الحرب الروسية ــ الأوكرانية في 2023... خرائط القتال جامدة ولا أفق لتسوية

غياب «فاغنر» وتعثر هجوم كييف المضاد... وموسكو «متماسكة» ومعسكر الغرب يهتز

TT

الحرب الروسية ــ الأوكرانية في 2023... خرائط القتال جامدة ولا أفق لتسوية

جنديان أوكرانيان من «لواء الدفاع الإقليمي 123» في موقع بجوار نهر دنيبرو في مكان غير معلوم في خيرسون (أ.ف.ب)
جنديان أوكرانيان من «لواء الدفاع الإقليمي 123» في موقع بجوار نهر دنيبرو في مكان غير معلوم في خيرسون (أ.ف.ب)

لم يكن 2023، وهو العام الثاني للحرب الروسية ــ الأوكرانية سهلاً على موسكو، فالضغوط المتواصلة على جبهات القتال، ومحاولة الجيش الروسي الخروج من عقدة الانسحاب من خيرسون قبل أسابيع قليلة، وتحسين مواقعه على خطوط التماس، ارتبطت مع تحولات نوعية في حجم وطبيعة الأسلحة الغربية التي انهمرت على أوكرانيا. وانتقلت الحرب إلى داخل العمق الروسي مع توسيع استهدافات منشآت حيوية في موسكو ومدن عديدة أخرى، بالطائرات المسيرة.

وتزامن ذلك مع تطورات داخلية غير مسبوقة بلغت ذروتها منتصف العام تقريباً عندما حبس العالم أنفاسه وهو يراقب مشهد التمرد العسكري الذي كاد يفضي إلى فوضى داخلية واسعة.

تماسك روسي

لكن المقلب الآخر من المشهد لم يكن مريحاً لكييف وحلفائها أيضاً. أظهرت مجريات العام أن الاقتصاد الروسي نجح في الصمود، وبدأ يتعايش مع الظروف الجديدة ويحقق اختراقات مهمة. كما أن الهجوم الأوكراني المضاد الذي طال التحضير له، لم ينجح على مدى أشهر في تحقيق اختراق جدي على الجبهات.

وفي الساحة السياسية للحلفاء، بدا أن عام 2023 حمل هزة كبيرة، انعكست في اتساع التباينات داخل البيت الأوروبي، حول جدوى معاداة الكرملين وآفاق العلاقة معه. كما برزت في زيادة حدة السجالات في الغرب، حول ملف المساعدات المقدمة لأوكرانيا مالياً وعسكرياً.

أسلحة نوعية لأوكرانيا

في بداية العام، بدا أن قرار حلف شمال الأطلسي (الناتو) بفتح الأبواب أمام الأعضاء لتقديم طرازات جديدة من الأسلحة إلى الأوكرانيين، قد دشن مرحلة جديدة من الصراع، باتت تهدد أكثر بانزلاق الوضع نحو مواجهة مباشرة مع بعض أعضاء الحلف.

وبدا أن توسيع إمدادات كييف بدبابات «ليوباردو» الألمانية، ودخول دبابات «أبرامز» الأميركية في وقت لاحق، هدف إلى تعويض سريع للنقص لدى الجيش الأوكراني في سلاح الآليات الثقيلة، وتحقيق توازن مع القوات الروسية. تزامن ذلك مع إمداد أوكرانيا بأنظمة صاروخية متطورة، وبعضها بعيد المدى للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب. وكذلك توسيع حزمة المساعدات الغربية لتصل إلى مستوى لم يسبق تقديمه لأي بلد منذ الحرب العالمية.

ساهم ذلك، مع اتساع تصنيع الطائرات المسيرة بدعم غربي في توسيع مجالات النطاق الجغرافي للعمليات واستهداف مواقع روسية، وكذلك زيادة الضغط الناري على شبه جزيرة القرم، التي تعرضت منشآت عسكرية فيها لهجمات متواصلة طوال أشهر. وفي العمق الروسي نجح ضغط المسيرات في شل حركة مطارات كبرى، وتوجيه ضربات إلى منشآت حساسة بينها قواعد عسكرية ومستودعات للأسلحة أو للوقود.

