انقسامات الأوروبيين تحول دون اتخاذهم مواقف مؤثرة إزاء حرب غزة

الخلافات برزت في الأيام الأولى للعملية العسكرية الإسرائيلية

مستوطنون يقتحمون الأقصى (أرشيفية - وفا)
مستوطنون يقتحمون الأقصى (أرشيفية - وفا)
TT

انقسامات الأوروبيين تحول دون اتخاذهم مواقف مؤثرة إزاء حرب غزة

مستوطنون يقتحمون الأقصى (أرشيفية - وفا)
مستوطنون يقتحمون الأقصى (أرشيفية - وفا)

رغم سقوط نحو 20 ألف قتيل في القصف المتواصل الذي تقوم به إسرائيل لقطاع غزة منذ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عقب العملية التي قامت بها «حركة حماس» ومجموعات فلسطينية أخرى في غلاف غزة، ما زالت دول الاتحاد الأوروبي عاجزة عن التوصل إلى موقف موحد إزاء ما يحصل في منطقة تعد جوارها المباشر.

وكشفت القمة الأوروبية التي استضافتها بروكسل يومي 14 و15 من الشهر الحالي، عن عجز القادة الأوروبيين عن التوصل إلى صيغة محددة تدعو جماعيا إلى وقف إطلاق النار. وكان اجتماع وزراء خارجية الاتحاد نهاية الأسبوع الماضي قد عكس صورة الفشل الأوروبي، خصوصا الانقسامات الداخلية التي برزت في الأيام الأولى للعملية العسكرية الإسرائيلية بعكس وحدة موقف الدول الـ27، وموقف المفوضية ممثلة برئيستها أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال، في الإدانة الشديدة لـ«حماس»، وتأكيد حق إسرائيل في الدفاع عن النفس.

لم تبرز الانقسامات الأوروبية على سطح الاتحاد وحده. ففي التصويت على قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم 12 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، توزعت الأصوات الأوروبية بين داعم لمشروع قرار وقف إطلاق النار وممتنع عن التصويت ومعارض. وبعد أن كانت ألمانيا الحليف الأبرز لإسرائيل الرافض لتوجيه أي انتقاد لما تقوم به في غزة، أكان لجهة دوام عمليتها العسكرية أو استهداف المدنيين أو تدمير المساكن والبنى التحتية، بدأ الموقف الألماني بالتحرك ببطء. لكنّ دولتين «هما النمسا والجمهورية التشيكية» بقيتا رافضتين لأي دعوة تحد من حرية حركة الجيش الإسرائيلي وتواظبان على اعتبارها «هدية» لـ«حماس». والفشل الأوروبي برز أيضا في العجز عن اتخاذ «إجراءات جماعية» ضد عنف المستوطنين في الضفة الغربية ضد المدنيين الفلسطينيين، بينما سبقت الولايات المتحدة الأميركية الدول الأوروبية إلى اتخاذ قرار بمنع عشرات المستوطنين الذين تعدهم مسؤولين عن ممارسة العنف من الدخول إلى أراضيها.

لحظة اعتقال طفل فلسطيني في الضفة (أ.ف.ب)

توسيع المستوطنات

جل ما صدر عن الاتحاد الأوروبي جاء يوم السبت على شاكلة بيان يؤكد، من جهة، أن «توسيع المستوطنات غير القانونية والتهجير القسري للفلسطينيين يقوض الأمن في الضفة الغربية ولا يجعل إسرائيل أكثر أمنا. كما تشكل المستوطنات انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، وعقبة رئيسية أمام حل الدولتين، وتهديدا للاستقرار الإقليمي». ويمر البيان، من جهة ثانية، سريعا على «تزايد العنف ضد الفلسطينيين من قبل المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية المحتلة». واللافت في بيان الاتحاد ثلاثة أمور: الأول، أنه يفرق بين المستوطنات القانونية والمستوطنات غير القانونية بينما القانون الدولي يعدها كلها غير شرعية. والثاني، أنه لا يأتي على عنف المستوطنين إلا سريعا ولا يتضمن أي دعوة للسلطات الإسرائيلية لوضع حد لهذا العنف كما لا يحملها البيان أي مسؤولية، لا بل إن الكنيست الإسرائيلي قرر رصد تمويل إضافي للمستوطنات «غير القانونية» الجديدة. والثالث أن البيان لا يشير لا من قريب ولا من بعيد إلى تدابير أو إجراءات بحق المستوطنين. وتميزت بريطانيا، كما الولايات المتحدة، بفرض عقوبات على المستوطنين، علماً أن واشنطن دأبت على اللجوء إلى حق النقض «الفيتو» ضد مشاريع القرارات التي تدعو لوقف النار فيما امتنعت لندن عن التصويت.

