا إن والده كان يؤمن بأن الجيوش لا يمكن أن تحقق ميزة في الحرب دون صواريخ قادرة على الوصول إلى الأهداف المطلوبة ولو على مسافات بعيدة.
وكانت مصر قد خرجت من تجارب خاضت فيها عدة حروب مع إسرائيل في سيناء. وكانت المشكلة دائما، كما تقول المصادر الأمنية، في تفوق السلاح الإسرائيلي النوعي، أمام مصر، خاصة فيما يتعلق بترسانة تل أبيب النووية. ولهذا كانت مشاريع العميد خيرت تبحث عن سلاح للردع. أي سلاح قادر على الوصول إلى العمق الإسرائيلي. وهذا كان يتلخص في أمر واحد: صواريخ لديها الإمكانية على الانطلاق إلى هناك أولا، ويمكنها التخفي عن أنظمة الرادار ثانيا، ولديها القدرة على حمل رؤوس تدميرية كبيرة ثالثا.
ظل يعمل على هذا ليلا ونهارا.. يقول الدكتور خالد: «حين كنت أدخل عليه المكتب ليلا وقت أن كنا ما زلنا في منزلنا بالقاهرة كنت أجده منكبا على قراءة الأبحاث والكتب.. هو يتميز بالمثابرة وعدم اليأس، ولذلك حين جاء أبو غزالة وزيرا للدفاع، بادر بتقديم المشروع إليه، لأن أبو غزالة كان يشبهه في الشكل وفي الشخصية. كان كل منهما جريئا في اقتحام المجهول».
لكن يبدو أن أبو غزالة درس الموضوع جيدا قبل الموافقة عليه، حيث لم تبدأ خطوات التنفيذ الأولى إلا بعد توليه موقعه الوزاري بنحو عامين أو يزيد. وخلال تلك الفترة بدأ التواصل مع العراقيين حول تمويل المشروع. وسافر العميد خيرت إلى بغداد، وجرت مناقشة الأمر، لدرجة أن الجانب العسكري العراقي، ومن بينه تقنيو صناعة سلاح متخصصون، طرح عليه نحو 80 سؤالا، لكي يتأكد من فرص نجاح الفكرة، وأن الأموال لن تذهب هباء.
ويضيف الدكتور خالد أنه أدرك أبعاد المشروع فيما بعد. لأنه، وحتى اللحظة التي سمع فيها في الراديو اسم والده كمطلوب للولايات المتحدة في قضية الشبكة في أواخر الثمانينات، لم يكن يعلم أن المشروع كبير إلى هذا الحد. يقول «إن مشروع تطوير الصواريخ كان اسمه (كندور2) وعرفت أيضا أنه يطلق عليه اسم (الكربون الأسود).. عرفت الاسم في وقت لاحق. أنا وقتها، أي قبل السفر مع والدي والأسرة إلى فرنسا للعمل من هناك، كنت صغيرا أدرس في مدرسة سان جورج في ضاحية مصر الجديدة. كل ما كنت أدركه أننا سوف نسافر مع والدي إلى الخارج في مهمة تتعلق بعمله».
ويقول إنه في يوم من الأيام حين رجع للبيت، وجد والده سعيدا وكأنه حقق مراده أخيرا. قال لنا، أنا وأختي ووالدتي: «سنسافر إلى فرنسا». وأخبرني أنه سينقل أوراق مدرستنا إلى هناك. ومنذ ذلك الوقت، أي في صيف عام 1984 بدأت إجراءات تحويلي لاستكمال الدراسة في فرنسا، وعليه تيقنت أن والدي حوَّل عمله بالفعل. لكن أنا كنت سعيدا بالانتقال إلى فرنسا، لأنها كانت بمثابة عالم مثير، خاصة أنني أعرفها منذ صغري حيث كنت أسافر إليها مع الأسرة لقضاء الإجازات الصيفية.
في بيتنا في القاهرة، وقبل أن ننتقل إلى مونتي كارلو أصبحت أعلم، من خلال ما كان يدور من حديث بين جدران منزل الأسرة، أن أبي على معرفة جيدة بالمشير أبو غزالة، لأنه كان رئيسا لوالدي من قبل في سلاح المدفعية، وكنت أسمع سيرته مرارا وتكرارا في البيت، سواء حين كنا في مصر الجديدة، أو حين أقمنا في فرنسا. أدركت أنه من أسباب قرار والدي بالسفر.. «كان والدي قد عرض فكرة المشروع على عدة وزراء ورؤساء أركان في السابق، لكن المشير أبو غزالة هو الذي رحب بالفكرة. وتبناها بعد أن أصبح وزيرا للدفاع. كان والدي يقول لي عن أبو غزالة: إنه رجل وطني جدا، وسريع في اتخاذ القرار الصحيح، عسكري نادر، وجريء ويتبنى الأفكار الجديدة».
