هل تدعم تركيا تمدد «هيئة تحرير الشام» بالشمال السوري؟

يسود الانطباع لدى فصائل موالية أن غض النظر مقصود... ومعلق تركي ينفي

مقاتلان من «هيئة تحرير الشام» خلال احتفال بتخريج دورة عسكرية في محافظة إدلب شمال غربي سوريا أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
مقاتلان من «هيئة تحرير الشام» خلال احتفال بتخريج دورة عسكرية في محافظة إدلب شمال غربي سوريا أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
TT

هل تدعم تركيا تمدد «هيئة تحرير الشام» بالشمال السوري؟

مقاتلان من «هيئة تحرير الشام» خلال احتفال بتخريج دورة عسكرية في محافظة إدلب شمال غربي سوريا أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
مقاتلان من «هيئة تحرير الشام» خلال احتفال بتخريج دورة عسكرية في محافظة إدلب شمال غربي سوريا أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

على وقع حشودات جديدة لفصائل المعارضة العسكرية السورية، المتحالفة مع تركيا، ولقاءات مكوكية بين العديد من قادة هذه الفصائل، في إدلب وشمال حلب، كانت حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، تابعة لجهاد عيسى الشيخ (أبو أحمد زكور)، القيادي السابق في «هيئة تحرير الشام»، الذي نجا من محاولة اختطاف نفذتها «الهيئة» في شمال حلب قبل حوالي أسبوع، تنشط في الحديث عن اعتقالات وتهديدات جديدة يقوم بها التنظيم.

إلى جانب الحديث عن نية «تحرير الشام»، المعروفة بمختصر «هتش»، بشن هجوم جديد على معاقل «الجيش الوطني» المعارض والمرتبط بعلاقات جيدة مع تركيا، فإن هذه الحسابات كثفت نشر أخبار عن حملة اعتقالات داخلية جديدة في منطقة إدلب، ينفذها «جهاز الأمن العام» التابع لـ«الهيئة»، تستهدف كوادر من كتلة «حلب» وكتلة «الشرقية» اللتين فقدتا خلال الأسابيع الأخيرة اثنين من أبرز قادتهما، في تتويج لصراع جديد يعيشه التنظيم الذي يسيطر على أجزاء واسعة من محافظة إدلب ومحيطها، في الشمال الغربي لسوريا.

لا يمكن التأكد من دقة الأخبار التي تنشرها هذه الحسابات، لكن من غير المستبعد أن تكون قيادة «الهيئة» مستمرة في تطهير صفوفها ممن تعتقد بولائهم لكل من القيادي العراقي ميسرة الجبوري (أبو ماريا القحطاني) المحسوب على «كتلة الشرقية»، و«أبو أحمد زكور» القيادي في «كتلة حلب»، المتهمين بتواصلات خارجية مشبوهة، والإعداد لتنفيذ محاولة انقلاب داخلية.

في أكتوبر (تشرين أول) الماضي، أعلنت «تحرير الشام» اكتشاف خلايا استخباراتية ضمن صفوفها، بعضها مرتبط بقوات التحالف الدولي، والأخرى على تواصل مع روسيا، لكن اللافت كان اعتقال القحطاني بسبب هذا الملف، قبل أن يفر «زكور» إلى مناطق سيطرة «الجيش الوطني» المدعوم من تركيا، شمال حلب، في الثاني عشر من الشهر الحالي، بسبب خشيته من الاعتقال.

لماذا «أعزاز»؟

لم يكن اختيار «أبو أحمد زكور»، مدينة أعزاز، الواقعة على الحدود مع تركيا، شمال حلب، من فراغ، بل اعتماداً على العلاقات الواسعة التي تربطه مع عدد من قادة «الفيلق الثالث» وهو أحد تشكيلات «الجيش الوطني»، مثل «أبو العز سراقب»، و«أبو علي سجو»، و«أبو محمد العزيزي»، وغيرهم.

علاقات كوّنها «زكور» على مدار أكثر من عامين، كان خلالها المسؤول في «هيئة تحرير الشام» عن التواصل والعلاقات مع فصائل الشمال، حيث نجح في استقطاب الكثير من المجموعات المحلية والتشكيلات لكي تكون تابعة أو حليفة لـ«الهيئة».