في المقابل، وسعت القوات الروسية نشاطها في استهداف المعدات الغربية، وزادت الضغط العسكري بشكل قوي على المدن الكبرى مستهدفة محطات الكهرباء وإمدادات المياه ومحطات الوقود ومنشآت البنى التحتية. ووسعت موسكو دائرة ضرباتها مع انهيار صفقة الغذاء لتشمل الموانئ ومراكز تخزين الحبوب والأسمدة في مسعى لمنع أوكرانيا من إنجاح جهود استمرار الصادرات عبر طرق بديلة.

تمرد «فاغنر»

شكل التمرد العسكري لمجموعة «فاغنر» في منتصف العام الحدث الأكبر خلال العام، وقد هز المجتمع الروسي بقوة، وكاد يسفر عن نتائج كارثية لولا مسارعة الكرملين إلى احتواء الموقف.

بدأ الصراع يحتدم بقوة بين «فاغنر» والمؤسسة العسكرية منذ الربيع، وانتقل إلى العلن بعدما كان يحاط بسرية وكتمان طوال أشهر.

وفي بداية أبريل (نيسان)، وجّه مؤسس «فاغنر» يفغيني بريغوجين انتقادات حادة للجيش ووزارة الدفاع، ولوح بسحب قواته من مدينة باخموت بعدما اتهم وزير الدفاع سيرغي شويغو بـ«خذلان» المدافعين عن المدينة عبر حجب الإمدادات العسكرية عنهم. هذا التهديد، سرعان ما تحول إلى حملة واسعة لتعبئة الرأي العام ضد المؤسسة العسكرية ولدعم «فاغنر»، تجلت من خلال انحياز الأحزاب السياسية لمطالب المجموعة وانتقاد «البيروقراطية العسكرية». وقد يكون هذا واحداً من الأسباب التي حفزت بريغوجين على تطوير هجومه على وزارة الدفاع، وشروعه بسحب قواته من باخموت في 25 مايو (أيار)، رغم أنه لم يكن قد بقي على سقوط المدينة الاستراتيجية بأيدي القوات الروسية إلا كيلومترات قليلة كانت تتحصن فيها المقاومة الأوكرانية.

خرجت «فاغنر» من المدينة ليسجل النصر فيها، بعد معارك عدت الأطوال على كل الجبهات، لصالح الجيش وليس للمجموعة التي خاضت فيها قتالاً ضارياً لتسعة أشهر. وكان هذا أحد أسباب تسريع التمرد العسكري إلى جانب محاولة وزارة الدفاع فرض نظام التعاقد على مقاتلي «فاغنر»، وهو أمر رفضه بريغوجين بقوة.

ليلة 23 يونيو (حزيران) كانت حاسمة عندما نجح مقاتلو «فاغنر» في السيطرة على منشآت عسكرية حساسة بينها قيادة غرفة العمليات في مدينة روستوف. واستولت المجموعة بسرعة مذهلة على عدة مدن حدودية وتوجهت كتائب منها إلى موسكو، وأعلن بريغوجين أنه «سيعلق مشنقة شويغو في الساحة الحمراء»، كما لمح إلى ضرورة إعلان الرئيس فلاديمير بوتين موقفاً «قبل فوات الأوان»، في حين وصف الرئيس المتمردين بأنهم «خونة ويجب معاقبتهم».

تعامل الكرملين بحذر وسرعة مع التطور الذي شد أنظار العالم. وتم الإعلان بشكل مفاجئ عن «وساطة» بيلاروسية أسفرت عن وقف تقدم القوات على بعد 200 كيلومتر من موسكو. وقضى الاتفاق بالعفو عن «الخونة» وانتقال المتمردين مع قائدهم إلى بيلاروسيا، على أن ينتقل من تبقى من مقاتلي المجموعة الذين لم يشاركوا في التمرد إلى سلطة وزارة الدفاع.

