هل ساعد الغرب في تحويل البحار إلى أداة ابتزاز لفرض النفوذ الإيراني؟!

محللون: التهديد الحوثي للأمن والاستقرار سيستمر بأشكال مختلفة

زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في مضيق هرمز (تسنيم)
زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في مضيق هرمز (تسنيم)
TT

هل ساعد الغرب في تحويل البحار إلى أداة ابتزاز لفرض النفوذ الإيراني؟!

زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في مضيق هرمز (تسنيم)
زوارق سريعة لـ«الحرس الثوري» خلال مناورات في مضيق هرمز (تسنيم)

في يونيو (حزيران) 2018 كانت قوات الحكومة اليمنية بمساندة التحالف العربي على بُعد نحو أربعة كيلومترات عن ميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر الذي تسيطر عليه ميليشيا الحوثي التي سيطرت على العاصمة صنعاء في سبتمبر (أيلول) 2014.

عملية تحرير المدينة الساحلية ومينائها الحيوي اصطدمت بضغوط غربية شديدة مارستها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، تحت ذارئع إنسانية في ذلك الوقت، وهو الأمر الذي مكَّن الحوثيين من تعزيز قدراتهم وسيطرتهم، وكانت له نتائج كارثية في السنوات اللاحقة.

وفيما يبدو تطبيقاً للمثل العربي «حصد ما زرع»، أصبحت محافظة الحديدة وميناؤها الحيوي اليوم قاعدة رئيسية لضرب السفن التجارية وناقلات النفط الغربية في البحر الأحمر وخليج عدن، في عملية أربكت خطوط الملاحة الدولية.

وكان المنسق العام لوحدات «الحرس الثوري»، محمد رضا نقدي، قد قال إن البحر المتوسط ومضيق جبل طارق وممرات مائية أخرى ​​قد تُغلَق إذا واصلت الولايات المتحدة وحلفاؤها ارتكاب «جرائم» في غزة، دون أن يوضح كيف سيحدث ذلك.

كما وصف وزير الخارجية البريطاني ديفيد كاميرون، إيران، بأنها تشكل «تأثيراً خبيثاً كلياً في المنطقة والعالم (...) ليس هناك شك في ذلك». وأضاف في تصريحات صحافية: «لديك الحوثيون و(حزب الله) والميليشيات المدعومة من إيران في العراق التي تهاجم القواعد والقوات البريطانية والأميركية. وأيضاً بالطبع (حماس)».

سفينة حربية إيرانية مزوّدة بمُسيرات في المحيط الهندي يوليو 2022 (أ.ف.ب)

ومنذ اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر (تشرين الأول) نفّذ الحوثيون أكثر من 100 هجوم بصواريخ وطائرات مُسيرة ضد سفن تجارية وناقلات نفط في البحر الأحمر وأهداف أخرى، زعماً أن ذلك لدعم قطاع غزة.

لكنَّ مسؤولين ومحللين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أفادوا بأن استهداف جماعة الحوثي للملاحة في البحر الأحمر لا علاقة له بأحداث غزة، إذ استهدفت الجماعة عدة سفن وناقلات نفط قبل سنوات من صراع غزة، وهو ما يدحض هذه الادعاءات وأنها مجرد شعارات لتضليل أتباعها في الداخل لعدم اكتشاف أنها مجرد بيدق للنفوذ الإيراني.

 

تحويل البحار لأداة ابتزاز إيرانية

يؤكد الدكتور نجيب غلاب وكيل وزارة الإعلام اليمنية، أن الصراع الجيوستراتيجي بين الدول الأكثر تأثيراً، إلى جانب غموض الأهداف الأميركية، يُضعف المجتمع الدولي في مواجهة المخاطر التي فرضتها إيران من خلال الحوثي في البحر الأحمر.

ويشير غلاب في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «التحالف البحري الذي شكلته الولايات المتحدة (حارس الازدهار) عاجز عن الردع وربط عمله بالحماية لا بالضغط الفاعل المتعدد وبحزمة إجراءات عملية لمواجهة التهديد الحوثي».

