الملابس المستعملة والرديئة ملاذ يمنيين يواجهون الفقر

تنتشر بين الباعة المتجولين... وتُفْتَتَح لبيعها متاجر كبيرة

تنتشر الملابس المستعملة في أغلب أحياء العاصمة صنعاء خصوصاً حي التحرير في الوسط (إكس)
تنتشر الملابس المستعملة في أغلب أحياء العاصمة صنعاء خصوصاً حي التحرير في الوسط (إكس)
TT

الملابس المستعملة والرديئة ملاذ يمنيين يواجهون الفقر

تنتشر الملابس المستعملة في أغلب أحياء العاصمة صنعاء خصوصاً حي التحرير في الوسط (إكس)
تنتشر الملابس المستعملة في أغلب أحياء العاصمة صنعاء خصوصاً حي التحرير في الوسط (إكس)

تتسع تجارة الملابس المستعملة ونظيرتها منخفضة الجودة في اليمن، وبسبب تداعيات الحرب، وتراجع الدخل، واتساع رقعة البطالة، وتوقف رواتب الموظفين العموميين؛ تنتشر في عدد من المدن اليمنية محلات كبيرة لبيع الملابس الرديئة بموازاة ازدياد أعداد الباعة المتجولين لبيع الملابس المستعملة.

ويعد الشتاء أحد أهم مواسم رواج الملابس في اليمن، خصوصاً مع قسوة الظروف الجوية وانخفاض درجة الحرارة إلى نحو الصفر في بعض المناطق، وهو ما يدفع كثيراً من المتسوقين إلى البحث لدى تجار وباعة الملابس المستعملة عمّا يقيهم البرد، خصوصاً في ظل الارتفاع الكبير لأسعار الملابس الجديدة.

عند ميل الشمس إلى المغيب كثيراً ما يكون رشيد عبده، وهو اسم مستعار لصحافي متخصص في الشأن الاقتصادي، أحد المتجولين في شوارع حي التحرير وسط العاصمة صنعاء، حيث يتمركز معظم الباعة المتجولين وتنتشر محلات بيع الملابس المستعملة، ويقضي أوقاتاً طويلة في تقليب المعروض منها؛ للبحث عمّا يناسبه أو يناسب أطفاله.

ازدهرت تجارة الملابس المستعملة في اليمن نتيجة ارتفاع الأسعار واتساع رقعة البطالة وانقطاع الرواتب (إكس)

عندما بدأ رشيد اللجوء إلى شراء الملابس المستعملة، كان يخفي وجهه بشال ويتلفت كثيراً؛ خشية أن يراه أحد زملائه أو أصدقائه ومعارفه، لكن مع مرور السنوات وتحول معظم الصحافيين إلى البطالة أو انقطاع رواتبهم، وُجد كثير من زملائه يرتادون تلك الأسواق، ولم يعد أحدهم يخجل من ذلك، بل إنهم أصبحوا يتفاخرون بينهم البين لمقدرتهم على شراء بضع قطع تحمل علامات ماركات عالمية شهيرة.

ووفقاً لتقارير أممية، فإن أكثر من ثلثي سكان اليمن، يعيشون تحت خط الفقر، بينما يواجه أكثر من 10 ملايين شخص انعدام الأمن الغذائي، بينما تقدر جهات اقتصادية ونقابية في اليمن عدد العمال المتأثرين بشكل مباشر بالحرب بأكثر من 9 ملايين، وخروج أكثر من نصف المنشآت الصناعية عن الخدمة، وتسريح أكثر من 65 في المائة من العاملين في القطاع الخاص.

عزوف الأثرياء الجدد

في موازاة أسواق الملابس المستعملة، تزدحم المحلات ذات المساحات الواسعة المفتوحة بالمتسوقين، خصوصاً من النساء والأطفال؛ لشراء ملابس زهيدة الثمن ومنخفضة الجودة، وتعرف هذه المحلات بـ«المولات»، وبدأت بالظهور منذ ما يزيد على 10 أعوام، لكن الحرب حوّلتها إلى ظاهرة تتسع باطراد، كما يفيد أحد تجار الملابس لـ«الشرق الأوسط».

