من مزهريّتها إلى مفتاحها... كيف شرّعت القدس أبوابها لفيروز والأخوين رحباني؟

فيروز تستلم مفتاح القدس عام 1968 ويظهر في يمين الصورة عاصي الرحباني (منصة إكس)
فيروز تستلم مفتاح القدس عام 1968 ويظهر في يمين الصورة عاصي الرحباني (منصة إكس)
TT

من مزهريّتها إلى مفتاحها... كيف شرّعت القدس أبوابها لفيروز والأخوين رحباني؟

فيروز تستلم مفتاح القدس عام 1968 ويظهر في يمين الصورة عاصي الرحباني (منصة إكس)
فيروز تستلم مفتاح القدس عام 1968 ويظهر في يمين الصورة عاصي الرحباني (منصة إكس)

قبل 9 سنوات على مرورها في «شوارع القدس العتيقة» ولقائها بـ«الناس الناطرين»، غنّت فيروز فلسطين. فالأعمال الرحبانيّة المكرّسة لـ«الدار السليبة» ولأهلها، تعود إلى عام 1955. كان عاصي ومنصور الرحباني في بداية الطريق، وصوت «السيّدة» يشقّ دربه إلى المجد، يوم دُعي الثلاثيّ إلى القاهرة لتسجيل مجموعة من الأعمال الغنائية الخاصة بفلسطين.

يفصّل الصحافي والباحث محمود الزيباوي، المتمرّس في الأرشيف الرحبانيّ، مراحل تلك العلاقة بين الأغنية الرحبانيّة وفلسطين، التي تمتدّ سبعة عقود. وفق الرواية، فإنّ البداية كانت مع مغنّاة «راجعون» التي سُجّلت في إذاعة «صوت العرب» في مصر بدعوة من مديرها أحمد سعيد. الأغنية التي ألّفها الأخوان رحباني، شارك في نسختها الأولى الفنان المصري كارم محمود، أما نسختها الثانية والأكثر تداولاً فصدرت ضمن أسطوانة تحمل عنوانها، كما خضع نصّها لبعض التعديلات.

«غرباء»

قبل أن يغوص الزيباوي في تفصيل الأرشيف الرحبانيّ الفلسطينيّ، يلفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «أحداً لم يغنِّ فلسطين كفيروز، وأحداً لم يحوّلها أغنيةً كما فعل الأخوان رحباني». والدليل على ذلك، أنه كلّما اشتعلت أرض فلسطين من جديد، طار صوت فيروز و«زوبع بالضماير».

فيروز تتوسّط عاصي ومنصور الرحباني في خمسينات القرن الماضي (Rahbani Productions)

بالتزامن مع الأحداث الدامية في غزة عام 1955 ومواجهة الفلسطينيين مصير التهجير، سجّلت فيروز «غرباء» في القاهرة، من شعر هارون هاشم رشيد وألحان الأخوين رحباني. يقول الزيباوي إنّ «المغنّاة دخلت النسيان، مثلها مثل أعمال كثيرة لا تُعدّ ولا تحصى». غير أنّ كلماتها تنطبق على ذاك الزمان وهذا، حيث توجّهت فيروز إلى أبيها: «سألتك أمس عن أمّي التي ذهبت ولم ترجع (...) سألتك عن أخي أحمد وكدت تقول لي قد مات يا ليلى قد استُشهد».

«سنرجع يوماً»

من بين الأغاني التي ألّفها الأخوان رحباني لفلسطين ما دخل طيّ النسيان، على ما يقول الزيباوي، ومنها ما احتاج عقداً من الزمن لينتشر ويتحوّل نشيداً كما هي حال «سنرجع يوماً». ألّفها الرحبانيّان عام 1956، لحناً وشعراً. وتؤكّد المراجع أنّ القصيدة رحبانيّة بامتياز، رغم اللغط الذي أُثير حولها إذ قيل إنّ كاتبها هو هارون رشيد.

«سنرجع يوماً إلى حيّنا ونغرق في دافئاتِ المُنى

سنرجع مهما يمرّ الزمان وتنأى المسافات ما بيننا»

مطلع الأغنية، كما باقي كلامها، لا يأتي على ذكر فلسطين ويمكن بالتالي أن تنطبق على أي مغترب أصابه الحنين إلى وطنه. لكن غداة «نكسة 1967»، تجنّد الإعلام العربي واللبناني لنُصرة الأراضي المحتلّة. ويروي محمود الزيباوي كيف أن استوديوهات الإذاعة اللبنانية غصّت آنذاك بالفنانين اللبنانيين، الذين أراد كلٌّ منهم أن يهديَ فلسطين أغنيةً أو نشيداً. من بين تلك الأعمال، عادت «سنرجع يوماً» لتبرز من جديد، مع ظهور فيروز بالزيّ الفلسطيني على شاشة التلفزيون صادحةً: «سنرجعُ خبّرَني العندليب غداةَ التقينا على مُنحنى». ومنذ تلك السنة الفاصلة في التاريخ العربيّ، ارتبطت «سنرجع يوماً» بالفلسطينيين وبحلم العودة.

فيروز ترتدي الزيّ الفلسطيني مستعدّةً لأداء «سنرجع يوماً» عام 1967 (منصة إكس)

«مزهريّة» القدس

تَحقّق حلم فيروز بأن تطأ أرضَ فلسطين عام 1964. رنّمت في كنيسة القيامة بمناسبة زيارة بابا روما حينذاك بولس السادس. من تلك الزيارة التاريخيّة، بقيت صورة لها أمام فندق «الهوسبيس» في القدس. أما في بال السيّدة والأخوَين، فعلقت مشاهد استحالت أغنية حملت عنوان «القدس العتيقة» (مرّيت بالشوارع).

«حكينا سوا الخبريّة وعطيوني مزهريّة

قالولي هيدي هديّة من الناس الناطرين»

يضع الزيباوي قصة «المزهريّة» في إطار الروايات التي رافقت تلك الزيارة: «تقول الأخبار إنّ أهل المدينة المقدّسة أهدوا إليها مزهريّة». وتضيف سرديّاتٌ أخرى أنّ فيروز والأخوين جالوا فعلاً في «شوارع القدس العتيقة»، حيث أهدتها إحدى السيّدات مزهريّة من بيتها. كما تحدّثت فيروز إلى الناس هناك، الذين اشتكوا إليها من ظروفهم الصعبة في ظلّ الاحتلال، ما أثّر بها كثيراً وأوحى بالأغنية لعاصي ومنصور.

فيروز أمام فندق هوسبيس في القدس عام 1955 (فيسبوك)

الزيارة الرحبانيّة إلى فلسطين عام 1964 ألهمت الأخوين مزيداً من الأعمال المرتبطة بالقضيّة الفلسطينيّة. وبالتعاون مع صديقهما الشاعر اللبناني سعيد عقل، أصدرا «أجراس العودة» (سيفٌ فليُشهر) عام 1966، والتي سرعان ما تحوّلت نشيداً بعد أن غنّتها فيروز على مسرح معرض دمشق الدولي صيف تلك السنة قبل أن تسجّلها في الاستوديو، وفق ما يروي الزيباوي.

«زهرة المدائن»

أتت حرب «الأيّام الستّة» وهزيمة 1967 جرّاء سيطرة الاحتلال على القدس الشرقيّة، لتوحيَ بمزيد من الأعمال الفنّية. توّج الثلاثيّ الرحبانيّ التحيّة المتواصلة لفلسطين منذ 1955، بـ«زهرة المدائن». ثماني دقائق هي بمثابة صلاة ونشيد في آنٍ معاً، كتبها ولحّنها الأخوان لتتلوها حنجرة فيروز.

يروي محمود الزيباوي أنه «في 17 أغسطس (آب) 1967، افتتح الأخوان رحباني مهرجان الأرز في لبنان بقصيدة مهداة إلى القدس عنوانها (زهرة المدائن)»، مع العلم بأن الاسم القديم لمدينة القدس هو «زهرة المدائن». ويتابع أن الأغنية حققت نجاحاً كبيراً، وبُثّت مصوّرةً على شاشات السينما في وصلة مستقلّة من إخراج هنري بركات قبل عرض فيلم «سفر برلك».

مفتاح القدس

نبتت «زهرة المدائن» في كل حديقة وردّدتها الحناجر العربيّة مع فيروز. فما كان من أهل فلسطين إلّا أن ردّوا التحيّة عام 1968، ويذكر الزيباوي هنا كيف أنّ «نائبَي القدس إميل غوري ومحي الدين الحسيني حملا مفتاح القدس إلى بيروت، وسلّماه إلى فيروز مع صينيّة مصنوعة من الصدف تمثّل المسجد الأقصى».

في احتفالٍ تاريخيّ، تسلّمت فيروز مفتاح القدس ليتحقّق ما جاء في الأغنية؛ «لن يُقفَل بابُ مدينتنا فأنا ذاهبةٌ لأصلّي، سأدقّ على الأبواب وسأفتحها الأبواب».

فيروز تحمل مفتاح القدس الذي مُنح لها تكريماً لأعمالها والأخوين رحباني من أجل فلسطين (منصة إكس)

لفلسطين وجرحها العميق، غنّت فيروز كذلك «بيسان»، و«يافا»، و«أحترف الحزن والانتظار»، و«جسر العودة»، وغيرها من الأغاني المعروفة وتلك الأقلّ انتشاراً. ومع كل أغنية من بينها، ثبت قول منصور الرحباني إنّ «الأناشيد الحماسيّة التي كانت تُذاع قبل النكسة صوّرتنا شعباً متوحّشاً يحب القتل والذبح، بينما نحن شعب له حضارة كبيرة. على الأغنية أن تكون إنسانيّة، لأنّ الإنسانية وحدها توصل إلى الحقّ. الأغنية تدخل كل بيت من دون استئذان، لذلك علينا أن نُحسن استغلال هذه الإمكانيّة وهذه المرونة».


مقالات ذات صلة

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

يوميات الشرق انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها.

داليا ماهر (القاهرة)
الوتر السادس كاظم الساهر لـ«الشرق الأوسط»: حماية «القصيدة الغنائية» أهم أهدافي

كاظم الساهر لـ«الشرق الأوسط»: حماية «القصيدة الغنائية» أهم أهدافي

قُبيل حفله الغنائي في القاهرة، تغزّل الفنان العراقي كاظم الساهر في مصر، واصفاً إياها بأنها تمثل بالنسبة إليه «البساطة وعدم التكلف»

داليا ماهر (القاهرة)
الوتر السادس سمير سرياني لـ«الشرق الأوسط»: أحضّر لفيلم لبناني اجتماعي يتناول همومنا بقالب كوميدي

سمير سرياني لـ«الشرق الأوسط»: أحضّر لفيلم لبناني اجتماعي يتناول همومنا بقالب كوميدي

حصد المخرج سمير سرياني جائزة «موركس دور» لأفضل كليب لبناني عن أغنية «يا قلبو» لنانسي عجرم، ليكون بذلك قد نال حتى اليوم ثلاثة جوائز

فيفيان حداد (بيروت)
أوروبا عَلم مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) يرفرف بميناء بورغاس على ساحل البحر الأسود في بلغاريا الذي سيستضيف مسابقة الأغنية الأوروبية الـ71 عام 2027... 14 أغسطس 2026 (أ.ب)

آيرلندا تقاطع «يوروفيجن» للعام الثاني على التوالي بسبب حرب غزة

أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون الآيرلندية أن آيرلندا لن تشارك في مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) 2027 للعام الثاني على التوالي، مشيرةً إلى الخسائر في غزة.

«الشرق الأوسط» (دبلن)
يوميات الشرق تحت عنوان «الأرض وأهلها» ينطلق «ريف السينمائي» من بلدة القبيات (الجهة المنظّمة)

«ريف السينمائي» في دورته التاسعة يحتفي بـ«الأرض وأهلها»

يقيم المهرجان، بالتوازي مع عروضه السينمائية، ندوة حول حماية أنهر عكّار...

فيفيان حداد (بيروت)

«مهرجان الفيلم اللبناني» في فرنسا... حكايات الوطن تعبُر إلى باريس

صالة سينما «إليزيه لينكولن» في باريس تستضيف المهرجان (الجهة المنظّمة)
صالة سينما «إليزيه لينكولن» في باريس تستضيف المهرجان (الجهة المنظّمة)
TT

«مهرجان الفيلم اللبناني» في فرنسا... حكايات الوطن تعبُر إلى باريس

صالة سينما «إليزيه لينكولن» في باريس تستضيف المهرجان (الجهة المنظّمة)
صالة سينما «إليزيه لينكولن» في باريس تستضيف المهرجان (الجهة المنظّمة)

ابتداءً من 13 أكتوبر (تشرين الأول) وحتى 18 منه، تنطلق في فرنسا تظاهرة ثقافية وفنية ضمن النسخة السادسة من «مهرجان الفيلم اللبناني». ويُعرض خلال هذه المدّة أكثر من 40 فيلماً لبنانياً، معظمها أفلام قصيرة، فيما يشارك في مسابقته الرسمية 30 فيلماً، بينها 16 شريطاً نفّذها طلاب معاهد متخصّصة في دراسة الإخراج. وتتنافس الأفلام ضمن فئتَي «أفضل فيلم» و«أفضل فيلم للطلاب». وفي نسخته السادسة، استُحدثت جائزة الجمهور التي تتيح له التصويت على الأفلام يومَي 17 و18 أكتوبر.

أما لجنة التحكيم، فتتألّف برئاسة المخرجة زينة صفير، وعضوية المخرجة ماري روز أسطا، والموسيقي بشّار مار خليفة، إضافةً إلى غايا فورير وفرانشيسكا فاندرستاي، اللتين تعملان في مجال الإنتاج وإدارة الأفلام السينمائية.

وتحلّ نادين لبكي ضيفة شرف على المهرجان، إلى جانب ضيوف آخرين، بينهم الفنانة ماريلين نعمان، وثريا بغدادي، ونيكولا خوري وغيرهم.

وتشير رئيسة المهرجان سارة حجار إلى أنّ فكرة هذا الحدث وُلدت قبل 6 سنوات، عندما لاحظت أنّ السينما اللبنانية لم تكن حاضرة في فرنسا بالشكل الكافي. وتتابع لـ«الشرق الأوسط»: «مع كلّ هذه الأعداد الكبيرة من اللبنانيين المقيمين والطلاب، افتقدنا حضور السينما اللبنانية في فرنسا. وبما أنني سبق أن عملت في تنظيم مهرجانات من هذا النوع، قرّرت آخذ المبادرة لإقامة مهرجان للأفلام اللبنانية في فرنسا. فقد غادرتُ لبنان منذ عام 2001 مع أسرتي، وعرّفتني السينما اللبنانية على تاريخه الحديث، وهو ما حضّني على مدّ هذا الجسر الثقافي بين لبنان المغترب وجذوره الأصيلة. فنحن، جيل بداية التسعينات، لا نملك فكرة واضحة عمّا جرى في بلادنا».

المخرجة نادين لبكي ضيفة شرف المهرجان (الجهة المنظّمة)

هكذا انطلق المهرجان، وبدأ القيّمون عليه التعاون مع مراكز لبنانية، مثل «نادي السينما»، لترميم بعض الأفلام اللبنانية وعرضها لاحقاً. وتضيف حجار: «السينما تُسهم في الحفاظ على الذاكرة الجماعية بشكل عام».

واستطاعت تطوير المهرجان عاماً بعد عام، حتى بات يحظى باهتمام كبير لدى الجالية اللبنانية في فرنسا. وتُعلّق: «هذه الفكرة وُلدت من شدّة حبي للفنّ ولبنان. وشعرتُ بأنني من خلالها سأستحق الحفاظ على جنسيتي اللبنانية، مع أنني أملك الفرنسية أيضاً».

ومن الأفلام المشاركة في المهرجان «السترة الواقية» لسليم صعب، و«جنوب لبنان» لعباس فاضل، و«بين الحروب» لسارة سراج، و«يوم الغضب» لرانيا رافعي. فيما تُعرض أفلام أخرى معروفة، بينها «ثريا حبيبتي» لنيكولا خوري، و«أولاد الحرب» لجوسلين صعب، و«الملجأ» لرفيق حجار. كما تُعرض أفلام نادين لبكي «كفرناحوم» و«هلأ لوين؟» و«كاراميل».

ويفتتح المهرجان فعالياته بفيلم لنديم تابت بعنوان «في هذه العتمة أراك».

وتشير حجار إلى أن غالبية الأفلام المشاركة تتناول قصصاً عن الوطن والهجرة والغضب والحرب واللامساواة وغيرها. وتتابع: «نروي لبنان من خلال حكايات هذه الأفلام».

وتُقام العروض في صالة «إليزيه لينكولن»، على أن يُقام عرض الافتتاح في «معهد العالم العربي» في باريس. وتُعدّ صالة «إليزيه لينكولن» من أقدم الصالات السينمائية في باريس، وتقع على مقربة من شارع الشانزليزيه الشهير. وقد أُنشئت عام 1969، وجُدّدت مؤخراً لتواكب التطور في المشهد السينمائي.

وتعلّق حجار: «إنها من بين أجمل عشر صالات سينما في العالم، وتضمّ أهم التقنيات المتعلقة بالصوت والصورة. والعام الماضي، أُعيد افتتاحها بالتزامن مع مهرجان الفيلم اللبناني، واختير اللون الأخضر لديكوراتها وجدرانها تيمّناً بلون أرز لبنان».

ينطلق «مهرجان الفيلم اللبناني» في فرنسا في 13 أكتوبر المقبل (الجهة المنظّمة)

وعن الفرق بين النسخ الأولى من المهرجان ونسخته المقبلة في أكتوبر، تقول سارة حجار: «بات يشهد إقبالاً أوسع من محبّي السينما، كما يشهد انفتاحاً على أفلام لبنانية متنوّعة الموضوعات، توثّق هذه العلاقة الوطيدة بين المهرجان والوطن الأم لبنان. فالإنتاجات التي نقدّمها تعكس واقعنا اللبناني. ونحن بصدد تحضير نسخة مماثلة ننطلق بها من ميلانو، بعدما قدّمناها في مايو (أيار) الماضي في روما».

وتُعرض 16 فيلماً طويلاً وقصيراً خارج المسابقة، بينها أفلام يشاهدها الجمهور للمرة الأولى، وأخرى مرمّمة. وتلي بعض هذه العروض جلسات حوارية مع خبراء ومخرجين في عالم السينما.

ويُقام حفل الافتتاح بمشاركة موسيقى أيا الديكا وجون سامي وهادي ذكور، في 13 أكتوبر في معهد العالم العربي بباريس. كما يشهد المهرجان، بالتوازي مع عروضه، صفوفاً وورشات عمل خاصة بالعمل السينمائي، مع زينة صفير وجو حداد ونادين لبكي.

ويختتم المهرجان فعالياته في 18 أكتوبر بتوزيع الجوائز على الفائزين في سينما «إليزيه لينكولن»، يليه حفل موسيقي مع الـ«دي جي» جو حداد.


«يلّا Unmatch»... ضحكاتٌ على مسرح العاطفة وأوجاعها المؤجَّلة

في الحبّ... لا يأتي أحدٌ وحده (الشرق الأوسط)
في الحبّ... لا يأتي أحدٌ وحده (الشرق الأوسط)
TT

«يلّا Unmatch»... ضحكاتٌ على مسرح العاطفة وأوجاعها المؤجَّلة

في الحبّ... لا يأتي أحدٌ وحده (الشرق الأوسط)
في الحبّ... لا يأتي أحدٌ وحده (الشرق الأوسط)

في المسرح، قد تمنح الحكاية العرض مدخله، لكنّ قيمته تتحدَّد بما تستطيع الكتابة استخراجه من احتمالاتها الإنسانية، وبالكيفية التي تتجسَّد بها هذه الاحتمالات على الخشبة. في «يلّا Unmatch»، كتابة ريّسا البرجي وإخراجها، المعروضة في «المونو»، تتآلف مقوّمات العمل ضمن رؤية تمتلك تماسكها الدرامي وحساسيّتها النفسية، وتُحسِن الموازنة بين المتعة المسرحية والكثافة الشعورية، من دون أن تطغى إحداهما على الأخرى.

تبدأ الحكاية من زوجين شابّين جمعتهما تطبيقات المواعدة، ويعودان إلى البدايات لاستحضار ما تَعاقب على علاقتهما من انجذاب وتوقّعات وتحوّلات. وإنما الاستعادة تحمل وظيفة تتخطَّى استحضار الوقائع الماضية. فما مرّ في بدايات العلاقة من دون أن يستوقف الشخصيتَيْن، تتجلّى أبعاده مع تطوّر الحكاية، وتتّضح صلته بما انتهت إليه حياتهما المشتركة.

بذلك يصبح الزمن عنصراً درامياً فاعلاً، وتُشكّل العودة إلى البدايات وسيلة لفَهْم ما تراكَم بين شخصين اعتقدا ذات يوم أنّ اختيارهما المتبادل كافٍ لطمأنتهما.

للعلاقات عُمر آخر تحت الجِلد (الشرق الأوسط)

تتناول المسرحية تعقيدات الارتباط الإنساني، حيث لا يدخل المرء علاقاته العاطفية منفصلاً عن تاريخه الشخصي. فالأسرة تترك أثرها في الطريقة التي نطلب بها الحبّ، وفي مقدار ما نحتمله من غياب أو رفض، وفي أشكال الطمأنينة التي ننتظرها من الآخر. وقد تتحوّل العلاقة من حيث لا ينتبه طرفاها إلى محاولة متبادَلة لمعالجة حرمان سابق، فيما يظلّ كلّ منهما عاجزاً عن تسمية ما ينقصه. وتبلغ مفارقة الارتباط ذروتها في وحدة قد يعيشها الإنسان إلى جوار مَن يحبّ، تحت سقف واحد، وفي حياة اعتقد أنها ستمنحه ما افتقده طويلاً.

يتأكد تماسك النصّ من قدرته على استيعاب هذه التعقيدات ضمن كتابة تحتفظ بخفّتها الإيقاعية وامتلائها الدلالي. للكوميديا وظيفة تتّصل بطبيعة الشخصيات وآليات دفاعها النفسي. فالإنسان كثيراً ما يسخر ممّا يعجز عن مواجهته، ويُحوّل حيرته إلى نكتة، ويستعين بالضحك لتأجيل اعتراف يخشاه. وحين تنقلب النبرة، يكون الانفعال قد تهيّأ داخل المشهد واكتسب مشروعيته من مسار الشخصيات. الدموع والضحكات تنتميان إلى نسيج نفسي واحد، وتتبادلان كَشْف ما يتعذّر التعبير عنه صراحةً.

للضحك جذورٌ في أماكن موجعة (الشرق الأوسط)

وتُظهِر المعالجة الإخراجية وعياً بإدارة هذه التقلّبات، وبالحفاظ على إيقاع يسمح للمشهد بأن يستوفي احتمالاته قبل الانتقال إلى سواه. ويمنح توظيف الاستعادة العرضَ حركةً داخلية مستمرّة، فيما تواكب إضاءة علي بليبل التشكيل البصري للحالات الدرامية، في إطار اشتغال مسرحي تتحدَّد قيمته بتكامُل عناصره.

تُسهم جنى أبي غصن، المُنتجة أيضاً، وعامر فياض في إكساب العمل جانباً أساسياً من كثافته. يتنقّلان بين الشخصيات من خلال تبدّلات تتّصل بتكوين كلّ منها، ويُظهِران وعياً بأنّ التحوّل التمثيلي يتطلَّب إعادة تشكيل الحضور الجسدي والنفسي، بعيداً عن الاكتفاء بتغيير النبرة أو الهيئة.

وتتبدَّى دقّة اشتغالهما خصوصاً في التعبير الوجهي، حين تتعاقب على الملامح مشاعر متنافرة، ويُصبح الوجه حاملاً لِما تكتمه الشخصية أو تحاول إنكاره. تتشكّل الحالات الانفعالية عبر مستويات متزامنة، فقد يقول الصوت شيئاً فيما تفضح العينان شيئاً آخر، وقد تختزن ابتسامة مقداراً من الخيبة يعجز الحوار عن استنفاده. وتحضر ناتاشا رزق ضمن التكوين التمثيلي للعرض.

في «يلّا Unmatch»، نتابع تجربة مسرحية منضبطة في أدواتها، تتيح للجمهور أن يجد صلاته الخاصة بما يُعرَض أمامه، من دون أن تُملي عليه استجابة بعينها. وتبقى أهميتها في قدرتها على تحويل حكاية عاطفية معاصرة إلى تفكير في الإنسان الذي يبحث عن الحبّ مُحمَّلاً بما لم يتصالح معه بعد في نفسه، ويكتشف أنّ مشاركة الحياة مع آخر قد تُعمّق وحدته بقدر ما تمنحه الأمل في الخلاص منها.


«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
TT

«سرديات الأرض السوداء»... لوحات تقتفي أثر المصريين القدماء

لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)
لوحة بالمعرض تدمج الواقع بالأسطورة (قطاع الفنون التشكيلية)

تنطوي التجربة التي يقدمها الفنان التشكيلي المصري محمد عيد في معرضه الأحدث «سرديات الأرض السوداء» على ملامح شيقة من الحضارة المصرية القديمة، حيث كانت تُعرَف مصر قديماً باسم «كمت» أي «الأرض السوداء»، مستدعياً انعكاساتها على الواقع والمشهد اليومي والشخوص المعاصرين.

وفي المعرض الذي تستضيفه قاعة «الباب سليم» بمتحف الفن الحديث حتى 26 سبتمبر (أيلول) الحالي، يجدِّد الفنان محمد قراءة مفهوم «كِمِت» بوصفه أكثر من مجرد تسمية تاريخية لمصر القديمة؛ فهو بالنسبة له «نقطة انطلاق للتأمل في العلاقة بين الإنسان والأرض والزمن، وبين ما يبقى من الحضارات في الذاكرة الإنسانية».

جانب من المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

تنطلق تجربة الفنان من تفكيك المنظومة الفكرية والرمزية للشكل المصري القديم بصورته الاعتيادية المباشرة، ويرصد فلسفته وما وراءه وحدود ملامسته واشتباكه مع الواقع المعاصر، يقول عيد: «الفن المصري القديم لم يكن مجرد تسجيل للمشهد أو زخرفة بصرية، وإنما كان لغة متكاملة تحمل مفاهيم الخلود، والعبور، والهوية، ودورة الحياة والموت والبعث».

ومن هذا المنطلق، تتحول الرموز والعناصر المستلهمة من الجداريات المصرية القديمة إلى طاقات بصرية معاصرة، يعاد من خلالها طرح أسئلة حول الزمن والوجود والذاكرة. فالجسد في الأعمال لا يظهر بوصفه هيئة خارجية فقط، بل يصبح حاملاً للمعنى، والخط ليس مجرد حدود شكلية، بل يتحول إلى أثر للذاكرة ومسار بصري يعبر بين الماضي والحاضر.

يضيف عيد لـ«الشرق الأوسط»: «تعتمد التجربة على مفهوم التهجين البصري، حيث تتداخل مفردات الفن المصري القديم مع صياغات تشكيلية معاصرة، لتكوين فضاء بصري تتجاور داخله طبقات زمنية متعددة؛ زمن الحضارة القديمة، وزمن العمل الفني، وزمن التجربة الشعورية للمبدع والمتلقي».

الأعمال استخدمت أسلوباً خاصاً في قراءة الأساطير (قطاع الفنون التشكيلية)

تعتمد اللوحات على تكوينات متباينة ضمن أكثر من بعد بصري، بعضها يمثل الحاضر بشخوصه ومفرداته العادية، وبعضها يستدعي رموز الأساطير المصرية القديمة، والبعض الآخر يضفي جواً نفسياً حميماً يربط الزمان بالمكان بالشخوص في مشهد جمالي يتبنى مفردات الحداثة عبر اللون والخط والتعبير والتجريد.

ووفق الفنان: «يلعب اللون دوراً محورياً في بناء هذه الرؤية؛ فاللون لا يُستخدَم بوصفه عنصراً جمالياً فقط، بل بوصفه حاملاً دلالياً وفلسفياً. يكون الأسود فيه جوهر التجربة، فهو ليس لوناً للعتمة، وإنما بوصفه رمزاً للأرض الخصبة (الأرض السوداء)، والرحم الذي تنبثق منه الحياة، والمساحة التي تختزن أسرار الوجود والتجدد».

ويستند الفنان إلى التوثيق الرقمي للجداريات المصرية القديمة بوصفه ذاكرة حية؛ حيث تتحول الخطوط المستعادة من النقوش القديمة إلى طبقات شفافة داخل العمل، تستحضر الحضور والغياب، وتربط بين الأثر التاريخي والرؤية المعاصرة.

إحدى لوحات المعرض (قطاع الفنون التشكيلية)

و«تضم التجربة مجموعة من الأعمال المُنفَّذة بتقنيات الأقلام الخشبية الملونة والأكريليك، تتناول موضوعات مستوحاة من مفردات الحضارة المصرية القديمة، مثل الشجرة المقدسة، والطائر، والطقوس، والجسد الإنساني، لكنها تعيد تقديمها داخل سياق بصري جديد يبحث عن المعنى الكامن خلف الرمز»، وفق الفنان.

ويعد معرض «سرديات الأرض السوداء» دعوة لإعادة اكتشاف الماضي؛ فالأرض هنا لا تنطوي على المكان فقط، بل تمتد لتحمل حكايات الإنسان عبر الذاكرة البشرية التي تختزن طاقة الزمن، وتفتح حواراً بين ما كان وما هو آتٍ، في رحلة تأملية من رحم الأرض نحو الأبدية.

الفنان محمد عيد بجوار إحدى لوحاته (قطاع الفنون التشكيلية)

من جهته أكد الدكتور محمود حامد، رئيس قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة المصرية خلال افتتاح المعرض أن «أعمال الفنان محمد عيد لا تقتصر على مجرد التوثيق التاريخي أو استعادة التراث، بل تتجاوز ذلك لتصنع أسطورة جديدة تخص الحاضر، وتنسج حواراً عميقاً بين الأبعاد الروحية والزمنية للوجود الإنساني».

يُشار إلى أنّ الفنان محمد عيد سبق أن قدَّم في عام 2021 معرض «خريف المحب» كما شارك في أكثر من 30 معرضاً جماعياً، وحاز جائزة «صالون الشباب» بمصر عام 2017، وجائزة الحفر بمعرض الطلائع الـ52 الذي تنظمه «جمعية محبي الفنون الجميلة».