حتى بعد أن انكشفت عملية «الكربون الأسود» ظل الرجلان يلتقيان في نادي هليوبوليس في شرق القاهرة. وحين أصيب أبو غزالة بالمرض ذهب العميد خيرت لزيارته. المهم.. يعود الدكتور خالد للقصة من البداية، أي عند التحضير للسفر إلى الخارج، قائلا: «حين أمسكت بجواز سفري الجديد للمرة الأولى وجدت أن اسمي قد تغير من خالد أحمد حسام الدين خيرت، إلى خالد أحمد يوسف.. كنت أتعجب من أن أسماءنا قد تبدلت لكنني أصبحت أدرك أن هذه مهمة رسمية».
توجهنا إلى مونتي كارلو، وأقمنا في فندق اللوفز هوتيل على الريفيرا، لمدة شهر، إلى أن وجدنا شقة مناسبة. كان معنا أشخاص آخرون من مصر عددهم أربعة يعملون على المشروع السري، أو الشبكة، لكن خلال فترة إقامتنا في اللوفز هوتيل كانوا هم يقيمون في مكان آخر انتظارا لانتهاء الترتيبات من تجهيز الشقق التي سنسكن فيها وفرش المكاتب وغيرها.
حين بدأ دولاب العمل يتحرك انضم للعمل أشخاص من جنسيات أخرى، ألمان وأرجنتينيون وفرنسيون، إضافة للطاقم الذي كان معه. أصبح يتحرك بسيارة مميزة.. مقر الشركة كان في عمارة اسمها «مونتي كارلو صن». والمقر كان في نفس العمارة التي سكنا فيها. العمارة جزء من مجمع يضم مباني إدارية وأخرى سكنية وهو مبنى شهير في مونتي كارلو.
في ذلك الوقت كان الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك ما زال في بداية عهده الذي استمر حتى عام 2011، كانت مرحلة منتصف الثمانينات تعج بمشاكل كبرى في منطقة الشرق الأوسط. من جانب كانت جراح الاجتياح الإسرائيلي للبنان ما زالت تنزف، ومن جانب آخر كان دوي مدافع الحرب العراقية الإيرانية ما زال يتردد في الأرجاء، بينما مصر كانت تترقب المماطلات الإسرائيلية بشأن انسحابها من طابا التي كانت تحتلها في شبه جزيرة سيناء.
وعلى هذه الخلفية المعقدة في المنطقة كانت أسفار العميد خيرت لا تتوقف، ويبدو أن هذا أثَّر بالسلب على معنويات زوجته وعلى الأسرة الصغيرة التي وجدت نفسها وقد هجرت شمس القاهرة وانتهى بها المطاف تحت سحب مونتي كارلو.
يقول الدكتور خالد: لدي أخت أكبر مني اسمها داليا، كما قلت كانت معنا هناك. إلا أن أبي كان قد أصبح يسافر كثيرا في تلك الفترة.. ثم حدثت مشاكل بينه وبين والدتي. مكثنا ستة أشهر معه في فرنسا، ثم رجعنا إلى القاهرة، بينما هو ظل يتابع عمله في مونتي كارلو. حين بدأ والدي نشاطه في الخارج، بدا أنه أصبح تحت ضغط عصبي ونفسي أكبر مما كان عليه في مصر. نتج عن هذه الضغوط الكثير من المتغيرات التي انعكست على حياة الأسرة.. مثل الغضب والانشغال الكثير خارج المنزل وحتى داخله حيث يجلس لساعات في مكتبه ما بين الأوراق ورنين الهواتف والفاكسات. أعتقد أن هذا كان من أسباب الانفصال بينه وبين والدتي في نهاية المطاف.
ولم يكن العميد حسام خيرت يدخن، ولم يكن مدمنا لأي نوع من أنواع المكيفات. الإدمان الوحيد كان للعمل.. «طبيعته أنه مدمن على عمله، سواء حين كان في مصر أو حين أصبح في الخارج. حتى وهو في الخدمة في الجيش كان يدمن على العمل وعلى مواصلة الدراسة لمعرفة كل جديد.. يجهز للحصول على درجة الماجستير في الجامعة. ظل يدرس حتى حصل على الدكتوراه بالفعل عام 1982، ما أتذكره عنه أنه كان نشيطا بشكل مستمر. حين سافرنا إلى أوروبا استمر على هذا الوضع، لكن الضغط كان أكبر من السابق».