تشهد الأسواق اليمنية ركوداً ملحوظاً أدى إلى خسائر كبيرة وزيادة للعاطلين عن العمل (رويترز)

يقول علوان النظاري، صاحب سلسلة محال تجارية لبيع الملابس في صنعاء وتعز، إن تجارة الملابس ذات الجودة العالية باتت من أصعب أنواع الأعمال، حيث لم تعد الشريحة المجتمعية القادرة على اقتناء تلك الملابس موجودة، إما لتراجع قدرتها الشرائية أو هجرتها خارج البلاد.

اضطر النظاري إلى إغلاق محل تجاري له في شارع جمال وسط العاصمة صنعاء، حيث تنتشر الأسواق الشعبية؛ بسبب تراجع مبيعاته، وافتتح آخر بديلاً له في حي حدة جنوب العاصمة الذي يعد حياً للأثرياء، واستبدل بالبضائع الهندية التي كان يبيعها في المتجر الأول الملابس التركية في المحل الجديد.

لكن ذلك لم يحقق للنظاري فارقاً كبيراً في الأرباح، فحتى حين استهدف الأثرياء بنشاطه التجاري، وجد أغلبهم قد نزحوا خارج البلاد، بينما ظهر أثرياء جدد صنعتهم الحرب، يفضلون ارتداء الملابس الشعبية والتقليدية، إما لانتمائهم إلى الجماعة الحوثية التي يلتزم قادتها بتلك الملابس، أو تماهياً معهم.

سوق للملابس المستعملة في العاصمة صنعاء (إكس)

ومنذ أسابيع حذر «مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن» من أن فصل الشتاء في اليمن يهدد ما يقارب مليون شخص موزعين على 12 محافظة، ومعظمهم من النازحين، مؤكداً حاجة المجتمعات الضعيفة للحماية من موسم الشتاء والبرد القارس خلال الفترة من نوفمبر (تشرين الثاني) وحتى فبراير (شباط).

كساء أطفال المدارس

لجأت أمرية المقطري، وهي تربوية ولها نشاط اجتماعي لمساعدة الأسر على تعليم أبنائها، إلى شراء الملابس المستعملة للأطفال من الباعة المتجولين. وتشكو من أن هذه العملية تأخذ منها وقتاً أطول مما كان يحدث في السابق؛ لأنها تضطر إلى فحص الملابس المعروضة والتأكد من ملاءمتها للأطفال الذين قد يكون عدم امتلاكهم ملابس نظيفة أحد أسباب تسربهم من التعليم.

في السابق ذاته، كانت المقطري تجمع التبرعات لصالح نشاطها، وتذهب إلى تجار الملابس وتشتري منهم في عملية سهلة ويسيرة، لكن ارتفاع الأسعار وتراجع أعداد المتبرعين دفعاها إلى البحث الطويل لدى باعة الملابس المستعملة أو مولات الملابس زهيدة الثمن، ورغم هذه الصعوبات، فإنها ترى أنه كلما ساءت الأوضاع المعيشة؛ كان ذلك أكثر مدعاة لمساعدة المحتاجين.

زحام وتدافع خلال افتتاح مول ملابس زهيدة الأسعار في مدينة ذمار جنوب صنعاء (فيسبوك)

ومنذ شهر أعلنت الحكومة اليمنية نتائج إحصاء أُجري بالتعاون مع الأمم المتحدة، يكشف أن نصف أطفال البلاد لم يلتحقوا بالمدارس، بينما يتسرب نصف الملتحقين من مراحل التعليم الأساسي والثانوي، بينما ظلت تغذية الأطفال وانعدام الأمن الغذائي للأسر مصدر قلق رئيسياً.