بدا أن الملف قد أغلق، لكن صفحته الأخيرة لم تكن طويت بعد. وبعد شهرين فقط أسفر تحطم طائرة بريغوجين بسبب انفجار قنبلة على متنها عن مقتل مؤسس المجموعة مع جزء مهم من قيادتها. لم يعرف الفاعل بعد، لكن «فاغنر» غابت عن المشهد منذ ذلك الحين.

تعثر الهجوم المضاد

خلافاً لتوقعات القيادة الأوكرانية، وأطراف غربية عدة، لم يسفر الهجوم الذي أطلقته كييف في منتصف العام عن تحقيق اختراقات على جبهات القتال، وبدا أن موسكو التي فشلت بدورها في تحقيق أي تقدم كبير بعد الاستيلاء على باخموت، أقامت خطوط دفاع قوية عرقلت كل محاولات التقدم الأوكراني.

وفي مقابل جمود خرائط القتال في أغلب المناطق، فإن الطرفين واصلا توجيه ضربات عبر المسيرات أو القذائف الصاروخية والمدفعية على المدن.

ورأى خبراء عسكريون لدى الطرفين أن المواجهات الضارية التي شهدتها عدة جبهات من دون إحراز تقدم على الأرض لأي طرف، عكست تراجع قدرات موسكو وكييف على تحسين الشروط الميدانية لتوفير أوراق ضغط أوسع على المستوى السياسي.

في هذه الظروف، واصلت موسكو التمسك بمواقفها، وجدد الرئيس فلاديمير بوتين مع اقتراب نهاية العام التأكيد على أهداف الحرب التي قال إنها سوف تتواصل حتى تحقيقها. في المقابل بدا أن الغرب بدوره متمسك بـ«إلحاق هزيمة» بروسيا وفقاً لتعبير الرئيس جو بايدن، رغم اتساع التباينات الداخلية وشروع أطراف أوروبية برفع صوتها للمطالبة بفتح حوار مع موسكو.


مقالات ذات صلة

أوكرانيا تدعو الفئات الأكثر عرضة للخطر إلى مغادرة المدن قبل الشتاء

أوروبا يعمل عمال الإنقاذ على إخماد حريق في مبنى الأكاديمية الوطنية للعلوم الذي تضرر جراء هجوم بطائرة مسيرة روسية في وسط كييف بأوكرانيا اليوم (أ.ب)

أوكرانيا تدعو الفئات الأكثر عرضة للخطر إلى مغادرة المدن قبل الشتاء

دعا رئيس الوزراء الأوكراني سيرغي كوريتسكي الأشخاص ذوي الإعاقة ومحدودي الحركة في المدن إلى التفكير في الانتقال إلى أماكن إقامة بديلة قبل حلول الشتاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا رئيسة «المفوضية الأوروبية» أورسولا فون دير لاين خلال خطاب في «الاتحاد الأوروبي» (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي يبحث تعزيز الردّ على «الهجمات الروسية الهجينة»

بحث وزراء دفاع «الاتحاد الأوروبي»، الاثنين، ما إذا كان التكتل بحاجة لآلية طوارئ خاصة به على غرار «حلف شمال الأطلسي»، لتعزيز التنسيق في مواجهة «الهجمات الهجينة».

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
آسيا صورة نشرها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لجندي من كوريا الشمالية وقع أسيراً في يد الجنود الأوكرانيين (حساب زيلينسكي على إكس)

سيول تطالب كييف باعتذار بعد كشفها نقل جنديَّين كوريَّين شماليَّين إليها

طالبت كوريا الجنوبية أوكرانيا باعتذار رسمي بعدما نفت كييف وجود اتفاق بين الجانبين يقضي بالحفاظ على سرّية نقل جنديَّين كوريَّين شماليَّين أُسرا خلال القتال.

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا تصاعد الدخان جراء غارة روسية على كييف (رويترز)

أوكرانيا تنقل 4 أطنان من الغذاء بمسيّرة إلى مدينة أوليشكي المحاصرة

أعلنت السلطات الأوكرانية، الأحد، أن القوات الأوكرانية قامت بنقل 4 أطنان من المواد الغذائية بواسطة طائرة شحن مسيَّرة إلى مدينة أوليشكي، المحاصرة منذ عدة أشهر.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا دخان يتصاعد من مقر شركة «كييف ستار» إحدى كبرى شركات الاتصالات في أوكرانيا بعد استهدافه بمسيّرة روسية في كييف اليوم (رويترز)

روسيا تضرب مقر أكبر مزود لخدمات الهاتف المحمول في أوكرانيا

أعلنت شركة «كييف ستار»، أكبر مزود لخدمات الهاتف المحمول في أوكرانيا، اليوم الأحد، أن روسيا قصفت مقرها الرئيسي في كييف.

«الشرق الأوسط» (كييف )

البابا يدعو من فرنسا إلى «وقف زحف الحرب» ويندد بوهم التسلح

البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)
البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)
TT

البابا يدعو من فرنسا إلى «وقف زحف الحرب» ويندد بوهم التسلح

البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)
البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)

اختار البابا لاوون الرابع عشر مدينة ميتز الفرنسية الواقعة قرب الحدود مع ألمانيا ودوقية لوكسمبورغ لتوجيه مجموعة من الرسائل السياسية في اليوم الأخير من زيارته رباعية الأيام إلى فرنسا. ولم يكن اختيار ميتز وليد مصادفة؛ بل كون هذه المدينة اشتهرت لأن السياسي والوزير الفرنسي روبيرت شومان الذي يعد أحد آباء ولادة الاتحاد الأوروبي بمسمياته المختلفة، عاش سنوات فيها، ودُفن في ضاحية قريبة منها. كذلك، فإن «مركز المؤتمرات» الذي استضاف اللقاء السياسي، صباح الاثنين، يحمل اسم روبيرت شومان، وخطاب البابا جاء تحت مسمى «في جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة». ولأن أوروبا في قلب كلمة البابا، فإن الإليزيه عمد إلى توجيه دعوة لقادة دول الاتحاد الأوروبي وكبار مسؤوليه، إلا أن أياً من رؤساء الدول والحكومات الأوروبية لم يكن حاضراً باستثناء غيوم، دوق لوكسمبورغ ورئيس وزرائه وأمير موناكو وعدد من مسؤولي الصف الثاني في دول الاتحاد.

وقبل خطاب البابا، تحدث الرئيس الفرنسي الذي حض أوروبا على أن «تستعيد شجاعة مؤسسيها» من أجل أن «تصبح قوةً للسلام والاستقلال والديمقراطية، كما ينبغي لها أن تكون». لكن ماكرون سارع إلى توصيف الواقع الأوروبي حيث الحرب تدور منذ أكثر من 4 سنوات على الأراضي الأوروبية، وحيث الدعوات لإعادة التسلح والتحضر ربما لحروب آتية قائمة على قدم وساق. وإذ رأى أن «الأخطار تغيرت من حيث الحجم»، إلا أنه سارع لإضافة أنه «يجب أن تكون جهودنا من أجل السلام على قدر حجم التحديات، ومن أجل ضمان سيادة حقيقية، يتعين علينا بالتالي أن نتحرك». وهذا التحرك، بنظره «ضروري لضمان أمننا، والحفاظ على قيمنا»، ولتجنب ما سماه «عودة النزعات القومية» في أوروبا حيث اليمين المتطرف، أكان في ألمانيا أو فرنسا أو بريطانيا أو في بلدان أخرى، يحقق مزيداً من النجاحات الانتخابية.

بابا الفاتيكان والرئيس الفرنسي في جلسة حوارية مع مجموعة من المسؤولين الذين حضروا للاستماع لخطابه عن أوروبا في مركز شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز الفرنسية الاثنين (إ.ب.أ)

وهم التسلح

ومنذ بداية ولايته، يطرح لاوون الرابع عشر نفسه داعية للسلام عبر العالم وحافزاً للتشجيع على الحوار بين الحضارات والثقافات والأديان والدول. ولأن الحرب «عادت، حتى إلى أوروبا حيث تدور مجزرة جديدة عبثية، تحصد أرواح عدد لا يحصى من المدنيين كل يوم»، ولأن محاولات إيجاد حد نهائي لها استمرت حتى اليوم بسبب تمسك كل طرف بموقفه، فإن البابا حض المفاوضين على «إظهار الشجاعة في المفاوضات، وأن نكون مستعدين للتخلي عن بعض مواقفنا من أجل الخير الأكبر، أي السلام».

واستحضر البابا في ذلك دعوة مماثلة أطلقها البابا بنديكتوس الخامس عشر عام 1917، في خضم المجازر التي شهدتها الحرب العالمية الأولى. واللافت أن لاوون الرابع عشر لم يذكر أوكرانيا ولا روسيا ولا أي دولة أخرى بالاسم، إلا أن إشارته للحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات ونصف السنة جاءت جلية. ولأن الحرب مرتبطة عضوياً بزيادة التسلح، وهو الأمر الغالب اليوم في أوروبا بسبب الأوضاع والمخاطر الجيواستراتيجية، وتضاعف الإنفاق العسكري عموماً خصوصاً في أوروبا، فقد حرص البابا على التحذير من مخاطر «وهم التسلح». وقال: «علينا أن نحذّر من أن إعادة التسلح هي الحل» مضيفاً أن «علينا اليوم أن نسأل أنفسنا: هل نبذل بالفعل جهوداً إبداعية لتعزيز السلام العالمي، أم أننا نسعى ببساطة إلى وقف زحف الحرب والاستعداد بشكل أفضل لحروب نفترض أنها لا تزال قادمة». وذهب لاوون الرابع عشر إلى التنديد بعلاقات «تزداد همجية بين البشر وبين الدول»، منتقداً أيضاً «التباهي بالكذب والخداع»، وحضّ أوروبا على «وضع حدّ لهذه الدوامة بفضل احترام الآخر الذي عرفت كيف تنمّيه وتصونه».

البابا لاوون الرابع عشر في مدينة ميتز الفرنسية الاثنين في طريقه إلى كاتدرائية سانت إتيان (أ.ب)

الهجرات والإرث الأوروبي

وخلال الأيام الأربعة المنصرمة، دعا البابا في أكثر من مناسبة، إلى تغليب الحوار والحوار متعدد الأطراف، محذراً من الحوارات الفارغة التي تحولت إلى «مسرحية صورية»، كما حذر من تغليب قانون القوة على قوة القانون. وفيما يقوى عود الدعوات الشوفينية والقومية المتطرفة، حرص بابا روما على التذكير بأهمية الانفتاح على التلاقح وعلى التعددية الثقافية التي في أساس البناء الأوروبي، وضرورة تغليب سيادة القانون والمساواة بين الناس. وفي هذا السياق، كان لا بد له من تناول مسألة الهجرات المتدفقة على أوروبا الساعية إلى إقفال الأبواب، وبناء الأسيجة والجدران بوجه المهاجرين واللاجئين بما في ذلك على المستوى الأوروبي الجماعي.

وبداية، أعاد البابا إلى الأذهان أن الحضارة الأوروبية «ثمرة لقاءات تمتد عبر قرون، حتى إن لم تكن هذه اللقاءات سهلة دائماً»، في إشارة إلى الهجرات التي توافدت على أوروبا خلال العصور المنصرمة، حيث «ازدهرت وتقدمت عندما تمكنت من الاستفادة من أفضل جوانب ماضيها، وإعادة ابتكارها بطرق جديدة ومبدعة من خلال الانفتاح على الآخرين».

أما اليوم، فإن «أوروبا المعاصرة تواجه مرحلة جديدة من تاريخها الطويل من اللقاءات، مع وصول عدد كبير من الرجال والنساء إلى القارة، فراراً من ساحات الحرب والاضطهاد، أو بحثاً عن حياة أفضل بعيداً عن الفقر والبؤس». وإزاء المآسي المتلاحقة في المتوسط، رفع البابا الصوت ليدعو إلى التعامل مع اللاجئين والمهاجرين بطريقة «إنسانية» بما يحفظ كرامتهم الإنسانية مكرراً دعوته من أجل توفير «مسارات قانونية وآمنة» للهجرة، والتعاون الدولي لمكافحة الاتجار بالبشر، كذلك دعا القادة الأوروبيين إلى العمل على دمج المهاجرين الذين يصلون إلى القارة الأوروبية، وتوفير الفرص لهم كما لو كانوا أفراداً في العائلة نفسها. وخلال لقائه بمجموعة من المهاجرين في مؤسسة باريسية تعمل على استقبالهم، حض البابا على إدماج اللاجئين والمهاجرين في المجتمعات التي يحلون فيها ومنحهم فرصاً للانخراط. وإزاء الدعوات للانغلاق الحضاري في المجتمعات الأوروبية، فإن لاوون الرابع عشر ركز على الانفتاح والتعددية الثقافية رغم إشارته إلى الجذور المسيحية لأوروبا.

حقيقة الأمر أن بابا روما في وادٍ وما هو جارٍ في أوروبا في وادٍ آخر. ولا يصح ذلك فقط على ملف الهجرات؛ فالبابا ندد بالقوانين الجديدة في أوروبا التي تتيح الموت الرحيم معتبراً أن ذلك يمكن عدُّه «قانونياً ولكنه ليس أخلاقياً». كذلك ندد بزواج المثليين وبالإنجاب من خلال استعارة أحشاء أخريات، ولم يفته التحذير من فقدان الجوهر الإنساني، والعيش في ظل «جنة الآلات» واستبداد الذكاء الاصطناعي.


محكمة فرنسية تدين شركة «سويفت إير» بتهمة القتل الخطأ بعد سقوط طائرة في مالي

جندي فرنسي وصحافي ينظران إلى حطام طائرة الخطوط الجوية الجزائرية الرحلة AH 5017 المتناثرة في موقع التحطم في منطقة غوسي بمالي غرب مدينة غاو في 26 يوليو 2014 (أ.ف.ب)
جندي فرنسي وصحافي ينظران إلى حطام طائرة الخطوط الجوية الجزائرية الرحلة AH 5017 المتناثرة في موقع التحطم في منطقة غوسي بمالي غرب مدينة غاو في 26 يوليو 2014 (أ.ف.ب)
TT

محكمة فرنسية تدين شركة «سويفت إير» بتهمة القتل الخطأ بعد سقوط طائرة في مالي

جندي فرنسي وصحافي ينظران إلى حطام طائرة الخطوط الجوية الجزائرية الرحلة AH 5017 المتناثرة في موقع التحطم في منطقة غوسي بمالي غرب مدينة غاو في 26 يوليو 2014 (أ.ف.ب)
جندي فرنسي وصحافي ينظران إلى حطام طائرة الخطوط الجوية الجزائرية الرحلة AH 5017 المتناثرة في موقع التحطم في منطقة غوسي بمالي غرب مدينة غاو في 26 يوليو 2014 (أ.ف.ب)

أدانت محكمة باريس الجنائية، اليوم الاثنين، الشركة الإسبانية «سويفت إير» بتهمة القتل الخطأ المؤسسي، وذلك بعد سقوط طائرة تابعة للخطوط الجوية الجزائرية في 2014، ما أودى بحياة 116 شخصاً في شمال مالي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

ونفت «سويفت إير» هذه التهم وحاولت وقف سير القضية بحجة أنه لا يمكن محاكمتها في فرنسا لأن محكمة إسبانية أسقطت القضية بالفعل.

ومع ذلك، أمر قاضٍ فرنسي الشركة بدفع الغرامة القصوى البالغة 225 ألف يورو بعد محاكمة استمرت ثلاثة أسابيع في وقت سابق هذا العام بشأن سقوط طائرة ركاب «إم.دي-83» مملوكة لشركة «سويفت إير».

ولم ترد «سويفت إير» بعد على طلب للتعليق اليوم. وأمام الشركة 10 أيام لاستئناف الحكم.

خبراء طب شرعي يجمعون الأدلة في موقع تحطم طائرة الخطوط الجوية الجزائرية AH5017 في منطقة غوسي بمالي في 29 يوليو 2014 (أ.ف.ب)

وسقطت رحلة الخطوط الجوية الجزائرية رقم «إيه.إتش5017» بعد أقل من ساعة من إقلاعها من واغادوغو، عاصمة بوركينا فاسو، ما أدى إلى مقتل جميع من كانوا على متنها ونصفهم تقريباً من الفرنسيين. وقال المحققون إن الطائرة خرجت عن السيطرة عندما اصطدمت بالجليد مع بقاء نظام مكافحة الجليد مغلقاً.

وقال الادعاء العام إن هناك إهمالاً في طريقة تدريب طياري «سويفت إير»، الذين كانوا يشغلون الرحلة نيابة عن الخطوط الجوية الجزائرية، على التعامل مع الظروف الجليدية وقراءات البيانات المتقلبة.

وأنحت «سويفت إير» باللائمة على أوجه القصور في اللوائح والأدلة الإرشادية.

ورفضت المحكمة في حكمها الصادر اليوم بعض حجج ممثلي الادعاء بشأن سوء التدريب، لكنها قالت إن الطيار لم يخضع لاختبار كفاءة مناسب، وإن الطاقم لم يقم بالعدد المطلوب من الرحلات التدريبية بعد فترة من التوقف عن العمل.


دول «الاتحاد الأوروبي» تقر 5 مشروعات دفاعية كبرى في أنحاء القارة

أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
TT

دول «الاتحاد الأوروبي» تقر 5 مشروعات دفاعية كبرى في أنحاء القارة

أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

وافقت ‌الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، الاثنين، على خطط بشأن 5 مشروعات دفاعية شاملة في القارة ​تغطي تدابير الدفاع الجوي والبحري وضد الطائرات المسيرة، لتصبح مؤهلة للحصول على تمويل من «الاتحاد».

وقال «مجلس الاتحاد الأوروبي»، في بيان أعلن فيه الموافقة على هذه المشروعات: «مشروعات الدفاع الأوروبية ذات الفائدة المشتركة تتيح للدول الأوروبية التعاون في مبادرات دفاعية كبرى قد تكون أكبر من أن تتولاها دولة واحدة عضو في (الاتحاد) أو أعقد من أن تتمكن من تطويرها بمفردها».

جانب من مناورات «حلف شمال الأطلسي» في ألمانيا خلال سبتمبر الحالي (إ.ب.أ)

وفيما يلي أهم التفاصيل:

تركز المشروعات الـ5، التي نالت الموافقة على تمويلها، على تطوير الحرب باستخدام الطائرات المسيّرة وتكنولوجيا التصدي لها، فضلاً عن حماية الجناح الشرقي لأوروبا.

كانت «المفوضية الأوروبية» اقترحت هذه المشروعات في الأصل خلال يوليو (تموز) الماضي، وتشمل أيضاً مشروعاً متكاملاً للدفاع البحري ومواجهة التهديدات تحت سطح البحر، بالإضافة إلى آخر للدفاع الجوي والصاروخي والإنذار المبكر، ومشروع دفاعي فضائي.

وقالت وزيرة الدفاع في آيرلندا، التي تتولى الرئاسة الدورية لـ«المجلس»، في بيان: «من خلال العمل من كثب مع شريكينا النرويج وأوكرانيا، نتخذ معاً خطوات حاسمة لحماية الفضاء ومجالنا الجوي وحدودنا البحرية والكابلات البحرية ومواطنينا الذين يعتمدون عليها».

و خصص «الاتحاد الأوروبي»؛ بموجب «برنامج صناعة الدفاع الأوروبي» التابع له، ميزانية تبلغ 325 مليون يورو (370 مليون دولار) للمشروعات الدفاعية ذات الفائدة المشتركة، مع احتمال توفير مزيد من التمويل في المستقبل.