المحكمة الاتحادية العليا في العراق... قرارات قضائية أم أدوار سياسية؟

تضطلع بدور «الراعي» لتطبيق الدستور... وتتعرض لضغوط

ملصق انتخابي عليه محمد الحلبوسي في بغداد بعد قرار المحكمة الاتحادية العليا إلغاء عضويته في البرلمان (رويترز)
ملصق انتخابي عليه محمد الحلبوسي في بغداد بعد قرار المحكمة الاتحادية العليا إلغاء عضويته في البرلمان (رويترز)
TT

المحكمة الاتحادية العليا في العراق... قرارات قضائية أم أدوار سياسية؟

ملصق انتخابي عليه محمد الحلبوسي في بغداد بعد قرار المحكمة الاتحادية العليا إلغاء عضويته في البرلمان (رويترز)
ملصق انتخابي عليه محمد الحلبوسي في بغداد بعد قرار المحكمة الاتحادية العليا إلغاء عضويته في البرلمان (رويترز)

أحدث قرار المحكمة الاتحادية العليا العراقية، الأسبوع الماضي، إنهاء عضوية رئيس البرلمان محمد الحلبوسي في مجلس النواب زلزالاً جديداً في العملية السياسية غير المستقرة منذ 2003، وفتح الباب أمام أسئلة جوهرية بشأن دور المحكمة في بنية النظام السياسي، واتخاذها سلسلة من القرارات المؤثرة، الأمر الذي عرَّضها لاتهامات بـ«التسييس»، في ظل نفوذ قوى سياسية مسلحة لا تنصاع لقوانين الدولة.

وحسب مراقبين، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا «قرارات جريئة» في السابق على الرغم من الضغوط السياسية التي تمارَس ضدها، لافتين إلى أن القوى الحاكمة في العراق غالباً ما تحاول جرّها إلى ساحة الصراع السياسي.

ويقول رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، غازي فيصل، لوكالة أنباء العالم العربي: «المحكمة الاتحادية موجودة في كل دول العالم وتسمَّى المحكمة الدستورية، وتتحمل هذه المحكمة مراقبة القوانين ودستورية مشاريع القوانين، ويحق لها رفض أي مشروع قانون لا يطابق فقرات الدستور، وهذه المحكمة لها صلاحيات في حسم أي قضية اقتصادية أو سياسية أو حتى اجتماعية يكون فيها خلاف دستوري».

«دور الراعي» لتطبيق الدستور

وأضاف فيصل: «المحكمة الاتحادية تؤدي دور الراعي لتطبيق الدستور، وحسم أي خلاف دستوري وقانوني حول أي قرار حكومي أو ضمن القوانين المشرَّعة، وتعد قراراتها باتَّة ومُلزمة وغير قابلة للطعن، ولذا كان لها تدخل في حسم قضايا لها طابع سياسي، وفقاً للصلاحيات الممنوحة لها في الدستور، ونجد أنها لعبت دوراً في الحياة السياسية، وحتى الاقتصادية، وفق الدعاوى المقدمة لها».

محمد الحلبوسي مترئساً إحدى جلسات البرلمان العراقي (رويترز)

ويؤكد رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية أن «المحكمة الاتحادية العليا، لا تتدخل بشكل مباشر في القضايا السياسية، لكنها تنظر تلك القضايا، إذا ما قُدمت لها دعاوى رسمية تتعلق بانتهاك الدستور أو القانون، وهي ملزَمة بالنظر في جميع الدعاوى المقدَّمة لها، والتي تحمل أي جنبة سياسية أو اقتصادية».

ولم يعرف العراق المحكمة الاتحادية بهذا المسمى قبل 2003، لكنها برزت كجهة عليا لإدارة الأزمات في البلاد منذ إجراء أول انتخابات، وذلك بعد بلوغ الخلافات السياسية ذروتها نتيجة ما أفرزته نتائج الانتخابات من فرق شاسع بين مقاعد الكتل السياسية.

كانت المحكمة الاتحادية قد فجرت الأسبوع الماضي ما سُميت في العراق «قنبلة سياسية» بإنهاء عضوية الحلبوسي، رئيس البرلمان، بعد اتهامه بالتزوير.

والعام الماضي، أوقفت المحكمة الاتحادية ترشيح هوشيار زيباري، لمنصب رئيس الجمهورية عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، كما أقرَّت في قرار آخر بعدم دستورية قانون النفط والغاز في إقليم كردستان ومنعته من تصدير النفط لصالحه دون إذن الحكومة الاتحادية، وذلك بناءً على طعن مقدَّم من وزارة النفط الاتحادية.

