المحكمة الاتحادية في العراق... عُقدة الاستقلال والاشتباك مع السياسة

الحكومة تستعد للتداول مع الأحزاب لتشريع قانون جديد لكن «المهمة صعبة جداً»

مقر مجلس القضاء الأعلى وسط العاصمة العراقية بغداد (إعلام حكومي)
مقر مجلس القضاء الأعلى وسط العاصمة العراقية بغداد (إعلام حكومي)
TT

المحكمة الاتحادية في العراق... عُقدة الاستقلال والاشتباك مع السياسة

مقر مجلس القضاء الأعلى وسط العاصمة العراقية بغداد (إعلام حكومي)
مقر مجلس القضاء الأعلى وسط العاصمة العراقية بغداد (إعلام حكومي)

ليس من المرجح أن تنجح مساعي الحكومة العراقية في تشريع قانون خاص بالمحكمة الاتحادية العليا، نظراً لما يقوله خبراء قضائيون بأن المعادلة السياسية «تتعايش وتحقق مكاسب» من مؤسسة تعمل من دون قانون منذ قرابة 18 عاماً، وتصدر أحكاماً تتصل غالباً بجوهر النظام القائم في البلاد.

ويبدو أن خلافاً جوهرياً سيعترض طريق الحكومة والفعاليات السياسية في البلاد، يتعلق بصلاحيات المحكمة ودرجة استقلالها كهيئة دستورية منعزلة، إلى حد ما، عن مجلس القضاء الأعلى.

وكلف رئيس الحكومة محمد شياع السوداني، الثلاثاء الماضي، لجنة تضم ممثلين عن مؤسسات رئاسية عراقية «لإعادة النظر في مشروع قانون المحكمة الذي سبق وأن أعدته الحكومة عام 2015، وأحالته حينها إلى مجلس النواب ولم ينجح في إقراره حتى اليوم».

وتشريع قانون المحكمة واحد من بنود الاتفاق السياسي الذي أقره تحالف «إدارة الدولة»، والذي يضم قوى شيعية وكردية وسنية، وأفضى إلى تشكيل الحكومة الحالية في أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي.

وتحولت غالبية بنود هذا الاتفاق إلى وثيقة «البرنامج الحكومي»، التي قدمها السوداني يوم حصوله على ثقة أعضاء مجلس النواب، ويقول إن تشريع قانون المحكمة الاتحادية جزء من برنامجه لاستكمال المؤسسات الدستورية.

ووفقاً لبيان حكومي، فإن اللجنة العراقية «أكملت عملها ووضعت مسوّدة المشروع وقام رئيسها بإجراء سلسلة من المباحثات والتداول بشأن المبادئ الرئيسة الواردة».

وقال السوداني، إنه «يعتزم التداول مع القوى السياسية الوطنية بشأن المسودة الجديدة لمشروع القانون، بما يضمن استكمال المؤسسات الدستورية».

لكن خبيرين وسياسيا عراقيا تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، هذا الأسبوع، أكدوا أن «الحوارات التي يريد السوداني خوضها مع الأحزاب المتنفذة ستذهب على الأرجح في اتجاهين؛ أحدهما ربط المحكمة الاتحادية بمجلس القضاء، والآخر تقويتها بتعزيز استقلاليتها».

وبحسب هؤلاء، فإن لكلا الاتجاهين «غايات ومصالح سياسية بالدرجة الأساس»، لكن القانونيين مندفعون كثيراً نحو تشريع القانون لإنهاء «الفراغ القانوني» الذي تعمل في ظله أهم سلطة دستورية في البلاد، رغم المخاوف السياسية.

رئيس الحكومة يأمل في تشريع القانون بعد مراجعة النقاط الخلافية (إعلام رئاسة الوزراء)

تاريخ تشكيل المحكمة

وأنشأت «السلطة المدنية» للقوات الأميركية بعد عام 2003 «المحكمة الاتحادية» للحصول على غطاء قانوني يملأ فراغ السلطات بعد إسقاط نظام الرئيس الراحل صدام حسين.

