«القضاء على حماس»... بين التمني الإسرائيلي والواقع على الأرض

الحرب الحالية تأتي في الذكرى 36 لتأسيس الحركة

فلسطينية وسط ركام مبنى دمرته غارة إسرائيلية في رفح السبت (أ.ف.ب)
فلسطينية وسط ركام مبنى دمرته غارة إسرائيلية في رفح السبت (أ.ف.ب)
TT

«القضاء على حماس»... بين التمني الإسرائيلي والواقع على الأرض

فلسطينية وسط ركام مبنى دمرته غارة إسرائيلية في رفح السبت (أ.ف.ب)
فلسطينية وسط ركام مبنى دمرته غارة إسرائيلية في رفح السبت (أ.ف.ب)

من يقرأ ما وراء السطور في الخطاب الحربي الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ويربط ذلك بالنهج التاريخي للسياسة الإسرائيلية تجاه الصراع مع الفلسطينيين، يُدرك أن ما يخبئه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لحركة «حماس» في ذكرى تأسيسها السادسة والثلاثين ليس كما يقول «إبادة» و«تصفية»، على الرغم من أن ذلك هو ما يتمناه. فهو يعرف جيداً أن «القضاء على حماس» هدف غير واقعي، وربما غير قابل للتحقيق. فهذه الحركة ليست مجرد تنظيم مسلح صغير يضم 30 ألف عنصر، وإنما هي تمثل تياراً عقائدياً، ولها تنظيم قوي راسخ، ليس فقط في قطاع غزة، بل في الضفة الغربية والشتات، ولها جذور عميقة، جذعها حركة «الإخوان المسلمين».

ألحقت العمليات التي تنفذها القوات الإسرائيلية ضرراً بالغاً بقوات «حماس»، لكنها لن تؤدي على الأرجح إلى تصفية قدرتها كلياً على المقاومة. وإذا كان الهدف المعلن للعمليات الإسرائيلية هو ضرب «حماس»، إلا أنها خلال أكثر من شهرين كانت موجهة أكثر إلى الشعب الفلسطيني، خصوصاً في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، فأحدثت دماراً مهولاً وحصدت أرواح أكثر من 20 ألفاً وأصابت بجراح جسدية أكثر من 50 ألفاً وبجراح نفسية أكثر من مليوني غزّي، الأمر الذي أثار في الذاكرة الفلسطينية والعربية مخاوف من نكبة ثانية. وثمة من يقول إن ما تقوم به إسرائيل سيؤدي إلى إنشاء جيوش فلسطينية مشحونة بالحقد والكراهية والرغبة في الانتقام، وفي عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي قد يكون الجيل الجديد من الفلسطينيين أخطر على إسرائيل من «حماس».

السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة غلعاد إردان يعرض رقم هاتف يحيى السنوار خلال جلسة للجمعية العامة يوم 12 ديسمبر (رويترز)

والسؤال الذي يطرح نفسه بجد اليوم هو: هل تريد حكومة إسرائيل وجنرالاتها فعلاً تصفية «حماس»؟

لقد أظهر تاريخ المواقف الإسرائيلية من «حماس» صورةً مختلفةً عن الخطاب السياسي والتصريحات والعمليات الحربية. فعندما بدأت هذه الحركة تتبلور في جمعيات خيرية في الضفة الغربية وقطاع غزة، كانت حكومة إسرائيل بقيادة إسحق رابين (أواسط السبعينات)، ومخابراتها، تفتش عن قوى فلسطينية محلية تحل محل حركة «فتح» وغيرها من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وتقبل مشروع «الإدارة الذاتية» لمنع قيام دولة فلسطينية. ولما فشلت إسرائيل في إقامة «روابط القرى»، وفشلت في تجنيد شخصيات محلية تتمرد على منظمة التحرير، رأت في جمعيات «حماس» هديةً من السماء.

وعندما قررت هذه الجمعيات بقيادة الشيخ أحمد ياسين والدكتور محمود الزهار والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، تشكيل حركة «حماس»، في 14 ديسمبر (كانون الأول) عام 1987، حركة مقاومة إسلامية، دبّت إسرائيل قوات مخابراتها لمتابعة ومراقبة هذه الحركة وقادتها. وبالرغم من برنامج «حماس» السياسي الذي لا يؤمن بإسرائيل ويدعو إلى إبادتها، رأت تل أبيب في هذه الحركة «منافساً مهماً» لمنظمة التحرير، وراحت توجه لها ضربات موجعة حتى تبقى تحت السيطرة، لكنها لم تقض عليها لأنها استفادت من عدائها لمنظمة التحرير وكذلك من عداء منظمة التحرير لها. فاعتقلت الشيخ ياسين مع مئات من أعضاء الحركة سنة 1989، وعندما قامت الحركة بخطف جندي إسرائيلي لغرض التفاوض عليه لإطلاق سراح الشيخ ياسين، سنة 1992، ردت إسرائيل بشن حملة اعتقالات واسعة في الضفة الغربية وقطاع غزة، أُبعد على أثرها 416 من أعضاء حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» إلى جنوب لبنان. وقد رفض المبعدون القرار وظلوا في منطقة «مرج الزهور» جنوب لبنان، إلى حين صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 977 بعودتهم، فعاد أغلبهم خلال عام، وقليل منهم بقوا خارج البلاد. وتحول المبعدون إلى قادة معتبرين لدى الشعب الفلسطيني.

قيادي «حماس» إسماعيل هنية مع الشيخ الراحل أحمد ياسين في مدينة غزة عام 2003 (رويترز)

وتأجج الصراع في السنوات اللاحقة بين «حماس» وإسرائيل التي شهدت عمليات تفجير كبيرة نفذها عناصر «حماس» وغيرها من الفصائل. وفي الوقت ذاته، واصلت إسرائيل ملاحقة قادة «حماس». وفي سنة 1997، أمر نتنياهو باغتيال خالد مشعل، رئيس «حماس»، في العاصمة الأردنية. لكن المحاولة فشلت وألقي القبض على عميلي «الموساد». وأجبر الملك حسين إسرائيل على إنقاذ حياة مشعل وطلب للمصالحة معها تحرير الشيخ ياسين.

ومع اندلاع انتفاضة الأقصى (2000)، بادر الشيخ أحمد ياسين والرئيس ياسر عرفات إلى عملية تقارب بين منظمة التحرير وبين «حماس». ولكن في سنة 2004، اغتالت إسرائيل الشيخ ياسين عبر قصف من مروحية أباتشي، بينما كان خارجاً من صلاة الفجر على كرسيه المتحرك من مسجد المجمّع الإسلامي في حي الصّبرة في غزة. وحل محله في قيادة الحركة، الدكتور الرنتيسي، الذي سار هو أيضاً على طريق المصالحة الفلسطينية. فاغتالته إسرائيل بعد أقل من شهر واحد فقط. ثم غاب ياسر عرفات، الذي تسود قناعة فلسطينية بأنه هو أيضاً قُتل بعملية تسميم.

وتوقفت جهود المصالحة لفترة، إلى حين إجراء الانتخابات التي فازت بها «حماس» سنة 2006، واعترف الرئيس محمود عباس بنتائج الانتخابات، وكلف إسماعيل هنية بتشكيل الحكومة. وكانت هذه مرحلة مفصلية في تاريخ الحركة. وكان من الممكن أن تتحول إلى فرصة تاريخية تجعلها قائداً شرعياً للشعب الفلسطيني، يحتوي الآخرين وربما يفتح صفحة جديدة من العلاقات العربية والدولية تكسبها الشرعية. لكنها بدل ذلك، اختارت طريق الصراع الداخلي، فانقلبت على نفسها. ففي أواسط 2007، سيطرت «حماس» على قطاع غزة وطردت رموز السلطة الفلسطينية من القطاع وقتلت 160 قائداً ميدانياً من حركة «فتح» (معظمهم تم إلقاؤهم من على أسطح بنايات شاهقة). ومع أن «حماس» واصلت مقاومتها لإسرائيل، التي فرضت حصاراً على القطاع، وراحت تبني قوات عسكرية وصاروخية قوية، نسبياً، فقد حرصت إسرائيل على إبقاء سقف معقول في التعاطي معها. فقررت ألا تدخل معها في حرب إبادة ولا حتى حرب لإسقاط حكمها، وتركتها تحارب السلطة الفلسطينية. ومن آن لآخر كانت توجه لها ضربات عسكرية محدودة.

 

واليوم يتضح بشكل رسمي، من المنشورات التي ترافق الحرب، أن حكومة نتنياهو دأبت على تشجيع الانقسام الفلسطيني، لكي تخفض من مكانة السلطة وتضعفها وتمتنع عن التفاوض معها على قيام دولة فلسطينية. وعندما كان قادة «الليكود» يتهمون نتنياهو بأنه يعزز بذلك قوة «حماس»، كان يصدهم قائلاً إن هذا هو السبيل الوحيد لمنع قيام دولة فلسطينية. وكان يعد بتصفية «حماس» في الوقت المناسب. من جهتها، أخذت «حماس» هذا التهديد بجدية، وسوية مع الحلفاء في إيران وغيرها، عملت على تعزيز قوتها وتدربت على عمليات اقتحام لإسرائيل.

قيادي «حماس» يحيى السنوار الذي يُعتقد أنه وراء عملية «طوفان الأقصى» (رويترز)

«طوفان الأقصى»

مع قدوم حكومة يمين متطرف إلى السلطة في إسرائيل، مطلع السنة الحالية، راحت تل أبيب تعمق سياسة اللعب على حبل الانقسام الفلسطيني، لكي تتهرب من التسوية السياسية. فهي لم تضع القضية الفلسطينية على الرف وحسب، بل قامت بتوسيع عمليات التهويد والاستيطان وضاعفت عدد عمليات اقتحام المسجد الأقصى شجعت المتطرفين المستوطنين على تنظيم اعتداءات على الفلسطينيين في الضفة الغربية تصل إلى حد طردهم من بيوتهم والسيطرة على أراضيهم وممتلكاتهم بالقوة، بحماية الجيش. كما أخذت إسرائيل تشدد من قمعها للأسرى الفلسطينيين في سجونها، وأوكلت إلى الوزيرين المتطرفين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموترتش مسؤولية السجناء إدارة شؤون الاستيطان في الضفة الغربية.

ولما كانت إسرائيل نفسها قد دخلت في حالة انقسام شديد، بسبب خطة حكومية تطول منظومة الحكم والجهاز القضائي، وجدت «حماس» وحلفاؤها في الخارج فرصة لتوجيه ضربة عسكرية قوية لإسرائيل والعمل على تحرير الأسرى الفلسطينيين... وأطلقت عليها اسم «طوفان الأقصى».

عائلة عاشور مع جثمان طفل في مستشفى النجار برفح السبت (أ.ف.ب)

وقبيل الاحتفال بذكرى تأسيسها السادسة والثلاثين، نجحت «حماس» في عمليتها ووجهت فعلاً ضربة قاسية لإسرائيل، إذ احتلت 11 ثكنة عسكرية و22 بلدة يهودية وخطفت 230 إسرائيلياً وأجنبياً وقتلت 1200 جندي ومواطن. شكلت العملية ضربة لهيبة الجيش الإسرائيلي أمام الإسرائيليين وأمام العالم، وأعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد.

لكن عملية «حماس» شابتها سقطات كبيرة. ففي الهجوم الذي نفذته على غلاف غزة، قام عدد من نشطائها أو المهاجمين معها أو كليهما معاً، بممارسة عمليات فاحشة ضد المدنيين الإسرائيليين. فقتلت وخطفت أطفالاً ونساء ومسنين ومرضى وقتلت عائلات بأكملها بلا رحمة. واستغلت إسرائيل صور تلك الاعتداءات البشعة لتعبئة الجمهور الإسرائيلي ومن ثم الرأي العام العالمي ضد «حماس»، وراحت تشن حرباً تدميرية لا يعرف التاريخ في بشاعتها سوى في الحرب العالمية الثانية.

وقد فشلت «حماس» في مواجهة الحرب الإعلامية ضدها، ليس لأنها لا تملك الأدوات بل لأنها ربما لا تأخذ بالاعتبار شيئاً اسمه الرأي العام العالمي، ولا تعرف مخاطبة العالم بلغته. فهي لم تعلن رفضها لتلك العمليات البشعة، ولم تفكر في محاسبة من قام بها باسمها. ولم تفعل شيئاً لتحوّل مكسبها العسكري، إلى مكسب سياسي استراتيجي. فقد كان بإمكانها أن تعلن برنامجاً سياسياً جريئاً تؤكد فيه تبنيها برنامج منظمة التحرير. وعندما تكلم موسى أبو مرزوق، نائب رئيس الحركة، بروح قريبة من هذا البرنامج، اضطر فوراً إلى التراجع، نتيجة للمعارضة من داخل الحركة وربما من خارجها.

وحتى في الوقت الذي كانت فيه كل الفصائل الفلسطينية تقف إلى جانب غزة ضد العدوان الإسرائيلي، وكان ممثلو فلسطين في المؤسسات الدولية يعملون ليل نهار على تجنيد العالم، خرج قادة من «حماس» يهاجمون هذه الفصائل ويفتشون عن صغائر تكتيكية للصدام معها، خصوصاً مع السلطة الفلسطينية. وحتى عندما كان قادة الدول العربية والإسلامية يديرون أكبر حملة دبلوماسية لنصرة غزة والقضية الفلسطينية، وكانت الفضائيات العربية تنقل للعالم دقيقة بدقيقة وعلى مدار 24 ساعة في اليوم مشاهد القتل والدمار الإسرائيلية، كانت «حماس» تهاجم الدول العربية لأنها «لم تفعل شيئاً». حتى منظمة الصليب الأحمر ووكالة غوث اللاجئين وغيرها من المؤسسات الدولية التي قُتل العشرات من نشطائها وهم يقدمون الخدمات لأهل غزة، هاجمهم قادة من «حماس» أيضاً.

على هذا الأساس، يمكن القول إن «حماس» التي تحتفي بمرور 36 سنة على تأسيسها، تحتاج إلى عملية نضوج سياسي. تحتاج إلى قيادة متواضعة ومنصفة ومتوازنة، رغم ما تمر به من مصاعب. تحتاج إلى مواقف مسؤولة تجعلها تأخذ مكانها بشكل طبيعي مع بقية الفصائل في قيادة الشعب الفلسطيني وليس بالقوة، كما يوحي اليوم قادتها. وعليها ألا تنسى أولئك الذين ضحوا ويضحون بأرواحهم وبعائلاتهم وبتشردهم وبجراحهم على إثر هجوم «حماس». فهؤلاء يتهمون إسرائيل بمصيبتهم. لكنهم لا يبرئون «حماس». وبالتالي فإن هذه الحركة عليها أن تعيد النظر في كثير من الأمور لكي تستفيد من إنجازاتها وتتعلم من إخفاقاتها.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تعلن مقتل عنصرين في غزة كانا يموِّلان «حماس» من إيران وتركيا

المشرق العربي فلسطينيون يحاولون إخماد حريق في مركبة دُمِّرت جرَّاء غارة جوية إسرائيلية جنوب مدينة غزة (إ.ب.أ)

إسرائيل تعلن مقتل عنصرين في غزة كانا يموِّلان «حماس» من إيران وتركيا

أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل عنصرين في غزة، كانا متورطَين في تسهيل تحويل ملايين الشواقل من إيران وتركيا إلى الجناح العسكري لحركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت يعد المنافس الرئيسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

انتخابات إسرائيل: حزب «طفل» ينافس على رئاسة الحكومة

يخترق حزب «يشار» بقيادة غادي آيزنكوت الساحة السياسية والحزبية الإسرائيلية مع اقتراب استحقاقات الانتخابات التي يمكن أن توصل زعيمه إلى رئاسة الحكومة.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص فلسطينيون يملأون عبوات بلاستيكية ماءً في دير البلح بغزة (أ.ب)

خاص هل هددت «حماس» إسرائيل بتكرار 7 أكتوبر؟

نفى حازم قاسم، الناطق باسم حركة «حماس»، في تصريح مقتضب وزعه للصحافيين بغزة، أن تكون حركته وجهت أي تهديد لتنفيذ هجوم مماثل للسابع من أكتوبر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية إعلان لقناة تلفزيونية إسرائيلية ستتولى تغطية الانتخابات في إسرائيل يظهر فيه نتنياهو وآيزنكوت (رويترز) p-circle

نتنياهو أم آيزنكوت... إيران والاستيطان ثوابت تتجاوز الانتخابات الإسرائيلية

ربما تأتي الانتخابات الإسرائيلية المقررة الأسبوع المقبل بزعيم جديد للبلاد، لكنها لن تؤدي إلى زحزحة الثوابت الاستراتيجية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص فلسطيني يرشق بالحجارة سيارة لجيش الاحتلال الإسرائيلي في مخيم بلاطة للاجئين قرب نابلس في الضفة الغربية المحتلة يوم الأربعاء (إ.ب.أ) p-circle

خاص مصادر تكشف لـ«الشرق الأوسط» كواليس لقاءات «فتح» و«حماس» في القاهرة

كشفت مصادر فلسطينية عدة عن تفاصيل اللقاءات التي أجراها وفد قيادي من حركة «فتح» مع قيادات وممثلين عن الفصائل -وخاصةً حركة «حماس»- في القاهرة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

ماذا تفعل مجندات استخبارات إسرائيليات في الأراضي السورية؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - د.ب.أ)
TT

ماذا تفعل مجندات استخبارات إسرائيليات في الأراضي السورية؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس يزوران نقطة مراقبة بمرتفعات الجولان المحتلة (أرشيفية - د.ب.أ)

أظهر تقرير إسرائيلي كيف يواصل جهاز الاستخبارات الإسرائيلي العمل في جنوب سوريا وازدياد أنشطته فيها رغم الضغوط الأميركية المتواصلة على إسرائيل من أجل تقليص وجودها هناك، بل كيف يتعمق هذا العمل، وكيف تقود مجندات في الجيش الإسرائيلي هذه الجهود الخطرة.

ونشرت صحيفة «جيروزاليم بوست» مقابلات مع مجنّدات في الاستخبارات الإسرائيلية على الحدود السورية، تحدثن عن عملهن في «مراقبة ورصد النشاط الإيراني بالمنطقة، والتعامل مع التوترات المتصاعدة مع السكان المحليين السوريين، إضافة إلى تتبع مجموعة من الأطراف (المعادية)؛ بدءاً من أفراد في حركة (حماس)؛ وصولاً إلى عناصر جهادية»؛ على حد قولها.

.

مجندتان من «كتيبة الاستخبارات السرية» الإسرائيلية في جنوب سوريا (جيروزاليم بوست)

في اللقاء الذي جرى بمبنى الاستخبارات السورية السابق، الذي استولت عليه إسرائيل خلال حرب عام 1967 بالقرب من «ميروم غولان» في هضبة الجولان، تحدثت المجندتين «ن» و«ر» من «الكتيبة 595» التابعة للجيش الإسرائيلي عن تفاصيل كثيرة بشأن عمل المجندات، الذي يتركز على مزيج من المراقبة البصرية المباشرة وجمع المعلومات الاستخباراتية الميدانية باستخدام الطائرات المسيرة.

وقالت «ن»، التي أمضت عامين و8 أشهر في الخدمة، إن مهمتها تتمثل في تأمين هذه الجبهة، وجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات الاستخبارية... «لدينا أدوات تكنولوجية، ولا نعمل بمفردنا. نعمل مع شركاء استخباريين آخرين، وهناك قوات أخرى من الجيش الإسرائيلي، كما نتلقى معلومات استخبارية من ضباط وقيادات أعلى رتبة».

تعمل «ن» في الميدان، وقد سجلت أطول فتراتها خلال الحرب مع إيران. وقالت «ن» إن أطول مدة قضتها في الميدان كانت أسبوعاً خلال الحرب مع إيران. وتحدثت المجندة عن عمليات عدة؛ من بينها: تحديد هوية هدف معين، والأشخاص الذين يلتقي بهم، وموعد تلك اللقاءات وكيفية إجرائها، وأوقات النهار أو الليل التي ينفذ فيها الهدف أنشطته أو يعقد لقاءاته».

ووفقها؛ فإن «كثيراً من الأنشطة تحدث ليلاً؛ حين يصعب رصد الأشخاص». وأردفت أن دورهن يتمثل في جمع المعلومات اللازمة لمساعدة القوات الأخرى على تنفيذ العمليات بأمان وفاعلية.

قوات إسرائيلية تنشط في منطقة جبل الشيخ يوم 9 ديسمبر 2024 وهو اليوم التالي لسقوط نظام الأسد (رويترز)

كما تحدثت «ر»، التي أمضت أكثر من عامين في الخدمة، عن تجربتها في قيادة الفرق وإدارة الجاهزية العملياتية للوحدة. وكشفت «ر» عن عمليات كثيرة قادتها للحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات المحددة للغاية.

وقالت «ر» إنه كان عليهن النظر إلى ما يتجاوز الهدف المباشر خلال العملية، لفهم السياق الأوسع. وبشأن الاختيار بين المراقبة البصرية المباشرة واستخدام الطائرات المسيّرة، قالت «ر» إن القرار يعتمد على المهمة وموقع الهدف. وأضافت: «الأمر يعتمد على المهمة. أين يوجد الهدف؟ وما الذي تحتاج إلى فعله للوصول إلى مسافة قريبة بما يكفي لمراقبة الهدف».

وأضافت: «لدينا كثير من الأدوات المختلفة، ومهمتنا أن نكون ماهرات بما يكفي لاختيار الأداة المناسبة في كل مرة؛ لإنجاز المهمة بأفضل طريقة ممكنة».

وعندما سُئلت عمّا إذا كانت المراقبة المباشرة هي الخيار الأفضل، مع استخدام الطائرات المسيّرة عندما ينطوي الاقتراب من الهدف على خطر الكشف عن الجنود، قالت إن «الأولوية تتمثل في الاقتراب قدر الإمكان دون تعريض سلامتهم للخطر».

وعندما سُئلت عن المواقف التي واجهت فيها هي وزميلاتها مخاطر، قالت «ر» إنهن يستطعن «استشعار ازدياد تقلب الوضع على الجبهة؛ سواء أكان بسبب النشاط الإيراني، أم التهديدات الصادرة عن مجموعات أخرى».

وعندما سُئلت عن كيف تحدد الوحدة ما إذا كان أحد الأهداف مرتبطاً بإيران أو «حماس» أو النظام السوري أو مجموعة أخرى، قالت إن العملية تعتمد على التعاون مع قيادات الاستخبارات. وأضافت أن عمليات المراقبة تُكرَّر في كثير من الأحيان لبناء صورة استخبارية أوسع اكتمالاً عن التهديد المحتمل.

ووافقت «ر» على أن النشاط في سوريا تصاعد مؤخراً، وقالت إن المجنّدات يشعرن بهذا التغيير من خلال الاستدعاءات المفاجئة لتنفيذ المهام، ومؤشرات أخرى. لكن المجندتين وقائد السرية لم يفصحوا أكثر عن عمق العمليات بسبب الضغوط الأميركية الحالية.

جنديان ضمن مجموعة تنفذ عمليات بالقرب من جبل الشيخ بين سوريا ولبنان خلال يوليو 2025 (الجيش الإسرائيلي)

وكانت الصحيفة قد ذكرت أنه في أواخر عام 2025، كشفت مجموعة أخرى من المجندات عن توغلهن لمسافة تصل إلى 18 كيلومتراً داخل العمق السوري، متجاوزاتٍ المنطقة العازلة. وتضمنت تلك العملية تقديم توجيهات ميدانية لـ«الكتيبة 890» من «لواء المظليين»، ومع ذلك، وبحلول شهر أكتوبر (تشرين الأول) من هذا العام، لم يعد بإمكان المجندات الكشف عن مدى توغلهن داخل الأراضي السورية.

وجاء هذا التغيير في ظل ضغوط علنية متكررة من إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، التي تطالب إسرائيل بتقليص أنشطتها في سوريا وبدء انسحاب جزئي من المنطقة العازلة.

وعلى الرغم من أنه لم يفصح أحدٌ من الذين تحدثوا للصحيفة عن معلومات بشأن عمق التوغل، فإنهم أكدوا أنهم يواصلون تنفيذ مهام في أنحاء جنوب سوريا، بأسلوب يتسم بالهدوء والحزم في آنٍ معاً.

وعندما سُئل قائدهم عما إذا كان قد لاحظ تجميداً للعمليات عقب المطالب الأميركية، قال «أ» إن هذه القرارات تُتخذ على مستويات أعلى، وإنه لم يلحظ بالضرورة أي تغيير في عمله اليومي.


الجيش الإسرائيلي يتأهب للانتخابات بمناورة عسكرية «متعددة الجبهات»

آليات عسكرية إسرائيلية وجنود ينتشرون على طول الشوارع في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة الأحد (د.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية وجنود ينتشرون على طول الشوارع في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة الأحد (د.ب.أ)
TT

الجيش الإسرائيلي يتأهب للانتخابات بمناورة عسكرية «متعددة الجبهات»

آليات عسكرية إسرائيلية وجنود ينتشرون على طول الشوارع في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة الأحد (د.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية وجنود ينتشرون على طول الشوارع في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة الأحد (د.ب.أ)

رفع الجيش الإسرائيلي، الأحد، مستوى التأهب إلى أقصى درجاته قبل يومين من انتخابات الكنيست المقررة، الثلاثاء، وأطلق أكبر مناورة عسكرية يجريها منذ سنوات، ونشر عشرات آلاف الجنود على مختلف الجبهات، بما فيها الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان وفي محيط القدس.

وقالت مصادر في الجيش لهيئة البث الإسرائيلية «كان» إن الجيش يستعد لمختلف السيناريوهات على عدة جبهات، بما في ذلك هجمات، وإطلاق صواريخ، رغم أنه لا تتوفر معلومات استخباراتية محددة حول تهديد وشيك.

وبدأ الجيش (الأحد) مناورة عسكرية كبيرة بمشاركة فرقة الضفة الغربية، والفرقة 98، والفرقة 96، والفرقة 210، وسلاح الجو، قال إنها تجري في إطار الحفاظ على مستوى التأهب والجاهزية لدى القوات، وتعزيز القدرات الدفاعية.

وبدا التمرين غير مسبوق، إذ وصفت صحيفة «معاريف» التمرين العسكري بأنه «الأكبر منذ سنوات، ويستهدف محاكاة ردّ القوات على هجوم متعدد الجبهات». وأضافت: «ستتدرب القوات، من بين أمور أخرى، على سيناريوهات الهجمات والاقتحامات للمستوطنات، كما سيُطلب من سلاح الجو الردّ على هجمات جوية مختلفة».

آليات عسكرية إسرائيلية وجنود ينتشرون على طول الشوارع في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة الأحد (د.ب.أ)

وإضافة إلى رفع مستوى التأهب والمناورات العسكرية، قرر الجيش فرض قيود تبدأ الأحد على دخول العمال الفلسطينيين إلى المستوطنات في الضفة الغربية والأغوار، تحسباً لاحتمال وقوع هجمات.

منع دخول الفلسطينيين

وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، إنه أيضاً تقرر منع دخول العمال الفلسطينيين إلى أي مكان بما في ذلك إسرائيل في يوم الانتخابات؛ في خطوة تعني فرض إغلاق شامل على الضفة الغربية. كما تقرر استمرار الطوق الأمني المفروض على مدينة الخليل.

وتحاصر إسرائيل الخليل منذ يوم الجمعة، بعد العملية التي نفذها فلسطينيان على حاجز إسرائيلي في منطقة «فرش الهوا»، على مشارف المدينة، قتلا جنديين وأصابا 3، قبل أن تطلق السبت عملية واسعة داخل المدينة، شملت احتلال منازل وطرد سكان من منازلهم وهدم أخرى.

وتعمل قوات إسرائيلية كبيرة في قلب الخليل في منطقة دير بحة التي خرج منها المنفذان، وفي مناطق الجلدة وخلة مناع وضاحية الزيتون، ومناطق أخرى.وأظهرت لقطات فيديو جنوداً إسرائيليين في سيارات عسكرية وهم يطلبون من السكان مغادرة منازلهم فجر السبت، ولاحقاً أظهرت لقطات أخرى فلسطينيين، رجالاً ونساء وأطفالاً، يغادرون منازلهم في جنح الظلام فعلاً إلى خارج المنطقة.

وقال رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري إن 2200 فلسطيني هجروا من منازلهم «بفعل العملية الإسرائيلية المستمرة في كل الخليل». وبحسب عضو مجلس بلدي الخليل، عضو لجنة خلية الأزمة المساندة المشكلة في المحافظة سهيل عاشور، فإن 338 عائلة تضررت نتيجة العملية المستمرة.

وجاءت العملية في الضفة بتعليمات من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير دفاع يسرائيل كاتس، اللذين قالا إنهما سينقلان نموذج المخيمات في شمال الضفة الغربية إلى الخليل.

ويحتل الجيش الإسرائيلي مخيمات في شمال الضفة منذ بداية العام الماضي، وقد أجبر عشرات آلاف السكان هناك على مغادرتها إلى الأبد بعدما تم هدم غالبية المنازل.

وليس معروفاً إذا ما كانت إسرائيل تخطط لفعل ذلك في هذه المرحلة، إذ قال الجيش إن عمليته ستستمر لأيام فقط. وتظهر المؤشرات أن الجيش لن يطبق نموذج المخيمات في الخليل في هذه المرحلة.

نهج مختلف في الخليل

وقالت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، الأحد، إن الجيش الإسرائيلي، «هدم منشآت غير قانونية في منطقة الخليل، وفتش 200 مبنى في الخليل، من دون العثور على أسلحة أو ذخيرة أو بنية تحتية إرهابية». وأضافت الصحيفة: «من الواضح أن هؤلاء السكان سيعودون إلى منازلهم قريباً».

وتابعت: «هناك حاجة إلى نهج جديد وفعال للتعامل مع البؤر المسلحة في مدينة مثل الخليل، التي تفرض تحديات مختلفة عن تلك الموجودة في مخيمات اللاجئين في جنين وطولكرم ونابلس. ولا تقتصر الحاجة إلى هذا النهج على منع هجمات مماثلة أو هجمات مستوحاة من هذه الحادثة، بل تشمل أيضاً تفكيك الشبكات الإرهابية المنظمة».

والخليل هي أكبر مدينة فلسطينية يعيش فيها قرابة المليون، وتعتبر عاصمة الاقتصاد الفلسطيني، وهي المدينة الوحيدة في الضفة التي حصلت على اتفاق خاص عام 1997 قسمها إلى منطقتين H1 وH2 فيما عرف البروتوكول المتعلق بإعادة الانتشار في الخليل، وكان ذلك استمراراً لاتفاقية أوسلو الثانية لعام 1995 وعملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية التي بدأت بموجب اتفاقيات أوسلو في عام 1993.

وبموجب اتفاقية الخليل، سحبت إسرائيل قواتها من المنطقة المصنفة H1 في الخليل، التي تمثل نحو 80 في المائة من المدينة، وتولت السلطة مسؤولية القضايا الأمنية هناك، والمدنية، ومقابل ذلك احتفظت إسرائيل بالسيطرة الأمنية على المنطقة المصنفة H2، البالغة 20 في المائة من المدينة والتي تشمل منطقة البلدة القديمة وتضم الحرم الإبراهيمي والمستوطنة اليهودية في الخليل، فيما نقلت السلطات المدنية إلى السلطة.

لكن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش عاد هذا العام وألغى الجزء المتعلق بالبلدة القديمة التي تضم الحرم الإبراهيمي الذي يعتبره الإسرائيليون مقدساً، وضمها أمنياً ومدنياً إلى إسرائيل.

ويعيش في الخليل نحو 500 إسرائيلي يحرسهم أكثر من ألف جندي في واقع معقد للغاية. ورغم العملية الكبيرة في الخليل، لم يصل الجيش الإسرائيلي إلى خلاصة في تحقيقه، وتبحث الأجهزة الأمنية عن أي ارتباطات للمنفذين.

وقال الجيش إنه اعتقل مع «الشاباك» عدداً من الفلسطينيين المشتبه في مساعدتهم للمسلحين، أو على الأقل في علمهم بأنهم كانوا يستعدون لتنفيذ هجوم. ونُقل المشتبه بهم إلى «الشاباك» لاستجوابهم، ومن المتوقع تنفيذ اعتقالات إضافية.


الأردن: حشود رسمية وشعبية في وداع قتلى الكنيسة

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الأردن: حشود رسمية وشعبية في وداع قتلى الكنيسة

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

شيّع آلاف الأردنيين، الأحد، 8 من القتلى الـ9 الذين سقطوا في هجوم إرهابي استهدفهم يوم الجمعة الماضي في «كنيسة حمود» بمحافظة الكرك جنوب البلاد، في ظل حضور شعبي ورسمي وتشديد على مبادئ العيش المشترك.

وجاء التشييع الحاشد بعد يومين من إطلاق مسلحين يُشتبه في أنهم «تكفيريون»، الجمعة، النار على روّاد الكنيسة؛ ما أسفر عن مقتل 9 منهم وجرح نحو 25 آخرين. وسيُدفن القتيل الـ9 يوم الاثنين في مقبرة «سحاب» جنوب عمّان، وفق ما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن عائلته.

ولم تتوقف مشاهد تشييع جثامين القتلى عند حدود جريمة الكنيسة؛ إذ شهدت قرية حمود إجماعاً وطنياً شدد على التآخي المسيحي - المسلم، وعدّ الجريمة الإرهابية نقطة للتلاحم وليست للفتنة.

وطغى الحضور الرسمي على الجنازة، وتقدم رؤساء السلطات الدستورية صفوف المعزين. واصطف معظم وجهاء المحافظة؛ مسلمين ومسيحيين، إلى جانب أُسر ضحايا الكنيسة لاستقبال العزاء. وتكفّل الديوان الملكي، بأمر من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، بترتيبات وبروتوكولات العزاء الكبير الذي شارك فيه آلاف الآتين من جميع محافظات وقرى المملكة الأردنية.

ومن المفارقات التي تعزز مبادئ العيش المشترك، فقد سقط من المسيحيين في الكنيسة الطبيب محمد القسوس. والقسوس فرع من فروع عشيرة الهلسة. وقد سمّاه والداه بهذا الاسم عن اقتناع بأنه لا فرق بين سكّان القرية الواحدة. ومحمد القسوس، كما هو معروف، يوصف بـ«طبيب الفقراء». ومن بين الجرحى في الاعتداء الإرهابي 4 من المسلمين؛ منهم اثنان حضرا بهدف النجدة عندما سمعا صوت الرصاص.

تقدم التحقيقات

كاهن يؤدي مراسم جنازة قتلى الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام في الأردن)

وأكدت مصادر مطلعة أن «الساعات الماضية شهدت استمراراً لعمليات البحث على نطاق أوسع» عن منفذي الاعتداء، مشيرة إلى أن التحقيقات بشأن ارتباطات المجموعة الإرهابية التي ارتكبت مجزرة الكنيسة تقترب من ربط خطوط الاتصال وتتبعها ورصد أي تحركات للمنفذين من خلال نظام المراقبة والسيطرة.

وعزت المصادر تأخر الإعلان عن النتائج الأولية للتحقيقات إلى أن عمليات البحث والتحري تتعامل مع مناطق جبلية شرق محافظة الكرك، وأن طبوغرافية مواقع البحث تحتاج إلى الحذر، خصوصاً في ظل مخاوف من تخزين الإرهابيين أسلحة تحضيراً لاستخدامها في عمليات أخرى. وفي الوقت ذاته، تستمر عمليات مداهمة مواقع يشتبه في وجودهم فيها.

وقال رئيس الحكومة، جعفر حسان، الأحد، خلال ترؤسه جلسة لمجلس الوزراء استُهلت بقراءة الفاتحة على أرواح قتلى الاعتداء، إن «أجهزة الدولة كافة تعمل للقبض على إرهابيي جريمة الكرك لينالوا العقوبة التي يستحقها أمثالهم». وأضاف: «هذه ليست فقط معركة أمنية؛ هذه معركة وعي وفكر. الشعوب والأوطان تنهار عندما تنتشر الفتنة والعصبية والعنصرية والتطرف في مجتمعاتها».

رسالة سلام... ومطالبات بالانتقام

ورصدت «الشرق الأوسط»، خلال مراسم التشييع، مشاهد لافتة اختزلت مشاعر الحزن والغضب والتمسك بالوحدة الوطنية. وفي حين امتزجت عمائم رجال الدين المسلمين بملابس رجال الدين المسيحيين في محيط الكنيسة، فقد وُضعت نعوش الضحايا في بداية مراسم الوداع على قماشة بيضاء حملت رسالة سلام، وزُيّنت بالورود قبل أن تُحمل في جنازة عسكرية مهيبة على أكتاف رجال الأمن العام، ملفوفة بالأعلام الأردنية.

حشود شاركت في تشييع الضحايا الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

مشهد آخر اختصر مساحات الغضب؛ إذ ارتدى شبان أردنيون الشماغ (غطاء رأس أردني باللون الأحمر) مقلوباً، في تقليد عشائري يرمز إلى طلب الثأر، تعبيراً عن غضبهم من الجريمة.

وعقب مواراة الجثامين الثرى، انطلقت وارتفعت زغاريد أمهات الضحايا وزوجاتهم وبناتهم وشقيقاتهم، لتختلط أصوات الزغاريد بدموع الفراق، في مشهد جمع بين ألم الفقد والاعتزاز بالراحلين، وسط حضور شعبي واسع.

وفي الجهة المقابلة لـ«كنيسة القديس جاورجيوس» بقرية حمود، وُوريت جثامين الضحايا الثرى في قبور جُهزت خصيصاً قبل مراسم التشييع، لتصبح الأرض المواجهة للكنيسة مثواهم الأخير، بعدما كانت شاهدة على الفاجعة التي أودت بحياتهم.

ومن المقرر إقامة نصب تذكاري في الموقع تخليداً لذكراهم، ليبقى شاهداً على الجريمة التي هزت الأردن.

خصوصية العلاقة الإسلامية المسيحية

واستقبل بيت العزاء الكبير بالقرية المعزين في قتلى الكنيسة، وقد أصبح منبراً لخطابات النخب الأردنية وشيوخ ووجهاء العشائر، ورجالات الدين الإسلامي. ومن منصة العزاء، طالب زعماء في المحافظة بمراجعة جذرية للمناهج الدراسية، وتعليم القبول بالآخر ومعاني التآخي بين أبناء الأردن من شتى الأصول والمنابت والمذاهب والطوائف.

ويرفض الأردنيون مصطلح «الأقليات» في بلدهم. فعلى الرغم من تنوّع البيئة الأردنية طائفياً ومذهبياً ومناطقياً وحتى سياسياً، فإنه لا أحد يستخدم المفردة من منطلقات التفرقة بين السكان، أو حتى على صعيد الحريات العامة بين جميع الأردنيين. ونص الدستور الأردني، في مطلع بنوده، على أن «كل الأردنيين أمام القانون سواء». وتكاد قلة فقط تعرف النِسب المئوية لفئات الشعب الأردني.

وتعدّ العشائر المسيحية الموزعة على عدد من محافظات المملكة الأردنية، في إربد وعجلون وجرش شمالاً، ومادبا والكرك جنوباً، من العشائر الأصيلة في المملكة، وهي تحمل العادات والتقاليد الأردنية. وثمة قول شهير في محافظة الكرك يتحدث عن أن «الجنازة بالكنيسة والعزاء في المسجد»، وهو ما أقرّ به وجهاء المحافظة.

تسييس النقاش العام

وتحاول قوى سياسية تقدمية استثمار الحادثة في إطار انتقاد السياسات التعليمية بالبلاد، والمطالبة بتحديث المناهج الدراسية لتواكب طبيعة تنوع المجتمعات والأفكار في المدارس الحكومية، التي يُنظر لها على أنها موروثة من زمن تحكّم الحركة الإسلامية في وزارة التعليم وقطاع التعليم خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي.

وتبحث قوى سياسية العمل تحت مظلة تيار اجتماعي سياسي عريض لرسم خطط من شأنها تعزيز سياسات نبذ العنف والأفكار المتطرفة، والحث عن القبول بالآخر، والمؤاخاة في الوطن.

وتُحذر قوى محسوبة على تيارات سياسية متعددة من «استمرار سياسات الاسترضاء في تجميد المناهج عند أساليب تعليم تقليدية؛ لا اتصال لها بالتربية المجتمعية وطبيعة التواصل بين فئات المجتمع».

وكان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني حذّر مبكراً، في عام 2014 خلال افتتاح واحدة من الدورات البرلمانية، بأن «واجبنا الديني والإنساني التصدي بكل حزم وقوة لكل من يحاول إشعال الحروب الطائفية أو المذهبية وتشويه صورة الإسلام والمسلمين».

ولفت الملك عبد الله الثاني حينها إلى أن الحرب على «هذه التنظيمات الإرهابية وعلى هذا الفكر المتطرف هي حربنا»، وأنه لا بد من «الدفاع عن أنفسنا وعن الإسلام وقيم التسامح والاعتدال ومحاربة التطرف والإرهاب. وكل من يؤيد هذا الفكر التكفيري المتطرف أو يحاول تبريره فهو عدو للإسلام وعدوٌ للوطن وكل القيم الإنسانية النبيلة»، مشيراً إلى أن «هذه التنظيمات تشن حربها على الإسلام والمسلمين قبل غيرهم».