المحكمة الاتحادية في العراق... عُقدة الاستقلال والاشتباك مع السياسة

الحكومة تستعد للتداول مع الأحزاب لتشريع قانون جديد لكن «المهمة صعبة جداً»

مقر مجلس القضاء الأعلى وسط العاصمة العراقية بغداد (إعلام حكومي)
مقر مجلس القضاء الأعلى وسط العاصمة العراقية بغداد (إعلام حكومي)
TT

المحكمة الاتحادية في العراق... عُقدة الاستقلال والاشتباك مع السياسة

مقر مجلس القضاء الأعلى وسط العاصمة العراقية بغداد (إعلام حكومي)
مقر مجلس القضاء الأعلى وسط العاصمة العراقية بغداد (إعلام حكومي)

ليس من المرجح أن تنجح مساعي الحكومة العراقية في تشريع قانون خاص بالمحكمة الاتحادية العليا، نظراً لما يقوله خبراء قضائيون بأن المعادلة السياسية «تتعايش وتحقق مكاسب» من مؤسسة تعمل من دون قانون منذ قرابة 18 عاماً، وتصدر أحكاماً تتصل غالباً بجوهر النظام القائم في البلاد.

ويبدو أن خلافاً جوهرياً سيعترض طريق الحكومة والفعاليات السياسية في البلاد، يتعلق بصلاحيات المحكمة ودرجة استقلالها كهيئة دستورية منعزلة، إلى حد ما، عن مجلس القضاء الأعلى.

وكلف رئيس الحكومة محمد شياع السوداني، الثلاثاء الماضي، لجنة تضم ممثلين عن مؤسسات رئاسية عراقية «لإعادة النظر في مشروع قانون المحكمة الذي سبق وأن أعدته الحكومة عام 2015، وأحالته حينها إلى مجلس النواب ولم ينجح في إقراره حتى اليوم».

وتشريع قانون المحكمة واحد من بنود الاتفاق السياسي الذي أقره تحالف «إدارة الدولة»، والذي يضم قوى شيعية وكردية وسنية، وأفضى إلى تشكيل الحكومة الحالية في أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي.

وتحولت غالبية بنود هذا الاتفاق إلى وثيقة «البرنامج الحكومي»، التي قدمها السوداني يوم حصوله على ثقة أعضاء مجلس النواب، ويقول إن تشريع قانون المحكمة الاتحادية جزء من برنامجه لاستكمال المؤسسات الدستورية.

ووفقاً لبيان حكومي، فإن اللجنة العراقية «أكملت عملها ووضعت مسوّدة المشروع وقام رئيسها بإجراء سلسلة من المباحثات والتداول بشأن المبادئ الرئيسة الواردة».

وقال السوداني، إنه «يعتزم التداول مع القوى السياسية الوطنية بشأن المسودة الجديدة لمشروع القانون، بما يضمن استكمال المؤسسات الدستورية».

لكن خبيرين وسياسيا عراقيا تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، هذا الأسبوع، أكدوا أن «الحوارات التي يريد السوداني خوضها مع الأحزاب المتنفذة ستذهب على الأرجح في اتجاهين؛ أحدهما ربط المحكمة الاتحادية بمجلس القضاء، والآخر تقويتها بتعزيز استقلاليتها».

وبحسب هؤلاء، فإن لكلا الاتجاهين «غايات ومصالح سياسية بالدرجة الأساس»، لكن القانونيين مندفعون كثيراً نحو تشريع القانون لإنهاء «الفراغ القانوني» الذي تعمل في ظله أهم سلطة دستورية في البلاد، رغم المخاوف السياسية.

رئيس الحكومة يأمل في تشريع القانون بعد مراجعة النقاط الخلافية (إعلام رئاسة الوزراء)

تاريخ تشكيل المحكمة

وأنشأت «السلطة المدنية» للقوات الأميركية بعد عام 2003 «المحكمة الاتحادية» للحصول على غطاء قانوني يملأ فراغ السلطات بعد إسقاط نظام الرئيس الراحل صدام حسين.