وقبل تصويت العراقيين على الدستور الدائم عام 2005 بأشهر معدودة، أُقر قانون يحمل رقم 30 واسم «المحكمة الاتحادية العليا»، وبموجبه مُنحت صلاحيات واسعة بشأن شرعية اللوائح الدستورية والقوانين والأنظمة، وتطورت إلى أن تكون «الحكم الفيصل» بين الحكومة المركزية والمحافظات وإقليم كردستان، إلى جانب المصادقة على نتائج الانتخابات، وكانت بيدها وما تزال ولاية المؤسسات الحكومية العليا.

ومنذ ذلك الوقت، أثارت هذه الصيغة غير الحاسمة جدلاً واسعاً، وطُرحت أسئلة حول الأرضية القانونية للمحكمة، أجبرت في النهاية القوى السياسية على استخدام المادة 92 من الدستور الدائم، لتشريع قانون يحدد وضعها وصلاحياتها.

لم يحدث هذا أبداً، ولأن القوى السياسية لم تتوصل إلى صيغة مشتركة حول صياغة القانون، فشلت محاولات تشريع القانون، وظلت المحكمة تعمل بموجب القانون القديم رقم 30 لعام 2005.

وطرحت أول مسودة للقانون عام 2008، لكن البرلمان لم ينجح في تمريرها، وتكررت المحاولة نفسها مرتين في عامي 2011 و2015، وفشل النواب في تمريره.

ويعد قانون المحكمة الاتحادية من القوانين الرئيسية في البلاد، لذلك فإن تمريره يحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب.

وتقول حكومة السوداني إنها «راجعت المسائل والنصوص التي كانت محلّ اعتراض على مشروع القانون في الدورات البرلمانية السابقة، وتم تحسينه من الناحيتين الشكلية والموضوعية؛ وصولاً لإزالة أسباب الخلاف السابقة».

 

عُقدة التشريع والسياسة

ما كان يواجه تشريع القانون قبل سنوات يتركز كثيراً في حجم التمثيل السياسي للمكونات الأساسية في البلاد داخل المحكمة الاتحادية، وغالباً ما تأثر هذا النزاع بالمناخ السياسي والاجتماعي المشحون طوال سنوات.

يقول الخبير القانوني، حسام الحاج، لـ«الشرق الأوسط»، إن «قوى سياسية حاولت خلال السنوات الماضية إخضاع المحكمة لنظام المحاصصة بقياس عدد القضاة وفقاً لأوزان المكونات الرئيسة في البلاد، إلى جانب إضافة فقهاء الشريعة إلى فقهاء القانون».

ويعتقد الحاج، أن أزمة فقهاء الشريعة ستطرح هذه المرة خلال الحوارات المرتقبة حول تشريع القانون.

«في السابق، طرحت صيغة تدفع باتجاه أن يكون نصف الفقهاء من الشيعة والنصف الثاني من السنة، لكن اعتراضات قوية كانت تصد هذا المشروع، وتدافع عن دور استشاري محدود لهؤلاء، ولا يمكنهم التصويت والمشاركة في إصدار الأحكام القضائية»، يقول الحاج.

وغالباً ما تتعارض النصوص الدستورية في العراق مع أحكام الشريعة، بحسب الخبير الدستوري أمير الدعمي، الذي تحدث مع «الشرق الأوسط» عن مخاوفه من «أن تؤدي هذه الصيغة إلى ضرب مصداقية القضاء».

وقال الدعمي: «قد تتعارض الرؤية الشرعية لفقهاء مع النص الدستوري المصمم لبلد يقطنه سكان من ديانات وطوائف متعددة».

والحال، أن مشروع «فقهاء الشريعة» لم يعد مؤثراً في ميزان الخلافات التي تعيق تشريع قانون المحكمة الاتحادية، كما يقول سياسي عراقي بارز كان على صلة وثيقة بالحوارات السياسية حول المسودة.

ويقول السياسي، لـ«الشرق الأوسط»، «إن محاولات فرض فقهاء الشريعة على تركيبة المحكمة الاتحادية فشلت، والقوى التي كانت تدفع بهذا الاتجاه تخلت عن الأمر، بعدما أخفقت في نيل تأييد كاف حتى من القوى الشيعية».

وبحسب السياسي، الذي طلب إخفاء اسمه، فإن «اتفاقاً أولياً بين القوى السياسية أفضى إلى اعتماد فقهاء بصفة استشاريين من دون عضوية في الهيئة القضائية، ولا يملكون حق التصويت وآراؤهم غير ملزمة».

