«إذا كان هذا إنساناً»... قراءة متأخرة في كتاب بريمو ليفي

حذّر من تكرار ما أصابه على شعب آخر في زمان ومكان آخرين

«إذا كان هذا إنساناً»... قراءة متأخرة في كتاب بريمو ليفي
TT

«إذا كان هذا إنساناً»... قراءة متأخرة في كتاب بريمو ليفي

«إذا كان هذا إنساناً»... قراءة متأخرة في كتاب بريمو ليفي

رغم اقتنائي كتاب «إذا كان هذا إنساناً» للكتاب والشاعر الإيطالي اليهودي بريمو ليفي منذ أكثر من عشر سنوات، لم أجد أي انجذاب كافٍ يدفعني لقراءته. ولعل ذلك يعود إلى وهم بقيتُ مقتنعاً بصوابه: ما جرى من إبادة واسعة النطاق ليهود أوروبا الشرقية بالدرجة الأولى على يد النازيين الألمان خلال سنوات الحرب العالمية الثانية شيء ينتمي إلى التاريخ ولن يتكرر ثانية في عصر الإنترنت والكاميرات القادرة على توثيق ما يحدث في العالم لحظة بلحظة بدلاً من الاعتماد على شهادات الناس التي قد لا تكون بنفس دقة الكاميرات، ولعل أهم شيء هو أننا نتعلم من التاريخ.

مثلما هو الحال مع ابن بلده أليغري دانتي الذي سبقه بنحو ستة قرون في رحلة إلى الجحيم جسّدها شعراً عبر كتابه «الكوميديا الإلهية»، قام بريمو ليفي هو الآخر بهذه الزيارة، لكنها تختلف عن زيارة دانتي للجحيم التي كانت عبر الأحلام والمخيلة، فهي في هذه المرة حقيقية مائة في المائة.

كان ليفي في سن الرابعة والعشرين حين اعتقلته الميليشيا الفاشية الإيطالية يوم 13 ديسمبر (كانون الأول) 1943؛ شكاً باشتراكه في نشاطات معادية للنظام الذي فرض على اليهود والأقليات الأخرى قوانين الفصل العنصري، وتقنين حركتهم منذ بدء الحرب العالمية الثانية. وفي التحقيق الذي جرى معه كان أمامه أحد الخيارين: إما أن يقول بأنه معارض للسلطة الفاشية، لصعوبة تبرير وجوده في أماكن معزولة حتى بالنسبة لأولئك النازحين، أو أنه يهودي.

وخوفاً من التعذيب والإعدام إذا أقرّ بالخيار الأول فضّل الإقرار بأنه «مواطن إيطالي من عرق يهودي»، كما كان التعريف القانوني لليهود آنذاك في ظل نظام موسوليني الفاشي.

في المعسكر الذي نُقل إليه وجد بريمو ليفي نفسه بين الكثير من أفراد الأقليات التي لا يعترف النظام الفاشي بهم مواطنين إيطاليين. وكان اليهود يشكلون الجزء الأكبر بينهم.

ولم يدر بخاطر أي منهم أن فريقاً من «الوحدة الوقائية» الألمانية المعروفة باسم «إس إس» سيحضر فجأة إلى المعسكر، الذي ظل معتقلوه حتى ذلك الوقت ينعمون بحياة شبه عادية، تشمل أيضاً توافر التعليم اليومي للأطفال والعناية الصحية والطعام والماء وغيرها.

بريمو ليفي

في يوم 20 فبراير (شباط) فتّش بعض الضباط الألمان المطبخ في المعسكر ووجهوا انتقادات شديدة على الخدمات السيئة فيه، وعلى النقص الكبير في الحطب المستخدم للتدفئة. لكن في اليوم اللاحق سمع المحتجزون في المعسكر أن اليهود سيرحّلون من دون أي استثناء بمن فيهم الأطفال وكبار السن، بل وحتى المرضى.

بعد حشر عربات قطار معدّ للانطلاق من محطة كاربي، بستمائة وخمسين «قطعة» كما أطلق العريف الألماني عليهم، عرف المسافرون الجهة التي سيقصدونها: إنها «آوشْفِيتْز» سيئة الصيت، لكنها لم تكن ذات أي دلالة بالنسبة إليهم آنذاك، بل شعر الكثير منهم بنوع من الانفراج: إنها على الأقل مكان موجود فوق سطح الأرض.

بعد رحلة مضنية استغرقت أربعة أيام، ظلت تلك «القطع» البشرية تتصادم ببعضها بعضاً، لضيق المكان، وظل العطش والجوع والبرد وعويل الأطفال برفقتهم طوال الوقت.

أخيراً، رُفعت الستائر التي ظلت تمنعهم من رؤية الخارج، وفُتحت أبواب العربات، وعلى إيقاع صرخات الجنود الألمان الآمرة هبط الجميع منها وهم يحملون حقائبهم. على رصيف المحطة المضاءة بالمصابيح وعاكسات الضوء التي جعلت الليل نهاراً، كان بإمكان بريمو ليفي أن يرى أعداداً كبيرة من العسكريين، حيث انتشر بينهم رجال الـ«إس إس» المتميزون بملابسهم.

ولم يستغرق بقاء المسافرين طويلاً هناك، فبفضل أحد المسؤولين العسكريين الكبار جرى تحقيق صغير مع كل منهم، فعُزل الأصحاء من الرجال والنساء جانباً، ووُضعت البقية التي يبلغ عددها أكثر من خمسمائة «قطعة» من أطفال ونساء وكبار في السن ومرضى في جانب آخر.

حين سأل البعض عما إذا كانوا سيأخذون حقائبهم التي رصفت في مكان آخر قريب منهم كان جواب هذا الضابط: ستُنقل لكم لاحقاً. أمام أعين الرجال الأصحاء الذين كانوا يحيطون ببريمو ليفي، «ابتلع الليل الأطفال وكبار السن وأغلب النساء»، حيث اقتيدوا بشاحنات واقفة قريبة منهم. أما هم فقد نقلتهم شاحنات أخرى إلى معسكرين قريبين من معسكر آوشفتز: الأول واسمه «مونوفيتز- بونا» استقبل 96 رجلاً؛ أما معسكر «بيركينو» فاستقبل 29 امرأة.

ومن هؤلاء المائة وخمسة وعشرين سجيناً لم يعد إلى إيطاليا سوى أربعة أفراد، أحدهم كان بريمو ليفي.

تحضرني صورة ذلك الضابط النازي الكبير الذي قرر بدقائق مصير هذا العدد الكبير في تلك المحطة النائية وسط عاكسات الضوء الساطع، جنباً إلى جنب، مع ذلك الضابط الإسرائيلي الجالس أمام فصيله، حين أصدر أمراً (لإمتاع ابنته البعيدة عنه) بتفجير عمارة سكنية غاصة بأطفال ونساء ومسنّين في غزة لتتحول تحت ضحكاته وضحكات جنوده كتلةً من ركام وغبار يتهادى تدريجاً بطريقة فنية نحو الأرض.

بين هذين الضابطين فترة زمنية لا تزيد على ثمانين سنة. وهذا ما جعل نظرية الشاعر الألماني هاينرش هاينه (1797-1856) تحضرني بقوة رغم غرابتها: الزمن في حركته التي تحددها دورات الأرض حول نفسها وحول الشمس لا نهائي، بينما الأحداث التي تمر على كوكبنا محدودة؛ لذلك فإن الأحداث ستتكرر عاجلاً أم آجلاً.

إنها العودة الأبدية إذن!

لم تستغرق رحلة بريمو ليفي ورفاقه إلى المعسكر المتخصص بإنتاج المطاط، أكثر من عشرين دقيقة.

في الشاحنة التي نقلتهم كان هناك حارس مسلح واحد، لم تكشف العتمة حضوره حتى بلغهم صوته سائلاً بلطف، إذا كان لدى أيّ منهم ساعة أو نقود أو خاتم فليعطها إياه.

وكأن هذا المشهد شبيه بما كان يطلبه النوتي «كارون» في الأسطورة الإغريقية واستخدمها دانتي في «الكوميديا الإلهية»: قبل عبوره نهر ستايكس صوب مملكة الموتى، يجب منحه قطعة معدنية أجرة لخدمته، يتركها أهل المتوفى معه عند دفنه.

أمام مبنى كامد اللون تقف الشاحنة وسط ظلام دامس تضيئه لافتة مثبتة في أعلى واجهته: «العمل يمنح الحرية». وكأن من اختار هذه العبارة حاول تقليد دانتي الذي وضع لافتة شبيهة لها على بوابة الجحيم: «أيها الداخلون اطرحوا عنكم كل أمل».

داخل قاعة فارغة إلا من حنفية يتسرب منها الماء في هيئة قطرات، وفوقها كُتبت لافتة تحذر من شرب هذا الماء لعدم صلاحيته للشرب. لكن بريمو ليفي شك بصحتها، فأمام العطش الضاري الذي كان يشعر به بعد قضاء أربعة أيام من دونه، أخذ جرعة منه ليكتشف أنه ماء آسن بطعمه المائل للحلاوة فبصق ما كان في فمه.

ها هم بحضرة ضابط آخر من الـ «إس إس»: «مَن يعرف الألمانية»؟ يسألهم فيبرز أحدهم ليكون مترجماً له.

تأتي أوامره تباعاً: عليكم أن تقفوا بصفوف عدد أفراد كل منها خمسة مع مسافة ياردتين بين كل رجل ورجل، ثم عليكم أن تنزعوا كل ملابسكم وتصفّونها في رزمة...

(هل يذكّرنا مشهد الرجال العراة أمام ضابط الـ«إس إس» في ذلك المبنى الرهيب بما نراه هذه الأيام على وسائل التواصل الاجتماعي، من رجال فلسطينيين عراة في شوارع غزة؟).

يخرج هذا الضابط الذي استمتع بما فيه الكفاية بمشهد تعرية هؤلاء الذين انتُزعت عنهم صفة البشرية وتحولوا مجرد «بهائم» وفق الرؤية النازية، منبهاً إياهم بضرورة مراقبة أحذيتهم كي لا تُسرق!

«والآن يدخل ضابط ألماني آخر ليأمرنا بوضع أحذيتنا في زاوية محددة، فنضعها هناك... ثم جاء شخص آخر بمكنسة، فراح يجرّف أحذيتنا بعيداً إلى ما وراء الباب، في كومة»، حيث يختلط ستة وتسعون زوجاً بعضها ببعض.

«يُفتح الباب الخارجي فتدخل ريح زمهرير ونحن عراة نغطي أنفسنا بأذرعنا. تهب الريح فيُغلَق الباب؛ لكن الألماني يعيد فتحه، ويقف أمامنا مستمتعاً بمشهدنا ونحن نتلوى ونتخفى من الريح، واحداً وراء الآخر، ثم يغادر ويغلق الباب وراءه».

غير أن صناعة الجحيم النازية تتجاوز حدود جحيم دانتي.

هل جاءت رؤى انهدام المباني السكنية ذات الطوابق المتعددة للعراف الفرنسي الشهير نستراداموس وهو يستقرئ المستقبل البعيد؟ لعله شاهد مدينة وارشو وهي تُحرق قطعة قطعة بالنار بعد إفراغها من سكانها، لكنه لم ير مدينة تتهدم على رؤوس سكانها تحت وابل «أجسام غريبة تأتي من السماء».

يذكّرنا مشهد الرجال العراة أمام ضابط الـ«إس إس» النازية الذي يصفه ليفي في كتابه بمشهد الرجال الفلسطينيين العراة في شوارع غزة

بعد انتهاء الحرب وعودته إلى مدينته تورين، قضى بريمو ليفي سنوات عدة وهو يكرر عادةً تحكمت به خلال الفترة التي قضاها في معسكر العمل القسري: إنه التمعن في الأرض؛ بحثاً عن قطعة خبز يسد فيها ناب الجوع الملازم له، أو أي شيء قابل لأن يقايَض بسلعة مفيدة مع الآخرين.

في أول صفحة من هذا الكتاب الصغير الذي صدر للمرة الأولى بالإيطالية عام 1958، نظم بريمو ليفي قصيدة تبدو كأنها وصية تحذر من تكرار ما أصابه، على شعب آخر وفي زمان ومكان آخرين:

إذا كان هذا إنساناً

أنتم الذين تعيشون بأمان

في بيوتكم الدافئة،

أنتم الذين تجدون، عند عودتكم مساءً إليها،

طعاماً ساخناً ووجوهاً ودودة:

فكّروا في ما إذا كان هذا إنساناً

هذا الذي يعمل في الطين

ولا يعرف السكينة

والذي يتصارع من أجل كسرة خبز

ويموت بسبب «نعم» أو «لا».

فكّروا في ما إذا كانت هذه إنسانة،

من دون شعر ومن دون اسم

ومن دون أي قدرة على التذكر،

عيناها فارغتان ورحمها بارد

مثل ضفدعة في شتاء ما.

تأملوا أن يكون هذا قد تحقق:

ها أنذا أستودعكم هذه الكلمات

انقشوها في قلوبكم

في البيوت، في الشوارع

عند ذهابكم للنوم وعند نهوضكم منه،

كرروها لأطفالكم،

وإلا فلتتهدم بيوتكم

ليُعِق المرض حركتكم

وليُدِر أبناؤكم وجوههم عنكم.


مقالات ذات صلة

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

ثقافة وفنون إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون «قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون تمثال لسقراط

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»،

عبد الله الغذامي
ثقافة وفنون «ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية،

عمر شهريار

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».