ضغوط سياسية

ويعتقد الباحث السياسي مجاشع التميمي، أن المحكمة الاتحادية «لم تتحول إلى أداة سياسية بيد طرف ضد آخر، إلا أن هناك ضغطاً سياسياً يمارسه البعض على المحكمة رغم أن طبيعتها وتشكيلتها موزَّعة على مكونات عدة، لا سيما أن الكتل السياسية هي التي تُرشح أعضاءها».

وأضاف التميمي: «المحكمة الاتحادية أصدرت قرارات جريئة جداً في موضوع نفط إقليم كردستان وتشكيل الحكومة وإقالة محمد الحلبوسي، رئيس مجلس النواب، وغيرها»، مؤكداً «ضرورة رفع أي ضغط سياسي عن القضاء، وتركه يمارس مهامه بحرّية دون أي حرج».

ولا يُنكر التميمي وجود تأثير سياسي على القضاء «في كل مكان وزمان»، لكنه قال إن المهمة في العراق تبدو أكثر تعقيداً.

وتابع قائلاً: «المحكمة الاتحادية تمارس مهامها في ظل حكم قوى سياسية أغلبها مسلح، ولا تخضع لإمرة القائد العام للقوات المسلحة، وهذا ما أعلنه عدد من قيادات العملية السياسية، ورغم ذلك فلا يمكن القول إن المحكمة الاتحادية استخدمت أداة سياسية لهذا الطرف أو ذاك، لأنها الساتر الأخير لحماية النظام والدستور».

وخلص الباحث السياسي إلى أن «كل طرف ينظر إلى قرارات المحكمة الاتحادية من منظوره ومن مصلحته، ومدى استفادته منها لدعم سياسته ومحاولة السيطرة، لكنّ المحكمة عموماً مُشكَّلة من ترشيحات لكتل سياسية ومن كل المكونات العراقية، وهي بالنتيجة لا تستطيع أن تُصدر قراراً خارج الدستور أو القوانين السائدة في العراق، لأنها في النهاية تلتزم بالدستور والقوانين».

وفي عام 2010 أصدرت المحكمة الاتحادية قراراً شهيراً، بعد أشهر من أزمة سياسية خانقة بسبب حصول كتلة إياد علاوي على 91 مقعداً في البرلمان مقابل 89 مقعداً لكتلة نوري المالكي، بأن الكتلة الكبرى ليست الفائزة بالانتخابات، بل إنها التي تتشكل داخل مجلس النواب في أول جلسة، وبسبب ذلك ذهبت الحكومة لصالح المالكي الذي شكَّل الكتلة الكبرى بعد تحالفه مع خصومه من الكتل الشيعية الأخرى، ومن ضمنها التيار الصدري.

وفي الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في 2021 لجأ «الإطار التنسيقي»، الذي يضم قوى شيعية ليس من بينها التيار الصدري، إلى المحكمة الاتحادية، حيث قدم طعناً في العملية الانتخابية وطالب بإلغاء نتائجها، لكنَّ المحكمة ردَّت الطعن، ومن ثمَّ توالت القضايا والطعون والاستفسارات، ومنها الطعن في جلسة انتخاب هيئة رئاسة البرلمان التي ردَّت أيضاً، فيما قبلت الطعن بتقديم الكتلة الكبرى، ونقضت قراراً صدر عن المحكمة الاتحادية عام 2010، وقررت تقديم الكتلة الكبرى لرئيس الجمهورية، بعد أن نص قرارها على تقديم الكتلة الكبرى في الجلسة الأولى للبرلمان.

وقال رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري، إن «القرارات القضائية التي تتقاطع مع توجهات بعض الكتل والأحزاب، تكون محل هجوم وانتقاد من القوى السياسية التي تريد غالباً سحب القضاء إلى ساحة الصراع والجدل السياسي رغم محاولة القضاء النأي عن الخلافات والقضايا السياسية، وهذا ما جرى من خلال قرارات المحكمة الاتحادية الأخيرة».

وأضاف الشمري: «السلطة القضائية، والمحكمة الاتحادية الحالية على وجه الخصوص، تريد أن تؤسس لمنهج وأداء مختلف كثيراً عن المحكمة الاتحادية السابقة، وهذا ما جعلها في حالة مع الصدام مع القوى السياسية لا سيما التي تتضرر من قراراتها»، لافتاً إلى أن التشكيك في القضاء «يجب ألا يؤثر فيه، ولا ينجرّ إلى الخلاف السياسي، ولا يكون مع طرف سياسي ضد طرف سياسي آخر».