أعضاء المحكمة الاتحادية في ضيافة رئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد (أرشيف - إعلام الرئاسة العراقية)

محكمة مستقلة؟

يبدو أن الخلاف قبل تشريع قانون المحكمة الاتحادية يتعلق الآن بصلاحياتها واستقلالها عن مجلس القضاء الأعلى، وعلى الأكثر فإن الرغبة السياسية في إثارة هذه العقدة تصاعدت منذ أن قررت هذه المحكمة إنهاء عضوية رئيس البرلمان محمد الحلبوسي الشهر الماضي.

وبحسب الصيغة الحالية، فإن المحكمة الاتحادية مستقلة إدارياً ومالياً عن مجلس القضاء، كما أن الدستور ينص على أن تتكون السلطة القضائية من مجلس القضاء والمحكمة الاتحادية والادعاء العام والإشراف القضائي.

لكن القرارات الحاسمة التي أسفرت عن نقاط تحول في العملية السياسية تجعل الفصل بين مجلس القضاء والمحكمة الاتحادية، أو سلطة أحدهما على الأخر، مثار قلق للفاعلين السياسيين.

واتخذت المحكمة الاتحادية خلال السنوات الماضية قرارات كانت تفضي في النهاية إلى خلق مسارات سياسية محددة، وتغير من أوزان القوى، بما يصعب الفصل بين تأثيرها السياسي وتخصصها القانوني.

وآخر تلك القرارات، هو الاعتراف بالثلث المعطل الذي منع التيار الصدري وحلفاءه من عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية عام 2022، وقبل ذلك كان للمحكمة الاتحادية دور في ترجيح كفة قوى سياسية بتحديد «الكتلة الأكبر»، التي لم تكن تعني الفائز الأول في نتائج الانتخابات.

ومع ذلك، يميل الخبير أمير الدعمي إلى فصل المحكمة الاتحادية تماماً عن مجلس القضاء، وان تتحول إلى «محكمة تختص بالنظر في تفسير القوانين والنصوص الدستورية».

ويقول الدعمي، إن «وجودها تحت عنوان السلطة القضائية يفقدها الكثير من قوتها الدستورية، ما يعني أن فصلها هو الأمثل».

«من الطبيعي أن تتهم المحكمة الاتحادية بالانخراط في الحياة السياسية والتأثير فيها لأنها معنية بتفسير الدستور، لكن منعها من التماهي مع هوى السلطات يتطلب معالجة الخلل في الدستور العراقي عب تعديله».

والحال، أن الدعمي يعتقد أن «غلبة التيارات الإسلامية داخل البرلمان العراقي تحاول أن تحول المحكمة الاتحادية إلى ما يشبه مصلحة تشخيص النظام في إيران، وهو ما يعارض القانون في العراق».

ويعتقد سياسيون من أحزاب مختلفة، أنهم بحاجة إلى «فهم قواعد الاشتباك» مع المحكمة الاتحادية من خلال رسم واضح لصلاحيتها، والمساهمة في النقاشات التي تقرر ذلك.

ويقول السياسي العراقي، إن «تحويل المحكمة إلى أداة يمكن استخدامها من قبل طرف خارجي أو داخلي مؤشر على طبيعة النظام، بينما يجب أن يكون القضاء عصياً على الاستخدام السياسي».

وثمة نزعة سياسية جارفة تريد أن تكون المحكمة الاتحادية العليا جزءاً من مجلس القضاء، وألا يتم التعامل معها كمحكمة غير خاضعة لأي من السلطات العراقية، وفقاً لما يقوله الخبير حسام الحاج، ويرى أن «هذه الصيغة سابقة لم تحدث في الأنظمة القانونية المعمول بها في العالم».

وفي العراق، كما يتحدث السياسي العراقي، فإن الحديث عن استقلال المحكمة الاتحادية لا يمنح الضمانات الكافية والمؤكدة من عدم استخدام هذا «الكيان المستقل» لصالح جهات متنفذة ضد أخرى منافسة.