الرئيس إيمانويل ماكرون وحديث في بروكسل مع رئيسة المفوضية الأوروبية ورئيسة البرلمان الأوروبي (أ.ف.ب)

موقف فرنسي فردي

وإزاء التردد الأوروبي، قررت فرنسا «اتخاذ إجراءات على الصعيد الوطني (الفردي) في حق بعض المستوطنين الإسرائيليين المتطرفين»، وهو ما جاء على لسان كاترين كولونا، وزيرة الخارجية العائدة من زيارة إلى إسرائيل والضفة الغربية ولبنان. وقالت كولونا لعدد من الصحافيين الثلاثاء إنها «تمكّنت أن ترى بأم العين أعمال العنف التي يرتكبها بعض المستوطنين المتطرفين»، مضيفة «إنه أمر غير مقبول». وينظر إلى فرض هذه العقوبات على أنها تقدم ملموس رغم «رمزيتها»، حيث إنها تقتصر، حتى اليوم، على منع بضع عشرات من المستوطنين من الدخول إلى أراضي الدول المعنية.

لكن يؤخذ على الدول الثلاث أنها تعفي الحكومة الإسرائيلية وخصوصا وزراءها الأكثر تطرفا والذين يوقدون نار الاعتداءات على الفلسطينيين من أي مسؤولية أو محاسبة، وذلك بعكس البيان المشترك الصادر يوم 15 الحالي من وزارات الخارجية لدول منضوية في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى أستراليا وكندا والنرويج والمملكة المتحدة وسويسرا، وقد جاء فيه: «منذ بداية أكتوبر، نفّذ المستوطنون أكثر من 343 هجوماً عنيفاً، قُتل فيها ثمانية مدنيين فلسطينيين، وأصيب أكثر من 83 آخرين، كما أُجبر أكثر من 1026 فلسطينياً على مغادرة منازلهم». والأهم أن هذه الدول «تندد بشدة بأعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون المتطرّفون، الذين يرهبون المجتمعات الفلسطينية»، كما تنتقد «عجز إسرائيل عن حماية الفلسطينيين»، وتطالبها بتقديم الضالعين في العنف إلى القضاء. وهذا الاختلاف بين بيانات الاتحاد الأوروبي والبيانات الأخرى في اللغة والمطالب مرده التردد وربما الخوف من انتقاد إسرائيل وتحميلها المسؤولية عن العنف الحاصل في الضفة الغربية.

مخيم جباليا المدمر في غزة (رويترز)

التأثير في مجريات الحرب

خلاصة ما سبق، وفق مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس أن الاتحاد الأوروبي عاجز عن التأثير في مجريات الحرب في غزة «لغياب الإرادة السياسية من جهة، ولفشل قادته في التوصل إلى مقاربة مشتركة»، علما أن مبدأ الإجماع هو المتبع فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. الاتحاد الأوروبي لم تتوافر له، بعد، الشجاعة السياسية للمطالبة بوقف لإطلاق النار ولتوجيه انتقادات لإسرائيل لما تقوم به في غزة. ولا يمكن عدّ ما جاء على لسان جوزيب بوريل، مسؤول السياسية الخارجية والأمن في الاتحاد، كافيا لتغطية العجز الجماعي الأوروبي.

وكتب بوريل على منصة «إكس» الاثنين، منددا بـ«النقص الفادح في القدرة على التمييز»، الذي تعكسه عمليات الجيش الإسرائيلي في غزة، وخصوصا عبر مقتل رهائن ومصلّين ومدنيين فلسطينيين، عاداً أنه «لا بدّ من أن يتوقّف ذلك، والهدنة الإنسانية العاجلة ضرورية». ونوه بوريل بما جاء على لسان وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا الذين عدوا أن «الكثير من المدنيين يقتلون في غزة» ليعطي كلامه مزيدا من القوة.