وأضاف: «استغلت إيران مأساة غزة لفرض نفوذها على البحر الأحمر وأصبحت الحوثية عملياً أهم مرتكزات أمنها القومي في صراعها مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي والإقليمي، وهذا العجز ستكون له ارتدادات كبيرة على أمن القوس البحري الممتد من الكويت وصولاً إلى قناة السويس، وستتحول البحار إلى أهم الأدوات الضاغطة لإيران وغيرها من الحركات الإرهابية وآخرين لابتزاز المجتمع الدولي».

من جانبه، يشير الدكتور عبد العزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، إلى وجود تعقيدات في التعامل مع مشكلة تهديد حرية الملاحة الدولية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، ويفنّد ذلك بقوله: «جماعة الحوثي لا تمثل حكومة أو دولة معترفاً بها يمكن توليد الضغوط عليها، والدولة التي تقف خلف هذه الانتهاكات، هي إيران التي تسيطر على القرار الاستراتيجي للجماعة الحوثية وتورِّد السلاح والدعم اللوجيستي للجماعة، ولكنها تنكر وجود أي علاقة لها بالقرار الحوثي وتتنصل من المسؤولية».

ويرى بن صقر في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «عامل الردع الدولي فشل في منع الجماعة الحوثية من ارتكاب الانتهاكات وتهديد الملاحة الدولية، وهناك خيارات محدودة أمام المجتمع الدولي لإجبار الجماعة الحوثية على إيقاف التهديدات والاعتداءات، وهي اللجوء إلى وسائل القوة العسكرية، ليس فقط بأسلوب دفاعي، أي التعامل مع هجمات الحوثي ومحاوله صدها أو إفشالها، بل هناك وجوب الذهاب إلى مصادر التهديد داخل مناطق السيطرة الحوثية والتعامل مع منصات إطلاق الصواريخ والمسيرات، ومراكز السيطرة والقيادة البحرية، وتدميرها بعمل استباقي ووقائي لمنع هذه الهجمات».

 

أخطاء غربية وحجج واهية

يعتقد الدكتور نجيب غلاب أن الأخطاء المتراكمة التي اقترفتها الإدارات الديمقراطية الأميركية منذ عهد أوباما حتى اللحظة، في تدليل الحوثية وشرعنة وجودها، والضغط لتخفيف الضغوط عليها وإضعافها هي «السبب الرئيسي فيما يحدث اليوم في جنوب البحر الأحمر».

ويشير غلاب هنا إلى «الوقوف الحاسم والضغط المكثف للأميركان وبريطانيا في تحرير الساحل اليمني بل تقوية الحوثية باتفاق «أستوكهولم»، مما أدى إلى توظيف الحوثية من إيران في أي أزمات، بمعنى أن القرصنة الحوثية في ظل العجز الراهن ستكون عصا غليظة قائمة ومستخدَمة، وهذه هي رسالة إيران التي أوصلتها للمجتمع الدولي».

ويحذّر وكيل وزارة الإعلام اليمنية من أنه في حال تطورت الأحداث ونشب نزاع مسلح «سيتأثر اليمن كثيراً وتبلغ المأساة ذروتها (...) أخطاء أميركا المتراكمة في الملف اليمني لعبت دوراً كبيراً وما زالت مستمرة وعاجزة من اتخاذ إجراءات فاعلة وضاغطة على الحوثي».

بدوره، يرى رئيس مركز الخليج للأبحاث عبد العزيز بن صقر، أن «الغرب الآن يحصد ما زرع»، وقال: «الموقف الغربي هو الذي وفَّر الحماية للجماعة الحوثية لفرض سيطرتها على سواحل اليمن خصوصاً ميناء الحديدة ومنطقة مضيق باب المندب».

وتابع: «الموقف الغربي أيضاً هو الذي منع قوات التحالف من فرض سيطرتها التي كانت وشيكة ومؤكدة على ميناء الحديدة، وذهبت الدول الغربية، خصوصاً بريطانيا والولايات المتحدة، إلى حد التهديد بالذهاب إلى مجلس الأمن الدولي لإيقاف تقدم قوات التحالف نحو ميناء الحديدة، كانت هناك استماتة غربية في حماية وضمان استمرار سيطرة الجماعة الحوثية على سواحل اليمن لأسباب وحجج واهية».

وينتقد الدكتور عبد العزيز الموقف الغربي اليوم بعد تطور التهديد الحوثي إلى مرحلة تهديد مصالحهم وحليفتهم إسرائيل، إذ يطالبون الدول العربية بمساعدتهم للتعامل مع هذا التهديد الذي كان أساساً من صُنع سياستهم.