 


مقالات ذات صلة

العراق... أزمة الوقود تفاقم مشكلات البلاد وتتسبب في أعباء إضافية على المواطنين

المشرق العربي جانب من الازدحام عند محطة وقود في بغداد (وكالة الأنباء العراقية)

العراق... أزمة الوقود تفاقم مشكلات البلاد وتتسبب في أعباء إضافية على المواطنين

لا تستبعد أطراف مقربة من حكومة الزيدي، وجود «تلاعب مدبر» في دوائر وزارة النفط يفاقم الأزمة، ويربطون هذا التلاعب بجماعات تضررت مؤخراً من الحملة على الفساد.

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد محافظ البنك المركزي العراقي نزار ناصر حسين خلال لقائه بعدد من المختصين بالشأن الاقتصادي (إكس)

«المركزي» العراقي: لا عقوبات دولية على القطاع المصرفي بعد اليوم

أكد محافظ البنك المركزي العراقي نزار ناصر حسين، الأحد، أن تغيير العملة من صلاحيات البنك المركزي، وأشار إلى أن حذف الأصفار بحاجة لتشريع في مجلس النواب.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي من اجتماع «ائتلاف إدارة الدولة» في القصر الحكومي (واع)

الائتلاف الحاكم في العراق يتجاهل «حصر السلاح» ويحذر من تداعيات العقوبات ضد إيران

شدد «ائتلاف إدارة الدولة» في بيان على «ضرورة تجنيب العراق تداعيات العقوبات الأميركية المفروضة على بعض الدول (في إشارة إلى إيران)، في ظل الظرف المالي الصعب»...

حمزة مصطفى (بغداد)
الاقتصاد منصة عائمة لتصدير النفط في ميناء البصرة النفطي (رويترز)

العراق يرفع طاقته التصديرية النفطية لأكثر من 3 ملايين برميل يومياً

رفع العراق طاقته التصديرية للنفط إلى أكثر من 3 ملايين برميل يومياً، وفق ما نقلت وسائل إعلام رسمية عن وزير النفط...

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي عناصر من «الحشد الشعبي» يشاركون في عرض عسكري ببغداد (أرشيفية - غيتي)

مفاوضات نزع سلاح الفصائل العراقية أمام «طريق مسدود»

المفاوضات التي تجري بين «الإطار التنسيقي» الشيعي والفصائل المسلحة في العراق يبدو أنها وصلت إلى طريق مسدود.

حمزة مصطفى (بغداد)

الشرع يتقبّل أوراق اعتماد سبعة سفراء... بينهم سفير السعودية

الرئيس السوري ووزير خارجيته يتوسطان السفراء السبعة الذين قدموا أوراق اعتمادهم الأحد في قصر الشعب بدمشق (الخارجية السورية)
الرئيس السوري ووزير خارجيته يتوسطان السفراء السبعة الذين قدموا أوراق اعتمادهم الأحد في قصر الشعب بدمشق (الخارجية السورية)
TT

الشرع يتقبّل أوراق اعتماد سبعة سفراء... بينهم سفير السعودية

الرئيس السوري ووزير خارجيته يتوسطان السفراء السبعة الذين قدموا أوراق اعتمادهم الأحد في قصر الشعب بدمشق (الخارجية السورية)
الرئيس السوري ووزير خارجيته يتوسطان السفراء السبعة الذين قدموا أوراق اعتمادهم الأحد في قصر الشعب بدمشق (الخارجية السورية)

تقبّل الرئيس أحمد الشرع، اليوم (الأحد)، أوراق اعتماد سبعة سفراء لدى الجمهورية العربية السورية، خلال مراسم رسمية أُقيمت في قصر الشعب بدمشق، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني.

وشملت أوراق الاعتماد سفير المملكة العربية السعودية غازي العنزي، وسفير الفاتيكان «القاصد الرسولي» المطران لويجي روبرتو كونا، وسفير الاتحاد الأوروبي ميخائيل أونماخت، وسفير جمهورية البرازيل الاتحادية إدواردو باربوزا، وسفير جمهورية اليونان إيمانويل كاكافيلاكيس، وسفيرة مملكة السويد جيسيكا سفاردستروم، وسفير مملكة الدنمارك فراي جاكسون.

سفير المملكة العربية السعودية غازي العنزي (يساراً) بعد تقديم أوراق اعتماده للرئيس السوري أحمد الشرع بحضور وزير الخارجية أسعد الشيباني (حساب الرئاسة)

ورحّب الرئيس الشرع بالسفراء، متمنياً لهم التوفيق في أداء مهامهم، والإسهام في تعزيز علاقات التعاون مع الدول والجهات التي يمثلونها.