وقبل تصويت العراقيين على الدستور الدائم عام 2005 بأشهر معدودة، أُقر قانون يحمل رقم 30 واسم «المحكمة الاتحادية العليا»، وبموجبه مُنحت صلاحيات واسعة بشأن شرعية اللوائح الدستورية والقوانين والأنظمة، وتطورت إلى أن تكون «الحكم الفيصل» بين الحكومة المركزية والمحافظات وإقليم كردستان، إلى جانب المصادقة على نتائج الانتخابات، وكانت بيدها وما تزال ولاية المؤسسات الحكومية العليا.

ومنذ ذلك الوقت، أثارت هذه الصيغة غير الحاسمة جدلاً واسعاً، وطُرحت أسئلة حول الأرضية القانونية للمحكمة، أجبرت في النهاية القوى السياسية على استخدام المادة 92 من الدستور الدائم، لتشريع قانون يحدد وضعها وصلاحياتها.

لم يحدث هذا أبداً، ولأن القوى السياسية لم تتوصل إلى صيغة مشتركة حول صياغة القانون، فشلت محاولات تشريع القانون، وظلت المحكمة تعمل بموجب القانون القديم رقم 30 لعام 2005.

وطرحت أول مسودة للقانون عام 2008، لكن البرلمان لم ينجح في تمريرها، وتكررت المحاولة نفسها مرتين في عامي 2011 و2015، وفشل النواب في تمريره.

ويعد قانون المحكمة الاتحادية من القوانين الرئيسية في البلاد، لذلك فإن تمريره يحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب.

وتقول حكومة السوداني إنها «راجعت المسائل والنصوص التي كانت محلّ اعتراض على مشروع القانون في الدورات البرلمانية السابقة، وتم تحسينه من الناحيتين الشكلية والموضوعية؛ وصولاً لإزالة أسباب الخلاف السابقة».

 

عُقدة التشريع والسياسة

ما كان يواجه تشريع القانون قبل سنوات يتركز كثيراً في حجم التمثيل السياسي للمكونات الأساسية في البلاد داخل المحكمة الاتحادية، وغالباً ما تأثر هذا النزاع بالمناخ السياسي والاجتماعي المشحون طوال سنوات.

يقول الخبير القانوني، حسام الحاج، لـ«الشرق الأوسط»، إن «قوى سياسية حاولت خلال السنوات الماضية إخضاع المحكمة لنظام المحاصصة بقياس عدد القضاة وفقاً لأوزان المكونات الرئيسة في البلاد، إلى جانب إضافة فقهاء الشريعة إلى فقهاء القانون».

ويعتقد الحاج، أن أزمة فقهاء الشريعة ستطرح هذه المرة خلال الحوارات المرتقبة حول تشريع القانون.

«في السابق، طرحت صيغة تدفع باتجاه أن يكون نصف الفقهاء من الشيعة والنصف الثاني من السنة، لكن اعتراضات قوية كانت تصد هذا المشروع، وتدافع عن دور استشاري محدود لهؤلاء، ولا يمكنهم التصويت والمشاركة في إصدار الأحكام القضائية»، يقول الحاج.

وغالباً ما تتعارض النصوص الدستورية في العراق مع أحكام الشريعة، بحسب الخبير الدستوري أمير الدعمي، الذي تحدث مع «الشرق الأوسط» عن مخاوفه من «أن تؤدي هذه الصيغة إلى ضرب مصداقية القضاء».

وقال الدعمي: «قد تتعارض الرؤية الشرعية لفقهاء مع النص الدستوري المصمم لبلد يقطنه سكان من ديانات وطوائف متعددة».

والحال، أن مشروع «فقهاء الشريعة» لم يعد مؤثراً في ميزان الخلافات التي تعيق تشريع قانون المحكمة الاتحادية، كما يقول سياسي عراقي بارز كان على صلة وثيقة بالحوارات السياسية حول المسودة.

ويقول السياسي، لـ«الشرق الأوسط»، «إن محاولات فرض فقهاء الشريعة على تركيبة المحكمة الاتحادية فشلت، والقوى التي كانت تدفع بهذا الاتجاه تخلت عن الأمر، بعدما أخفقت في نيل تأييد كاف حتى من القوى الشيعية».

وبحسب السياسي، الذي طلب إخفاء اسمه، فإن «اتفاقاً أولياً بين القوى السياسية أفضى إلى اعتماد فقهاء بصفة استشاريين من دون عضوية في الهيئة القضائية، ولا يملكون حق التصويت وآراؤهم غير ملزمة».

أعضاء المحكمة الاتحادية في ضيافة رئيس الجمهورية عبد اللطيف رشيد (أرشيف - إعلام الرئاسة العراقية)

محكمة مستقلة؟

يبدو أن الخلاف قبل تشريع قانون المحكمة الاتحادية يتعلق الآن بصلاحياتها واستقلالها عن مجلس القضاء الأعلى، وعلى الأكثر فإن الرغبة السياسية في إثارة هذه العقدة تصاعدت منذ أن قررت هذه المحكمة إنهاء عضوية رئيس البرلمان محمد الحلبوسي الشهر الماضي.

وبحسب الصيغة الحالية، فإن المحكمة الاتحادية مستقلة إدارياً ومالياً عن مجلس القضاء، كما أن الدستور ينص على أن تتكون السلطة القضائية من مجلس القضاء والمحكمة الاتحادية والادعاء العام والإشراف القضائي.

لكن القرارات الحاسمة التي أسفرت عن نقاط تحول في العملية السياسية تجعل الفصل بين مجلس القضاء والمحكمة الاتحادية، أو سلطة أحدهما على الأخر، مثار قلق للفاعلين السياسيين.

واتخذت المحكمة الاتحادية خلال السنوات الماضية قرارات كانت تفضي في النهاية إلى خلق مسارات سياسية محددة، وتغير من أوزان القوى، بما يصعب الفصل بين تأثيرها السياسي وتخصصها القانوني.

وآخر تلك القرارات، هو الاعتراف بالثلث المعطل الذي منع التيار الصدري وحلفاءه من عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية عام 2022، وقبل ذلك كان للمحكمة الاتحادية دور في ترجيح كفة قوى سياسية بتحديد «الكتلة الأكبر»، التي لم تكن تعني الفائز الأول في نتائج الانتخابات.

ومع ذلك، يميل الخبير أمير الدعمي إلى فصل المحكمة الاتحادية تماماً عن مجلس القضاء، وان تتحول إلى «محكمة تختص بالنظر في تفسير القوانين والنصوص الدستورية».

ويقول الدعمي، إن «وجودها تحت عنوان السلطة القضائية يفقدها الكثير من قوتها الدستورية، ما يعني أن فصلها هو الأمثل».

«من الطبيعي أن تتهم المحكمة الاتحادية بالانخراط في الحياة السياسية والتأثير فيها لأنها معنية بتفسير الدستور، لكن منعها من التماهي مع هوى السلطات يتطلب معالجة الخلل في الدستور العراقي عب تعديله».

والحال، أن الدعمي يعتقد أن «غلبة التيارات الإسلامية داخل البرلمان العراقي تحاول أن تحول المحكمة الاتحادية إلى ما يشبه مصلحة تشخيص النظام في إيران، وهو ما يعارض القانون في العراق».

ويعتقد سياسيون من أحزاب مختلفة، أنهم بحاجة إلى «فهم قواعد الاشتباك» مع المحكمة الاتحادية من خلال رسم واضح لصلاحيتها، والمساهمة في النقاشات التي تقرر ذلك.