وأضاف: «الموقف السعودي – الخليجي – العربي الرافض للسلوك الحوثي لا يهدف بأي وسيلة لحماية إسرائيل أو عدوانها القائم على شعبنا الفلسطيني في غزة، يجب التذكير بأن تهديدات واعتداءات الجماعة الحوثية على حرية الملاحة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر سبقت أزمة غزة بسنوات وكان ضحيتها السفن التجارية وناقلات النفط السعودية والخليجية، ولكنّ دول العالم الغربي غضّت الطرف عن هذه الاعتداءات لكونها لا تمس مصالحها أو مصالح إسرائيل».

مدمرة أميركية تستجيب لنداءات سفن الشحن في البحر الأحمر (أ.ف.ب)

سياسة الاحتواء فاشلة

يعتقد الدكتور غلاب أن ترك الأمور للاحتواء سيزيد من الكارثة، ومن شأن هذه السياسة أن تتحول إلى مصدر قوة وتنامي الإرهاب والقرصنة وأداة لأطراف كثيرة في البحر الأحمر وغيره، مشيراً إلى أن من «يتابع التهديدات الإيرانية يلاحظ أنها تسعى لعمليات قرصنة وإرهاب في البحار المحيطة بالعرب التي تحوي مصالح العالم ناهيك بأن الضعف والعجز يشجع الإرهابيين وغيرهم على تهديد أمن الملاحة الدولة».

ويسوق وكيل وزارة الإعلام اليمنية بعض الحلول للتعامل مع التهديد الحوثي منها «اتخاذ سياسات متكاملة وضاغطة بحزمة إجراءات داعمة للشرعية وضرب مكامن قوة الحوثية، وتصنيف الحوثية جماعة إرهابية، وملاحقة أنشطتها وقياداتها وشبكاتها، وهذا كفيل بجعل تحرير الساحل الغربي أحد الخيارات التي لا بد منها».

ويشدد الدكتور عبد العزيز بن صقر على أن «إنهاء سيطرة الجماعة الحوثية على كامل أراضي اليمن هو الحل الأمثل». وقال: «جماعة الحوثي ميليشيات مسلحة عقائدية وطائفية متطرفة، وجزء من الاستراتيجية الإقليمية والدولية الإيرانية، وسيتم دوماً توظيف هذه الجماعة، كما هو الحال مع أذرع (الحرس الثوري) الإيراني الأخرى في لبنان والعراق وسوريا، لإقلاق وزعزعة الأمن والاستقرار الإقليمي كلما برزت المصالح والحاجة السياسية الإيرانية».

الهجمات الحوثية في البحر الأحمر تؤثر بشكل مباشر على قناة السويس (أرشيفية - رويترز)

وأفاد رئيس مركز الخليج للأبحاث بأن «التعامل مع تهديدات الحوثي الراهنة لحرية الملاحة الدولية لن يكون نهاية الموضوع، وهو مجرد حل وقتي قد لا يطول». مبيناً أن «استمرار سيطرة الجماعة الحوثية على اليمن هو التهديد الحقيقي والمستمر، الذي سيفرز صيغاً وأشكالاً أخرى من المخاطر والتهديدات للأمن والاستقرار الإقليمي».

وتابع: «إذا كانت هناك حاجة آنيّة لنزع ميناء الحديدة من السيطرة الحوثية لتأمين سلامة الملاحة الدولية، فإن الدول الغربية التي تمتلك القدرات العسكرية عليها القيام بهذه المهمة، والتكفير عن أخطائها السابقة في توفير الحماية للجماعة الحوثية».


مقالات ذات صلة

تحرك يمني - دولي لفتح منفذ إلى تعز المحاصرة خلال أيام

العالم العربي مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)

تحرك يمني - دولي لفتح منفذ إلى تعز المحاصرة خلال أيام

تعمل الجهات المعنية في الحكومة اليمنية، بالتنسيق مع المنظمات الإنسانية، على فتح طريق من أحد المنافذ الرئيسية لمدينة تعز، بهدف إدخال مساعدات إغاثية عاجلة.

سعيد الأبيض (جدة)
العالم العربي محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)

ما بين جولة الإعمار والصاروخ... محافظ عدن ينجو من هجوم المطار

السلطات المحلية تتخذ احتياطات أمنية خلال تحركاتها، ومن بين هذه الاحتياطات تجنب البقاء فترات طويلة في المواقع، وعدم الإعلان مسبقاً عن مواعيد الزيارات والتحركات.

سعيد الأبيض (جدة)
العالم العربي الحوثيون يلجأون إلى تفجير الطرق لفرض عقاب جماعي على سكان تعز ولحج (إكس)

الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

وسع الحوثيون انتهاكاتهم بريف تعز ولحج بتفجير الطرق والعبّارات، واختطاف سكان، ونهب منازل النازحين، والاعتداء على مياه الشرب؛ مما سبب مخاوف من اتساع موجات النزوح.

وضاح الجليل (عدن)
خاص وكيل محافظة شبوة لـ«الشرق الأوسط»: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

خاص وكيل محافظة شبوة: الحوثيون زودوا تنظيمات إرهابية بتقنية المسيّرات

حذّر فهد الخليفي وكيل محافظة شبوة من أن جماعة الحوثي زوّدت بعض التنظيمات الإرهابية بتقنيات الطائرات المسيّرة في إطار ما وصفه بالتخادم الجاري بين الجانبين

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص أكد شاو تشنغ أن الصين تتابع التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن من كثب (تصوير: نايف العتيبي)

خاص بكين: مستعدون لفتح تحقيق في وصول مكونات عسكرية للحوثيين بالتعاون مع الحكومة اليمنية

رفض شاو تشنغ، القائم بأعمال السفارة الصينية لدى اليمن، التقارير التي تتحدث عن وصول معدات ومكونات مرتبطة ببرامج الصواريخ لدى جماعة الحوثيين

عبد الهادي حبتور (الرياض)

هجوم إرهابي على كنيسة في الكرك يوقع عشرات الضحايا

TT

هجوم إرهابي على كنيسة في الكرك يوقع عشرات الضحايا

مواطنون ورجال شرطة خارج الكنيسة التي هاجمها إرهابيان في قرية حمود بالكرك الجمعة (أ.ف.ب)
مواطنون ورجال شرطة خارج الكنيسة التي هاجمها إرهابيان في قرية حمود بالكرك الجمعة (أ.ف.ب)

توعّد الملك الأردني عبد الله الثاني بإنزال «أشد العقوبات» بحق الذين نفذوا هجوماً على كنيسة في الكرك، جنوب البلاد، وأوقعوا عشرات الضحايا.

وقام الملك عبد الله الثاني بزيارة مصابين بـ«الهجوم الإرهابي» و«اطمأن على سلامتهم»، وفق ما ذكرته وكالة الأنباء الأردنية.

و‏أكد العاهل الأردني ضرورة «مواجهة العمل الإرهابي الذي استهدف محافظة الكرك بأشد العقوبات»، مُبشّراً بـ«خيبة مساعي من يظنون أن رصاص الغدر سيشق صف الأردنيين»، ومُتعهداً بـ«صلابة الأردنيين ووحدتهم».

وفي تعليق له على منصة «إكس» قال الملك: «إن جميع الأردنيين من شمال الوطن لجنوبه شركاء الأرض والموقف ولن ينفذ بينهما غدر».

وقدم العاهل الأردني العزاء لذوي القتلى والأمنيات بالشفاء للمصابين، مشدداً على أن «دم الأردني غالٍ، وسنضرب بيد من حديد من تطاول على هذا البلد».

رجل ينظر عبر فجوة بجدار إلى الكنيسة التي هاجمها إرهابيان في قرية حمود بالكرك الجمعة (أ.ب)

وفي قرية الحمود التابعة لمحافظة الكرك (150 كم جنوب العاصمة) والتي تقطنها عشائر الهلسة المسيحية، وهي من أكبر العشائر المسيحية في المحافظة، فتح مسلحان اثنان النار من بنادق أوتوماتيكية بشكل عشوائي، مما تسبب في سقوط قتلى وعشرات الجرحى بينهم حالات حرجة، وذلك بحسب فيديوهات كاميرات المراقبة الأمامية للكنيسة التي تم تداولها على نطاق واسع.

شاهد عيان

يروي شاهد عيان لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل مرعبة عاشها الموجودون في محيط الكنيسة. فقرابة الساعة 02:15 ظهراً بتوقيت عمّان دخل مسلحان اثنان وفتحا النار، وبدأت مشاهد الدماء تملء المكان وسط جثث تسبق الدخول لمسرح الجريمة الأكبر داخل صحن الكنيسة.

صورة من شريط فيديو للحظة هجوم المسلحين على الكنيسة التي هاجمها إرهابيان في قرية حمود بالكرك الجمعة (أ.ف.ب)

يقول شاهد عيان كان واقفاً على باب الكنيسة إنه لحظة إطلاق النار لم يستوعب ما يحدث إلا عندما أخطأته رصاصة لتستقر في صدر ابن عمته الواقف بمحاذاته، والذي استُشهد بين يدي الشاهد.

ويزيد صاحب القصة أن لحظة هذيان أصابته بين وفاة ابن عمته بين ذراعيه، ووجود والدة شاهد العيان داخل الكنيسة. وعندها فقط أدرك أن الموت يحاصر المكان، فاندفع والرصاص ينطلق من كل الاتجاهات لنجدة والدته أو افتدائها. ويقول: «لقد ظل إطلاق النار لمدة طويلة، ولم ينجح أحد في ردع المسلحَين».

تلك الصور التي يتحدث شاهد العيان عنها وثّقتها عشرات الفيديوهات التي جرى تداولها على منصات التواصل الاجتماعي، في مشهد غير مسبوق في البلاد استهدف أبناء الطائفة المسيحية في محافظة الكرك التي تُعد حاضنة العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين.

هوية المنفذين؟

كان ذلك قبل أن يُعلن وزير الداخلية الأردني مازن الفراية أن الأردن «أمام عملية إرهابية نفذتها مجموعة من المتطرفين أقدموا على عمل فظيع». ليكشف مدير الأمن العام عبيد الله المعايطة عن ارتفاع عدد الشهداء إلى 7، وارتفاع عدد الإصابات إلى 27 مصاباً.

وكانت الكنيسة استقبلت المعزين بإقامة جنّاز لأحد أفراد العشيرة، وكان المكان مزدحماً بالمعزين، فكان من السهل على المنفذين أن يرتكبا جريمتهما بحق أكبر عدد من الضحايا، وسط تجمع لأبناء القرية الذين عادة ما يجتمعون في مثل هذه المناسبات.

مصادر «الشرق الأوسط» أكدت أن «منفذَي العملية اللذين لاذا بالفرار هما من أبناء المحافظة»، وهما من حملة الفكر التكفيري، وعلى علم بـ«مكان وموعد إقامة الجنّاز»، فكان العمل مدبراً مع سبق الإصرار.

رجل شرطة يتولى الحراسة خارج الكنيسة التي هاجمها إرهابيان في قرية حمود بالكرك الجمعة (أ.ب)

وفي وقت أكدت فيه مصادر «الشرق الأوسط» أنه جرى التعرف على هوية المنفذَين، وأن البحث ما يزال جارياً عنهما، وعن آخرين مشتبه بهم بتشكيل خلية إرهابية، أكدت ذات المصادر أنه تم تطويق مخارج ومداخل المحافظة منعاً لفرار المشتبه بهم.

وأكد اللواء المعايطة «توفر المعلومات عن منفذَي العملية الإرهابية»، وأن «الحديث عن أسماء المشتبه بهم سابق لأوانه»، ورفض المعايطة تحديد مدة لإلقاء القبض على الفارين، وقال: «لا نستطيع تحديد مدة زمنية لانتهائه؛ لأنه مرتبط بطبيعة الموقف».

وليست هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها المحافظة لحادثة إرهابية؛ فقد تابع الكركيون أحداث قلعة الكرك، التي وقعت في ديسمبر (كانون الأول) 2016؛ إذ تمت ملاحقة عناصر ينتمون لتنظيم «داعش»، ليتمكن الإرهابيون من التحصن بقلعة الكرك التي تمت تخبئة أسلحة فيها.

في تلك الحادثة تم حجز رهائن داخل القلعة، واستمرت العملية لأكثر من 15 ساعة، مسفرة عن مقتل 14 من عناصر الأمن ومدنيين وسائحة أجنبية، وإصابة الكثير من الموجودين في محيط القلعة، ومقتل عناصر العملية الأربعة.