وكان السفراء المعينون قد قدموا نسخاً من أوراق اعتمادهم لوزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، الخميس الماضي.

تجدر الإشارة إلى أنه لا يزال سفيرا الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة لم يعينا بعد، والأمر ينطبق على سفيرَي سوريا لدى الدولتين.


ضغوط أميركية على نتنياهو لإخلاء بؤر استيطانية

جرافة إسرائيلية تعمل بالقرب من مستوطنة مجداليم الإسرائيلية قرب قرية قصرة جنوب مدينة نابلس في الضفة الغربية المحتلة الأحد (أ.ف.ب)
جرافة إسرائيلية تعمل بالقرب من مستوطنة مجداليم الإسرائيلية قرب قرية قصرة جنوب مدينة نابلس في الضفة الغربية المحتلة الأحد (أ.ف.ب)
TT

ضغوط أميركية على نتنياهو لإخلاء بؤر استيطانية

جرافة إسرائيلية تعمل بالقرب من مستوطنة مجداليم الإسرائيلية قرب قرية قصرة جنوب مدينة نابلس في الضفة الغربية المحتلة الأحد (أ.ف.ب)
جرافة إسرائيلية تعمل بالقرب من مستوطنة مجداليم الإسرائيلية قرب قرية قصرة جنوب مدينة نابلس في الضفة الغربية المحتلة الأحد (أ.ف.ب)

قالت مصادر أمنية إسرائيلية إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمر بإخلاء بؤر استيطانية في مناطق «ب» في الضفة الغربية، تحت ضغط أميركي مكثف، في توجه لم تظهر نتائجه على الأرض بعد.

وأكدت المصادر لموقع «واي نت» التابع لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، الأحد، أن نتنياهو وجه بإخلاء بؤر استيطانية في منطقة «ب» تحت ضغوط شديدة من الإدارة الأميركية.

وقالت المصادر: «إن أكثر ما يُقلق رئيس الوزراء الإسرائيلي حالياً هو الإدارة الأميركية التي تبدي قلقاً بالغاً إزاء استمرار هجمات المستوطنين وتفاقم الوضع الأمني في الضفة الغربية».

وطالب الأميركيون نتنياهو مراراً بلجم المستوطنين، وظهر الغضب الأميركي، عبر تصريحات أدلى بها في الأيام القليلة الماضية السفير الأميركي في إسرائيل، مايك هاكابي، الذي وصف المستوطنين الذين يحاصرون منازل الفلسطينيين في «قصرة» وينفذون هجمات في مناطق أخرى بأنهم إرهابيون.

وطالب هاكابي، أثناء زيارته لبلدة ترمسعيا الفلسطينية قرب رام الله، السبت، السلطات الإسرائيلية بحماية السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية، ودعا إلى محاكمة المستوطنين العنيفين. وقال هاكابي إن على المستوطنين الذين يهاجمون الآمنين في منازلهم أن يتوقعوا عواقب وخيمة.

هاكابي على سطح منزل في ترمسعيا يملكه فلسطيني يحمل الجنسية الأميركية تعرض لهجومين من مستوطنين رغم رفع مالكه العلم الأميركي (أ.ف.ب)

وصعد المستوطنون هجماتهم في الضفة الغربية في السنوات الأخيرة، وكثفوا هذه الهجمات مع بدء الحرب الأخيرة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وراحت هذه الهجمات تأخذ منحى دموياً هذا العام. وقتل المستوطنون، حسب إحصاءات فلسطينية رسمية، 27 فلسطينياً في 2026.

وما زال مستوطنون يحاصرون الفلسطينيين في بلدة قصرة القريبة من نابلس للأسبوع الخامس على التوالي، ويشنون هجمات قاتلة بشكل يومي في مناطق واسعة في الضفة الغربية.

وقال مسؤولون أمنيون لـ«يديعوت أحرونوت» إن ما يحدث في الضفة الغربية سينفجر قريباً في وجه إسرائيل. وترسم المعطيات، حسب «يديعوت»، صورة معقدة وغير مسبوقة للواقع الأمني ​​على الأرض في الضفة.

