وزيرة الخارجية الفرنسية في إسرائيل ولبنان بحثاً عن آلية لتنفيذ الـ«1701»

مصادر فرنسية: باريس تنشط لمنع تحول المناوشات بين إسرائيل و«حزب الله» إلى حرب مفتوحة

وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا في إسرائيل الأحد مع الكولونيل أوليفر رافويتش، الناطق باسم الجيش الإسرائيلي (أ.ف.ب)
وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا في إسرائيل الأحد مع الكولونيل أوليفر رافويتش، الناطق باسم الجيش الإسرائيلي (أ.ف.ب)
TT

وزيرة الخارجية الفرنسية في إسرائيل ولبنان بحثاً عن آلية لتنفيذ الـ«1701»

وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا في إسرائيل الأحد مع الكولونيل أوليفر رافويتش، الناطق باسم الجيش الإسرائيلي (أ.ف.ب)
وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا في إسرائيل الأحد مع الكولونيل أوليفر رافويتش، الناطق باسم الجيش الإسرائيلي (أ.ف.ب)

عشيةَ وصول كاترين كولونا، وزيرة الخارجية الفرنسية، إلى إسرائيل، في جولة يتعيّن أن تقودها إلى الضفة الغربية (رام لله)؛ للقاء رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، ثم، الاثنين، إلى بيروت؛ للقاء كبار المسؤولين اللبنانيين، أصدرت وزارة الخارجية بياناً أدانت فيه مقتل موظف يعمل لصالح «الخارجية» في قصف استهدف منزلاً لجأ إليه في مدنية رفح القائمة أقصى جنوب قطاع غزة.

وجاء، في حرفية البيان الصادر عن باريس على منصة «إكس»، أن فرنسا «تُدين عملية القصف التي استهدفت مبنى سكنياً تسبَّب بمقتل عدد من الضحايا». وأضاف البيان: «نطالب السلطات الإسرائيلية بجلاء الظروف التي أحاطت بهذا القصف، في أقصر وقت». ووفق «الخارجية»، فإن الضحية كان يعمل لصالح الوزارة منذ عام 2002، لكن باريس لم تكشف عن هويته، ولا عن جنسيته، وجُلُّ ما أذاعته أنه لجأ إلى منزل أحد زملائه الذي يعمل في قنصلية فرنسا بالقدس، حيث أُصيب بجراح خطيرة جراء عملية القصف الإسرائيلية، وفارق الحياة بسببها.

تجاهل الحادثة

ثمة أمران يتعيّن التوقف عندهما؛ الأول أن كولونا، التي التقت، الأحد، نظيرها الإسرائيلي، إيلي كوهين، لم تُشِر، في المؤتمر الصحافي المشترك، إلى هذه الحادثة، ولم يعلم ما إذا كان جرى التداول به في اللقاء مع كوهين الذي امتنع هو الآخر عن التوقف عنده. وسبق لباريس أن طلبت تفسيراً لاستهداف الطيران الإسرائيلي المركز الثقافي الفرنسي في غزة، بداية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ولم يعرف ما إذا كانت إسرائيل قد قدّمت اعتذاراً لباريس أو شرحت ظروف الحادث. كذلك فإن الجيش الإسرائيلي استهدف المبنى الذي كانت توجد فيه مكاتب «وكالة الصحافة الفرنسية»، التابعة للحكومة. ورغم ذلك، لم يصدر أي احتجاج علني من باريس لهذا الاستهداف الذي وقع في رفح؛ وهي المدينة التي روّجت تل أبيب أنها «آمنة»، ودعت سكان غزة للجوء إليها للنجاة من القصف.