وقفات احتجاجية في مدن سورية تنديداً بالتوغلات الإسرائيلية

متظاهر يستخدم ميكروفوناً خلال مظاهرة في درعا ضد التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية (أ.ب)
متظاهر يستخدم ميكروفوناً خلال مظاهرة في درعا ضد التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية (أ.ب)
TT

وقفات احتجاجية في مدن سورية تنديداً بالتوغلات الإسرائيلية

متظاهر يستخدم ميكروفوناً خلال مظاهرة في درعا ضد التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية (أ.ب)
متظاهر يستخدم ميكروفوناً خلال مظاهرة في درعا ضد التوغلات الإسرائيلية في الأراضي السورية (أ.ب)

نفّذ مئات السوريين، الجمعة، وقفات احتجاجية في مدن عدة، وفق ما أفاد به مراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية» والإعلام الرسمي، تنديداً بالتوغلات الإسرائيلية المتكررة في جنوب سوريا والتي أسفرت، هذا الأسبوع، عن مقتل مدني من ذوي الاحتياجات الخاصة.

وتتهم سوريا إسرائيل بانتهاك اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، عبر توغل قواتها المتكرر في جنوب البلاد، ودَهم منازل السكان، واعتقال أفراد منهم، في موازاة تنفيذ قصف مدفعي وأعمال تجريف، وقطع أشجار.

وتجمَّع المعتصمون في مدن عدة، من بينها دمشق ودوما الواقعة شرقها، وفي مدينة حمص (وسط) وفي بلدة خان أرنبة في ريف محافظة القنيطرة (جنوب)، احتجاجاً على «الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة» في محافظتي القنيطرة ودرعا (جنوب).

سيدة تحمل لافتة خلال مظاهرات للتنديد بالتوغلات الإسرائيلية أمام مقر الأمم المتحدة في دمشق (د.ب.أ)

وحمل المعتصمون، وفق مشاهد بثّها التلفزيون السوري الرسمي، الأعلام السورية ولافتات كتب على إحداها «كلنا معاذ»، في إشارة إلى اسم السوري الذي قُتل، الخميس، «برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال توغلها في قرية جملة» في ريف درعا الغربي، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الرسمية «سانا».

ورفع متظاهر آخر لافتة كتب عليها «سوريا لن تكون ساحة مفتوحة للاحتلال».

وقال تيسير الحريري، وهو مسؤول محلي سابق في بلدة بصرى الحرير في درعا: «الوطن السوري واحد جنوباً وشمالاً وشرقاً وغرباً، نحن يد واحدة ضد التوغلات الإسرائيلية».

قوات الأمن السورية تنتشر أمام مقر الأمم المتحدة في دمشق خلال مظاهرات تنديد بالتوغلات الإسرائيلية (أ.ف.ب)

وأمام مقر الأمم المتحدة في دمشق، طالبت عائلة سوري اعتقلته إسرائيل بالإفراج عنه. وحمل أفراد عائلته وبينهم طفلان صغيران لافتات جاء فيها «أريد أبي»، وفق ما شاهد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ إطاحة الحكم السابق أواخر 2024، احتجزت القوات الإسرائيلية 56 شخصاً، لا يزال الجزء الأكبر منهم قيد الاعتقال، وفق مسؤول محلي في محافظة القنيطرة.

ونددت السلطات السورية، الخميس، بمقتل الرجل من ذوي الاحتياجات الخاصة. ورأت «الخارجية»، في بيان، أن «استهداف المدنيين يشكل انتهاكاً خطيراً لقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني».

وشدّدت على أن «استمرار التوغّلات والاعتداءات على المواطنين السوريين يشكل انتهاكاً لسيادة» البلاد «وتهديداً لأمن المنطقة واستقرارها».

وأعرب نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا كلاوديو كوردوني، عبر منصة «إكس»، الخميس، عن أسفه إزاء «مقتل شاب سوري مدني من ذوي الإعاقة على يد القوات الإسرائيلية»، داعياً إسرائيل إلى «احترام سيادة سوريا وسلامة أراضيها والقانون الدولي».