وقال مسؤولون أمنيون: «نشهد زيادة هائلة في حجم الإنذارات والمعلومات، وكذلك في عمليات إحباط الهجمات (..) هناك أرقام مذهلة. والسؤال المطروح هو: هل ننجح حالياً في إيقافه واحتوائه؟ ومتى سينفلت؟».

وحسب المعطيات الإسرائيلية، فإن محاولات تنفيذ الهجمات لا تعتمد على الأفراد فحسب، بل بشكل رئيسي على منظمات محلية مدعومة من فصائل ومن الخارج.

وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن في اليومين الماضيين، عن عمليات خاصة في الضفة، زعم أنها أحبطت خلية مسلحة في شمال الضفة، ومنع هجمات فورية، ودمر أكثر من 30 مخرطة لإنتاج وسائل قتالية، وصادر أسلحة طويلة، ومسدسات، وبنادق ووسائل قتالية عديدة وذخيرة، إلى جانب اعتقال مطلوبين ومسلحين وتجار أسلحة.

سيارة عسكرية تابعة للجيش الإسرائيلي بجانب مستوطنين إسرائيليين على مشارف بيرزيت شمال رام الله في الضفة الغربية يوم 31 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

كما أعلن الجيش، في بيان أصدره الأحد، أنه أحبط خلية لـ«حماس» في شمال الضفة، ووجد قذيفة صاروخية من دون منصة في قرية «عقابا» قرب «طوباس»، وفجرها فوراً، واعتقل فلسطينيين وصادر أسلحة وعبوات.

وقالت «يديعوت» إن التهديد الأمني، والزيادة الحادة في عدد مراكز الاستيطان اليهودية في الضفة سببان مباشران لتصعيد الوضع. ويوجد في الضفة أكثر من 100 بؤرة استيطانية و130 مزرعة، ومن بين هذه البؤر، أُنشئت ما بين 15 و20 بؤرة في المنطقتين «أ» و«ب».

وبناءً على أوامر نتنياهو، صدرت تعليمات واضحة بإخلاء البؤر في المنطقتين «أ» و«ب»، ولا سيما تلك الموجودة في المنطقة «ب». وقالت المصادر إن نتنياهو أوضح للوزراء ضرورة عدم انتقاد قادة الجيش الإسرائيلي ودعمهم أثناء عمليات الإخلاء.

وتخشى إسرائيل من أن عمليات الإخلاء من شأنها أن تزيد التوترات. وقالت المصادر: «تُؤدي عمليات الإخلاء هذه إلى حلقة مفرغة ومحبطة من الاحتكاك على أرض الواقع. نُخليهم، فيعودون في الصباح».

وتربط إسرائيل بين ازدهار الاستيطان ونموه وقوة المستوطنين من جهة، واليأس الذي أصبح يسيطر على الفلسطينيين، وتتوقع أن التضارب سيفجر الوضع.

عين على الانتخابات

وقالت «يديعوت» إنه من بين المجالات الأخرى التي تُثير قلقاً بالغاً لدى المؤسسة الأمنية، الانتخابات المزمع إجراؤها في السلطة الفلسطينية. وتعتقد الأجهزة الأمنية أن «حماس» حالياً تبذل جهوداً حثيثة للمشاركة وتعزيز حضورها، مستغلةً الانتخابات.

وقالت مصادر إسرائيلية إنه بناءً عليه، فإن احتمال إجراء انتخابات في نهاية المطاف ضئيل للغاية. وقالت «يديعوت» إن الرئيس الفلسطيني محمود عباس و«حماس» يمران بفترة عصيبة، وسيتعين على عباس أن يقرر ما إذا كان سيخوض الانتخابات ويخسر، أم أنه سيقلب الطاولة؟ وبناء على كل ذلك يستعد الجيش ويعزز جاهزيته في الضفة.

مستوطنون يقذفون الحجارة في بلدة قصرة بالضفة الغربية يوم الأربعاء في لقطة مأخوذة من مقطع فيديو (رويترز)

وقالت مصادر في المؤسسة الأمنية إنهم رفعوا مستوى الاستعداد لأي انفجار محتمل في الضفة الغربية، وتقرر إضافة كتيبتين على الأقل في المنطقة.

وقال رئيس الأركان الإسرائيلي، أيال زامير، الأحد، بعد إطلاق تمرين للجيش الإسرائيلي استعداداً لفترة الأعياد الوشيكة: «نحن نمرّ بفترة متوترة وقابلة للاشتعال على جميع الجبهات، ونستعد لفترة الأعياد القريبة. نواصل استخلاص العبر، وكما حددت، فإن الحالة الأساسية التي يوجد فيها جيش الدفاع بأكمله هي الجاهزية لهجوم مفاجئ».

وحسب الجيش «يشكّل التمرين جزءاً مهماً من استعداد الجيش لفترة الأعياد الوشيكة».


حراك سياسي لعقد حوار وطني فلسطيني شامل في القاهرة

تَجمَّع المشيّعون في مدينة غزة لدفن جماعي لنحو 100 فلسطيني بينهم 62 طفلاً انتُشل رفاتهم من تحت الأنقاض (أ.ف.ب)
تَجمَّع المشيّعون في مدينة غزة لدفن جماعي لنحو 100 فلسطيني بينهم 62 طفلاً انتُشل رفاتهم من تحت الأنقاض (أ.ف.ب)
TT

حراك سياسي لعقد حوار وطني فلسطيني شامل في القاهرة

تَجمَّع المشيّعون في مدينة غزة لدفن جماعي لنحو 100 فلسطيني بينهم 62 طفلاً انتُشل رفاتهم من تحت الأنقاض (أ.ف.ب)
تَجمَّع المشيّعون في مدينة غزة لدفن جماعي لنحو 100 فلسطيني بينهم 62 طفلاً انتُشل رفاتهم من تحت الأنقاض (أ.ف.ب)

تشهد الساحة الداخلية الفلسطينية حراكاً جديداً، بهدف الدفع نحو عقد حوار وطني شامل قد يعقد في العاصمة المصرية، القاهرة، خلال الفترة القليلة المقبلة، حال تم التوافق عليه ما بين الفصائل التي تجري اتصالات بهذا الخصوص بدعم مصري كامل.

وقال مصدران من «حماس»، و3 من فصيلين آخرين، خلال إفادات منفصلة لـ«الشرق الأوسط»، إن هناك اتصالات ولقاءات عقدت في الأيام والأسابيع القليلة الماضية بهدف عقد حوار وطني شامل قبل إجراء الانتخابات التشريعية المقررة في نهاية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وسعت مصر خلال الأشهر الماضية، خاصةً في خضم مفاوضات وقف إطلاق النار بغزة، لعقد مثل هذا اللقاء؛ إلا أنها لم تنجح بذلك بسبب الاشتراطات التي كانت توضع من عدة أطراف وخاصةً حركة «فتح».

وقال مصدر من «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، إنه يجري حالياً الترتيب لعقد لقاءات ثنائية بين فصائل مختلفة خلال الأيام القليلة المقبلة، بهدف وضع تصور عام من أجل التجهيز لحوار وطني شامل، مبيناً أن «بعض الاتصالات واللقاءات التي جرت فعلاً خلال الأيام الماضية أحرزت تقدماً في هذا الصدد».

ووفقاً لمصدرين آخرين من فصيل ثانٍ، فإن لقاءات عقدت في رام الله والقاهرة، بين قيادات فصائلية، وكذلك مع مسؤولين مصريين، للدفع بهذا المسار الذي يهدف بشكل أساسي لإيجاد قاعدة شراكة وطنية تحمي إجراء الانتخابات في حال تم الإصرار على إجرائها في موعدها المحدد. وأشار أحد المصادر إلى أنه «في حال تم الاتفاق على عقد حوار وطني شامل، قد يعقد بالتزامن (حضورياً وعن بعد) ما بين القاهرة ورام الله وغزة وربما بيروت».

عباس أثناء المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» بمدينة رام الله في 14 مايو 2026 (إ.ب.أ)

وأكد مصدران من «حماس» أن هناك إفادات وصلت من قبل قيادات بارزة في فصائل فلسطينية، وكذلك جهات داخل حركة «فتح»، وحتى مسؤولين من دول عربية، بينها مصر، أن هناك اتصالات وترتيبات قد تفضي لموافقة من جميع الأطراف على عقد حوار وطني شامل، مؤكدين جهوزية حركتهما للمشاركة فيه.

