خبراء لـ «الشرق الأوسط» : وقف هجمات الحوثيين يحتاج قراراً سياسياً من واشنطن وليس أمنياً فقط

ترابط الأزمات الدولية من غزة إلى أوكرانيا يهدد الاستقرار

خبراء لـ «الشرق الأوسط» : وقف هجمات الحوثيين يحتاج قراراً سياسياً من واشنطن وليس أمنياً فقط
TT

خبراء لـ «الشرق الأوسط» : وقف هجمات الحوثيين يحتاج قراراً سياسياً من واشنطن وليس أمنياً فقط

خبراء لـ «الشرق الأوسط» : وقف هجمات الحوثيين يحتاج قراراً سياسياً من واشنطن وليس أمنياً فقط

بمرور نحو 70 يوماً على الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي اندلعت على أثر هجمات حركة «حماس» على ما يسمى «غلاف غزة» يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تزداد المخاوف من احتمال تمدّد الصراع المسلّح إقليمياً وتهديده أمن الممرّات البحرية، وذلك مع استمرار الهجمات التي يشنّها الحوثيون على السفن المدنية والحربية، وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة. وبعيداً عن «المُضمرات» التي يخفيها أطراف الصراع، فإن التحديات الأبرز التي يرصدها المراقبون تتعلق بأهداف القوى الإقليمية الأكثر استفادة من هذا التصعيد. وفي المقابل، على الرغم من استبعاد هؤلاء احتمالات انعكاس التصعيد على سوق الطاقة، وسط الأخطار التي تتعرض لها المضايق البحرية الرئيسة في الشرق الأوسط، إذ إن هجمات الميليشيات الحوثية في البحر الأحمر تجاوزت «توجيه الرسائل»، بينما يطرح تعطّل المفاوضات المتعلقة ببرنامج إيران النووي تساؤلات عن «الثمن» الذي تريده إيران، في ظل ردود فعل أميركية وغربية محدودة، تهدد على المدى البعيد؛ ليس فقط صدقية الحرص على استقرار منطقة الخليج، بل المشروعات الاقتصادية الضخمة التي تعمل دولُها على تطويرها، أمام خلفية تنافس المخططات الأميركية والدولية مع «طريق الحرير» الصيني.

على الرغم من تصعيد الولايات المتحدة لهجتها تجاه الحوثيين، تستبعد أوساط المراقبين الوصول إلى حد التهديد بعمل عسكري منفرد ومباشر ضدّهم، بل ترى أن واشنطن تفضّل معالجة الهجمات عبر «عمل مشترك» مع أطراف دولية وإقليمية أخرى، فقد قال ناطق باسم «الخارجية» الأميركية، لـ«الشرق الأوسط»، إن الوزير أنتوني بلينكن «كان واضحاً حين قال إن ما رأيناه من الحوثيين في استهداف السفن بتلك المنطقة يشكل تهديداً؛ ليس لنا أو لإسرائيل فحسب، بل لعشرات الدول التي تشارك في الشحن البحري، والتي تعتمد على هذا الممر لنقل البضائع في كل مكان».

وأضاف الناطق أن هذا الواقع أدى إلى التأثير بشكل مباشر على مصالح أكثر من اثنتي عشرة دولة، وعلى طواقم من جميع أنواع الأماكن المختلفة، والسفن المسجلة والمؤمَّنة في أماكن مختلفة، «لذا يجب أن يكون هذا مصدر قلق دولي».

هذا، وكان مسؤول عسكري أميركي قد صرح، في وقت سابق، بأن واشنطن تسعى لتوسيع القوة البحرية متعددة الجنسيات بالبحر الأحمر؛ لحماية السفن من التهديدات الحوثية. وأبلغ صحيفة «واشنطن بوست» بأن «كثيراً من الدول لها مصلحة في منع تعطيل الشحن التجاري عبر هذا الجزء من العالم»، مشيراً إلى أن هذه النقطة أكدها مسؤولو الإدارة للدول الأخرى، خلال مباحثات توسيع القوة البحرية.

كما وصف المسؤول الجهود الأميركية بأنها «طَموح» إلى حد كبير، لافتاً إلى غياب جدول زمني واضح حتى الآن يساعد «الحُلفاء والشركاء على تقييم كيفية مشاركتهم»، وأن المناقشات حول توسيع القوة «تجري بنشاط».

غير أن إحجام واشنطن حتى الساعة عن إعادة تصنيف الحوثيين «جماعة إرهابية» - الذي كانت الإدارة الأميركية السابقة قد اتخذته ولكن عادت عنه إدارة الرئيس جو بايدن خلال أيامها الأولى من رئاسته في محاولة للتوصل إلى اتفاق سلام في اليمن - لم ينجح إلا في إقرار هدنة مؤقتة انتهت مفاعيلها على أرض الواقع.

إدارة بايدن كانت تراهن، عبر ما عُدّ يومذاك «قراراً سياسياً»، على تحقيق أهداف عدة؛ أبرزها:

- منع تمدد الحرب في غزة إلى صراع أوسع في المنطقة.

- منع الدخول في عمل عسكري منفرد.

- استمرار جهودها لإعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران، ولو على حساب علاقاتها وشراكاتها في المنطقة، وذلك للضغط عليها في ملفات أخرى؛ على رأسها ملف العلاقة مع إسرائيل.

أمن المنطقة سياسي

في الواقع، تكاد التقارير البحثية وشبه الرسمية تُجمع على أن أمن الطاقة العالمي لا يرتبط فحسب بحشد الإمكانات العسكرية والأمنية، في منطقة الخليج، بل يتصل أيضاً بالأمن السياسي. واليوم، تزداد الحاجة للكلام عن حلول سياسية، بعدما سلّطت الحرب الدائرة على غزة الضوء مجدّداً على «محورية» حل القضية الفلسطينية، وهي القضية التي سمح الإمعان في تهميشها بحالة الفوضى التي يعيشها اليمن، وكذلك في أن تهدد استقرار جميع الدول دون استثناء، حتى دون التطرق إلى «أهداف ضمنية» - سواء من إيران أو من غيرها - لإجهاض مشروعات التعاون والاستقرار في المنطقة.

الدكتور أنس الحجي، مستشار التحرير في «منصة الطاقة المتخصصة»، المقيم في ولاية تكساس الأميركية، يقول إن الخوف على أمن الطاقة الدولي والتجارة العالمية عموماً «لم يعد محصوراً بتهديد دولة ما، سواء أكانت مارقة أم لا».

ويضيف الحجي، خلال حوار مع «الشرق الأوسط»، أنه «وسط حسابات وتغييرات عميقة طرأت، في السنوات الأخيرة، على تعامل الدول مع سلاح الطاقة، فإن الخوف الأكبر يأتي، اليوم، من جماعات مسلَّحة، بل حتى من أفراد غاضبين مسلَّحين بمُسيّرات لا يتجاوز ثمن إحداها بضع مئات من الدولارات، لكنها تُمكّنهم من استهداف السفن التجارية وناقلات النفط والغاز والمنشآت النفطية أيضاً».

«ومع أن الهجمات الحوثية المستمرة لم تطل بعدُ مضيق هرمز، الذي يُعدّ أهم نقطة عبور للنفط والغاز في العالم، فإن متابعي السوق يرصدون عن كثب التأثيرات المحتملة على أسعار الطاقة، في حال تمدد الصراع، فالتجارب السابقة لاستهداف ناقلات النفط في المضيق لا تزال ماثلة في الأذهان، ولا سيما إذا قرر البعض دفع الصراع إلى حافة الهاوية»، وفق ما صرح به مسؤول نفطي كبير من أحد المصدّرين الأساسيين في الخليج، لصحيفة «وول ستريت جورنال».

الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي (أ.ف.ب)

ترابط ملفات الصراع

بيد أن ترابط ملفات الصراع المندلعة في المنطقة بدا واضحاً بشكل كبير، من ملف إيران النووي... إلى الحرب في أوكرانيا وتأثيراتها السياسية الدولية والإقليمية، مروراً بالحرب المندلعة في غزة.

وفي حين أوضح وزير الخارجية الأميركي بلينكن، أخيراً، أن «إيران تبدو إما غير راغبة أو عاجزة عن فعل ما هو ضروري للتوصل إلى اتفاق... وأنها تُواصل محاولة إدخال قضايا خارجة عنه في المفاوضات، ما يجعل الاتفاق أقل احتمالاً»، أكدت طهران، في المقابل، يوم 20 سبتمبر (أيلول) 2023، أنه على واشنطن إثبات «حسن نياتها وعزمها» لإحياء الاتفاق بشأن برنامجها النووي.

لكن مع إبقاء دول الاتحاد الأوروبي، يوم 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي - أي بعد نحو 10 أيام على اندلاع الحرب في غزة - إجراءاتها التقييدية على إيران، بموجب نظام عقوبات منع الانتشار النووي، اتخذ المجلس الأوروبي خطوات قانونية للإبقاء على العقوبات التي فرضتها «الأمم المتحدة». وهي تبدأ على الأفراد، ثم على كيانات ضالعة في أنشطة نووية، أو تطوير صواريخ باليستية، أو مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

من الناحية النظرية، من الممكن في حال فشل الاتفاق النووي، أن تحاول إيران إغلاق مضيق هرمز، من خلال نشر سفنها الحربية أو زراعة ألغام، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى فقد إمكانية الوصول إلى الأسواق بصورة شِبه كلية.

بالون اختبار إيراني

في هذا الشأن، أوضح المحلل السياسي الأميركي، إيلان بيرمان، أن «توقيت الرسائل الإيرانية التي تشبه بالون الاختبار، تأتي في وقت تدهور العلاقات مع الغرب بسبب انهيار المباحثات النووية، وكذلك تشدد المواقف الأوروبية بسبب دور طهران في حرب أوكرانيا». ويتابع بيرمان أن النظام الإيراني «يتجه نحو مواقف أكثر صدامية مع الغرب، لذا يحاول إثبات أنه قوة لا يُستهان بها من الناحية الاستراتيجية».

لكن الرد الأميركي «غير المتكافئ» على التصعيد العسكري الذي تُمارسه ميليشيا الحوثيين في اليمن (المدعومة من طهران) بحجة دعم غزة - وكذلك هجمات ميليشياتها في العراق وسوريا - يثير تساؤلات كثيرة عن أسباب «ضبط النفس» الذي تمارسه واشنطن، على الرغم من الأخطار التي تسببها تلك الهجمات... سواءً على الأمن البحري أم على استقرار المنطقة.

هنا، قال بهنام بن طالبلو، مدير برنامج إيران في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» في واشنطن، لـ«الشرق الأوسط»، إن «اللكمات الموجّهة إلى كل من الراعي والوكيل؛ أي إيران ومحور المقاومة التابع لها، تؤدي إلى نتائج عكسية من جانب واشنطن؛ لأنها تضمن دائماً الجولة التالية من التصعيد». وأردف بن طالبلو: «كلما ابتعدنا عن قرار فبراير (شباط) 2021 إزالتهم (أي الحوثيين) من قائمة الإرهاب، بدت هذه الخطوة أكثر حماقة وتسييساً». ويرى الخبير الإيراني أن الخطوة الأولى للرد على الحوثيين يجب أن تتضمن إعادة تصنيفهم «جماعة إرهابية»، والخطوة الثانية تعزيز وجود القوات الأميركية والقوات المتحالفة معها في البحر الأحمر حول اليمن، والخطوة الثالثة الانخراط في الردع العقابي؛ أي الرد فعلياً على نقطة الأصل ضد هجمات الحوثيين».

تقليل متعمَّد لخطر التهديدات

من جهة ثانية، في حين تؤكد وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» أنها تردّ على التحرشات الحوثية بالأدوات العسكرية اللازمة، يُعرب عدد كبير من المسؤولين الأميركيين عن إحباطهم جرّاء ما يعدّونه «تقليلاً متعمَّداً» لإدارة بايدن من شأن التهديدات التي تتعرّض لها القوات الأميركية بالمنطقة، من اليمن إلى سوريا والعراق.

ويرى هؤلاء أن الإدارة «تقلّل من خطورة الوضع في البحر الأحمر من أجل تجنب تصعيد التوترات» في منطقة متوترة أصلاً بسبب الصراع بين إسرائيل و«حماس» في غزة، على الرغم من تركها الباب مفتوحاً للمناورات السياسية، وهو ما ألمح إليه وزير الخارجية بلينكن حين قال إن واشنطن «ستنظر في كل شيء». وجاء هذا في رده على تصريحات الجنرال كينيث ماكينزي، القائد السابق للقيادة الوسطى الأميركية «سينتكوم»، التي قال فيها «إن واشنطن لم تفعل ما من شأنه لَجْم جماعة الحوثيين عن مواصلة هجماتهم». وتجدر الإشارة هنا إلى أن القوات الأميركية ردّت على عشرات الهجمات التي شنّتها ميليشيات مدعومة من إيران، في العراق وسوريا، خلال الأسابيع الأخيرة، بما في ذلك ضرب بعض القواعد التي يستخدمها المسلّحون في كلا البلدين.

وحقاً، يشعر المراقبون بالقلق من أن قصف إسرائيل المكثف لقطاع غزة سيدفع مزيداً من خصومها إلى مهاجمتها من جبهات جديدة. وفي المقابل، يرى البعض أن استمرار هجمات الحوثيين يُحرّض بدوره إسرائيل على الرد على «الحصار البحري» الذي تسعى طهران لفرضه عبر الحوثيين، حتى ولو لم تكن سيطرتها على ميليشياتهم هي نفسها على ميليشياتها الأخرى، كـ«حزب الله»، على سبيل المثال. ومع إرسال إسرائيل مدمّرات صاروخية إلى البحر الأحمر، باتت الخشية من توسع الصراع إلى منطقة الشرق الأوسط الأوسع أكثر ترجيحاً.

في هذا السياق، توقعت مذكرة حديثة لـ«بنك أوف أميركا» أنه في حال قرّرت إسرائيل الانتقام من إيران، فقد يؤدي ذلك إلى إغلاق مضيق هرمز، ما يدفع أسعار النفط إلى أكثر من 250 دولاراً للبرميل؛ ذلك أن إيران منتِج رئيس للنفط، ومن بين وكلائها «حماس»، و«حزب الله»، وإذا تعرضت صادراتها النفطية التي تفوق 1.5 مليون برميل يومياً، للخطر، فستنقطع عائداتها الشهرية المقدَّرة بنحو 40 مليار دولار.

ارتفاع الأسعار مستبعَد

ومع ذلك، يرى بعض متابعي صناعة النفط أن إغلاق المضيق «غير مرجَّح»؛ لأن كثيراً من دول المنطقة لا تزال تعتمد على الإيرادات التي تأتي من تصدير النفط عبر هذا المضيق. كذلك يستبعد هؤلاء «سيناريو هبوط حاد في العرض» نتيجة انقطاع التجارة عبر مضيق هرمز.

في السابق، عادةً ما كانت الحروب في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط؛ نظراً لأن المنطقة تختزن نحو نصف الاحتياطيات المؤكَّدة في العالم، ولكن ليس هذه المرة.

في عام 2019، هدّدت إيران مراراً بتعطيل شحنات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز، بعد انسحاب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب من الاتفاق النووي لعام 2015، وفرضه سياسة أقصى العقوبات عليها. وفي العامين الماضيين فقط، هاجمت إيران أو تدخّلت ضد 15 سفينة تجارية ترفع العَلم الدولي، وفقاً لبيانات «البحرية» الأميركية.

غير أن الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي قال أخيراً، في تغريدة على منصة «إكس (تويتر سابقاً)»، إن إسرائيل «تجاوزت الخطوط الحمراء، الأمر الذي قد يجبر الجميع على التحرك».

ومع هذا، ورغم توقع البنك الدولي ارتفاع أسعار النفط إلى 157 دولاراً للبرميل، إذا تصاعد الصراع المستمر في غزة، فإن الأسعار لم ترتفع إلّا قليلاً، بعد هجوم «حماس» في 7 أكتوبر، ومن ثم عادت الأسعار إلى ما كانت عليه يوم 6 أكتوبر، أو حتى أقل، لذا يرى آندي ليبو، رئيس شركة «ليبو أويل أسوشيتس»، أن احتمال انقطاع الإمدادات، وخصوصاً إذا أُغلق مضيق هرمز، احتمال ضعيف. ثم يعلّق: «الأوقات مختلفة تماماً، اليوم، عما كانت عليه قبل 50 سنة».

 

 

3 أسباب غيّرت طبيعة سوق النفط العالمية

> عدّت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن ثمة 3 أسباب تمنع ارتفاع أسعار النفط؛ هي: ثورة النفط الصخري، وسيكولوجية السوق، والتحول في سياسة النفط. وبعدما كانت الولايات المتحدة أكبر مستورد للنفط في العالم، فإنها أضحت الآن أكبر منتج له، بسبب إنتاج الزيت الصخري، الذي تمكن من إعادة التوازن إلى السوق. بيد أن سيكولوجية السوق وتذبذب أسعار النفط هذه الأيام، يعودان في المقام الأول إلى الأخبار والتوقعات الاقتصادية، كارتفاع أسعار الفائدة، واحتمال حدوث تباطؤ اقتصادي أو ركود... وكل هذا من شأنه أن يقيد الطلب، مما يؤدي إلى انخفاض الأسعار. وعلى النقيض من سنوات الحصار في السبعينات، فإن التحولات في سياسة النفط تعود إلى أن دول الخليج العربية باتت مندمجة بشكل كامل في الاقتصاد العالمي. وهي تركز راهناً على خلق فرص العمل والتنمية الاقتصادية والاستثمار، وتثبيت الاستقرار السياسي في المنطقة، بما يفيد اقتصاداتها. ورغم اندلاع الحرب في غزة، فمن غير المتوقع أن تؤدي إلى تهديد إمدادات الطاقة بشكل مباشر، ما لم تتوسع الحرب وتهدد مناطق الإنتاج ومرافقه، والناقلات وخطوط الأنابيب. وهنا، يقول خبير الطاقة الدكتور أنس الحجي، إنه في ظل التحالفات الجديدة وأهمية المضائق مع التحولات المشار إليها أعلاه بالنسبة إلى صناعة الطاقة، «فإن الواردات النفطية تذهب الآن إلى أصدقاء العرب وليس لأميركا... وهذا من شأنه أن يعزز التعاون الأمني الموجود أصلاً في المنطقة، الذي تشارك فيه أيضاً الصين والهند وغيرهما، عبر الدوريات الأمنية البحرية». أما آندي ليبو، رئيس شركة «ليبو أويل أسوشيتس»، فيشير إلى أن إيران «تخوض الحرب الآن من خلال وكلائها... وأحد مخاوفي هو أن أحد هؤلاء الوكلاء ربما يرتكب خطأً فادحاً للغاية عندما يهاجم إسرائيل». وعدّ أنه إذا حدث ذلك؛ «فمن المرجح أن تنتقم إسرائيل بمهاجمة إيران؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى تدهور كبير والتحول بسرعة إلى صراع إقليمي».

 


مقالات ذات صلة

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

المشرق العربي رجل يحمل جثمان طفل أمس السب تقتل جرَّاء قصف مدفعي إسرائيلي على منازل سكنية قرب مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في غارات إسرائيلية على غزة

قال مسؤولو صحة في قطاع غزة إن هجمات للجيش الإسرائيلي أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين على الأقل اليوم الأحد.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أقارب المراهق الفلسطيني أوس حمدي النعسان يشاركون في جنازته شرق مدينة رام الله في الضفة الغربية (إ.ب.أ) p-circle

مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطنين في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مقتل شاب برصاص مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية، اليوم (الأربعاء)، وهو الضحية الثالثة في غضون يومين.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
المشرق العربي 
والدة الفلسطيني جهاد أبو نعيم تبكي بعد مقتله بنيران مستوطنين إسرائيليين في قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية أمس (أ.ف.ب)

المستوطنون يباغتون رام الله بـ«مجزرة»

باغت مستوطنون إسرائيليون قرية المغير شرق رام الله بالضفة الغربية، أمس (الثلاثاء)، بهجوم مسلح أسفر عن مقتل فلسطينيين اثنين، أحدهما طالب في مدرسة.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي امرأة فلسطينية تمر بجوار جنود إسرائيليين يقومون بدورية في سوق البلدة القديمة بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

تقرير: جنود إسرائيليون يستخدمون الاعتداء الجنسي لدفع الفلسطينيين إلى النزوح

قال خبراء في حقوق الإنسان والقانون إن الجنود والمستوطنين الإسرائيليين يستخدمون الاعتداء والتحرش الجنسي لإجبار الفلسطينيين على ترك منازلهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي فلسطينيون يتجمعون حول حطام سيارة الشرطة التي دُمرت في الغارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

مقتل 4 فلسطينيين بغارة إسرائيلية استهدفت سيارة للشرطة في غزة

أفاد الدفاع المدني ومصادر طبية في غزة أن خمسة فلسطينيين قُتلوا، اليوم الثلاثاء، بنيران الجيش الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.