البابا فرنسيس يبارك في نهاية لقائه الأسبوعي في قاعة البابا بولس السادس بالفاتيكان في 13 ديسمبر 2023 (رويترز)

البابا فرنسيس

ومن جانبه، ندد البابا فرنسيس الأحد بما أقدم عليه جندي إسرائيلي بقتله أمّا وابنتها في باحة الكنيسة الكاثوليكية الوحيدة في غزة. وقال البابا الأحد إن «هذا الأمر حصل حتى داخل رعية العائلة المقدسة، حيث ليس هناك إرهابيون، بل عائلات وأطفال ومرضى ومعوقون».

حتى اليوم ما زال المسؤول الأوروبي يتحدث عن «هدنة» وليس عن «وقف لإطلاق النار».

والحقيقة أن المفردات الأوروبية المستخدمة تتغير بين الحين والآخر نظرا لرفض إسرائيل وقف العمليات القتالية وللمساندة التي تتلقاها حتى اليوم من واشنطن التي تريد فقط، رسميا، من الجيش الإسرائيلي أن «يغير أسلوب العمل» بالتخلي عن عمليات القتل الجماعي التي يتسبب بها القصف المتواصل المكثف منذ 72 يوما. وتلزم باريس موقفا وسطيا بدعوتها إلى «هدنة إنسانية دائمة» ما يقربها كثيرا من مفهوم «وقف النار» الذي صوتت لصالحه في مجلس الأمن والجمعية العامة. ولعل الشيء الوحيد المجمع حوله بتناول ضرورة زيادة المساعدات لقطاع غزة. لكن هل يغني العمل الإنساني عن سياسة واضحة؟


مقالات ذات صلة

رئيسة وزراء الدنمارك: سنواصل التصدي لمساعي أميركا لضم غرينلاند

أوروبا صورة عامة لنوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

رئيسة وزراء الدنمارك: سنواصل التصدي لمساعي أميركا لضم غرينلاند

قالت رئيسة وزراء الدنمارك، ميته فريدريكسن، اليوم (الخميس)، إن طموح الولايات المتحدة في امتلاك غرينلاند «لا يزال قائماً»

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
أوروبا الدمار يظهر في موقع غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً وسط قطاع غزة (رويترز) play-circle

يدعو لتنفيذها بالكامل... الاتحاد الأوروبي يرحّب بإطلاق المرحلة الثانية من خطة ترمب بشأن غزة

رحَّب الاتحاد الأوروبي، اليوم (الخميس)، بإعلان البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد نماذج لبراميل نفط ومضخة استخراج تظهر أمام ألوان علمي الاتحاد الأوروبي وروسيا (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يخفض سقف سعر النفط الروسي إلى 44.10 دولار للبرميل

أعلنت المفوضية الأوروبية، يوم الخميس، خفض سقف سعر النفط الروسي إلى 44.10 دولار للبرميل اعتباراً من 1 فبراير (شباط).

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
الاقتصاد رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي قبل اجتماعهما في «هايدرباد هاوس» بنيودلهي... 28 فبراير 2025 (رويترز)

وزير التجارة الهندي يعلن قرب إبرام اتفاقية تجارية مع الاتحاد الأوروبي

أعلن وزير التجارة الهندي راجيش أغراوال، يوم الخميس، أن الهند تقترب من توقيع اتفاقية تجارية طال انتظارها مع الاتحاد الأوروبي خلال هذا الشهر.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد صمامات الغاز بموقع تخزين الغاز الطبيعي في زسانا بالمجر (رويترز)

أسعار الغاز في أوروبا لأعلى مستوى خلال 10 أسابيع

سجل عقد الغاز القياسي في أوروبا أعلى مستوى خلال 10 أسابيع في تعاملات جلسة الثلاثاء، مواصلاً مساره الصعودي من الجلسة السابقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تسليم سلاح «حزب الله»... تعقيدات تتوسّع من «الضمانات» إلى حسابات إيران

عناصر من «حزب الله» خلال استعراض عسكري (أرشيفية - أ.ب)
عناصر من «حزب الله» خلال استعراض عسكري (أرشيفية - أ.ب)
TT

تسليم سلاح «حزب الله»... تعقيدات تتوسّع من «الضمانات» إلى حسابات إيران

عناصر من «حزب الله» خلال استعراض عسكري (أرشيفية - أ.ب)
عناصر من «حزب الله» خلال استعراض عسكري (أرشيفية - أ.ب)

يتقدّم ملف سلاح «حزب الله» إلى واجهة المشهد السياسي اللبناني، ليس بوصفه ملفاً داخلياً قابلاً للحسم، بل كعقدة بنيوية تتشابك فيها الحسابات المحلية بالضغوط الإقليمية والدولية. ومع تصاعد الحراك الدبلوماسي غير المعلن، يتّضح أن النقاش لم يعد يدور حول آليات نزع السلاح، بل حول الضمانات، ومآلات الانسداد القائم.

حراك خارجي بلا خريطة طريق

تتحرّك عواصم معنية بالاستقرار اللبناني، في إطار «اللجنة الخماسية» التي تضمّ الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية ومصر وقطر، ضمن مسار اتصالات لحث السلطات اللبنانية على تنفيذ حصرية السلاح بيد السلطات الشرعية، في مقابل رفض «حزب الله» إطلاق المرحلة الثانية من الخطة في شمال الليطاني. ويقول معارضو الحزب إن رفض الحزب لا ينطلق من مقاربة عسكرية ودفاعية فقط، بل من مقاربة سياسية أوسع، متعلقة بضمانات ومكاسب سياسية في الدولة.

غير أن الرد المباشر على أي طرح مشابه جاء سلبياً، حسب ما يقول معارضو الحزب، ويشرح مصدر معارض للحزب لـ«الشرق الأوسط» بالقول: «تُظهر التجربة اللبنانية أنّ مرحلة ما بعد الحرب الأهلية قامت على تسويات ضمنية، حوّلت السلاح إلى نفوذ سياسي داخل الدولة، غير أنّ إعادة إنتاج هذه الصيغة اليوم مستحيلة. فالتوازنات التي حكمت مرحلة التسعينيات تبدّلت، والانقسام العمودي داخل المؤسسات يمنع أي صيغة تقاسم جديدة للسلطة».

رجلا دين شيعيان يشاركان في الذكرى السنوية لاغتيال أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله في سبتمبر الماضي (أرشيفية - أ.ف.ب)

ولا تخفي القوى السياسية، على اختلاف مواقعها، خشيتها من فتح باب المكتسبات، لما يحمله من مخاطر تفجير داخلي أو تكريس اختلال دائم في بنية الدولة. من هنا، سقط عملياً أي حديث جدي عن «السلاح مقابل مكاسب سياسية».

لا تسييل للسلاح ولا مقايضة

وفي هذا الإطار، يقول عضو تكتل «القوات اللبنانية» النائب ملحم الرياشي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «(حزب الله) وافق وينجز مع الجيش تسليم السلاح جنوب النهر؛ أي في المنطقة المتاخمة للحدود مع إسرائيل، وبالتالي ما نفع السلاح شمال النهر؟ إنه لزوم ما لا يلزم». ويضيف: «إن عملية تسييل السلاح بمراكز سلطة ونفوذ هي أمر مرفوض بالمبدأ؛ لأن دقة التركيبة اللبنانية تستدعي إعادة نظر كاملة في النظام، وليس زيادة نفوذ لمكوّن لبناني على حساب آخر؛ فإما أن نعيد النظر بكل التركيبة من جذورها، أو نُبقي القديم على قدمه؛ أي نلتزم جميعاً»، ويشدّد على أنّ «(القوات اللبنانية) ملتزمة باتفاق الطائف».

ويرى الرياشي أنّ «السلاح مرتبط عضوياً بسلاح إيران ومشروعها»، قائلاً: «ندعو (حزب الله) إلى إخراج نفسه من صراع الآخرين، والعمل معنا على تحييد لبنان عن حروب الآخرين، لما فيه مصلحته ومصلحة إخوتنا الشيعة اللبنانيين ومصلحتنا جميعاً».