ووفقاً لأحد المصادر من «حماس»، فإن «هناك اتصالات مستمرة مع كافة الفصائل لتشكيل أوسع جبهة ممكنة لخوض الانتخابات التشريعية ضمن تحالف مشترك، كما أن هناك ترتيبات أيضاً لإمكانية دعم جميع الفصائل لقائمة واحدة يقودها شخصيات من التكنوقراط فقط للخروج من عنق الزجاجة في ظل المأزق السياسي الذي يواجهه الفلسطينيون».

وحسب المصادر الثلاثة الفصائلية السابقة، فإنهم تلقوا تأكيدات من قيادة حركة «فتح» باستعدادها للمشاركة في حوار وطني شامل، بعد التحفظات السابقة لدى الحركة على مثل هذا الخيار.

وأكدت المصادر ذاتها في إفادات منفصلة لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك محاولات لإقناع السلطة الفلسطينية وحركة «فتح» بتأجيل الانتخابات لمدة عام أو عامين لحين إعادة بناء منظمة التحرير، والمجلس الوطني، وعقد لقاءات للأمناء العامين للفصائل، وإجراء عملية إصلاحية شاملة للوضع الفلسطيني بما يسمح بوضع قواعد واضحة للشراكة الوطنية الشاملة.

وسبق وأن أعلنت حركة «فتح» رفض دعوات تأجيل الانتخابات التشريعية، بينما تدعو بعض الأصوات داخلها لتأجيلها وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية معاً بهدف تغيير النظام السياسي القائم. وأكد حسين الشيخ، نائب رئيس منظمة التحرير، نائب الرئيس الفلسطيني، قبل أسبوعين على أنه لن يتم تأجيل الانتخابات ولا رجعة عنها، مؤكداً أن إجراءها مرتبط بعدم تعطيلها من الجانب الإسرائيلي أو أي طرف آخر.

صورة أرشيفية للرئيس الفلسطيني محمود عباس ونائبه حسين الشيخ (موقع حركة «فتح»)

وكان مصدر من مؤسسات «المجتمع المدني» قد كشف منذ أسبوعين لـ«الشرق الأوسط»، أن إصرار حركة «فتح» والسلطة الفلسطينية على عقد الانتخابات في موعدها يأتي بناء على «ضغوط من دول عدة لدعم المسار الإصلاحي للسلطة في إطار خطة تهدف لإصلاح النظام السياسي الفلسطيني».

وتعقد حركة «فتح» اجتماعات داخلية مكثفة في الضفة الغربية وقطاع غزة، من أجل الاستعداد للانتخابات، كما أنها تسعى لتوحيد صفوفها قبل الانتخابات. وشوهد لأول مرة الشيخ، برفقة عضو اللجنة المركزية، جبريل الرجوب، خلال احتفال رياضي، بعدما كان الأخير تغيب عن اجتماعات اللجنة منذ تشكيلها في أعقاب الانتخابات الأخيرة للحركة، وطالب بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية وتجديد الدماء في القيادة الفلسطينية، وذلك في وقت أجرى فيه الرجوب اتصالات وعقد لقاءات مع قيادات من «حماس» بالخارج، كما ذكر بنفسه في تصريحات لوسائل إعلام محلية، فيما التقى الشيخ مع قيادات من «تيار القيادي المنشق عن (فتح) محمد دحلان» خلال زيارته لمصر مؤخراً بهدف توحيد الحركة، لكنه لم يلتق ممثلي «حماس».

وقالت دلال سلامة، عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح»، في حديث لإذاعة «صوت فلسطين» الرسمية، إن الحركة قطعت شوطاً في تحشيد الطاقات واستطلاع آراء القواعد التنظيمية في المحافظات لتشكيل قائمة الحركة، تمهيداً لتطبيق آليات متفق عليها تحظى بأوسع إجماع، مشيرةً إلى أنه بالتوازي مع ذلك، تواصل وفود الحركة زياراتها لعدة دول لتشكيل المجمعات الانتخابية في الشتات لضمان مشاركة الجاليات واللاجئين في انتخاب أعضاء المجلس الوطني، مؤكدةً أن الحركة تواصل دورها السياسي بالتنسيق مع كافة المكونات الفلسطينية ولجنة الانتخابات لتوفير غطاء سياسي وفني يضمن نجاح العملية الانتخابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended