انقسامات الأوروبيين تحول دون اتخاذهم مواقف مؤثرة إزاء حرب غزة

الخلافات برزت في الأيام الأولى للعملية العسكرية الإسرائيلية

مستوطنون يقتحمون الأقصى (أرشيفية - وفا)
مستوطنون يقتحمون الأقصى (أرشيفية - وفا)
TT

انقسامات الأوروبيين تحول دون اتخاذهم مواقف مؤثرة إزاء حرب غزة

مستوطنون يقتحمون الأقصى (أرشيفية - وفا)
مستوطنون يقتحمون الأقصى (أرشيفية - وفا)

رغم سقوط نحو 20 ألف قتيل في القصف المتواصل الذي تقوم به إسرائيل لقطاع غزة منذ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عقب العملية التي قامت بها «حركة حماس» ومجموعات فلسطينية أخرى في غلاف غزة، ما زالت دول الاتحاد الأوروبي عاجزة عن التوصل إلى موقف موحد إزاء ما يحصل في منطقة تعد جوارها المباشر.

وكشفت القمة الأوروبية التي استضافتها بروكسل يومي 14 و15 من الشهر الحالي، عن عجز القادة الأوروبيين عن التوصل إلى صيغة محددة تدعو جماعيا إلى وقف إطلاق النار. وكان اجتماع وزراء خارجية الاتحاد نهاية الأسبوع الماضي قد عكس صورة الفشل الأوروبي، خصوصا الانقسامات الداخلية التي برزت في الأيام الأولى للعملية العسكرية الإسرائيلية بعكس وحدة موقف الدول الـ27، وموقف المفوضية ممثلة برئيستها أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال، في الإدانة الشديدة لـ«حماس»، وتأكيد حق إسرائيل في الدفاع عن النفس.

لم تبرز الانقسامات الأوروبية على سطح الاتحاد وحده. ففي التصويت على قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة، يوم 12 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، توزعت الأصوات الأوروبية بين داعم لمشروع قرار وقف إطلاق النار وممتنع عن التصويت ومعارض. وبعد أن كانت ألمانيا الحليف الأبرز لإسرائيل الرافض لتوجيه أي انتقاد لما تقوم به في غزة، أكان لجهة دوام عمليتها العسكرية أو استهداف المدنيين أو تدمير المساكن والبنى التحتية، بدأ الموقف الألماني بالتحرك ببطء. لكنّ دولتين «هما النمسا والجمهورية التشيكية» بقيتا رافضتين لأي دعوة تحد من حرية حركة الجيش الإسرائيلي وتواظبان على اعتبارها «هدية» لـ«حماس». والفشل الأوروبي برز أيضا في العجز عن اتخاذ «إجراءات جماعية» ضد عنف المستوطنين في الضفة الغربية ضد المدنيين الفلسطينيين، بينما سبقت الولايات المتحدة الأميركية الدول الأوروبية إلى اتخاذ قرار بمنع عشرات المستوطنين الذين تعدهم مسؤولين عن ممارسة العنف من الدخول إلى أراضيها.

لحظة اعتقال طفل فلسطيني في الضفة (أ.ف.ب)

توسيع المستوطنات

جل ما صدر عن الاتحاد الأوروبي جاء يوم السبت على شاكلة بيان يؤكد، من جهة، أن «توسيع المستوطنات غير القانونية والتهجير القسري للفلسطينيين يقوض الأمن في الضفة الغربية ولا يجعل إسرائيل أكثر أمنا. كما تشكل المستوطنات انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، وعقبة رئيسية أمام حل الدولتين، وتهديدا للاستقرار الإقليمي». ويمر البيان، من جهة ثانية، سريعا على «تزايد العنف ضد الفلسطينيين من قبل المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية المحتلة». واللافت في بيان الاتحاد ثلاثة أمور: الأول، أنه يفرق بين المستوطنات القانونية والمستوطنات غير القانونية بينما القانون الدولي يعدها كلها غير شرعية. والثاني، أنه لا يأتي على عنف المستوطنين إلا سريعا ولا يتضمن أي دعوة للسلطات الإسرائيلية لوضع حد لهذا العنف كما لا يحملها البيان أي مسؤولية، لا بل إن الكنيست الإسرائيلي قرر رصد تمويل إضافي للمستوطنات «غير القانونية» الجديدة. والثالث أن البيان لا يشير لا من قريب ولا من بعيد إلى تدابير أو إجراءات بحق المستوطنين. وتميزت بريطانيا، كما الولايات المتحدة، بفرض عقوبات على المستوطنين، علماً أن واشنطن دأبت على اللجوء إلى حق النقض «الفيتو» ضد مشاريع القرارات التي تدعو لوقف النار فيما امتنعت لندن عن التصويت.