وتابع قائلاً: «هناك أطراف سياسية غالباً ما تُلوح بسلاح القضاء لحسم بعض القضايا والخلافات، وهي تريد بذلك جر القضاء إلى الساحة وجعله جزءاً من الأزمات، وهذا الأمر غير صحيح، فقرارات القضاء دائماً ما تكون بعيدة عن أي تأثير سياسي، لكنَّ تعارُض هذه القرارات مع مصالح بعض الكتل والأحزاب يؤدي لشن هجوم على القضاء وعدّه مسيساً».

والمحكمة الاتحادية العليا هي أعلى محكمة دستورية في العراق، تختص في الفصل في النزاعات الدستورية، وتعد قراراتها باتَّةً ومُلزمة لكل السلطات، وهي مستقلة بشكل كامل عن القضاء العادي وتتخذ من العاصمة بغداد مقراً لها، وتتكوّن من رئيس وثمانية أعضاء.


مقالات ذات صلة

ترمب يدعو الزيدي لزيارة واشنطن الشهر المقبل

العالم العربي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه مع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق توم برّاك (واع)

ترمب يدعو الزيدي لزيارة واشنطن الشهر المقبل

نقل المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق توم برّاك لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي تطلّع الرئيس الأميركي لاستقباله في البيت الأبيض في منتصف يوليو (تموز).

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي عناصر من ميليشيات «الحشد الشعبي» يشاركون في عرض عسكري خلال إحياء «يوم القدس» (أرشيفية - غيتي)

اتفاق واشنطن وطهران ينعش رهانات تسوية ملف السلاح في العراق

أنعش الاتفاق الأميركي - الإيراني الرهانات العراقية لتسوية ملف سلاح الفصائل الموالية لطهران.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي الصادرات النفطية العراقية تأثرت سلباً بإغلاق مضيق هرمز (رويترز)

العراق يتنفس الصعداء بعد أن كان في «عين العاصفة»

أعربت الحكومة العراقية ومعظم الشخصيات والأحزاب السياسية عن ترحيبها بمذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب التي كانت لها تداعياتها الخطيرة على العراق.

فاضل النشمي (بغداد)
رياضة عالمية مارتن أوديغارد قائد النرويج (نادي آرسنال)

«مونديال 2026»: أوديغارد يبدد المخاوف بشأن إصابته قبل مواجهة العراق

قال مارتن أوديغارد قائد النرويج إنه لا يشعر بأي قلق بشأن لياقته البدنية قبل مباراة فريقه الافتتاحية في المجموعة التاسعة من كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (فوكسبورو )
المشرق العربي واجهة مطار بغداد الدولي (أرشيفية - رويترز)

الزيدي يلغي مشروعاً لتطوير «مطار بغداد» بسبب شبهات فساد

المشروع تضمن «بناء صالة حديثة للمسافرين تصل سعتها إلى 15 مليون مسافر سنوياً، وتأهيل المدارج والبنى التحتية للمطار».

«الشرق الأوسط» (بغداد)

لبنان ينتظر الترجمة العملية للاتفاق

علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)
علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)
TT

لبنان ينتظر الترجمة العملية للاتفاق

علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)
علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)

ينتظر لبنان الترجمة العملية لمذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها بين واشنطن وطهران لإنهاء الأعمال العسكرية والتصعيد في المنطقة، بما يشمل لبنان.

وبينما لم تتبلّغ الدولة اللبنانية رسمياً بالبنود المتفق عليها، وآليات التنفيذ، رحب الرئيس اللبناني جوزيف عون بالمذكرة، وأثنى على «ما ورد فيها من احترام للخصوصية اللبنانية»، وسط تركيز رسمي على أولوية تثبيت وقف إطلاق النار قبل الانتقال إلى المرحلة التالية التي تشمل الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وانتشار الجيش، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار.

ويأتي ذلك في وقت لم تتوقف فيه الغارات والمسيّرات الإسرائيلية عن التحليق في مناطق الجنوب والعاصمة بيروت وضاحيتها.

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف تجمعات لجنود إسرائيليين وآلياتهم داخل لبنان، في حين نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول في الحزب قوله إن مقاتليه لم ينفذوا أي ‌عمليات ‌منذ الإعلان ​عن ‌الاتفاق الإيراني - الأميركي، وإن موقف الحزب من وقف إطلاق النار مرتبط بالتزام إسرائيل به أولاً.