وعما إذا كان لوالدته علم مسبق بالمهمة التي كان والده منخرطا فيها، يؤكد الدكتور خالد أنها كانت تدرك أنه في مهمة رسمية لكن مع مرور الأيام أصبح من الصعب عليها تحمل طبيعة هذا العمل الذي يستحوذ على كل وقته.. «لم تكن والدتي معترضة، ولكن لم تكن على ما يبدو قادرة على الاستمرار في تحمل الضغط الذي كان واقعا عليه في تلك الأيام، حيث إنها، مثل أي سيدة، تحب أن يعود زوجها للبيت في أوقات محددة».
لم يكن العمل فقط هو الذي يستغرق كل تفاصيل الحياة اليومية، ولكن حتى الحفلات وحتى الأعياد والمناسبات المختلفة، كانت قد أصبحت تتحول إلى حلقات للتعارف من أجل مزيد من العمل أيضا.. «كان والدي كأنه يريد أن يسابق الزمن.. يستقبل شخصيات مختلفة سواء في مكتبه أو في البيت، أو حتى في أماكن التريض والترفيه. كان يتردد على الشركة شخصيات مختلفة. حين نخرج أحيانا كنا نرى خبراء موجودين في انتظار والدي للتحدث والتباحث.. في البيت، عندما نرتب عزومة، فإنها تكون عادة لترسيخ العلاقات العامة مع أشخاص بأعينهم. وكانت بشائر الإنتاج وثمار العمل، أي المعدات المطلوبة، تصل إلى مصر بالمراكب وبالطائرات. وعرفت هذا منه فيما بعد».
أعتقد أن هذه المثابرة في العمل هي التي مكنته ومجموعته من النجاح في نقل الأجزاء وخطوط التصنيع التي كانوا يسعون وراءها.. كانت متابعة أمور العمل بمن فيه من شخوص مبعثرين في هذا العالم المتشعب، من غرب الكرة الأرضية إلى شرقها، يستنزف ساعات الزمن القليلة.. و«بسبب فروق التوقيت ما بين فرنسا والعالم، خاصة الأرجنتين كان حتى آخر الليل، وحتى في الفجر، يدخل غرفة مكتبه لإجراء اتصال هاتفي أو استقبال مكالمة أو استقبال فاكس أو إرسال فاكس، وفي الصباح الباكر كان عليه أن يكون في مكتب الشركة أيضا».
ولم تستمر إقامة الدكتور خالد هناك كثيرا، رغم أنه كان قد بدأ يعيش الحياة الفرنسية، ويتدرب على التنس في أحد الأندية المجاورة بالمدينة. لقد تغيرت مجريات الأحداث وأثرت على الأسرة، وكان لا بد من الانفصال بين الوالدين، وعليه رجع للقاهرة معها ومع شقيقته.. «عدنا لمصر أنا ووالدتي وشقيقتي. كان والدي يأتي لزيارتنا حيث إنه كان يتردد على مصر كثيرا بحكم طبيعة عمله. بالإضافة إلى أننا كنا نذهب لزيارته ونمضي معه أشهر الصيف الثلاثة في أوروبا.. هو من جانبه كان يحاول أن يعوض أيام الفراق بيننا، فيرتب لنا رحلات ترفيهية».
استمر عمل المقر الرئيسي للشركة في مونتي كارلو لمدة عامين. وبعد هذه المدة، أي في سنة 1986 بدأت تظهر تعليمات جديدة بضرورة تغيير المكان، ووقع الاختيار على مدينة سالزبورغ في النمسا، حتى لا ينكشف الأمر.
يقول الدكتور خالد: كانت عملية الانتقال مهمة أمنية بالأساس من أجل التمويه، وهذا ما علمته لاحقا، لكن كنت حزينا لأنني ربما كنت قد اعتدت على منزل مونتي كارلو والأجواء المحيطة به. أو ربما لأن المنزل ومقر الشركة الجديدين في سالزبورغ ستكون فيهما نهاية العملية برمتها، حيث تردد صدى القضية وانكشافها فيما بعد، عبر المحيط من أميركا إلى القاهرة والعكس.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.