الرئيس إيمانويل ماكرون وحديث في بروكسل مع رئيسة المفوضية الأوروبية ورئيسة البرلمان الأوروبي (أ.ف.ب)

موقف فرنسي فردي

وإزاء التردد الأوروبي، قررت فرنسا «اتخاذ إجراءات على الصعيد الوطني (الفردي) في حق بعض المستوطنين الإسرائيليين المتطرفين»، وهو ما جاء على لسان كاترين كولونا، وزيرة الخارجية العائدة من زيارة إلى إسرائيل والضفة الغربية ولبنان. وقالت كولونا لعدد من الصحافيين الثلاثاء إنها «تمكّنت أن ترى بأم العين أعمال العنف التي يرتكبها بعض المستوطنين المتطرفين»، مضيفة «إنه أمر غير مقبول». وينظر إلى فرض هذه العقوبات على أنها تقدم ملموس رغم «رمزيتها»، حيث إنها تقتصر، حتى اليوم، على منع بضع عشرات من المستوطنين من الدخول إلى أراضي الدول المعنية.

لكن يؤخذ على الدول الثلاث أنها تعفي الحكومة الإسرائيلية وخصوصا وزراءها الأكثر تطرفا والذين يوقدون نار الاعتداءات على الفلسطينيين من أي مسؤولية أو محاسبة، وذلك بعكس البيان المشترك الصادر يوم 15 الحالي من وزارات الخارجية لدول منضوية في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى أستراليا وكندا والنرويج والمملكة المتحدة وسويسرا، وقد جاء فيه: «منذ بداية أكتوبر، نفّذ المستوطنون أكثر من 343 هجوماً عنيفاً، قُتل فيها ثمانية مدنيين فلسطينيين، وأصيب أكثر من 83 آخرين، كما أُجبر أكثر من 1026 فلسطينياً على مغادرة منازلهم». والأهم أن هذه الدول «تندد بشدة بأعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون المتطرّفون، الذين يرهبون المجتمعات الفلسطينية»، كما تنتقد «عجز إسرائيل عن حماية الفلسطينيين»، وتطالبها بتقديم الضالعين في العنف إلى القضاء. وهذا الاختلاف بين بيانات الاتحاد الأوروبي والبيانات الأخرى في اللغة والمطالب مرده التردد وربما الخوف من انتقاد إسرائيل وتحميلها المسؤولية عن العنف الحاصل في الضفة الغربية.

مخيم جباليا المدمر في غزة (رويترز)

التأثير في مجريات الحرب

خلاصة ما سبق، وفق مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس أن الاتحاد الأوروبي عاجز عن التأثير في مجريات الحرب في غزة «لغياب الإرادة السياسية من جهة، ولفشل قادته في التوصل إلى مقاربة مشتركة»، علما أن مبدأ الإجماع هو المتبع فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. الاتحاد الأوروبي لم تتوافر له، بعد، الشجاعة السياسية للمطالبة بوقف لإطلاق النار ولتوجيه انتقادات لإسرائيل لما تقوم به في غزة. ولا يمكن عدّ ما جاء على لسان جوزيب بوريل، مسؤول السياسية الخارجية والأمن في الاتحاد، كافيا لتغطية العجز الجماعي الأوروبي.

وكتب بوريل على منصة «إكس» الاثنين، منددا بـ«النقص الفادح في القدرة على التمييز»، الذي تعكسه عمليات الجيش الإسرائيلي في غزة، وخصوصا عبر مقتل رهائن ومصلّين ومدنيين فلسطينيين، عاداً أنه «لا بدّ من أن يتوقّف ذلك، والهدنة الإنسانية العاجلة ضرورية». ونوه بوريل بما جاء على لسان وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا الذين عدوا أن «الكثير من المدنيين يقتلون في غزة» ليعطي كلامه مزيدا من القوة.

البابا فرنسيس يبارك في نهاية لقائه الأسبوعي في قاعة البابا بولس السادس بالفاتيكان في 13 ديسمبر 2023 (رويترز)

البابا فرنسيس

ومن جانبه، ندد البابا فرنسيس الأحد بما أقدم عليه جندي إسرائيلي بقتله أمّا وابنتها في باحة الكنيسة الكاثوليكية الوحيدة في غزة. وقال البابا الأحد إن «هذا الأمر حصل حتى داخل رعية العائلة المقدسة، حيث ليس هناك إرهابيون، بل عائلات وأطفال ومرضى ومعوقون».

حتى اليوم ما زال المسؤول الأوروبي يتحدث عن «هدنة» وليس عن «وقف لإطلاق النار».

والحقيقة أن المفردات الأوروبية المستخدمة تتغير بين الحين والآخر نظرا لرفض إسرائيل وقف العمليات القتالية وللمساندة التي تتلقاها حتى اليوم من واشنطن التي تريد فقط، رسميا، من الجيش الإسرائيلي أن «يغير أسلوب العمل» بالتخلي عن عمليات القتل الجماعي التي يتسبب بها القصف المتواصل المكثف منذ 72 يوما. وتلزم باريس موقفا وسطيا بدعوتها إلى «هدنة إنسانية دائمة» ما يقربها كثيرا من مفهوم «وقف النار» الذي صوتت لصالحه في مجلس الأمن والجمعية العامة. ولعل الشيء الوحيد المجمع حوله بتناول ضرورة زيادة المساعدات لقطاع غزة. لكن هل يغني العمل الإنساني عن سياسة واضحة؟


مقالات ذات صلة

تركيا تعرض مجدداً توقيع اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع مصر

شمال افريقيا من لقاء بين إردوغان والسيسي في أنقرة (أرشيفية - الرئاسة التركية)

تركيا تعرض مجدداً توقيع اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع مصر

أكدت تركيا مجدداً استعدادها لتوقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع مصر يحقق المصالح المشتركة للبلدين بعد تمسك مصر بموقفها من مذكرة ترسيم الحدود التركية - الليبية

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد مؤشر قياس ضغط الغاز في إحدى المحطات (رويترز)

سعر الغاز في أوروبا يتخطى 111 دولاراً لأول مرة منذ ديسمبر 2022

لامس عقد الغاز الطبيعي القياسي في أوروبا حاجز 100 يورو (111.34 دولار) لكل ميغاواط/الساعة يوم الأربعاء، وذلك للمرة الأولى منذ ديسمبر 2022.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا حادث اصطدام قطارين فائقَي السرعة بالقرب من بلدة أوردا بمقاطعة طوليدو 28 أكتوبر 2026 (أ.ب) p-circle 00:37

لماذا تتكرر حوادث القطارات فائقة السرعة في إسبانيا؟

تصادم قطاري طوليدو يسلط الضوء على كوارث السكك الحديدية في إسبانيا ويثير التساؤلات حول أمان القطارات فائقة السرعة وضغوط الخصخصة

كوثر وكيل (لندن)
الاقتصاد أسعار الوقود في محطة تابعة لشركة «أورلين» البولندية في وارسو (رويترز)

«أورلين» البولندية تستقبل شحنات غاز قطرية في نوفمبر... وتخطط لمركز في سنغافورة

قال نائب رئيس مجموعة «أورلين»، أكبر مجموعة طاقة في بولندا، إن المجموعة ستفتتح مركزاً لتجارة الغاز الطبيعي المسال في سنغافورة خلال الربع الأول من 2027.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا  سفن تابعة لوكالة «فرونتكس» وأخرى تابعة لخفر السواحل اليوناني تشارك في عملية بحث وإنقاذ عقب انقلاب قارب كان يقل مهاجرين قبالة سواحل جزيرة ليسبوس اليونانية (أ.ب)

بروكسل تقترح تعزيز «فرونتيكس» وتوسيع دورها في ترحيل المهاجرين

يسعى الاتحاد الأوروبي لتعزيز وكالته الحدودية عبر منحها سلطات التعامل مع عمليات الترحيل بموجب خطط تهدف لتحسين استجابة التكتل للهجرة غير النظامية عُرضت، الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

كيف يمكن تعويض سنوات التعليم الضائعة من أطفال غزة؟

أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

كيف يمكن تعويض سنوات التعليم الضائعة من أطفال غزة؟

أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

يواجه أطفال قطاع غزة، بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، مساراً طويلاً لاستعادة ما فاتهم من التعليم، في ظل فجوات في القراءة والكتابة والحساب، ومدارس مدمّرة، وأعباء نفسية ومعيشية تعرقل انتظام الدراسة.

ويرى خبيران تحدثا إلى «الشرق الأوسط»، أن معالجة ما فقده أطفال غزة قد تتطلب برامج تمتد لسنوات، تبدأ بتحديد ما يعرفه كل طفل وما يحتاج إلى تعلّمه.

مشاكل القراءة والكتابة

خلال وجوده في غزة، عاين الدكتور أحمد كمال جنينة، رئيس قسم اللغة الإنجليزية في جامعة الأقصى بغزة، آثار انقطاع أطفال القطاع عن التعليم من خلال تجربته مع أبنائه، وحديثه مع أقارب وأولياء أمور التلاميذ ليكتشف أن أبرزها عجز الأطفال عن القراءة والكتابة من الأساس.

ويقول جنينة الذي يشارك كزميل مقيم في معهد رادكليف للدراسات المتقدّمة بجامعة هارفارد الأميركية لـ«الشرق الأوسط»: «أرى أننا أمام فاقد تعليمي عميق يتراكم مع مرور الوقت، ويتفاوت حجمه من طفل إلى آخر».

وتحمل العودة إلى الدراسة، بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب في قطاع غزة، أسئلة عن مستوى الأطفال الفعلي، وما تتيحه ساعات التعليم المتاحة، وكيفية بناء برامج تساعدهم على متابعة دراستهم دون أن تتراكم فجوات جديدة.

وتشمل الفجوات مهارات تعلّمها الأطفال ثم ضعفت بسبب غياب الممارسة، وأساسيات لم تُتح لآخرين فرصة اكتسابها أصلاً. ومع الانتقال الإداري إلى صفوف أعلى، قد يبقى ضعف القراءة عائقاً أمام متابعة مواد أخرى، فتتراكم صعوبات جديدة فوق ما لم يُعالج من قبل. وتُضاف إلى ذلك خسارة الروتين المدرسي والتفاعل اليومي مع المعلّمين والأقران، وما يتيحه هذا التواصل من علاقات وتجارب تسهم في تكوين الشخصية وتنمية المهارات الاجتماعية والحياتية، وفقاً لجنينة.

طلاب فلسطينيون خلال حصة فنية في مدرسة أُنشئت بدعم من منظمة «يونيسف» داخل مخيم للنازحين في بلدة القرارة بمدينة خان يونس عام 2025 (أ.ف.ب)

وفي مؤشر إلى محدودية فرص التعلّم، يستشهد جنينة بمسح أجرته «يونيسف» بين ديسمبر (كانون الأول) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026، وشمل 2071 أسرة في غزة. وأظهر أن 68 في المائة من الأطفال بين الخامسة والحادية عشرة شاركوا في أنشطة تعليمية لمدة ثلاثة أشهر أو أقل منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وحتى إجراء المسح. وتصف هذه النسبة مدة المشاركة في التعليم، أما تحديد مقدار التراجع في المهارات، فيحتاج إلى تقييم مباشر.

احتياجات تسبق الاستفادة من الدرس

وقد تتعثر استفادة الطفل من التعليم بسبب احتياج صحي أو نفسي لم يُنتبه إليه. هنا، يستحضر جنينة تجربة وثّقتها منظمة «وور تشايلد»، المتخصصة في دعم الأطفال المتأثرين بالحروب ومقرّها هولندا، لطفل فلسطيني يبلغ من العمر 7 سنوات يدعى «كريم»، في دير البلح وسط القطاع.

بعد فقدان والده ومنزله، واجه كريم صعوبة في المشاركة والبقاء في مركز التعلّم، ومع الدعم النفسي والأنشطة الجماعية والتعليم التعويضي، وتوفير نظّارات لمعالجة صعوبة بصرية، بدأ يشارك بثقة أكبر.

وفي تحليل لجنينة، تُبيّن هذه الحالة أهمية معالجة احتياجات قد تتوقف عليها قدرة الطفل على التفاعل مع المعلّم والاستفادة من الدرس.

أطفال فلسطينيون نازحون يشاركون في جلسات دعم نفسي داخل مرسم يستخدم حيوانات أليفة وطيوراً في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة عام 2026 (أ.ف.ب)

وتَرِد مؤشرات أخرى في مسح «يونيسف»، الذي أبلغ فيه أهالٍ عن اضطرابات نوم وانسحاب اجتماعي وتغيّرات سلوكية لدى أطفالهم، بما يستدعي مراعاة احتياجاتهم النفسية والاجتماعية عند استعادة الدراسة.

ويقول جنينة: «أعتقد أنه لا يمكن فهم ما يواجهه الطفل داخل الصفّ بمعزل عن ظروف حياته خارجه»، فمكان النوم، والشعور بالأمان، وتوافر مساحة للدراسة، وشخص يساعد في متابعة الدروس، كلها عوامل تدخل في قدرته على التركيز والاستمرار.

وقد عاين الدكتور جنينة أثر غياب الاستقرار أيضاً لدى طلبته الجامعيين؛ فمنهم من عرقل النزوح المتكرر دراسته، ومنهم من انتظر الليل بحثاً عن الهدوء، وسط صعوبات تأمين الإنترنت وشحن الهواتف والوصول إلى المواد التعليمية. وهذه شهادات تخصّ التعليم الجامعي، لكنها توضح جانباً من المشقة التي بات يتطلّبها الوصول إلى الدرس قبل البدء بمتابعته وفهمه.

تجربة سابقة وحدود المقارنة

توجد خبرات سابقة تشير إلى إمكان تحقيق تقدّم في المهارات الأساسية عبر التعليم التعويضي. ومن بينها برنامج وثّقته «يونيسف» عام 2021، وأكمله خمسة آلاف طفل من الصفوف الأول إلى الرابع في غزة، ارتفع فيه متوسط نتائج اختبار الرياضيات من 37 في المائة قبل البرنامج إلى 95.5 في المائة بعده، بحسب المثال الذي يستحضره جنينة.

لكن الفارق بين ظروف تلك التجربة والواقع الراهن يمنع استخدامها لتحديد مدة التعويض اليوم. ويشرح جنينة: «نتعامل مع نظام تعليمي فقد معظم مدارسه ومرافقه، إلى جانب ما تعرّض له المعلّمون والأطفال وأُسرهم من قتل ونزوح وفقدان وجوع وظروف معيشية قاسية. ولذلك لا يمكن القياس على تجربة عام 2021 لتقدير المدة التي يحتاج إليها الأطفال للتعافي من آثار الحرب الحالية».

وتبقى قيمة التجربة في إظهار إمكان الاستفادة من التدخّلات التعويضية، مع الاستعداد لبرامج تمتد لسنوات، تُراجَع أهدافها ونتائجها باستمرار. ويحذّر جنينة من أن يتحوّل العمل إلى سباق لإنهاء المناهج وإجراء الامتحانات وترفيع الطلبة: «فالغاية هي أن يتعلّم الطفل فعلاً ويمتلك المهارات التي يحتاج إليها لمواصلة تعليمه دون أن تتراكم عليه فجوات جديدة».

أطفال فلسطينيون يحملون حقائبهم المدرسية ويسيرون بين خيام مؤقتة في مدينة غزة يوم 28 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

المعلّمون وشركاء التعافي

تحتاج هذه البرامج إلى معلّمين قادرين على الاستمرار في عملهم، بينما يعيشون هم أنفسهم ظروف الحرب والنزوح والفقدان والضغوط المعيشية والنفسية. ويضع جنينة توفير دخل مستقر ودعم نفسي ومهني لهم في صلب استعادة التعليم، حتى يستطيعوا متابعة الأطفال والتعامل مع التجارب القاسية التي مرّوا بها.

وتبقى الأولوية لتحقيق التعافي، وفق جنينة، «وقف الاعتداءات والقتل المستمر، وضمان سلامة الأطفال والمعلّمين، وتوفير أماكن آمنة يمكنهم الوصول إليها والتعلّم فيها». ويرى أنه بالتوازي مع مواصلة التعليم في المساحات المؤقتة، لا بدّ من إصلاح المدارس المتضررة وتلبية الاحتياجات الأساسية للأطفال بما يُمكّنهم من الانتظام في الدراسة.

أما وضع الخطط وتنفيذها، فيقتضي مشاركة أساسية من أصحاب الخبرة المحلية. وفي تعبير جنينة: «والأهم أن يكون للمعلّمين والمؤسسات التعليمية الفلسطينية دور أساسي في وضع خطط التعافي وتنفيذها، بمشاركة أهالي الطلبة، فهم الأعرف باحتياجات الأطفال وبالظروف التي يعيشونها».

حين تُستهلك الحصة في المراجعة

وفي تفاصيل العمل اليومي داخل الصفوف والمساحات المؤقتة، تظهر عقبات أمام تحويل خطط التعويض إلى تقدّم مستمر. ويشرح رائد أبو مخدة، المتخصص في الإدارة المدرسية والتعليم في ظروف الطوارئ، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، كيف يعطّل غياب أيام الدوام المتواصلة البناء على ما يتعلّمه الأطفال.

ويصف أبو مخدة ذلك بقوله: «نبدأ مهارة، ثم ينقطع الحضور، فنعود إلى مراجعتها بدل البناء عليها. ويصبح جزء كبير من الوقت المتاح مخصصاً لاستعادة ما سبق شرحه».

أطفال فلسطينيون يجلسون في فصلهم الدراسي في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد داخل مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات بوسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

لذلك، لا يكفي عدّ أيام الغياب لتقدير ما خسره الطفل. فأيام الحضور نفسها قد تكون قصيرة ومتباعدة، أو يصل فيها الطفل مرهقاً أو جائعاً أو خائفاً، فتضعف استفادته من الوقت المتاح، وفق أبو مخدة.

وفي المساحات المؤقتة، يواجه المعلّم قيوداً إضافية؛ يوضح أبو مخدة: «الضوضاء وتقارب المجموعات قد يجعلان الاستماع والتركيز صعبين، ويحدّ ضيق المكان من الأنشطة والعمل في مجموعات ومتابعة كل طفل». ويشير إلى افتقار الخيام إلى الحماية المناسبة من تقلّبات الطقس، وقد تنقصها المقاعد والسبورة والكتب والوسائل التعليمية والمرافق الصحية الملائمة.

أما اختصار الدوام فيقلّص وقت الشرح والتدريب والتقييم، وقد ينتهي الدرس قبل التأكد من فهم الأطفال أو مساعدة المتعثرين. ويلخّص أبو مخدة حدود هذه الاستجابة بقوله: «الخيمة قد توفر مكاناً للدرس، لكنها لا توفر وحدها مقوّمات مدرسة قادرة على معالجة فاقد متراكم».

مجموعات بحسب المهارة

تبدأ المعالجة، في التصوّر الذي يطرحه أبو مخدة، بتقييم تشخيصي للقراءة والكتابة والحساب، ثم توزيع الأطفال على مجموعات بحسب مستوى المهارة، وتقديم تعليم علاجي منتظم بأهداف محدّدة ومتابعة مستمرة.

ويقتضي ذلك تدريب المعلّمين على التعامل مع تفاوت المستويات، وتوفير مواد تعليمية مناسبة، وإتاحة وقت كافٍ للتدريب والتحقق من الفهم. فلا يصحّ افتراض امتلاك الطفل مهارات الصف الذي وصل إليه بحسب عمره، قبل معرفة ما يستطيع إنجازه فعلياً.

وتختلف القدرة على التعويض بحسب العمر والمستوى السابق وطول الانقطاع والظروف النفسية والمعيشية؛ فقد تتحسّن مهارات محددة خلال أشهر إذا توافر انتظام حقيقي، فيما قد تستغرق معالجة الفجوات المتراكمة عدة سنوات. وهي تقديرات تربوية مشروطة، بحسب أبو مخدة، لا مواعيد مضمونة لإنجاز التعافي.

ويظل استمرار الدراسة شرطاً للحفاظ على أي تقدّم: «استمرار الانقطاع يعني أن الطفل يحاول التعويض بينما يتكوّن لديه فاقد جديد»، بحسب أبو مخدة.

طالب فلسطيني ينظر إلى داخل فصله الدراسي في أثناء حضوره اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

مَن يواجه الخطر الأكبر؟

تترك الفجوات آثاراً مختلفة تبعاً للمرحلة العمرية؛ ففي الصفوف الأولى، يمتد ضعف المهارات التأسيسية إلى بقية المواد، ويصبح فهم السؤال نفسه عقبة أمام متابعة الدرس أو أداء الاختبار. وبعبارة أبو مخدة: «الطفل الذي لا يستطيع قراءة السؤال لن يتمكن من إظهار معرفته حتى إن كان يفهم بعض محتواه».

أما الطلبة الأكبر سناً، فقد تدفعهم الحاجة إلى العمل أو المسؤوليات الأسرية أو فقدان الأمل في استكمال الدراسة إلى الابتعاد النهائي عن التعليم، وفق أبو مخدة الذي يشير إلى أن الأطفال ذوي الإعاقة، ومن تعرّضوا لإصابات أو فقدان أو نزوح متكرر، يواجهون صعوبات إضافية مع نقص الخدمات المتخصصة. ولهذا، يرى أن برامج التعويض تحتاج إلى متابعة المنقطعين والمعرّضين للتسرّب، وتقييم النجاح بما أصبح الطفل قادراً على قراءته وكتابته وفهمه، إلى جانب متابعة انتظامه واستمراره، دون الاكتفاء بأعداد المسجّلين والحصص المنفّذة.

ويختصر أبو مخدة شروط هذا العمل بقوله: «التعويض يحتاج إلى وقت واستقرار وموارد، والحديث عن التعافي التعليمي دون توفير هذه الشروط يحمّل الأطفال والمعلّمين مسؤولية ظروف لا يملكون تغييرها».


الشرع يفتح أبواباً للشراكة مع بغداد

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)
TT

الشرع يفتح أبواباً للشراكة مع بغداد

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)

فتح الرئيس السوري أحمد الشرع أبواباً للشراكة مع بغداد، واستقبل في دمشق أمس، رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي.

وتعدّ زيارة الزيدي الأولى من نوعها لرئيس وزراء عراقي منذ سقوط نظام الأسد. وقالت مصادر مطلعة في دمشق إنها تشكّل «منعطفاً جوهرياً» في علاقات البلدين، في وقت تشير فيه المعطيات إلى توجه دمشق وبغداد نحو شراكة استراتيجية تخدم المصالح الاقتصادية والأمنية.

وسعى الزيدي إلى إظهار التقارب المذهبي عبر زيارته الجامع الأموي ومرقد السيدة زينب، وتبرعه من «حسابه الشخصي» بـ10 ملايين دولار لاحتياجات المعلمين الدينيين بالمناصفة.


سادس هجوم حوثي على مطار عدن

مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

سادس هجوم حوثي على مطار عدن

مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)

استهدفت الميليشيات الحوثية مطار عدن الدولي بصاروخين باليستيين، أمس، في سادس اعتداء عليه خلال أيام، ما أسفر عن وقوع إصابات بين المدنيين وأضرار مادية.

وأوضحت القوات المسلحة اليمنية، في بيان، أن هذا الاعتداء يؤكد استمرار نهج الميليشيات العدائي وانتهاكاتها السافرة.

ودخلت عملية «فجر اليمن»، أمس، يومها الرابع والعشرين، مع تصاعد القتال في الجبهات الجنوبية لمدينة تعز، واستمرار المعارك في جبهاتها الغربية، وتوسع العمليات العسكرية إلى محور باب المندب.

واتسعت التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في اليمن، مع تكثيف الجماعة استهداف التجمعات السكنية بريف محافظة لحج ومحيط تعز. وأفاد «تحالف دعم الشرعية» في اليمن بأن الدفاع الجوي السعودي اعترض ودمّر صاروخاً باليستياً أطلقه الحوثيون باتجاه محافظة الطائف.