ويحذر الأطباء والمختصون الصحيون من أن الملابس منخفضة السعر، قد تتسبب في عدد من الأمراض، بينها أمراض جلدية؛ بسبب تصنيعها من مواد مضرة بالجسم البشري، أما الملابس المستعملة فقد تحمل بين منسوجاتها ميكروبات وفيروسات تتسبب بأمراض معدية خطرة.

ويباع كثير من القطع في المولات المنتشرة في عدد من المدن اليمنية بأسعار أقل من ألف ريال يمني، وتتنافس هذه المولات على البيع بأقل الأسعار لتصل إلى 500 و300 ريال، (سعر الدولار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية 530 ريالاً، وفي المناطق المحررة 1540 ريالاً)، وهو ما يتسبب في إقبال كبير عليها وازدحام شديد يتسبب أحياناً في حوادث تدافع ووقوع إصابات.


مقالات ذات صلة

جرحى الحوثيين يستنزفون قدرات المستشفيات في صنعاء

العالم العربي الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)

جرحى الحوثيين يستنزفون قدرات المستشفيات في صنعاء

يضغط تصعيد الحوثيين على مستشفيات صنعاء مع تخصيص أقسام لجرحاهم، بالتزامن مع اتساع انتقادات داخل بيئتهم للحرب والتجنيد واستغلال الفقر وتهميش أسر القتلى والمصابين.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي المبعوث الأممي هانس غروندبرغ خلال إحاطة بالفيديو أمام مجلس الأمن (الأمم المتحدة)

اليمن يكثف تحركه الدولي لحماية باب المندب

كثفت الحكومة اليمنية تحركها الدبلوماسي لحشد موقف دولي ضد تهديد الحوثيين للبحر الأحمر وباب المندب، والدفع نحو تعزيز قدرات الدولة وحماية الملاحة

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي مسلحون حوثيون على متن دراجات نارية خلال حملة للحشد والتعبئة في صنعاء (أ.ب)

الحوثيون يسيطرون على باب المندب والجزر اليمنية جنوب البحر الأحمر

وسَّع الحوثيون تقدمهم إلى باب المندب بعد سقوط المخا ومينائها، مع سيطرتهم الجمعة، على جزيرة ميون في المضيق الدولي وسط غارات حكومية وتصاعد مخاوف تهديد الملاحة.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي منطقة عمليات في طريق تعز ـ المخا حددتها القوات المسلحة اليمنية (سبأ)

القوات اليمنية تحدد منطقة محظورة على الحوثيين قرب المخا

حدَّدت القوات المسلحة اليمنية، الخميس، منطقة قتال محظورة على أي تحركات لميليشيا الحوثي الإرهابية قرب مدينة المخا الساحلية التابعة لمحافظة تعز.

«الشرق الأوسط» (تعز)
العالم العربي قوافل يقدمها المزارعون اليمنيون تحت الإكراه لمصلحة الحوثيين (فيسبوك)

الحوثيون يوسعون جبايتهم الزراعية في صنعاء وريمة

يفرض الحوثيون على مزارعين في صنعاء وريمة تقديم أموال، ومحاصيل، مع نصب موازين إلكترونية لفرض جبايات جديدة على المنتجات الزراعية

«الشرق الأوسط» (صنعاء)

«اتحاد إذاعات التعاون الإسلامي» يدين استهداف خط أنابيب «شرق-غرب» بالسعودية

موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافقها (الشركة)
موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافقها (الشركة)
TT

«اتحاد إذاعات التعاون الإسلامي» يدين استهداف خط أنابيب «شرق-غرب» بالسعودية

موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافقها (الشركة)
موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافقها (الشركة)

أدان اتحاد إذاعات وتلفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي بأشد العبارات الاستهداف الإرهابي الذي تعرض له خط أنابيب «شرق - غرب» في منطقتي الرياض والمدينة المنورة في السعودية، مؤكداً تضامنه مع المملكة في كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها واستقرارها وردع المعتدين.

وعبَّر الاتحاد الذي يرأسه الإعلامي عمرو الليثي عن رفضه القاطع لكل الأعمال الإرهابية والتخريبية التي تستهدف المنشآت الحيوية والمدنية.

وكان خط أنابيب «شرق-غرب» قد تعرَّض لهجمات إرهابية بمسيَّرات قادمة من العراق مساء الجمعة نتجت عنها إصابات بشرية وبعض الأضرار التي تمت معالجتها، بحسب بيان صادر عن الخارجية السعودية.

وأكد اتحاد إذاعات وتليفزيونات دول منظمة التعاون الإسلامي، ممثلاً في عشرات الهيئات الإذاعية والتلفزيونية في الدول الأعضاء، دعمه ووقوفه إلى جانب المملكة العربية السعودية، قيادة وحكومة وشعباً، في مواجهة كل ما يهدد أمنها وسيادتها وسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها.

كما شدَّد على أن أمن السعودية يشكل جزءاً لا يتجزأ من أمن العالم الإسلامي، ودعا المجتمع الدولي إلى إدانة هذه الأعمال الآثمة، وتكثيف الجهود لمواجهة الإرهاب وتجفيف مصادر تمويله، ومحاسبة مرتكبيه ومن يقف وراءهم.


مصر وليبيريا تتفقان على تنسيق الأولويات الأفريقية في «مجلس الأمن»

لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

مصر وليبيريا تتفقان على تنسيق الأولويات الأفريقية في «مجلس الأمن»

لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
لقاء عبد العاطي ونيانتي على هامش «قمة الاتحاد الأفريقي» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

اتفقت مصر وليبيريا على «تنسيق أولويات القارة الأفريقية في مجلس الأمن الدولي». وبحث وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع وزيرة خارجية جمهورية ليبيريا سارة نيانتي خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مستجدات الأوضاع الإقليمية في القارة الأفريقية.

وتبادل الوزيران الرؤى بشأن الجهود الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار وتسوية الأزمات بالوسائل السلمية، لا سيما في ضوء عضوية ليبيريا غير الدائمة بـ«مجلس الأمن» وبما يسهم في دعم أولويات القارة الأفريقية والدفاع عن مصالحها داخل المجلس، وكذا التنسيق إزاء تطورات الأوضاع في أفريقيا.

كما ناقش الاتصال سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين. وأكد الوزيران «الحرص على مواصلة الارتقاء بمسارات التعاون الثنائي في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصادية والتجارية والتنموية وبناء القدرات، بما يعكس متانة العلاقات السياسية بين البلدين، ويحقق المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين».

وتحدث وزيرا خارجية البلدين، الجمعة، عن أهمية مواصلة التشاور بين الجانبين واستكشاف آفاق جديدة للتعاون، والاستفادة من الخبرات والقدرات المصرية في دعم جهود التنمية في ليبيريا.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أكد عبد العاطي خلال لقاء نيانتي على هامش فعاليات «قمة الاتحاد الأفريقي» عمق العلاقات التاريخية التي تجمع بين مصر وليبيريا، مشيراً إلى أن «مصر كانت من أوائل الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع ليبيريا عام 1957».

وأشار حينها إلى حرص بلاده على تعزيز العلاقات مع ليبيريا في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية والأمنية، مؤكداً «أهمية تعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب ودعم دول منطقة الساحل».

وشهد اللقاء وقتها توقيع الوزيرين على مذكرة تفاهم بين «معهد الدراسات الدبلوماسية» التابع لوزارة الخارجية في مصر و«معهد الخدمة الخارجية» الليبيري لتعزيز التعاون في مجال بناء القدرات الدبلوماسية، وتبادل الخبرات في مجالات التدريب الدبلوماسي، وتأهيل الكوادر، وتنظيم برامج تدريبية مشتركة.

كما أعربت وزيرة خارجية ليبيريا حينها عن تقديرها للدور المصري الداعم لبلادها، مؤكدة تطلعها لتعزيز التعاون مع مصر في مختلف المجالات بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة ودعم جهود التنمية والاستقرار في القارة الأفريقية.


جرحى الحوثيين يستنزفون قدرات المستشفيات في صنعاء

الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
TT

جرحى الحوثيين يستنزفون قدرات المستشفيات في صنعاء

الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الجماعة الحوثية تستثمر صور قتلاها لاستقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)

تتسع تداعيات التصعيد العسكري الذي تقوده الجماعة الحوثية في اليمن لتطال القطاع الصحي والسكان في مناطق سيطرتها، بالتزامن مع تصاعد انتقادات من داخل البيئة المحسوبة عليها، على خلفية ما يصفه ناشطون ومقاتلون سابقون بـ«استغلال الفقر لتجنيد الشباب، والمتاجرة بدماء المقاتلين، وتوجيه الموارد لخدمة الحرب على حساب الاحتياجات المدنية».

وفي العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر طبية «الشرق الأوسط» بأن ما تُسمى وزارة الصحة التابعة للحوثيين أصدرت خلال الأيام الماضية توجيهات بالحدِّ من استقبال الحالات المرضية الحرجة في عدد من المستشفيات الحكومية، مع تخصيص وحدات العناية المركزة وأقسام الطوارئ وأقسام طبية أخرى لاستقبال جرحى الجماعة القادمين من جبهات القتال.

وقالت المصادر إن الإجراءات شملت مستشفيات الثورة، والجمهوري، والشرطة، والمستشفى العسكري، والقدس، و48، والكويت، وهي من أبرز المنشآت الطبية في العاصمة؛ ما أدى إلى تقليص قدرتها على التعامل مع الحالات المدنية، خصوصاً المرضى الذين يحتاجون إلى تدخلات عاجلة أو رعاية في وحدات العناية المركزة.

مستشفى الكويت في صنعاء يكتظ بالجثامين... والحوثيون يضعونها في حاويات تبريد (إكس)

وتزامنت هذه الإجراءات مع وصول أعداد كبيرة من القتلى والجرحى الحوثيين إلى صنعاء، عقب المعارك في عدد من الجبهات اليمنية.

ووفق العاملين في القطاع الصحي، باتت المنشآت المشمولة بالإجراءات تستقبل أعداداً متزايدة من المصابين، مع تخصيص أسرَّة وأجهزة وأقسام طبية للحالات القادمة من مناطق القتال، بما فيها الإصابات التي تتطلب عمليات جراحية أو عناية مركزة.

ضغط على المستشفيات

تفرض الجماعة الحوثية إجراءات أمنية مشدَّدة حول عدد من المنشآت الطبية، مع منع وسائل الإعلام من الوصول إليها، وسط تكتم على بيانات المصابين القادمين من الجبهات وهوياتهم. ويقول عاملون في القطاع الصحي إن تدفق الجرحى أدى إلى زيادة الضغط على الطاقة الاستيعابية للمستشفيات، وتقليص المساحة المتاحة أمام المرضى المدنيين.

وقال أحمد، وهو قريب أحد المرضى في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن أسرته واجهت صعوبة في الحصول على الرعاية الطبية اللازمة في المستشفى الجمهوري، واضطرت إلى البحث عن بديل خارج المستشفى؛ بسبب عدم توفر الإمكانات المطلوبة للتعامل مع حالة قريبه.

واتهم أحمد الحوثيين بتوجيه الموارد الطبية المتاحة لخدمة المجهود الحربي، محذراً من أن ذلك يضع المدنيين، خصوصاً الأطفال وكبار السن ومرضى الأمراض المزمنة والحالات الطارئة، أمام مخاطر إضافية.

قتلى وجرحى حوثيون خلال وصولهم إلى بوابة أحد المستشفيات في صنعاء (فيسبوك)

وتأتي هذه التطورات في وقت يعاني فيه النظام الصحي في مناطق سيطرة الحوثيين من تداعيات سنوات الحرب، وتراجع التمويل ونقص الأدوية والمستلزمات والكوادر الطبية، إلى جانب تضرر منشآت صحية وخروج بعضها عن الخدمة.