متظاهرون يلوّحون بالعلم السوري خلال وقفات احتجاجية تنديداً بالتوغلات الإسرائيلية المتكررة في جنوب سوريا (أ.ب)

وبعد إطاحة حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، شنّت القوات الإسرائيلية مئات الغارات على سوريا. وتوغّلت قواتها خارج المنطقة العازلة المحاذية لهضبة الجولان التي تحتل معظمها منذ عام 1967، وصولاً إلى جبل الشيخ الفاصل بين لبنان وسوريا. وأعلنت عزمها على إقامة منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، مؤكدة أن قواتها ستبقى في المنطقة.

وعملت القوات الإسرائيلية في الأيام الأخيرة على تجريف حقول واسعة مزروعة بأشجار الزيتون في محافظة القنيطرة. وخاضت السلطات الجديدة مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، بهدف التوصل إلى اتفاق أمني، من دون إحراز أي تقدم بعد.


إيطاليا تدعو لإطلاق سراح 5 ناشطات تحتجزهن إسرائيل في الضفة الغربية

جنود إسرائيليون يقفون بجانب رجل فلسطيني جريح في أعقاب هجوم مستوطنين على فلسطينيين يقطفون الزيتون في الضفة الغربية (أ.ب)
جنود إسرائيليون يقفون بجانب رجل فلسطيني جريح في أعقاب هجوم مستوطنين على فلسطينيين يقطفون الزيتون في الضفة الغربية (أ.ب)
TT

إيطاليا تدعو لإطلاق سراح 5 ناشطات تحتجزهن إسرائيل في الضفة الغربية

جنود إسرائيليون يقفون بجانب رجل فلسطيني جريح في أعقاب هجوم مستوطنين على فلسطينيين يقطفون الزيتون في الضفة الغربية (أ.ب)
جنود إسرائيليون يقفون بجانب رجل فلسطيني جريح في أعقاب هجوم مستوطنين على فلسطينيين يقطفون الزيتون في الضفة الغربية (أ.ب)

قال وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، الجمعة، إن إيطاليا تطالب بالإفراج الفوري عن 5 ناشطات إيطاليات تحتجزهن القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

وأفادت مصادر في وزارة الخارجية الإيطالية بأن النساء الخمس احتُجزن، الخميس، على أيدي الشرطة الإسرائيلية في كريات أربع برفقة ناشطين أجانب آخرين، في أثناء محاولة توفير حماية للمزارعين الفلسطينيين خلال موسم حصاد الزيتون.

وأضاف تاياني للصحافيين على هامش قمة دولية في إسطنبول: «ما حدث أمر غير مقبول، فهن لم يرتكبن أي جريمة»، مضيفاً أنه يأمل في الإفراج عنهن في غضون ساعات، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأوضحت المصادر أن السلطات الإسرائيلية أبلغت دبلوماسيين إيطاليين، في وقت سابق من اليوم، بأن من المتوقع تحويل النساء إلى سلطة الهجرة الإسرائيلية، الجمعة، بانتظار إجراءات الترحيل والإعادة إلى الوطن.

وطلبت «الخارجية الإيطالية»، الخميس، من السلطات الإسرائيلية «توضيحات عاجلة» بشأن توقيف عدد من الناشطات الإيطاليات في الضفة الغربية المحتلة.

وقالت الوزارة، في بيان، إن المواطنات الإيطاليات اعتُقلن «بالتزامن مع نشطاء دوليين آخرين» في قرية البويب جنوب الخليل بالضفة الغربية «في أثناء مرافقتهم مزارعين فلسطينيين في قطف الزيتون».

وخلال موسم الزيتون، هذا العام، قالت السلطات الفلسطينية إن 3 فلسطينيين قُتلوا في هجمات يومية شنها مستوطنون متطرفون، وتسببت هذه الهجمات أيضاً في إصابة عدد من الصحافيين والدبلوماسيين الأوروبيين ورئيس بلدية فرنسي.

وذكرت منظمة «ييش دين» الحقوقية الإسرائيلية أن العنف «جزء من حملة تطهير عِرقي، تمهد الطريق لضم الضفة الغربية من دون سكانها الفلسطينيين».

وتقول إسرائيل، التي سبق أن بحثت فكرة الضم، إنها تحقق في بعض الوقائع.