صورة أرشيفية متداولة لجهاد عيسى الشيخ (أبو أحمد زكور) خلال مرحلة انخراطه المبكر في التنظيمات «الجهادية»

لكن «زكور»، وهو «جهادي» قديم، قاتل مع تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق»، وأسس مع «أبو محمد الجولاني» و«أبو ماريا القحطاني» وغيرهما، تنظيم «جبهة النصرة» في سوريا بعد إطلاق النظام السوري سراحه من سجن صيدنايا عام 2011، الذي ينحدر من عشيرة البكارة في حلب، أصيب بخيبة أمل كبيرة كاد أن يدفع ثمنها غالياً الأسبوع الماضي.

فقد هاجمت مجموعة تابعة لـ«هيئة تحرير الشام»، مساء الثلاثاء، 19 ديسمبر (كانون الثاني) الحالي، مقر «أبو أحمد زكور»، شرق مدينة إعزاز، واشتبكت معه هو وأشقائه ومرافقيه لمدة نصف ساعة، دون أن تصله أي مؤازرات كان يعول عليها من قادة «الفيلق الثالث» الذين وعدوه بالحماية، ما اضطره للاستسلام.

نجاة بمحض الصدفة؟

غير أن زكور، ومن معه، «نجوا عن طريق الصدفة»، كما يؤكد مصدر في «الجيش الوطني» لـ«الشرق الأوسط»، حيث اشتبك عناصر «الهيئة» الذين كانوا يقلون المعتقلين، مع عناصر حاجز عسكري تابع لـ«فرقة الحمزة»، أحد مكونات «الفيلق الثاني» في «الجيش الوطني»، خلال طريقهم إلى إدلب عبر ريف مدينة عفرين.

وترتبط قيادة «الفرقة» بعلاقات وثيقة مع قيادة «الهيئة»، لكن وحسب المصدر، فإن عناصر الحاجز لم يكونوا يعرفون الجهة الأخرى التي رفضت أوامرهم بالتوقف فاشتبكوا معها، بينما ظن عناصر «الهيئة» أن أوامر تركية وجهت لـ«الجيش الوطني» بالتدخل وإنقاذ «أبو أحمد زكور» ومن معه، فتركوهم واضطروا للفرار.

تضيف المصادر أن «(زكور) ومن معه احتجزوا لدى عناصر الحاجز لمدة تجاوزت الساعة، قبل أن تأتي قوة من المخابرات التركية لاصطحابهم إلى المربع الأمني التابع لفصائل المعارضة السورية، في بلدة حوار كليس، قرب إعزاز».

كانت وسائل الإعلام قد تحدثت عن تدخل قوة مشتركة من الشرطة العسكرية التابعة لـ«الجيش الوطني» ومن المخابرات التركية في تلك الليلة «لإنقاذ زكور».

لكن مصادر «الشرق الأوسط» تؤكد أن الطرفين لم يكونا معنيين إطلاقاً بإنقاذه، لولا إلحاح مسؤولي الحاجز على تسلمه، ولولا تردد عناصر «الهيئة» في المواجهة، خشية أن تكون تطورات قد حدثت فجأة دون علمهم في تلك اللحظة وجعلت «الجيش الوطني» يتحرك، لما نجا هو وكل من اعتقل معه، ما يطرح تساؤلات جديدة حول طبيعة الموقف التركي من هذه التطورات بشكل خاص، وتوجهات أنقرة بخصوص مناطق نفوذها شمال سوريا، بشكل عام.

تدريبات لمقاتلين في «هيئة تحرير الشام» بمحافظة إدلب أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

مواقف تركية متضاربة

هذه الحادثة كانت بمثابة «قطع الشك باليقين» لدى الكثير من قادة تشكيلات «الجيش الوطني»، الذين يرفضون حتى الآن التعامل أو التحالف مع «هيئة تحرير الشام»، بخصوص جدية تركيا في مساعدتهم على مواجهة تمدد «الهيئة» شمالاً.

هذا ما يؤكده أحد قادة «الجيش» المتحالف مع أنقرة، الذي طلب عدم الكشف عن هويته. وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أنه طيلة العامين الماضيين كانت هناك مواقف متضاربة داخل جهاز المخابرات التركي المسؤول عن شمال سوريا، مضيفاً: «فبينما كان معاون رئيس الجهاز يصر علينا باستمرار للتصدي للهيئة، ويقدم وعوداً بالدعم والمؤازرة، كنا نجد أنفسنا وحيدين في كل مواجهة».

ويشير القيادي، الذي سبق وأصيب في إحدى المواجهات مع «هيئة تحرير الشام» بالشمال السوري، إلى أن «التدخل العسكري التركي كان يحصل بعد انتهاء المعارك، ما يسهم في تثبيت الأمر الواقع الذي تفرضه (الهيئة) على الأرض، بسبب فارق القوة وامتناع غالبية الفصائل عن المشاركة في القتال ضدها، الأمر الذي ولّد قناعة لدى الكثيرين، أن أنقرة غير معنية بكبح جموح (الجولاني) أو التصدي لطموحاته في الشمال، وأن ما حدث مع القيادي المنشق عنه (أبو أحمد زكور) يؤكد ذلك»، حسب المصدر.

ولا يمكن لهذا القيادي الذي تحدث إلينا، أن يجزم، ما إذا كانت تركيا تريد سيطرة كاملة لـ«هيئة تحرير الشام» على مناطق نفوذها بالشمال، أم أنها «لا تعارض ذلك وحسب»، إلا أن المعطيات الميدانية تؤكد أن «الهيئة» باتت تتمتع بنفوذ كبير وواسع هناك، مستفيدة من انقسامات وصراعات قادة وفصائل «الجيش الوطني»، وتراخي أنقرة حيالها.

نفي تركي

ينفي الكاتب والإعلامي التركي المقرب من «حزب العدالة والتنمية» الحاكم، د. يوسف كاتب أوغلو، أن تكون لبلاده أي تحيزات في هذا الصراع، مؤكداً أن هدفها الوحيد في شمال سوريا هو محاربة «التنظيمات الإرهابية»، في مقدمتها «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد).

ويشير كاتب أوغلو، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «هذه الخلافات بين الفصائل التابعة لتركيا أو المتحالفة معها تؤثر على هذا الهدف، ولذلك فإنها تعمل باستمرار على معالجتها، دون الوقوف بجانب طرف على حساب طرف آخر».

صور تداولها ناشطون لحشود عسكرية خلال مواجهات صيف 2022 بين فصائل المعارضة في شمال سوريا

ويحدد كاتب أوغلو سببين أساسيين يسهمان في هذه الخلافات داخل «الجيش الوطني»، ويصعبان من مهمة معالجتها بشكل ناجز حتى الآن، كما يقول. «الأول هو الطموحات والمصالح الشخصية لبعض القادة المتصارعين، والثاني الانتماءات المناطقية والعشائرية التي تدفع بعضهم البعض للتناحر باستمرار، على عكس (هيئة تحرير الشام)، التي تمكنت قيادتها من إرساء قواعد حكم وإدارة داخل التنظيم، وفي مناطق سيطرتها، ما جعلها تتجاوز باستمرار أي مشكلات داخلية، وتفكر بتوسيع نفوذها كما يحدث مؤخراً».

وبينما يعتقد البعض أن أنقرة يئست من إمكانية إصلاح مؤسسة «الجيش الوطني»، لذلك هي تريد بالفعل أن تمد «هيئة تحرير الشام» نفوذها إلى مناطق سيطرة «الجيش» في الشمال، يرى آخرون أنه كان بإمكان تركيا وضع حد لكل هذه المشكلات لو أرادت. لكن، وحسب أصحاب هذا الرأي، فإن أنقرة، «وكما تصرفت حيال مؤسسات المعارضة السياسية، تسعى لإضعاف فصائل المعارضة العسكرية، كي تضمن استمرار هيمنتها عليها وتحكمها بها».

لكن د. يوسف كاتب أوغلو يسجل استغرابه من هذه المقاربة، متسائلاً: «ما هي مصلحة أنقرة في إضعاف حلفائها العسكريين والفصائل التي تعتمد عليها في قتال المجموعات الانفصالية الكردية التي تهدد أمنها القومي؟ في وقت لا يزال تنفيذ عملية خامسة واسعة ضد هذه المجموعات، في شمال شرق سوريا أمراً قائماً وقد يكون قريباً جداً»، حسب تعبيره.


مقالات ذات صلة

معارك الظل في سوريا... محاربة «داعش» وإعادة بناء الدولة

خاص سوريون يحتفلون في الساحات العامة بسقوط نظام الأسد 8 ديسمبر 2025 (الشرق الأوسط)

معارك الظل في سوريا... محاربة «داعش» وإعادة بناء الدولة

بين واجهة احتفالية مصقولة وعمق اجتماعي منهك وتحديات أمنية هائلة تواجه سوريا سؤالاً مفتوحاً حول قدرة الدولة الناشئة على التحول من حالة فصائلية إلى مفهوم الدولة.

بيسان الشيخ (دمشق)
المشرق العربي جانب من عملية تسليم جنود النظام السابق أسلحتهم لقوات الحكومة الجديدة في اللاذقية يوم 16 ديسمبر 2024 (نيويورك تايمز)

بناء الجيش أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة السورية

يتمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة السورية الناشئة في إعادة بناء القوات العسكرية في البلاد.

رجاء عبد الرحيم (حلب، سوريا)
المشرق العربي جندي من وزارة الدفاع السورية خلال جولة داخل ما كانت يوماً قاعدة عسكرية إيرانية جنوب حلب (أ.ف.ب)

خفايا الانسحاب الإيراني من سوريا... أفرغوا المراكز وهربوا عبر «حميميم»

أبلغ قائد إيراني مسؤول عن ضباط وجنود سوريين يخدمون تحت إمرته أنه «بعد اليوم لن يكون هناك (حرس ثوري) إيراني في سوريا».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أوروبا وزير الخارجية السابق ديفيد لامي زار دمشق في يوليو الماضي والتقى الشرع وعدد من المسؤولين السوريين  (وزارة الخارجية البريطانية)

بريطانيا تحذف «هيئة تحرير الشام» السورية من قائمة المنظمات الإرهابية

قالت بريطانيا إنها قررت حذف «هيئة تحرير الشام» السورية من قائمة المنظمات الإرهابية، مشيرة إلى أن هذا القرار سيسمح بتعزيز التواصل مع الحكومة السورية الجديدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي الشرع: إعادة إعمار سوريا تكلف 900 مليار دولار وتتطلب دعماً دولياً واسعاً

الشرع: إعادة إعمار سوريا تكلف 900 مليار دولار وتتطلب دعماً دولياً واسعاً

شدد الرئيس السوري أحمد الشرع على أن إعادة إعمار البلاد ضمن أولويات الدولة، مشيراً إلى أن تكلفة هذه العملية تتراوح بين 600 و900 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (لندن)

إهراءات مرفأ بيروت... خطة حكومية لحماية الأمن الغذائي وذاكرة انفجار المرفأ

وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

إهراءات مرفأ بيروت... خطة حكومية لحماية الأمن الغذائي وذاكرة انفجار المرفأ

وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط (الوكالة الوطنية للإعلام)

في تطور جديد ذي أبعاد اقتصادية اجتماعية، كلّفت الحكومة اللبنانية وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط البدء بإجراءات بناء إهراءات قمح جديدة في مرفأ بيروت، وهو قرار لطالما شكّل موضع خلاف مع أهالي ضحايا انفجار الرابع من أغسطس (آب) 2020، الذين يرفضون أي خطوة تمسّ بالإهراءات القديمة قبل تحقيق العدالة والمحاسبة.

ما تبقى من إهراءات القمح بمرفأ بيروت بعد الانفجار الهائل في أغسطس 2020 (أ.ف.ب)

ومع تأكيد وزير الاقتصاد عامر البساط على أن تأمين القمح أولوية للأمن الغذائي لا تحتمل التأجيل، يؤكد أن العمل على خطة بناء الإهراءات سيكون في موازاة العمل على خطة تحويل الإهراءات القديمة إلى مَعلم سياحي بعدما قرر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في 5 أغسطس 2025 التراجع عن قرار هدم ما تبقّى من صوامع القمح في إهراءات مرفأ بيروت، الذي اتخذته الحكومة السابقة، والذي سمح بهدمها.

وكان قد سبق قرار الحكومة إعلان وزير الثقافة غسان سلامة عن قرار إدراج الإهراءات على «لائحة الجرد العام للأبنية التاريخية»، استجابة لطلب أهالي ضحايا تفجير المرفأ، مما يؤدّي إلى إيقاف أي قرار بهدمها، وحمايتها باعتبارها جزءاً من التراث العمراني للعاصمة بيروت.

خطة متكاملة

ويلفت وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط إلى أن قرار الحكومة إعداد خطة استراتيجية متكاملة لتأمين مخزون القمح والحبوب على المديين المتوسط والطويل، جاء بعدما نتج عن انفجار بيروت فراغ استراتيجي في قدرة الدولة على تخزين القمح.

ويقول البساط لـ«الشرق الأوسط» إن غياب الإهراءات بعد انفجار المرفأ أدّى إلى اعتماد طرق تخزين غير منظّمة، ما يعرّض البلاد لمخاطر كبيرة في حال حصول أي طارئ أمني أو لوجستي، ويجبر الدولة على استيراد القمح بشكل عاجل وبتكلفة مرتفعة، فضلاً عما يرافق ذلك من صعوبات في التوزيع.

ويلفت إلى أنّ لبنان يستهلك سنوياً أكثر من 600 ألف طن من القمح، في حين لا يتجاوز الإنتاج المحلي حدود 50 ألف طن، ما يجعل البلاد تعتمد بنسبة تتراوح بين 85 و90 في المائة على الاستيراد.

لقطة عامة لمرفأ بيروت... ويظهر في وسطها مبنى الإهراءات المعرّض لتدمير جزئي نتيجة الانفجار عام 2020 (رويترز)

ثلاثية المواقع وسعة تخزين لستة أشهر

ويوضح البساط أنه «سيتم بناء الإهراءات الجديدة في مكان منفصل عن القديمة التي سبق أن اتُّخذ قرار بعدم هدمها، ويتم العمل على خطة بشأنها لتحويل المكان إلى مَعلم سياحي»، مضيفاً أن «الإهراءات الجديدة سيتم بناؤها داخل المرفأ، ولكن في موقع مختلف، ضمن رؤية وطنية شاملة، تشمل أيضاً البقاع وطرابلس في الشمال».

وكشف البساط أنّ الحكومة أعدّت دراسة تهدف إلى تأمين مخزون استراتيجي من القمح يكفي لمدة ستة أشهر، بقدرة تخزين إجمالية تصل إلى 414 ألف طن، منها 235 ألف طن في بيروت والبقية ستتوزع بين طرابلس والبقاع.

وذكّر البساط بأنّ الإهراءات القديمة كانت تستوعب نحو 150 ألف طن فقط، ما يبرز الحاجة الملحّة إلى منشآت حديثة تتلاءم مع حجم الاستهلاك والمخاطر القائمة.

التمويل والتنفيذ

وعلى صعيد التنفيذ، أوضح وزير الاقتصاد أنّ العمل سيبدأ بالمرحلة الأولى في بيروت، حيث يُتوقّع وضع حجر الأساس خلال أشهر، في حال سارت الأمور وفق المخطط. وستكون الخطوة الأولى تقنية وهندسية، تتضمن إعداد دراسة تفصيلية بتمويل من الصندوق الكويتي عبر منحة تبلغ قيمتها نحو 1.5 مليون دولار، وتحتاج إلى عدة أشهر لإنجازها.

أما المرحلة الثانية، فتتعلق بتمويل الإهراءات؛ إذ تُقدَّر التكلفة الإجمالية للمشروع بنحو 250 مليون دولار، منها نحو 125 مليون دولار لإهراءات بيروت. وأشار البساط إلى وجود وعد بتمويل مبدئي من الصندوق الكويتي، إضافة إلى العمل مع دول عربية صديقة لاستكمال تأمين التمويل، بالتوازي مع إعداد الخطة التنفيذية.

الإهراءات القديمة: بين الذاكرة والمخاطر

في ما يتعلّق بإهراءات مرفأ بيروت القديمة، شدّد البساط على أنّ التعامل معها لا يقتصر على الجانب الهندسي، بل يشمل أبعاداً اجتماعية ومعنوية وأخلاقية، نظراً لارتباطها بذاكرة انفجار المرفأ. ولفت إلى وجود توجّه لتحويلها إلى مَعلم تذكاري وسياحي، على غرار تجارب عالمية مثل «جدار برلين»، مع إنشاء حديقة لتخليد ذكرى الضحايا.

غير أنّ هذا الخيار يواجه تحديات كبيرة، أبرزها التكلفة المرتفعة، والمشكلة البيئية الناتجة عن وجود نحو 40 ألف طن من القمح المتضرر داخل الإهراءات، فضلاً عن المخاوف من سلامة المبنى وإمكانية انهياره، رغم وجود تطمينات هندسية أولية حول متانته.

ويشير هنا إلى تشكيل لجنة وزارية تعمل بالتعاون مع مؤسسات متخصصة لإجراء تقييم شامل للمخاطر ودراسة الخيارات الممكنة، مع ترجيح اللجوء إلى مناقصة دولية لتنفيذ مشروع المَعلم السياحي في المكان.

ما تبقّى من الإهراءات المدمرة في مرفأ بيروت (رويترز)

وختم البساط مؤكداً أنّ الحكومة حريصة على إشراك أهالي ضحايا انفجار المرفأ في مسار النقاش، بانتظار استكمال المسار القضائي للقضية، معتبراً أنّ الحفاظ على الذاكرة لا يتعارض مع ضرورة تأمين الأمن الغذائي للبنانيين، بل يشكّل جزءاً من مسؤولية الدولة.


«قسد» تنفي منع المدنيين من مغادرة مدينة دير حافر شرق حلب

سوريون يغادرون دير حافر (إ.ب.أ)
سوريون يغادرون دير حافر (إ.ب.أ)
TT

«قسد» تنفي منع المدنيين من مغادرة مدينة دير حافر شرق حلب

سوريون يغادرون دير حافر (إ.ب.أ)
سوريون يغادرون دير حافر (إ.ب.أ)

نفت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مساء الخميس، اتهامات وزارة الدفاع السورية لها بمنع المدنيين من مغادرة مدينة دير حافر، شرق حلب.

وقالت «قسد»، في بيان: «نؤكد أن تعطل حركة المدنيين في المنطقة ناتج عن التصعيد العسكري، والتحشيد، والقصف المستمر الذي تنفذه فصائل دمشق».

وحذرت من أن «أي تهجير للمدنيين تحت التهديد باستخدام القوّة من طرف دمشق يُعد جريمة حرب»، ودعت المجتمع الدولي إلى «إدانة هذه الأساليب الخطيرة التي من شأنها أن تؤدي إلى تهجير أكثر من 170 ألف مدني، في ظل الظروف الجوية السيئة».

كان الجيش السوري قد أعلن، في وقت سابق، الخميس، تمديد مدة الممر الإنساني قرب بلدة دير حافر بشرق حلب يوماً آخر لتسهيل عبور المدنيين لينتهي غداً الجمعة، الساعة الخامسة مساء بالتوقيت المحلي.

وقالت هيئة العمليات في الجيش السوري لـ«وكالة الأنباء السورية» إن مجموعات من ميليشيات «حزب العمال الكردستاني» المتحالفة مع «قسد» تمنع المدنيين من المرور عبر الممر الإنساني قرب دير حافر.

وهدد الجيش السوري باستهداف أي موقع يقوم بعرقلة مرور المدنيين «بالطريقة المناسبة»، مشيراً إلى الانتهاء من كل التحضيرات الميدانية لتأمين المنطقة.

وأعلنت الإدارة الذاتية الكردية بشمال وشرق سوريا، اليوم، إغلاق معابر الطبقة والرقة ودير الزور حتى إشعار آخر في ظل «التطورات الأمنية الخطيرة التي تشهدها المعابر».


«لجنة غزة» تتطلع للإعمار التام في 7 سنوات... وإسرائيل ترى المرحلة الثانية «رمزية»

صورة التقطت يوم الخميس لخيام مؤقتة للنازحين مقامة وسط الدمار بمدينة غزة (أ.ب)
صورة التقطت يوم الخميس لخيام مؤقتة للنازحين مقامة وسط الدمار بمدينة غزة (أ.ب)
TT

«لجنة غزة» تتطلع للإعمار التام في 7 سنوات... وإسرائيل ترى المرحلة الثانية «رمزية»

صورة التقطت يوم الخميس لخيام مؤقتة للنازحين مقامة وسط الدمار بمدينة غزة (أ.ب)
صورة التقطت يوم الخميس لخيام مؤقتة للنازحين مقامة وسط الدمار بمدينة غزة (أ.ب)

أظهر رئيس لجنة إدارة قطاع غزة، علي شعث، تفاؤلاً لافتاً بإتمام عملية إعمار القطاع الفلسطيني في غضون 7 سنوات بعد حرب إسرائيلية مدمرة استمرت لنحو عامين، وذلك في مقابل محاولات إسرائيلية للتقليل من إعلان بدء المرحلة الثانية من خطة السلام في القطاع، واعتبارها «رمزية».

وأشار شعث، الذي تم تسميته لإدارة غزة بموجب اتفاق مدعوم من الولايات المتحدة، في مقابلة مع إذاعة فلسطينية، الخميس، إلى خطة طموحة تشمل نقل ​ركام الحرب إلى البحر المتوسط وإعادة بناء البنية التحتية المدمرة في غضون 3 سنوات.

وجاء تعيين المهندس المدني ونائب وزير التخطيط السابق، إيذاناً ببدء المرحلة التالية من خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، لإنهاء الحرب الإسرائيلية في غزة. وسيرأس شعث مجموعة من 15 خبيراً فلسطينياً مكلفين بإدارة القطاع الفلسطيني بعد سنوات من حكم حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس).

وبموجب خطة ترمب، انسحبت إسرائيل من نصف غزة تقريباً، لكن قواتها لا تزال تسيطر على النصف الآخر، وهو عبارة عن منطقة سويت جميع المباني فيها تقريباً بالأرض. وكان ترمب قد طرح فكرة تحويل غزة إلى ما سماه «ريفييرا الشرق الأوسط».

68 مليون طن من الركام

وتنتظر شعث مهمة تكتنفها الضبابية، تتمثل في إعادة بناء البنية التحتية المدمرة في القطاع، وإزالة ما يقدر بنحو 68 مليون طن من الأنقاض والذخائر غير المنفجرة، في ظل استمرار تبادل إطلاق النار بين إسرائيل ‌و«حماس».

وبعد جولات سابقة ‌من القتال مع إسرائيل، استخدم الفلسطينيون في غزة أنقاض الحرب كمواد أساسية لبناء الميناء ‌التاريخي ⁠في ​مدينة غزة، وفي ‌مشاريع أخرى. وفي مقابلة مع إذاعة فلسطينية، الخميس، اقترح شعث نهجاً مماثلاً. وقال شعث: «لو أنا جبت جرافات وزقيت الركام في البحر وعملت في البحر جزر جديدة... أرض جديدة، بكسب أرض لغزة وبنظف الركام... مش هياخد أكتر من 3 سنين، الركام يكون رايح كله».

جانب من الدمار في جباليا شمال غزة جراء الغارات الإسرائيلية (رويترز)

وقال إن الأولوية القصوى بالنسبة له هي توفير الإغاثة العاجلة، وهو ما يشمل إقامة مساكن مؤقتة للنازحين الفلسطينيين. أما الأولوية الثانية فستكون إعادة تأهيل «البنية التحتية الأساسية والحيوية»، تليها إعادة تشييد المنازل والمباني. وقال: «ستعود غزة أفضل مما كانت عليه في غضون 7 سنوات».

https://www.facebook.com/basmaaradio/videos/في المائةD8في المائةB1في المائةD8في المائةA6في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةB3-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة85في المائةD9في المائة81في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةB6في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةB7في المائةD9في المائة86في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA9-في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةA5في المائةD8في المائةAFفي المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةB1في المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةBAفي المائةD8في المائةB2في المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةAF-في المائةD8في المائةB9في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة8A-في المائةD8في المائةB4في المائةD8في المائةB9في المائةD8في المائةAB-في المائةD9في المائة81في المائةD9في المائة8A-في المائةD8في المائةADفي المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةB1-في المائةD8في المائةAEفي المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةB5-في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةA8في المائةD8في المائةB3في المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةA9/915355977618802/

وفقاً لتقرير من الأمم المتحدة عام 2024، فإن إعادة تشييد منازل غزة المدمرة ستستغرق حتى 2040 على الأقل، وقد تستمر لعدة عقود.

تحديات وعقبات

ومن شبه المؤكد أن تقييم شعث المتفائل للجدول الزمني لإعادة إعمار غزة سيواجه تحديات، فيما يسعى الوسطاء للاتفاق على شروط ‍نزع سلاح «حماس»، التي ترفض التخلي عن أسلحتها، ونشر قوات حفظ السلام في القطاع.

ومن غير الواضح كيف ستمضي لجنة شعث في إعادة الإعمار والحصول على تصاريح لاستيراد واستخدام الآليات والمعدات الثقيلة التي تحظرها إسرائيل عادة.

سائق يجلس بجوار شاحنته المحملة بمعدات إعادة الإعمار المتجهة إلى غزة أثناء انتظاره عبور معبر رفح في فبراير الماضي (إ.ب.أ)

وقال شعث إن نطاق اختصاص اللجنة الفلسطينية سيبدأ بالأراضي التي تسيطر عليها «حماس»، ويتوسع تدريجياً مع استمرار الانسحاب ​العسكري الإسرائيلي، وفق ما تنطوي عليه خطة ترمب. وقال شعث، في المقابلة الإذاعية: «بمجرد ما تبدأ المرحلة الثانية، تبدأ عملية الانسحاب التدريجي إلى شرق حدود القطاع، وبالتالي كلما تم الانسحاب تزداد مساحة صلاحيات المفوضية على الأرض الفلسطينية، تبدأ بنحو 50 في المائة الآن، إللي هي موجودة غرب الخط الأصفر، ومن ثم الخط الأصفر سينحدر تدريجياً بعد إتمام الاتفاقيات الأخرى، كل على حدة، وبالتالي صلاحياتها (اللجنة) هي كل غزة 365 كيلومتراً مربعاً من البحر إلى الحدود الشرقية».