أما الأمر الثاني فيتمثل في «الإدانة» التي صدرت عن باريس لعملية القصف الإسرائيلية، وهي تُعدّ سابقة من نوعها، إذ إن السلطات الفرنسية، كغيرها من العواصم الغربية، تجنبت، حتى تاريخه، إدانة أوالتنديد بالقصف الإسرائيلي الذي يستهدف المدنيين، والذي أوقع، وفق وزارة الصحة في غزة، ما يزيد على 18 ألف ضحية، منهم آلاف الأطفال والنساء. صحيح أن باريس، على لسان رئيس الجمهورية، إيمانويل ماكرون، لم تتردد في التذكير بسقوط كثير من المدنيين، وبالدمار الذي لحق البنى المدنية، لكنها لم تصل يوماً إلى حد التنديد أو الإدانة، لا بل إن الرئيس ماكرون شخصياً، اضطر لتوضيح ما قاله، لقناة «بي بي سي» البريطانية، نافياً قصده القول إن إسرائيل «تستهدف المدنيين عمداً».

وفي حديثها إلى الصحافة، أعربت كولونا عن «قلق باريس العميق» لما آلت إليه الأوضاع في غزة بعد 72 يوماً من الحرب والقصف والتدمير، لذا فإنها دعت إلى «هدنة فورية ومستدامة» في العمليات العسكرية. والغريب أن باريس صوّتت، في 8 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، في «مجلس الأمن»، لصالح مشروع القرار الذي طرح؛ والداعي إلى «وقف لإطلاق النار». وقد حصل المشروع المذكور على دعم 13 دولة. بَيْد أنه سقط بسبب «الفيتو» الأميركي، في حين امتنعت بريطانيا عن التصويت، واللافت أنه بينما تُواصل الوزيرة الفرنسية الدعوة إلى «هدنة»، فإن الدولتين الأكثر التصاقاً بالولايات المتحدة والداعمتين لإسرائيل هما ألمانيا وبريطانيا. والحال أن وزيري خارجية البلدين أنالينا بايربوك وديفيد كاميرون، أكدا، في مقال مشترك نشرته صحيفة «صانداي تايمز» البريطانية، «الحاجة المُلحة» لـ«وقف دائم لإطلاق النار»، إلا أنهما عارضا أن يكون «فورياً وعاماً»، بحيث أصبح من الصعب إدراك ما يريدانه حقيقةً.

هدف الجولة

يبقى أن الهدف الأساسي لجولة كولونا على إسرائيل، ولبنان الذي تصله يوم الاثنين، عنوانه العمل على خفض التصعيد على الحدود اللبنانية الإسرائيلية بين الجيش الإسرائيلي و«حزب الله»، وتحاشي تحوُّل الحرب في غزة إلى حرب إقليمية. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الوزير الإسرائيلي رأى أن فرنسا يمكن أن تلعب «دوراً مهماً» على هذا الصعيد، علماً بأن إسرائيل تريد إبعاد «حزب الله» عن حدودها الشمالية لما وراء نهر الليطاني، وفق منطوق القرار الدولي رقم 1701 الصادر في عام 2006. وثمة معلومات تفيد بأن باريس «تطرح آلية» لتنفيذه، وتلحظ دوراً لقواتها. وسيكون هذا الملف رئيسياً في المحادثات التي ستُجريها كولونا، الاثنين، مع رئيسي الحكومة ومجلس النواب اللبنانيين، ومع نظيرها اللبناني.

زيارة بيروت

وتأتي زيارة كولونا لبيروت، في إطار دبلوماسية فرنسية نشطة إزاء لبنان، فقد زارته للمرة الأولى في شهر سبتمبر (أيلول)، ثم تبعها زميلها وزير الدفاع ومدير المخابرات الخارجية، ووفد مشترك من «الخارجية» و«الدفاع». وخلال كل هذه اللقاءات، كان التركيز على «الآلية» التي من شأنها توفير الأمن والاستقرار في جنوب لبنان؛ أي كيفية تنفيذ القرار 1701، علماً بأن المتابعين لهذا الملف الشائك يعرفون مسبقاً أنه لا إمكانية للسير به من غير انسحاب إسرائيل من المناطق التي ما زالت تحتلّها، أو على الأقل مِن غالبيتها. ووفق مصدر دبلوماسي في باريس، فإن الإشكالية مزدوجة؛ إذ إنها تتناول، من جهة، الانسحاب الإسرائيلي من كفرشوبا التي تعتبرها إسرائيل تابعة لسوريا، بينما يراها لبنان لبنانية. وترتبط، من جهة ثانية، بمدى استعداد «حزب الله» لسحب مقاتليه وأسلحته من المنطقة القائمة بين الحدود ونهر الليطاني. وليس معروفاً ما إذا كان مسؤولو الحزب، في هذه المرحلة أو تلك التي ستَعقب نهاية الحرب في غزة، مستعدّين للاستجابة للمطلب الدولي الذي تحمله الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا.

وبين هذه وتلك، تدور الوساطات الدولية التي كان من المفترض أن تُتوَّج بزيارة الرئيس ماكرون إلى لبنان. لكن الزيارة أُلغيت، ولم يصدر عن قصر الإليزيه أي تفسير لذلك. وقد فضّل الرئيس الفرنسي زيارة القوة الفرنسية المرابطة في الأردن، في حين زار، العام الماضي، قبيل رأس السنة، طاقم حاملة الطائرات شارل ديغول التي تعمل بالدفع النووي. يُذكر أن التصعيد على الحدود المشتركة أسفر عن مقتل 129 شخصاً من الجانب اللبناني، بينهم 91 مقاتلاً في صفوف «حزب الله»، و17 مدنياً، في حين أفادت السلطات الإسرائيلية بمقتل عشرة أشخاص، على الأقل، من الجانب الإسرائيلي، إلى جانب عدد من الجرحى.


مقالات ذات صلة

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

المشرق العربي أهالي جنوب لبنان يلبسون رئيس الحكومة نواف سلام العباءة خلال جولة له نهاية الأسبوع الماضي في المناطق التي تعرضت للقصف الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

فقدان الحلفاء والأصدقاء... يدفع بـ«حزب الله» لمهادنة الدولة اللبنانية

تعكس المؤشرات السياسية والمواقف المعلنة في الأيام الأخيرة أن «حزب الله» بدأ  الانتقال من مرحلة المواجهة إلى مرحلة «تنظيم الخلاف» والعودة إلى الدولة

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل وفداً من صندوق النقد الدولي برئاسة إرنستو راميريز ريغو (رئاسة الحكومة)

وفد من «صندوق النقد» يبحث في بيروت خطوات تؤدي إلى اتفاق معه

بحث وفد من «صندوق النقد الدولي»، الثلاثاء، مع المسؤولين اللبنانيين في بيروت، في الخطوات العملانية المقبلة؛ بهدف الوصول إلى اتفاق مع الصندوق

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سائقو شاحنات لبنانية يقطعون الطريق عند نقطة المصنع الحدودية مع سوريا رفضاً للقرار السوري (أ.ف.ب)

قرار تنظيم الشاحنات السورية يهدد الصادرات اللبنانية

رفع القرار الصادر عن السلطات السورية، المتعلّق بتنظيم دخول الشاحنات اللبنانية إلى الأراضي السورية، مستوى التحذيرات من تداعيات مباشرة تطول تكلفة التبادل التجاري.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي ناخبة تدلي بصوتها بمنطقة الشوف في الانتخابات المحلية الأخيرة مايو 2024 (أرشيفية - إ.ب.أ)

القوى السياسية اللبنانية مطالبة بخطوات عملية لإجراء الانتخابات في موعدها

التعميم الذي أصدره وزير الداخلية العميد أحمد الحجار بفتح الباب للترشح للانتخابات النيابية لا يعني أن الطريق معبّدة سياسياً وقانونياً أمام إنجاز الاستحقاق.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي وزير الداخلية يواكب انطلاق تقديم الترشيحات للانتخابات النيابية (وزارة الداخلية)

لبنان: مرشحو الانتخابات النيابية يقدمون طلباتهم... ومصير اقتراع المغتربين مجهول

مع إعلان رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، أنه لن يدعو إلى جلسة لتعديل قانون الانتخاب، وأن الانتخابات ستُجرى في موعدها وفق القانون الحالي، يحتدم السجال السياسي...

بولا أسطيح (بيروت)

إسرائيل تسحب جنسية فلسطينيَّين - إسرائيليَين وتأمر بإبعادهما

عناصر من الشرطة الإسرائيلية الخيالة يحرسون خلال مظاهرة للعرب الإسرائيليين في مدينة حيفا 10 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة الإسرائيلية الخيالة يحرسون خلال مظاهرة للعرب الإسرائيليين في مدينة حيفا 10 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تسحب جنسية فلسطينيَّين - إسرائيليَين وتأمر بإبعادهما

عناصر من الشرطة الإسرائيلية الخيالة يحرسون خلال مظاهرة للعرب الإسرائيليين في مدينة حيفا 10 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة الإسرائيلية الخيالة يحرسون خلال مظاهرة للعرب الإسرائيليين في مدينة حيفا 10 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، أنه وقّع أمراً بترحيل فلسطينيَّين إسرائيليين من سكان القدس الشرقية أدينا بتنفيذ هجمات ضد إسرائيليين، إلى مناطق فلسطينية محتلة.

هذا التدبير يتّخذ للمرة الأولى بموجب قانون أقرّ في عام 2023، ويتيح سحب الجنسية الإسرائيلية أو إلغاء تصريح الإقامة للمدانين بتنفيذ هجمات ضد إسرائيليين ممن تلقت عائلاتهم إعانة مالية من السلطة الفلسطينية بعد اعتقالهم.

وقال نتنياهو إنه وقع قرار «سحب الجنسية وإبعاد إرهابيَّين إسرائيليَّين نفّذا هجمات بالسكين وبالسلاح الناري ضد مدنيين إسرائيليين، وكافأتهما السلطة الفلسطينية على أفعالهما الإجرامية».

وأشار النص إلى أن قرارات مماثلة كثيرة ستصدر لاحقاً، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولم يكشف نتنياهو الذي يرأس إحدى أكثر الحكومات اليمينية تطرفاً في تاريخ إسرائيل، اسمَي الفلسطينيين، لكن وسائل إعلام إسرائيلية عدة أوردت أنهما محمد حماد الصالحي ومحمد هلسة، وكلاهما من القدس الشرقية.

احتلت إسرائيل الضفة الغربية والقدس الشرقية خلال حرب يونيو (حزيران) 1967. وضمّت الشطر الشرقي من المدينة في خطوة لم يعترف بها المجتمع الدولي.

والصالحي أسير محرّر، خرج في عام 2024 بعدما قضى 23 عاماً في السجن ويحمل الجنسية الإسرائيلية، وفق جمعية نادي الأسير الفلسطيني.

أما هلسة فيحمل الهوية الإسرائيلية، وهي وثيقة تمنحها السلطات الإسرائيلية للفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية. وهذه الهوية تُعد تصريح إقامة وليست جنسية إسرائيلية.

وأفاد أحد أقرباء هلسة «وكالة الصحافة الفرنسية» بأن قريبه حُكم عليه بالحبس 18 عاماً وكان قاصراً وقد قضى نحو نصف مدة محكوميته. وقال المصدر نفسه إن السجين كان يحمل الجنسية الإسرائيلية لكنها سُحبت منه قبل 18 شهراً.

وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية عدة بأن عقوبة الطرد التي تطال الصالحي ستُنَفّذ قريباً، فيما لن تنفّذ العقوبة بحق هلسة إلا بعد صدور الحكم بحقه.

لدى تبني القانون، ندّد مركز «عدالة»، وهو منظمة غير حكومية إسرائيلية تُعنى بالدفاع عن حقوق الأقلية العربية، بالنص الذي قال إنه «يستهدف حصراً الفلسطينيين» ويزيد «الانقسام العرقي وتفوق اليهود».

ويلحظ القانون نفي هؤلاء إلى الضفة الغربية أو قطاع غزة.

أعلنت السلطة الفلسطينية في مطلع عام 2025 إلغاء المخصصات المالية لعائلات الفلسطينيين المسجونين في إسرائيل بسبب شنهم هجمات ضد إسرائيليين، لكن الحكومة الإسرائيلية تقول إن هذا النظام ما زال قائماً بأشكال أخرى.


كيف يبدو الإنترنت في إيران بعد تخفيف القيود؟

رجل إيراني يتفقد هاتفه في أحد شوارع طهران فيما تشهد البلاد انقطاعاً شاملاً للإنترنت 27 يناير (إ.ب.أ)
رجل إيراني يتفقد هاتفه في أحد شوارع طهران فيما تشهد البلاد انقطاعاً شاملاً للإنترنت 27 يناير (إ.ب.أ)
TT

كيف يبدو الإنترنت في إيران بعد تخفيف القيود؟

رجل إيراني يتفقد هاتفه في أحد شوارع طهران فيما تشهد البلاد انقطاعاً شاملاً للإنترنت 27 يناير (إ.ب.أ)
رجل إيراني يتفقد هاتفه في أحد شوارع طهران فيما تشهد البلاد انقطاعاً شاملاً للإنترنت 27 يناير (إ.ب.أ)

بعد انقطاع غير مسبوق للإنترنت في إيران فرضته السلطات في يناير (كانون الثاني) لمواجهة موجة الاحتجاجات، خُففت القيود جزئياً، غير أن الوصول إلى الشبكة لا يزال محدوداً للغاية.

وقد فُرض الحجب مساء الثامن من يناير، بالتزامن مع تداول كثيف لرسائل عبر الإنترنت دعت إلى مشاركة واسعة في الحراك الاحتجاجي، التي أسفر قمعها عن سقوط آلاف القتلى، حسب السلطات، فيما أوردت منظمات دولية حصيلة أعلى.

ما وضع الإنترنت في إيران؟

طوّرت الجمهورية الإسلامية، على مدى سنوات، قدرات واسعة للتحكم في شبكتها. وحتى في الأوضاع العادية، يبقى تصفح الإنترنت مقيّداً، مع حظر العديد من منصات التواصل الاجتماعي، مثل «إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» و«تلغرام» و«يوتيوب» محظورة في إيران لسنوات، ما يدفع المستخدمين إلى اللجوء إلى الشبكات الافتراضية الخاصة لتجاوز القيود.

غير أن إجراءات الثامن من يناير ذهبت أبعد من ذلك؛ إذ شملت حجب الشبكات الافتراضية الخاصة (في بي إن)، وتعطيل الاتصالات عبر الأقمار الصناعية التابعة لخدمة «ستارلينك» المحظورة رسمياً في إيران، مع الإبقاء فقط على «الإنترنت الوطني».

وقد أُطلقت هذه الشبكة الداخلية عام 2016، وتتيح الوصول إلى التطبيقات والمواقع المحلية، بهدف ضمان أمن البيانات والخدمات الأساسية بمعزل عن الشبكة العالمية، وفق وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية.

إيرانيون في مظاهرة مناهضة للحكومة في طهران 9 يناير 2026 (أ.ب)

ومع تراجع حدّة الاحتجاجات، سمحت السلطات اعتباراً من 18 يناير بوصول محدود إلى محرك البحث «غوغل» وخدمات البريد الإلكتروني، مع توسيع تدريجي لما يُعرف بـ«القائمة البيضاء» للمواقع المسموح بها. وبعد نحو عشرة أيام، عادت غالبية الشبكات الافتراضية الخاصة إلى العمل، لكن بشكل غير مستقر، مع تكرار الانقطاعات.

وأكد وزير الاتصالات ستار هاشمي في مطلع فبراير (شباط) أن البلاد «لم تعد بعد» إلى أوضاع الاتصال التي كانت سائدة قبل الثامن من يناير. وذكرت منظمة «نت بلوكس» المعنية بمراقبة الإنترنت أن الوصول إلى الشبكة «لا يزال خاضعاً لرقابة مشددة»، مشيرة إلى أن «سياسة القوائم البيضاء والاتصال المتقطع ما زالت تحد من تواصل الإيرانيين مع العالم الخارجي».

ما الأثر على الاقتصاد؟

وجّه انقطاع الإنترنت ضربة جديدة للاقتصاد الإيراني المثقل أصلاً بالعقوبات الدولية. وأفاد هاشمي بأن الاقتصاد الرقمي تكبّد خسائر يومية تقارب ثلاثة ملايين دولار، فيما قُدّرت خسائر الاقتصاد ككل بنحو 35 مليون دولار يومياً، محذراً من «تداعيات اجتماعية وأمنية» محتملة.

ويرى أمير رشيدي، مدير الحقوق الرقمية في مجموعة «ميان» ومقرها الولايات المتحدة، أن استمرار تقييد الإنترنت «ممكن تقنياً»، لكنه يراكم ضغوطاً تشمل تراجع الكفاءة الاقتصادية، وهروب رؤوس الأموال، وتصاعد الاستياء الاجتماعي. وذكرت وسائل إعلام محلية أن السلطات تلقّت في الأسابيع الأخيرة طلبات عدة من شركات تطالب برفع القيود وتعويضها عن الأضرار.

ويقول أمير رضا، وهو شاب يبلغ 26 عاماً ويدير موقعاً لبيع المنتجات الرقمية، إن نشاطه لم يتعافَ بعد، مضيفاً أن انقطاع الإنترنت، إلى جانب تقلبات سعر الصرف، تسبب في خسائر لا تقل عن 100 مليون تومان يومياً.

كيف يؤثر ذلك على الحياة اليومية؟

لم يُحدث تخفيف القيود فرقاً كبيراً في حياة الإيرانيين. وتروي جوانه، وهي مدرّبة يوغا، أنها لم تتمكن من إعادة التواصل مع العالم الخارجي إلا في الأيام الأخيرة، لكنها لا تزال عاجزة عن تحميل مقاطع فيديو لطلابها، مشيرة إلى أنها خلال فترة الحجب لم تستطع التواصل إلا مع من تملك أرقام هواتفهم، ما اضطرها إلى إيقاف الدروس عبر الإنترنت والتحول إلى الجلسات الحضورية.

بدوره، يصف أمين، مترجم مستقل يبلغ 29 عاماً، الاتصال بالإنترنت بأنه «غير مستقر إلى حد كبير»، لافتاً إلى أن الشبكات الافتراضية الخاصة المدفوعة تنقطع أيضاً بشكل متكرر.

محتجون يحرقون لافتة معلقة فوق جسر للمشاة في حي بونك شمال غربي طهران 9 يناير 2026 (تلغرام)

ومنذ حملته الرئاسية لعام 2024، تعهّد الرئيس مسعود بزشكيان مراراً بالعمل على تخفيف القيود المفروضة على الإنترنت، ودعا أخيراً إلى رفع الحجب المفروض منذ الثامن من يناير.

وحذر رشيدي من أنّ القيود المستمرة «تهدد بإبعاد مجتمعات الأعمال والمهنيين الشباب والجهات الفاعلة في المجتمع المدني».

أما ألما (26 عاماً)، التي تملك متجراً إلكترونياً لبيع المنتجات الجلدية، فتقول إنها قد تُضطر إلى نقل نشاطها إلى خادم محلي، مضيفة: «إذا بدأت في حساب الخسائر المالية، فقد أُصاب بنوبة قلبية».


ترمب يلوّح بحاملة طائرات ثانية إذا فشلت المفاوضات مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يترجل من طائرة الهليكوبتر الرئاسية «مارين ون» عند وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض فجر الاثنين (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يترجل من طائرة الهليكوبتر الرئاسية «مارين ون» عند وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض فجر الاثنين (أ.ف.ب)
TT

ترمب يلوّح بحاملة طائرات ثانية إذا فشلت المفاوضات مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يترجل من طائرة الهليكوبتر الرئاسية «مارين ون» عند وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض فجر الاثنين (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يترجل من طائرة الهليكوبتر الرئاسية «مارين ون» عند وصوله إلى الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض فجر الاثنين (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه يدرس إرسال مجموعة ضاربة ثانية لحاملة طائرات إلى الشرق الأوسط، تحسباً لعمل عسكري محتمل ضد إيران في حال فشل المفاوضات، مؤكداً أن بلاده تسير بالتوازي في المسارين الدبلوماسي والعسكري.

وأوضح ترمب، في مقابلة مع موقع «أكسيوس» وقناة «12» الإسرائيلية، أن الولايات المتحدة وإيران استأنفتا المفاوضات في سلطنة عُمان للمرة الأولى منذ حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) الماضي، مشدداً في الوقت نفسه على أن واشنطن «إما أن تتوصل إلى اتفاق، وإما ستضطر إلى اتخاذ إجراءات قاسية جداً كما في المرة السابقة»، في إشارة إلى الضربات التي استهدفت مواقع نووية إيرانية خلال الحرب.

وأضاف ترمب أنه يتوقع عقد الجولة الثانية من المحادثات، الأسبوع المقبل، عقب الجولة الأولى التي استضافتها مسقط، الجمعة الماضي.

وقال: «لدينا أسطول يتجه إلى هناك، وقد يتجه أسطول آخر»، لافتاً إلى أنه «يفكر» في إرسال مجموعة ضاربة ثانية، لتنضم إلى حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» ومجموعتها الهجومية التي تضم طائرات مقاتلة وصواريخ «توماهوك» وعدداً من السفن.

وأكد مسؤول أميركي لموقع «أكسيوس» أن مناقشات جرت بالفعل بشأن تعزيز الوجود البحري الأميركي في المنطقة.

ورغم هذا التصعيد، عبّر ترمب عن تفاؤله بإمكان التوصل إلى اتفاق، معتبراً أن إيران «ترغب بشدة في إبرام صفقة»، وأنها تنخرط في المفاوضات بجدية أكبر بكثير مقارنة بالجولات السابقة، مرجعاً ذلك إلى التهديد العسكري.

وقال إن المحادثات الحالية «مختلفة تماماً»، مضيفاً: «في المرة الماضية لم يصدقوا أنني سأفعل ذلك... لقد بالغوا في تقدير قوتهم».

وأكد ترمب أن من «البديهي» أن يشمل أي اتفاق البرنامج النووي الإيراني، معتبراً أيضاً أن من الممكن معالجة ملف ترسانة الصواريخ الباليستية، قائلاً: «بإمكاننا التوصل إلى اتفاق رائع مع إيران».

وفي السياق ذاته، قال ترمب إنه لا يعتقد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يشعر بالقلق من مسار التفاوض، مضيفاً: «هو أيضاً يريد اتفاقاً... يريد اتفاقاً جيداً»، وذلك عشية زيارة نتنياهو إلى واشنطن.

من جهته، قال نتنياهو، قبيل توجهه إلى العاصمة الأميركية، إنه سيعرض على ترمب رؤية إسرائيل لمبادئ المفاوضات، معتبراً أن هذه المبادئ «ليست مهمة لإسرائيل فحسب، بل لكل من يسعى إلى السلام والأمن في الشرق الأوسط».

وأجرى أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، مباحثات في مسقط التي تلعب دور الوسيط في المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران.

وفي أثناء وجوده في مسقط، حذّر لاريجاني من تدخّل نتنياهو في المفاوضات. وحضّ المسؤولين الأميركيين على التعامل «بحكمة» مع زيارة نتنياهو، و«اليقظة» إزاء «دور إسرائيل التخريبي».