مشكلة سياسية لا تقنية

ثمة مخاوف لبنانية من أن يساهم فتح باب المقايضة في تعميق الانقسام بدل معالجته، وهو ما جعل هذا المسار يتراجع عملياً، لمصلحة نقاش أكثر تعقيداً حول مفهوم الضمانات.

ويرى النائب اللبناني السابق إلياس عطا الله، أنّ الإشكالية لا تكمن في شكل الضمانات أو نوعها، بل في طبيعة المشروع نفسه. ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن «مسألة (حزب الله) لم تكن يوماً مشروعاً عسكرياً بحتاً، بل مشروعاً سياسياً». ويشير إلى أنّ الحزب «منذ تأسيسه عام 1982، ارتبط عضوياً بإيران، حتى وإن تغيّرت أشكاله وتكويناته مع الوقت»، معتبراً أن «السلاح لم يكن أداة دفاع وطنية مستقلة، بل جزءاً من بنية سياسية خارج منطق الدولة».

ويشير عطا الله إلى أنّ «تجربة ما بعد الحرب اللبنانية عام 1990 أثبتت أنّ كل القوى سلّمت سلاحها للدولة، وكأنّ الحرب انتهت فعلياً، باستثناء طرف واحد قرّر ربط سلاحه بمشروع إقليمي»، لافتاً إلى أنّ «هذا الخيار جعل التخلي عن السلاح يتناقض مع طبيعة هذا التكوين وخياراته الأساسية».

الضمانات... والموقف الإيراني

وحسب عطا الله، فإنّ الحديث المتكرر عن ضمانات سياسية أو أمنية لا يعالج جوهر الأزمة. ويقول إنّ «(حزب الله) لا يبحث عن مكاسب سياسية مقابل تسليم سلاحه؛ لأنّ المسألة أعمق من ذلك»، مضيفاً أنّ «الحزب لا يريد دولة قوية وقادرة، بل دولة ضعيفة تُبقي السلاح خارج المحاسبة والشرعية».

ويتابع أنّ «السلاح بالنسبة إليه ليس ورقة تفاوض داخلية، بل أداة مرتبطة مباشرة بإيران، وبوظيفة تتجاوز الحدود اللبنانية»، معتبراً أنّ «الحديث عن تسليم طوعي للسلاح يتجاهل واقع أنّ هذا السلاح مرتبط بعقيدة تعتبر التخلي عنه نفياً للذات السياسية والتنظيمية».

ويتقاطع هذا التشخيص مع قراءة أوسع ترى أنّ ملف السلاح بات جزءاً من معادلة إقليمية أكبر، ما يجعل أي نقاش داخلي حوله رهينة تطورات خارج الحدود. وفي هذا الإطار، يعتبر عطا الله أنّ «أي حديث عن ضمانات سياسية أو أمنية لا يغيّر في جوهر المشكلة؛ لأنّ القرار ليس لبنانياً خالصاً»، مشدداً على أنّ «الرهان على تسوية داخلية من دون فك الارتباط الإقليمي هو رهان على الوقت لا أكثر».


بغداد تترقب زيارة سافايا وسط الخلافات بشأن فرص المالكي في تشكيل الحكومة

أرشيفية تجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والمبعوث الأميركي مارك سافايا (وكالة الأنباء العراقية)
أرشيفية تجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والمبعوث الأميركي مارك سافايا (وكالة الأنباء العراقية)
TT

بغداد تترقب زيارة سافايا وسط الخلافات بشأن فرص المالكي في تشكيل الحكومة

أرشيفية تجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والمبعوث الأميركي مارك سافايا (وكالة الأنباء العراقية)
أرشيفية تجمع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني والمبعوث الأميركي مارك سافايا (وكالة الأنباء العراقية)

بينما يواصل رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مهامه بصورة طبيعية رغم أن حكومته تحولت إلى «حكومة تصريف أعمال» بعد إعلان نتائج الانتخابات وتصدر قرارات ذات طبيعة إلزامية لمؤسسات الدولة، ينشغل البيتان الكردي والشيعي في كيفية حسم اختيار رئيس جمهورية «كردي» ورئيس وزراء «شيعي»، طبقاً للمدد الدستورية.

وبما أنه لم يتبقَّ من المدة الدستورية اللازمة لذلك سوى نحو أسبوعين، فإن العاصمة العراقية بغداد تترقب بقلق بالغ كيفية التغلب على الخلافات داخل البيتين الكردي والشيعي. كما أنها تراقب بقلق أكبر الزيارة المرتقبة والوشيكة للمبعوث الرئاسي الأميركي مارك سافايا إلى العراق.

وبات سافايا يتنقل بين وزارتي الخزانة والحرب بالتزامن مع الحركة المكوكية للقائم بالأعمال الأميركي في بغداد، جوشوا هاريس، الذي التقى معظم المسؤولين والقيادات العراقية مؤخراً. وطبقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن سافايا في واشنطن وعن هاريس في بغداد، فإن في جعبة الرجلين قضية واحدة محددة، وهي عدم إشراك القوى والفصائل المسلحة في الحكومة العراقية القادمة رغم أن تلك القوى تملك نحو ثلث البرلمان العراقي، فضلاً عن إيقاف كل منابع التمويل بالعملة الصعبة لها ولإيران.

السوداني والمالكي

السوداني والمالكي خلال مناسبة سياسية سابقة في بغداد (أ.ف.ب)

ومع أن سافايا لم يعلن بعد الوقت المناسب لزيارته إلى العراق، فإن كل الدلائل تشير إلى أن الزيارة أصبحت وشيكة بعد أن مهد لها القائم بالأعمال الأميركي جيداً. وفي الأثناء، لا يزال الجدل قائماً داخل الإطار التنسيقي الشيعي بشأن ما إذا كان مرشحه غير الرسمي حتى الآن نوري المالكي سوف يتمكن من تشكيل الحكومة القادمة.

من جهة أخرى، أثار تنازل السوداني قلقاً مزدوجاً داخل قوى الإطار التنسيقي، رغم أنه يملك الكتلة الأكبر داخل البيت الشيعي والفائز الأول في الانتخابات. ففي الوقت الذي وجدت بعض قوى الإطار التنسيقي أن السوداني لا المالكي هو رجل المرحلة المقبلة نظراً لعلاقته الجيدة مع أطراف مهمة في الإدارة الأميركية بمن فيهم المبعوث الرئاسي سافايا، فإن أطرافاً أخرى داخل الإطار التنسيقي وجدت أن ترشيح المالكي للمنصب قد يضيف المزيد من الأعباء أمامها، لا سيما في حال إصرار الإدارة الأميركية على تنفيذ كل مطالبها، وفي مقدمتها عدم مشاركة قوى السلاح في الحكومة المقبلة وتجفيف كل منابع تمويل إيران عبر الدولار.

المالكي من جهته يحاول تقديم تطمينات للإدارة الأميركية بأنه سيكون قادراً على التعامل مع الملفات الشائكة. وطبقاً للبيان الصادر عن مكتبه بعد لقائه القائم بالأعمال الأميركي، فقد وصف العلاقة بين العراق والولايات المتحدة بأنها «علاقة صداقة»، بينما قوى السلاح في العراق تعد الوجود الأميركي في العراق «احتلالاً».

وعود سافايا وأجندته

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع مبعوثه الخاص إلى العراق مارك سافايا (أرشيفية-إكس)

كثف المبعوث الأميركي مارك سافايا خلال اليومين الماضيين لقاءاته في واشنطن مع وزارتي الخزانة والحرب في سياق جهوده الخاصة للتعامل مع الملف العراقي، من زاوية تبدو شديدة التعقيد على القوى السياسية الشيعية المقربة من إيران، خصوصاً الفصائل المسلحة، فضلاً عن بعض قيادات الإطار التنسيقي.

وأكد سافايا، في بيان يوم الجمعة، أنه عقد اجتماعاً في البيت الأبيض مع كلٍّ من وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، ومدير شؤون مكافحة الإرهاب سيباستيان غوركا، وبحث معهما الزيارة التي سيجريها إلى العراق. وقال في البيان: «اتفقنا على أن القضايا التي جرى بحثها سيتم تناولها خلال زيارتي المقبلة إلى العراق، حيث سأتواصل مع أصحاب القرار المناسبين لمواجهة الوضع على الأرض لما فيه مصلحة الشعب العراقي».

وكان سافايا أعلن يوم الخميس عما سماه إجراء مراجعة شاملة للمدفوعات والمعاملات المالية المشبوهة في العراق مع وزارة الخزانة الأميركية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية، فضلاً عن مناقشة عقوبات مرتقبة تستهدف شبكات تقوّض النزاهة المالية وتموّل الأنشطة الإرهابية.

المعاملات المالية المشبوهة

الحكومة والبنك المركزي يسعيان لإقناع العراقيين بوضع أموالهم في البنوك (البنك المركزي العراقي)

وأضاف في البيان أنه التقى مسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية، لبحث التحديات الرئيسية وفرص الإصلاح في المصارف الحكومية والمصارف الخاصة في العراق، مع تركيز واضح على تعزيز الحوكمة المالية والامتثال والمساءلة المؤسسية.

وأوضح أن الجانبين اتفقا على إجراء مراجعة شاملة لسجلات المدفوعات المشبوهة والمعاملات المالية التي تشمل مؤسسات وشركات وأفراداً في العراق، والمرتبطة بعمليات تهريب وغسل أموال وعقود ومشاريع «احتيالية» تموّل الأنشطة الإرهابية. وأضاف أن المباحثات تضمنت أيضاً مناقشة الخطوات المقبلة المتعلقة بالعقوبات المرتقبة التي تستهدف الجهات والشبكات «الخبيثة» التي تقوض النزاهة المالية وسلطة الدولة. وأكد مبعوث الرئيس الأميركي أن العلاقة بين العراق والولايات المتحدة لم تكن أقوى مما هي عليه اليوم في ظل قيادة الرئيس دونالد ترمب.


الرئاسة الألمانية: أحمد الشرع يزور برلين الثلاثاء

الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز - أرشيفية)
الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز - أرشيفية)
TT

الرئاسة الألمانية: أحمد الشرع يزور برلين الثلاثاء

الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز - أرشيفية)
الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز - أرشيفية)

يزور الرئيس السوري أحمد الشرع برلين الثلاثاء، وفق ما أظهر جدول أعمال الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير الذي نُشر الجمعة.

و​قال متحدث باسم الحكومة الألمانية إن المستشار فريدريش ميرتس سيناقش قضايا ‌من بينها ‌عودة ‌المواطنين ⁠السوريين ​إلى ‌بلادهم خلال اجتماعه مع الشرع في برلين يوم ⁠الثلاثاء.

وأضاف المتحدث: «‌لدينا رغبة ‍في ‍تعزيز العلاقات، وإذا جاز التعبير، بدء صفحة جديدة مع الحكومة ​السورية الجديدة. لدينا العديد من القضايا ⁠المهمة التي يجب التعامل معها... ومنها على سبيل المثال عودة السوريين إلى وطنهم».

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (إ.ب.أ)

وتأتي الزيارة بعد أقل من شهر من ترحيل ألمانيا لمواطن سوري مدان بالسطو المسلح والاعتداء والضرب والابتزاز، إلى بلاده في 23 ديسمبر (كانون الأول)، وهي أول عملية من نوعها منذ اندلاع النزاع في عام 2011.

ومنذ توليه منصبه في مايو (أيار) الماضي، بدأ ميرتس في تشديد سياسات الهجرة في ظل صعود اليمين المتطرف.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، دعا ميرتس إلى إعادة لاجئين سوريين إلى بلدهم بحجة أن «الحرب الأهلية في سوريا قد انتهت».

وبعد الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر 2024، أعلنت عدة دول أوروبية، من بينها ألمانيا، تجميد إجراءات طلبات اللجوء في سياق المكاسب الانتخابية القوية التي حققتها أحزاب اليمين المتطرف في أعقاب هجمات مختلفة ارتكبها أجانب.