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

خطوة رمزية

وعلى الرغم من أن إعلان ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب، إطلاق عملية الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة إنهاء الحرب على غزة، تم بالتنسيق التام مع الحكومة الإسرائيلية، حاول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو التخفيف من أهميتها، واعتبرها «خطوة رمزية لا أكثر».

وتم تسريب ورقة توجيه للوزراء، يُطلب منهم فيها عدم التعليق، والتوضيح بأن «الطريق طويل جداً حتى يحكم على هذا المسار».

وسعت الورقة إلى التخفيف من الإعلان الأميركي، إذ تم التأكيد على أن الرئيس دونالد ترمب ليس هو من أعلن عن الانتقال إلى المرحلة الثانية، بل أرسل مستشاره ليفعل ذلك بتواضع عبر الشبكات الاجتماعية.

وأشار المعلقون الإسرائيليون إلى أن ويتكوف لم يتطرق إلى الممارسات الإسرائيلية، ولم «يتوقع» من تل أبيب أن توقف عمليات القصف اليومية التي تؤدي إلى قتل مواطنين فلسطينيين أبرياء في كل يوم في غزة (منذ وقف النار قبل 3 أشهر قتل 446 فلسطينياً وجرح أكثر من 1200).

وكان أول ردّ فعل إسرائيلي على إعلان ويتكوف هو اتصال نتنياهو مع تليك وايتسيك غوئيلي، والدي الجندي ران غفيل، الذي لا تزال جثته في غزة، وهما موجودان في واشنطن، وأجريا عدة لقاءات مع المسؤولين هناك، بمن فيهم ويتكوف، حيث يطالبان بوقف تطبيق خطة ترمب إلى حين تحرير جثة ابنهما.

وأبلغهما نتنياهو بأن إعادة ران هي في رأس اهتمامه، وأن «الخطوة الإعلامية الرمزية عن إقامة لجنة تكنوقراط لن تؤثر على جهود إعادة ران للدفن في إسرائيل».

وقال نتنياهو إن «(حماس) مطالبة اليوم بأن تستوفي متطلبات الاتفاق في بذل 100 في المائة من الجهد لإعادة المخطوفين الضحايا حتى آخرهم؛ ران غفيلي بطل إسرائيل».

وكان ردّ الفعل الثاني من تل أبيب هو منع رئيس لجنة الحكم الانتقالي في غزة، د. علي شعث، من مغادرة البلاد إلى الأردن لعقد أول اجتماع للجنة في القاهرة. وقد تدخل ويتكوف حتى تغير إسرائيل قرارها.

وكشفت مصادر سياسية في تل أبيب أن حكومة نتنياهو ما زالت تتمسك بسياستها التقليدية، تجاه الخطة الأميركية. فهي تعمل كل ما بوسعها لعرقلة تقدمها، لكنها لا تجرؤ على الدخول في صدام مع الرئيس ترمب حولها.

وخرجت معظم وسائل الإعلام العبرية، الخميس، بتقارير موجهة، تؤكد فيها أن «حماس» ليست جادة في الانسحاب من المشهد الفلسطيني. وهي تتراجع خطوة إلى الوراء، بقبول لجنة المرحلة الانتقالية بقيادة شعث، من أجل خطوتين إلى الأمام.

وزعم إيال عوفر، أحد الخبراء الإسرائيليين في شؤون «حماس»، أن العملية التي تجري في قطاع غزة تشكل ركناً أساسياً في خطة «حماس» الاستراتيجية. فهي ترمي إلى السيطرة على السلطة الفلسطينية برمتها، في غزة وفي الضفة الغربية، خلال 5 أو 10 سنوات. وكل ما يجري اليوم يخدم هذا الهدف.

وترى الصحيفتان؛ «يديعوت أحرونوت» و«معاريف» أن «حماس» ستقع في مطب عندما يحين الحديث عن تسليم أسلحتها، «فهي لن تسلم هذه الأسلحة، وعندها سيكون على إسرائيل أن تتدخل وتستأنف الحرب».

وبحسب تلك المصادر، فإن «الجيش الإسرائيلي وضع خطة عسكرية شاملة لاستئناف الحرب على غزة، عندما يتلقى الأمر بذلك من الحكومة».