عباس يمهّد لانتخابات فلسطينية و«حماس» تنتقد «الاستفراد بالسلطة»

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
TT

عباس يمهّد لانتخابات فلسطينية و«حماس» تنتقد «الاستفراد بالسلطة»

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته خلال انتخابات اللجنة المركزية لحركة «فتح» (أ.ف.ب)

مهّد الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لإجراء أول انتخابات تشريعية منذ 20 عاماً في الأراضي الفلسطينية، عبر تعديلات على قانون الانتخابات العامة، التي تُجرى العام الحالي، بالتزامن مع انتخابات «المجلس الوطني» التابع لـ«منظمة التحرير»، وقبل إجراء الانتخابات الرئاسية التي وعد عباس أيضاً بتنظيمها في عام 2027.

ولم تشهد الأراضي الفلسطينية، انتخابات تشريعية منذ عام 2006، حين فازت «حماس» بأغلبيتها، وأعقبتها سنوات من الانقسام والاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني.

وقال مصدر فلسطيني مطلع لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يجري جزء من تعهدات فلسطينية رسمية للدول العربية والأوروبية وللأميركيين، بتجديد السلطة».

وهاجم متحدث باسم حركة «حماس» إجراءات عباس، قائلاً إنها «استمرار لمنطق الاستفراد» بالسلطة.


«الأزمات الدولية»: المؤسسات المالية الفلسطينية شارفت على الإفلاس

القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)
القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)
TT

«الأزمات الدولية»: المؤسسات المالية الفلسطينية شارفت على الإفلاس

القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)
القوات الإسرائيلية تداهم عدداً من محال الصرافة في مدن مختلفة من الضفة الغربية المحتلة مايو الماضي (أ.ف.ب)

حذّر تقرير أصدرته مجموعة «الأزمات الدولية» من تنامي الضغوط والعقوبات الإسرائيلية على الضفة الغربية، مشيراً إلى أن المؤسسات المالية الفلسطينية شارفت على الإفلاس بسبب وقف الإيرادات، وفرض القيود على العلاقات المصرفية، وفقدان العمال الفلسطينيين وظائفهم في إسرائيل.

ونبه التقرير الذي أعدته «الأزمات الدولية» بعنوان «مواجهة القبضة الإسرائيلية الخانقة على اقتصاد الضفة»، وأتاحته للنشر، الاثنين، إلى أنه «منذ هجوم (حماس) على إسرائيل أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فرضت الحكومة الإسرائيلية عقوبات اقتصادية جديدة على الضفة الغربية»، موضحة أن هذه العقوبات «أدت إلى منع وصول السلطة الفلسطينية إلى المال، وخنقت حرية حركة السكان الفلسطينيين».

وجاء في التقرير أن «اقتصاد الضفة الغربية، الذي حرصت إسرائيل منذ وقت طويل على بقائه مترنحاً، يواجه ضغوطاً تزداد حدة»، ولفتت إلى أن المجتمع الفلسطيني حافظ على بقائه، لكن في حالة من الفقر المدقع؛ وفي حال عدم معالجة ذلك، من المرجح أن يفضي إلى فقدان الأمن وارتفاع مخاطر عدم الاستقرار وازدياد حدة العنف.

عمال فلسطينيون ينتظرون للعبور إلى إسرائيل من الضفة في فبراير 2022 (أ.ب)

كما دعا إلى دعم دولي للضفة الغربية وقطاع غزة «لتجاوز اعتمادهما على إسرائيل واكتساب سيادة حقيقية». لكنه شدد أولاً على أنه «يتعين على الجهات الفاعلة الخارجية الضغط على إسرائيل لاتخاذ خطوات لتيسير الدفعات النقدية إلى الأسر والمؤسسات الفلسطينية، وذلك برفع القيود المفرطة على حرية الحركة وإلغاء الإجراءات المالية العقابية».

إحكام القيود على الضفة

وفق تقرير «الأزمات الدولية» فإنه «على مدى العامين ونصف العام الماضيين، ومع تركُّز أنظار العالم أولاً على غزة والآن على الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، أحكمت إسرائيل القيود التي تفرضها على وصول فلسطينيي الضفة الغربية إلى التمويل وقدرتهم على الحركة، متذرعةً بمبررات أمنية مبالغ بها». واستشهد بقطع وزير المالية اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، جميع مصادر الإيرادات الرئيسية للسلطة الفلسطينية تقريباً. ومن ثم، فقد تقلّص اقتصاد الضفة الغربية، شديد الاعتماد على إسرائيل، إلى حد أنه لم يعد قادراً على توفير الخدمات العامة الأساسية.