ويقول السياسي العراقي، إن «تحويل المحكمة إلى أداة يمكن استخدامها من قبل طرف خارجي أو داخلي مؤشر على طبيعة النظام، بينما يجب أن يكون القضاء عصياً على الاستخدام السياسي».

وثمة نزعة سياسية جارفة تريد أن تكون المحكمة الاتحادية العليا جزءاً من مجلس القضاء، وألا يتم التعامل معها كمحكمة غير خاضعة لأي من السلطات العراقية، وفقاً لما يقوله الخبير حسام الحاج، ويرى أن «هذه الصيغة سابقة لم تحدث في الأنظمة القانونية المعمول بها في العالم».

وفي العراق، كما يتحدث السياسي العراقي، فإن الحديث عن استقلال المحكمة الاتحادية لا يمنح الضمانات الكافية والمؤكدة من عدم استخدام هذا «الكيان المستقل» لصالح جهات متنفذة ضد أخرى منافسة.

 


مقالات ذات صلة

السوداني: نقل سجناء «داعش» من سوريا جاء بقرار عراقي

المشرق العربي مركبات عسكرية أميركية ترافق حافلات تنقل معتقلي تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق في مدينة القامشلي السورية - 8 فبراير 2026 (رويترز)

السوداني: نقل سجناء «داعش» من سوريا جاء بقرار عراقي

جدد رئيس الحكومة العراقية، محمد شياع السوداني، اليوم (الثلاثاء)، موقف العراق وحرصه على أمن ووحدة الأراضي السورية واستقرارها.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية-روداو)

بوادر اتفاق كردي على رئاسة العراق

يقترب الحزبان الرئيسان في إقليم كردستان، «الديمقراطي الكردستاني» و«الاتحاد الوطني»، من التوصل إلى تفاهم أولي بشأن مرشح واحد لرئاسة الجمهورية بالعراق.

فاضل النشمي (بغداد)
الخليج المشاركون في اجتماع المديرين السياسيين للتحالف الدولي لهزيمة تنظيم «داعش» الذي استضافته الرياض الاثنين (واس)

«التحالف الدولي» يرحب بانضمام سوريا ويؤكد استعداده للعمل الوثيق معها

رحَّب التحالف الدولي لهزيمة تنظيم «داعش»، الثلاثاء، بانضمام الحكومة السورية، بوصفها العضو التسعين في التكتل، مؤكداً استعداده للعمل بشكل وثيق معها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي صورة لعملية إطفاء الحريق نشرتها وكالة الأنباء العراقية (واع)

مقتل عامل وإصابة 6 في حريق بمصفاة «بيجي» العراقية

قالت مصادر إن اشتعال وحدة لإنتاج الوقود أدى إلى اندلاع حريق كبير في مصفاة «بيجي» العراقية، الاثنين، ما أسفر عن مقتل عامل وإصابة ستة آخرين على الأقل.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي سعدون صبري القيسي (وكالة الأنباء العراقية)

من هو المدان بقتل المرجع محمد باقر الصدر؟

أعلن جهاز الأمن الوطني العراقي، الاثنين، تنفيذ حكم الإعدام شنقاً حتى الموت بحق المدان سعدون صبري القيسي...

فاضل النشمي (بغداد)

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
TT

إسرائيل تُصفّي نشطاء بارزين في «حماس» و «الجهاد»

فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)
فلسطينيون يشيّعون قتلى سقطوا بضربات إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

تواصل إسرائيل حملتها لتصفية نشطاء بارزين في حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في قطاع غزة، من خلال هجمات جوية تنفذها داخل مناطق غرب «الخط الأصفر»، مستغلة خروج عناصر مسلّحة من أنفاق رفح وتحييدهم، كحدث أمني تعدُّه خرقاً لاتفاق وقف النار، بهدف تنفيذ هجمات ضد أهداف كانت قد رصدتها سابقاً.

وقُتل فلسطينيان، أمس، في غارة إسرائيلية استهدفت دراجة هوائية كهربائية، وسط قطاع غزة، أحدهما هو عاصم أبو هولي، قائد وحدة النخبة في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي».

وكانت إسرائيل شنت، الاثنين، غارة على شقة سكنية في حي النصر بمدينة غزة، مستهدفة 3 نشطاء بارزين في كتيبة بيت حانون، التابعة لـ«كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس».

من جهة أخرى، جاءت ردود الفعل الأميركية على الإجراءات الإسرائيلية الرامية لضم الضفة الغربية «خجولة»، مع تأكيد مسؤول في البيت الأبيض، لم يعلن عن اسمه، معارضة الرئيس دونالد ترمب، لعملية الضم، من دون انتقاد مباشر للإجراءات أو تلويح بأي خطوة رادعة.


تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
TT

تقرير: مسودة خطة بشأن غزة تتضمن احتفاظ «حماس» ببعض الأسلحة الخفيفة

جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)
جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف في برلين يوم 15 ديسمبر 2025 (د.ب.أ)

نسبت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى مصادر مطلعة، الثلاثاء، أن مسودة خطة أميركية بشأن غزة تطالب حركة «حماس» بتسليم جميع الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل، لكنها ستسمح للحركة بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في البداية على الأقل.

وقالت الصحيفة إن من غير المرجح أن تسحب إسرائيل قواتها من القطاع قبل أن تُلقي «حماس» والفصائل الفلسطينية الأخرى أسلحتها.

وذكرت أن فريقاً بقيادة أميركية، يضم جاريد كوشنر صهر الرئيس دونالد ترمب، والمبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، والمسؤول الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يعتزم عرض المسودة على «حماس» في غضون أسابيع.

وحذر المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة الأميركية، ومن بينهم دبلوماسي من المنطقة، ومصادر مطلعة على الخطة، من أن التفاصيل قابلة للتغيير، وأن مسودات مختلفة قد تظهر لاحقاً.

وذكرت «نيويورك تايمز» أن المسودة تبدو مبنية على مبادئ نوقشت علناً من قبل؛ إذ قدم كوشنر الشهر الماضي عرضاً في دافوس بسويسرا تناول الخطوات التالية لنزع سلاح غزة، مشيراً إلى أن الأسلحة الثقيلة ستخرج من الخدمة، وستسجل الأسلحة الشخصية وتخرج من الخدمة مع تولي إدارة فلسطينية جديدة مسؤولية الأمن في القطاع.

وتشمل الخطوات التالية لخطة السلام نشر قوة استقرار دولية في غزة، وبدء إعادة إعمار واسعة النطاق، وتسليم إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية.


لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
TT

لتضميد جراح الحرب... فتيات يتدربن على الملاكمة في غزة (صور)

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)
مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يقوم بتدريب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

على حلبة ملاكمة مرتجلة أقيمت على الرمل بين خيام النازحين بجنوب قطاع غزة، تمارس فتيات تمارين الإحماء قبل توجيه لكمات قوية باتباع تعليمات مدربهن الذي يقول إن هذا يساعدهن على التفريغ النفسي بعد عامين من الحرب الشرسة.

قبل اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان أسامة أيوب يدير نادياً للملاكمة في مدينة غزة، لكن القصف الإسرائيلي دمره كما دمر منزله أسوة بالدمار الذي لحق بكل قطاع غزة ومرافقه من جراء الحرب الانتقامية التي تشنها إسرائيل منذ هجوم «حماس».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي (إ.ب.أ)

وبعد أن وجد نفسه وسط مآسي النازحين الذين تكدسوا في عشرات الآلاف من الخيام المهترئة في ظروف مزرية وسط رعب القصف والغارات التي لم يكونوا بمنأى منها، قرر أن يفعل شيئاً من أجلهم، ولم يجد أفضل من تسخير خبرته مدرباً رياضياً لمساعدتهم.

يقول أيوب: «بعدما فقدنا منزلنا وتهجَّرنا من غزة في الشمال إلى خان يونس في الجنوب، قررنا أن نعمل داخل المخيم. كبداية أردنا أن يكون ذلك نوعاً من التفريغ النفسي من جراء صدمات الحرب».

على الحلبة خلفه، يتواجه عدد من اللاعبات بحماسة وسط تشجيع زميلاتهن، في حين تتدرب أخريات على أكياس اللكم.

يقول أيوب إن الفتيات متأثرات كثيراً من جراء «القصف واستشهاد أفراد من عائلاتهن وأقربائهن وصديقاتهن. إنهن يشعرن بالألم ويحتجن إلى تفريغه، والملاكمة تساعدهن على التعبير عن مشاعرهن وانفعالاتهن».

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (يمين) يدرب فتيات صغيرات في خان يونس بجنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

يوفر أيوب حصص تدريب مجانية لخمس وأربعين فتاة بين الثامنة والتاسعة عشرة من العمر، ثلاث مرات في الأسبوع.

وفي إشارة إلى نجاح المبادرة يقول إن هذه التدريبات وفرت «راحة كبيرة، حتى لدى أهالي الفتيات الذين يأتون لمشاهدتهن ويقومون بتشجيعهن».

ومن بين المتدربات، تأمل غزل رضوان البالغة من العمر 14 عاماً أن تصبح بطلة في الملاكمة يوماً ما. وتقول: «ألعب الملاكمة حتى أقوي شخصيتي وأفرغ الطاقة... أتدرب حتى أصبح في المستقبل بطلة وألعب مع فرق العالم الأخرى وأرفع علم فلسطين».

فتاة تتدرب على الملاكمة داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس في جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

نداء للمساعدة

يعاني قطاع غزة من النقص في كل شيء، من الماء والدواء والطعام وصولاً إلى مواد البناء، وهو ما اضطر المدرب أيوب إلى إقامة حلبة ملاكمة متواضعة بما توفر من مواد.

ويوضح أيوب: «أحضرنا الخشب وصنعنا حلبة ملاكمة مربعة، ولكن ليس لدينا حُصر ولا وسائل لتوفير السلامة».

في ظل الحصار الإسرائيلي الذي يسبب نقصاً حاداً في المواد الضرورية الأساسية، تأتي المعدات الرياضية في مرتبة متأخرة جداً ضمن قائمة المواد التي قد يُسمح بإدخالها إلى القطاع الفلسطيني المدمر.

مدرب الملاكمة أسامة أيوب (في الوسط) يدرب فتيات صغيرات داخل خيمة في منطقة المواصي بخان يونس (إ.ب.أ)

وفي يناير (كانون الثاني)، أفادت «وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية» (وفا)، بأن إسرائيل لم تسمح بدخول شحنة من العشب الصناعي تبرعت بها الصين للمجلس الأعلى للشباب والرياضة في غزة.

ووجه المدرب نداء إلى «المجتمع الدولي للاهتمام بالملاكمات ودعمهن ونقلهن من غزة إلى معسكرات تدريب خارج البلاد لتعزيز ثقتهن بأنفسهن وتوفير المزيد من الراحة النفسية لهن».

وتفيد اللاعبة ريماس ابنة السادسة عشرة بأنها أصرت على مواصلة التدريب «رغم الحرب والقصف والدمار».

فتيات صغيرات يتدربن على الملاكمة داخل خيمة في المواصي بخان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وتقول متوجهة إلى العالم: «نحن الفتيات الملاكمات، نأمل منكم مساعدتنا، وأن تحضروا لنا طاولات وقفازات وأحذية. نحن نتدرب على الرمل، ونحتاج إلى فرشات وإلى أكياس لكم».