ولا يقتصر تأثير الضغط على مستشفيات صنعاء على سكان العاصمة وحدهم؛ إذ تستقبل المنشآت الطبية الرئيسية فيها عادةً حالات محولة من محافظات ومناطق أخرى، ما يجعل تراجع قدرتها الاستيعابية مؤثراً على نطاق أوسع من السكان الخاضعين لسيطرة الجماعة.

انتقادات داخلية

بالتوازي مع الضغط الذي يفرضه التصعيد الحوثي على القطاع الصحي، برزت انتقادات متزايدة من شخصيات وناشطين محسوبين على الجماعة، ركزت على التكلفة البشرية للحرب، وأوضاع المقاتلين وأسر القتلى والجرحى، فضلاً عن طرق التجنيد واستغلال الظروف الاقتصادية.

وفي أحدث هذه الانتقادات، شنَّ الناشط والمقاتل السابق في صفوف الجماعة، عبد الله شرف المهدي، هجوماً على قيادات ومشرفي الحوثيين، متهماً إياهم بالمتاجرة بدماء المقاتلين، وتهميش أسر القتلى والجرحى لتحقيق مصالح شخصية.

طفل جنَّدته الجماعة الحوثية يحرس إحدى فعالياتها في صنعاء (غيتي)

وقال المهدي إن المقاتلين وأسرهم يتحملون تكلفة الحرب، بينما يحصل المسؤولون والمشرفون، وفق روايته، على امتيازات تشمل العقارات والاعتمادات المالية، عادّاً أن المعركة تحولت إلى وسيلة لخدمة مصالح مجموعات داخل الجماعة.

وأعلن المهدي ندمه على السنوات التي قضاها في صفوف الحوثيين، رافضاً تقديم الدعم للجماعة مستقبلاً، في موقف يعكس انتقال بعض الانتقادات من الاعتراض على السياسات إلى التشكيك في دوافع استمرار الحرب نفسها.

ولم تقتصر الانتقادات على مقاتلين سابقين؛ إذ اتهم عضو البرلمان الخاضع للجماعة في صنعاء، عبده بشر، الحوثيين بتجاهل معاناة اليمنيين والاستمرار فيما وصفها بالحروب «العبثية»، داعياً إلى تحييد الملفَين الاقتصادي والإنساني عن الصراع.

وطالب بشر بصرف المرتبات وإطلاق المعتقلين وفتح المطارات، محذراً من أن استمرار ما وصفه بـ«التلذذ بسفك الدماء» سيؤدي إلى تعميق الكارثة الإنسانية، وداعياً الجماعة إلى اتخاذ خطوات تخفف معاناة السكان أو «الانصراف عن المشهد».

أسيران من عناصر الحوثيين في قبضة الجيش اليمني (الجيش اليمني)

في السياق نفسه، انتقد الناشط والكاتب الحوثي، زيد الكبسي، أساليب الجماعة في استقطاب الشباب واليافعين، قائلاً إن الحوثيين يستفيدون من الفقر وتدهور الظروف الاقتصادية لدفع مزيد من الشباب إلى جبهات القتال.

واتهم الكبسي الجماعة باستخدام الخطاب الديني والطائفي وشعارات «الجهاد والاستشهاد» في عمليات التجنيد، في وقت تعاني فيه أسر كثيرة من تدهور قدرتها على تأمين احتياجاتها الأساسية.

وبحسب روايته، يعتمد بعض المجندين على مبالغ محدودة يحصلون عليها من الجماعة لإعالة أسرهم، بينما يواجهون مخاطر القتل والإصابة في الجبهات. وقال إن كثيراً من هؤلاء من الشباب اليافعين الذين لم تتح لهم فرصة بناء حياتهم وتكوين أسرهم، لتتحمل عائلاتهم لاحقاً تبعات فقدانهم أو إصابتهم.