جندي إسرائيلي بسوق البلدة القديمة في نابلس شمال الضفة الغربية أثناء مداهمات أبريل الماضي (أ.ف.ب)

وقدّر أنه «من أجل تفادي حدوث انهيار اقتصادي، ينبغي على إسرائيل التحرك على نحو عاجل للسماح للعمال الفلسطينيين بالعودة إلى تلك الوظائف، وتحويل الإيرادات المستحقة للسلطة الفلسطينية. ولا بد من القيام بفعل دولي لإجبار إسرائيل على اتخاذ هذه الخطوات وغيرها بحيث يتمكن الاقتصاد الفلسطيني من الشروع بالتعافي، ويتمكن بمرور الوقت من الوقوف على قدميه».

حسب التقرير، فإن الاقتصاد الفلسطيني بات «أكثر اعتماداً على القوة المحتلة القوية اقتصادياً؛ وعلى الشيقل الإسرائيلي الذي لا تتمتع السلطة الفلسطينية بأي تأثير عليه من حيث السياسة النقدية، الذي تعكس قوته الأوضاع الاقتصادية الإسرائيلية لا الفلسطينية، وعلى المصارف المراسلة الإسرائيلية، التي تشكل القناة الوحيدة لربط النظام المالي الفلسطيني بالأسواق الدولية، وعلى التجارة التي تمر من خلال الموانئ الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. من خلال نقاط التفتيش ووسائل أخرى، قسمت إسرائيل الضفة الغربية أيضاً إلى جيوب منفصلة تقريباً، فأوجدت بذلك اقتصادات صغرى تجد صعوبة في التعامل بعضها مع بعض، ناهيك عن التعامل مع العالم. وقد عقَّد ذلك دور السلطة الفلسطينية في إدارة الاقتصاد».

إجبار على الاقتراض

وخلص التقرير إلى أن «الأثر التراكمي للسياسات الاقتصادية التي تبنتها إسرائيل منذ عام 1967، لا سيما خلال السنتين الماضيتين، كان مدمراً على الأُسر، والمؤسسات، والبلديات الفلسطينية، وعلى السلطة الفلسطينية أيضاً»، منبهاً إلى أن السلطة الفلسطينية تُجبر على «الاقتراض بشكل كبير من المصارف، وعلى مراكمة الديون متأخرة السداد لموظفي القطاع العام، والمقاولين والمزودين، الأمر الذي يفرض ضغوطاً على النظام المالي الذي تعتمد عليه، وفي الوقت نفسه حرمان القطاع الخاص من الاقتراض».

واتهم التقرير القادة الإسرائيليين بأنهم «وضعوا حتى الآن مجموعة من السياسات التي تبدو مصممة لإضعاف الاقتصاد الفلسطيني إلى حد الاعتماد الكامل على إسرائيل»، متسائلاً حول «ما إذا كانت إدارة ترمب ستضغط على إسرائيل، كجزء من خطتها ذات العشرين نقطة لقطاع غزة، أو كجزء من أي خطة أخرى، لتخفيف حدة حملتها على اقتصاد الضفة الغربية».

مبنى سلطة النقد الفلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (موقع سلطة النقد)

وأشار تقرير «الأزمات الدولية» إلى من شبه المؤكد أن الضغوط الخارجية ستكون ضرورية لإقناع إسرائيل بالتحرك بشأن الأولوية الاقتصادية القصوى بالنسبة للضفة الغربية التي أُضعفت على نحو قسري، والتي تتمثل بتيسير التدفقات النقدية من جديد إلى الأسر والمجتمعات المحلية.

على الجانب الآخر، دعا التقرير السلطة الفلسطينية إلى ضرورة أن «تُجري إصلاحات، بما فيها تحسين الشفافية في إنفاق موازنتها، والتعاون الكامل مع المراجعات المالية الخارجية المستقلة، وإعادة بناء شرعيتها الداخلية من خلال تحسين حوكمتها».

وجدد التأكيد على أهمية مساعدة الجهات الفاعلة الخارجية الملتزمة بالوصول إلى حصيلة سلمية للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني باعتبارها «جوهرية»، خصوصاً وأن «البديل القاتم لا يمكن أن يكون سوى المزيد من العنف مع استمرار الحوكمة الفلسطينية والاقتصاد الفلسطيني بالتردي حتى الوصول إلى الانهيار الكامل».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended