من مزهريّتها إلى مفتاحها... كيف شرّعت القدس أبوابها لفيروز والأخوين رحباني؟

فيروز تستلم مفتاح القدس عام 1968 ويظهر في يمين الصورة عاصي الرحباني (منصة إكس)
فيروز تستلم مفتاح القدس عام 1968 ويظهر في يمين الصورة عاصي الرحباني (منصة إكس)
TT

من مزهريّتها إلى مفتاحها... كيف شرّعت القدس أبوابها لفيروز والأخوين رحباني؟

فيروز تستلم مفتاح القدس عام 1968 ويظهر في يمين الصورة عاصي الرحباني (منصة إكس)
فيروز تستلم مفتاح القدس عام 1968 ويظهر في يمين الصورة عاصي الرحباني (منصة إكس)

قبل 9 سنوات على مرورها في «شوارع القدس العتيقة» ولقائها بـ«الناس الناطرين»، غنّت فيروز فلسطين. فالأعمال الرحبانيّة المكرّسة لـ«الدار السليبة» ولأهلها، تعود إلى عام 1955. كان عاصي ومنصور الرحباني في بداية الطريق، وصوت «السيّدة» يشقّ دربه إلى المجد، يوم دُعي الثلاثيّ إلى القاهرة لتسجيل مجموعة من الأعمال الغنائية الخاصة بفلسطين.

يفصّل الصحافي والباحث محمود الزيباوي، المتمرّس في الأرشيف الرحبانيّ، مراحل تلك العلاقة بين الأغنية الرحبانيّة وفلسطين، التي تمتدّ سبعة عقود. وفق الرواية، فإنّ البداية كانت مع مغنّاة «راجعون» التي سُجّلت في إذاعة «صوت العرب» في مصر بدعوة من مديرها أحمد سعيد. الأغنية التي ألّفها الأخوان رحباني، شارك في نسختها الأولى الفنان المصري كارم محمود، أما نسختها الثانية والأكثر تداولاً فصدرت ضمن أسطوانة تحمل عنوانها، كما خضع نصّها لبعض التعديلات.

«غرباء»

قبل أن يغوص الزيباوي في تفصيل الأرشيف الرحبانيّ الفلسطينيّ، يلفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «أحداً لم يغنِّ فلسطين كفيروز، وأحداً لم يحوّلها أغنيةً كما فعل الأخوان رحباني». والدليل على ذلك، أنه كلّما اشتعلت أرض فلسطين من جديد، طار صوت فيروز و«زوبع بالضماير».

فيروز تتوسّط عاصي ومنصور الرحباني في خمسينات القرن الماضي (Rahbani Productions)

بالتزامن مع الأحداث الدامية في غزة عام 1955 ومواجهة الفلسطينيين مصير التهجير، سجّلت فيروز «غرباء» في القاهرة، من شعر هارون هاشم رشيد وألحان الأخوين رحباني. يقول الزيباوي إنّ «المغنّاة دخلت النسيان، مثلها مثل أعمال كثيرة لا تُعدّ ولا تحصى». غير أنّ كلماتها تنطبق على ذاك الزمان وهذا، حيث توجّهت فيروز إلى أبيها: «سألتك أمس عن أمّي التي ذهبت ولم ترجع (...) سألتك عن أخي أحمد وكدت تقول لي قد مات يا ليلى قد استُشهد».

«سنرجع يوماً»

من بين الأغاني التي ألّفها الأخوان رحباني لفلسطين ما دخل طيّ النسيان، على ما يقول الزيباوي، ومنها ما احتاج عقداً من الزمن لينتشر ويتحوّل نشيداً كما هي حال «سنرجع يوماً». ألّفها الرحبانيّان عام 1956، لحناً وشعراً. وتؤكّد المراجع أنّ القصيدة رحبانيّة بامتياز، رغم اللغط الذي أُثير حولها إذ قيل إنّ كاتبها هو هارون رشيد.

«سنرجع يوماً إلى حيّنا ونغرق في دافئاتِ المُنى

سنرجع مهما يمرّ الزمان وتنأى المسافات ما بيننا»

مطلع الأغنية، كما باقي كلامها، لا يأتي على ذكر فلسطين ويمكن بالتالي أن تنطبق على أي مغترب أصابه الحنين إلى وطنه. لكن غداة «نكسة 1967»، تجنّد الإعلام العربي واللبناني لنُصرة الأراضي المحتلّة. ويروي محمود الزيباوي كيف أن استوديوهات الإذاعة اللبنانية غصّت آنذاك بالفنانين اللبنانيين، الذين أراد كلٌّ منهم أن يهديَ فلسطين أغنيةً أو نشيداً. من بين تلك الأعمال، عادت «سنرجع يوماً» لتبرز من جديد، مع ظهور فيروز بالزيّ الفلسطيني على شاشة التلفزيون صادحةً: «سنرجعُ خبّرَني العندليب غداةَ التقينا على مُنحنى». ومنذ تلك السنة الفاصلة في التاريخ العربيّ، ارتبطت «سنرجع يوماً» بالفلسطينيين وبحلم العودة.

فيروز ترتدي الزيّ الفلسطيني مستعدّةً لأداء «سنرجع يوماً» عام 1967 (منصة إكس)

«مزهريّة» القدس

تَحقّق حلم فيروز بأن تطأ أرضَ فلسطين عام 1964. رنّمت في كنيسة القيامة بمناسبة زيارة بابا روما حينذاك بولس السادس. من تلك الزيارة التاريخيّة، بقيت صورة لها أمام فندق «الهوسبيس» في القدس. أما في بال السيّدة والأخوَين، فعلقت مشاهد استحالت أغنية حملت عنوان «القدس العتيقة» (مرّيت بالشوارع).

«حكينا سوا الخبريّة وعطيوني مزهريّة

قالولي هيدي هديّة من الناس الناطرين»

يضع الزيباوي قصة «المزهريّة» في إطار الروايات التي رافقت تلك الزيارة: «تقول الأخبار إنّ أهل المدينة المقدّسة أهدوا إليها مزهريّة». وتضيف سرديّاتٌ أخرى أنّ فيروز والأخوين جالوا فعلاً في «شوارع القدس العتيقة»، حيث أهدتها إحدى السيّدات مزهريّة من بيتها. كما تحدّثت فيروز إلى الناس هناك، الذين اشتكوا إليها من ظروفهم الصعبة في ظلّ الاحتلال، ما أثّر بها كثيراً وأوحى بالأغنية لعاصي ومنصور.

فيروز أمام فندق هوسبيس في القدس عام 1955 (فيسبوك)

الزيارة الرحبانيّة إلى فلسطين عام 1964 ألهمت الأخوين مزيداً من الأعمال المرتبطة بالقضيّة الفلسطينيّة. وبالتعاون مع صديقهما الشاعر اللبناني سعيد عقل، أصدرا «أجراس العودة» (سيفٌ فليُشهر) عام 1966، والتي سرعان ما تحوّلت نشيداً بعد أن غنّتها فيروز على مسرح معرض دمشق الدولي صيف تلك السنة قبل أن تسجّلها في الاستوديو، وفق ما يروي الزيباوي.

«زهرة المدائن»

أتت حرب «الأيّام الستّة» وهزيمة 1967 جرّاء سيطرة الاحتلال على القدس الشرقيّة، لتوحيَ بمزيد من الأعمال الفنّية. توّج الثلاثيّ الرحبانيّ التحيّة المتواصلة لفلسطين منذ 1955، بـ«زهرة المدائن». ثماني دقائق هي بمثابة صلاة ونشيد في آنٍ معاً، كتبها ولحّنها الأخوان لتتلوها حنجرة فيروز.

يروي محمود الزيباوي أنه «في 17 أغسطس (آب) 1967، افتتح الأخوان رحباني مهرجان الأرز في لبنان بقصيدة مهداة إلى القدس عنوانها (زهرة المدائن)»، مع العلم بأن الاسم القديم لمدينة القدس هو «زهرة المدائن». ويتابع أن الأغنية حققت نجاحاً كبيراً، وبُثّت مصوّرةً على شاشات السينما في وصلة مستقلّة من إخراج هنري بركات قبل عرض فيلم «سفر برلك».

مفتاح القدس

نبتت «زهرة المدائن» في كل حديقة وردّدتها الحناجر العربيّة مع فيروز. فما كان من أهل فلسطين إلّا أن ردّوا التحيّة عام 1968، ويذكر الزيباوي هنا كيف أنّ «نائبَي القدس إميل غوري ومحي الدين الحسيني حملا مفتاح القدس إلى بيروت، وسلّماه إلى فيروز مع صينيّة مصنوعة من الصدف تمثّل المسجد الأقصى».

في احتفالٍ تاريخيّ، تسلّمت فيروز مفتاح القدس ليتحقّق ما جاء في الأغنية؛ «لن يُقفَل بابُ مدينتنا فأنا ذاهبةٌ لأصلّي، سأدقّ على الأبواب وسأفتحها الأبواب».

فيروز تحمل مفتاح القدس الذي مُنح لها تكريماً لأعمالها والأخوين رحباني من أجل فلسطين (منصة إكس)

لفلسطين وجرحها العميق، غنّت فيروز كذلك «بيسان»، و«يافا»، و«أحترف الحزن والانتظار»، و«جسر العودة»، وغيرها من الأغاني المعروفة وتلك الأقلّ انتشاراً. ومع كل أغنية من بينها، ثبت قول منصور الرحباني إنّ «الأناشيد الحماسيّة التي كانت تُذاع قبل النكسة صوّرتنا شعباً متوحّشاً يحب القتل والذبح، بينما نحن شعب له حضارة كبيرة. على الأغنية أن تكون إنسانيّة، لأنّ الإنسانية وحدها توصل إلى الحقّ. الأغنية تدخل كل بيت من دون استئذان، لذلك علينا أن نُحسن استغلال هذه الإمكانيّة وهذه المرونة».


مقالات ذات صلة

ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء

يوميات الشرق ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء p-circle 02:00

ترمب ونيكي ميناج... موسم الحبّ والغزل بعد سنوات من العداء

بعد سنوات من التهجّم عليه، تنغمس مغنية الراب نيكي ميناج أكثر فأكثر في دعم دونالد ترمب. فهل هي ساعية خلف الجنسية الأميركية؟ أم أكثر من ذلك؟

كريستين حبيب (بيروت)
الوتر السادس يعتبر محمد فضل شاكر تتويجه بجائزة {جوي أووردز} محطة مهمة في مسيرته الفنية (هيئة الترفيه)

محمد فضل شاكر: أهتم بالكلمات والألحان وليس بشهرة أصحابها

قال الفنان اللبناني، محمد فضل شاكر، إن حصوله على جائزة «الوجه الجديد» عن فئة الموسيقى في جوائز «جوي أووردز» جاء تتويجاً لسنوات طويلة من التعب والمثابرة والعمل.

أحمد عدلي (القاهرة)
الوتر السادس نور حلّاق: أحاول إثبات هويتي الفنية وسط ساحة مزدحمة بالمواهب والنجوم

نور حلّاق: أحاول إثبات هويتي الفنية وسط ساحة مزدحمة بالمواهب والنجوم

ما إن استمعت الفنانة نور حلّاق إلى أغنية «خيانة بريئة» حتى قررت سريعاً تسجيلها بصوتها. رأت فيها عملاً رومانسياً وكلاسيكياً؛ كونه ينسجم مع خياراتها الفنية.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق أبرز المغنّين الفائزين بجوائز حفل غرامي الـ68 (إ.ب.أ/ أ.ب)

مغنّية شوارع نجمة العام وخطابات مناهضة لـ«آيس»... حفل «غرامي» يستفزّ ترمب

جاءت النسخة الـ68 من جوائز «غرامي» محمّلة بالمفاجآت، والحكايات، والأرقام القياسية، والمواقف المناهضة لسياسة الهجرة الأميركية.

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)

جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

فاز الدالاي لاما، بأول جائزة «غرامي» له عن فئة الكتاب الصوتي والسرد وتسجيل القصص، متفوقا على قاضية المحكمة العليا كيتانجي براون جاكسون.

«الشرق الأوسط» ( لوس أنجليس)

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
TT

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

أصبح الشباب مؤخراً يستقون نصائحهم الغذائية من وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين أثناء تصفحهم لمحتوى المنصة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويقول الباحث أرتور سترتسيليكي، من جامعة كاتوفيتشي للاقتصاد في بولندا: «يمكن للاتجاهات الغذائية المعروضة في فيديوهات (تيك توك) أن تحدد ما سيأكله الشباب، والمطاعم التي يرتادونها، وكيف يقيمون الوصفات المعروضة».

وكان سترتسيليكي ضمن فريق أجرى استطلاعاً لمستخدمي «تيك توك» في العام الماضي، وخلص إلى أن التطبيق «أداة فعالة في تشكيل تفضيلات المستهلكين الغذائية وسلوكياتهم».

ويؤكد سترتسيليكي أنه «في الوقت الحاضر، يميل الشباب إلى جعل معظم عاداتهم الغذائية متوافقة مع المحتوى الذي قد يشاهدونه على وسائل التواصل الاجتماعي».

وأشارت دراسة نُشرت في المجلة الدولية لدراسات المستهلك، إلى أن «الآليات الخوارزمية» لمنصة «تيك توك» تعد عاملاً رئيسياً في تحديد ما يراه المستخدمون، والذي غالباً ما يقدمه المؤثرون الذين يتقاضون أجراً مقابل الترويج للعلامات التجارية والأماكن.

ووفقاً لبرونو لوريو، مؤلف كتاب «تاريخ علم التغذية - من أبقراط إلى مؤشر التغذية» المنتظر صدوره قريباً، فإن النصائح الغذائية المُعاصرة تعاني من «جو من القلق» وتتأثر بـ«انتشار قادة الرأي».

وكان لوريو يتحدث إلى المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ناشر الكتاب، حيث أشار إلى أن مجموعة من «الخبراء، وأشباه الأطباء، ومنظمات المستهلكين، والمؤثرين» يقدمون نصائح حول الطعام والنظام الغذائي على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما كشفت دراسة أن «تيك توك» هي أكثر منصات التواصل الاجتماعي استهلاكاً لوقت المستخدمين، حيث يقضي المستخدمون عليها ما معدله 97 دقيقة يومياً، وفقا لمنصة «بلايرزتايم» للتوعية بمخاطر القمار، بينما تأتي «يوتيوب» في المرتبة الثانية بـ85 دقيقة يومياً.


عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.


أصبحوا مليونيرات لدقائق... شركة كورية تدفع 40 مليار دولار بـ«البيتكوين» لعملائها بالخطأ

مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
TT

أصبحوا مليونيرات لدقائق... شركة كورية تدفع 40 مليار دولار بـ«البيتكوين» لعملائها بالخطأ

مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)

دفعت منصة تداول عملات رقمية كورية جنوبية بالخطأ ما قيمته أكثر من 40 مليار دولار من عملة البيتكوين لعملائها، مما جعلهم لفترة وجيزة من أصحاب الملايين.

ووفقاً لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)»، فقد كانت المنصة تخطط لمنح العملاء مكافأة نقدية صغيرة قدرها 2000 وون (1.37 دولار أميركي)، لكنها منحتهم بدلاً من ذلك 2000 بيتكوين، يوم الجمعة.

واعتذرت المنصة، "بيثامب"، عن الخطأ، مؤكدةً أنها تداركت الأمر سريعاً واستعادت معظم العملات المفقودة، وأوضحت أنها قيّدت عمليات التداول والسحب لـ695 عميلاً متضرراً خلال 35 دقيقة من حدوث الخلل.

وأفادت بأنها استعادت 99.7 في المائة من الـ620 ألف بيتكوين التي أُرسلت بالخطأ.

وأكدت شركة "بيثومب"، في بيان لها، يوم الجمعة: «نريد أن نوضح أن هذه المسألة لا علاقة لها بأي اختراق خارجي أو خروقات أمنية، ولا توجد أي مشكلة في أمن النظام أو إدارة أصول العملاء».

شعار «البيتكوين» على الباب في صورة توضيحية تم التقاطها بباريس (رويترز)

وفي اجتماع طارئ، عُقد يوم السبت، أعلنت هيئة الرقابة المالية في كوريا الجنوبية أنها ستُجري تحقيقاً في الحادث، وأكدت أن أي مؤشر على نشاط غير قانوني سيستدعي إجراء تحقيقات رسمية.

وتعهَّدت «بيثومب» بالتعاون مع الجهات الرقابية، وقال رئيسها التنفيذي، لي جاي وون: «سنعدّ هذا الحادث درساً، وسنُعطي الأولوية لثقة عملائنا وراحة بالهم على حساب النمو الخارجي».

وتعتزم الشركة دفع تعويضات بقيمة 20.000 وون (13.66 دولار أميركي) لجميع العملاء الذين كانوا يستخدمون المنصة وقت وقوع الحادث، بالإضافة إلى إعفاء العملاء من رسوم التداول، ضمن إجراءات أخرى.

وأعلنت أنها ستُحسّن أنظمة التحقق وتُدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي لكشف المعاملات غير الطبيعية.

ومن المرجَّح أن يُثير هذا الحادث نقاشاً حول تشديد الرقابة التنظيمية على القطاع المالي.

في 2024، قام بنك سيتي غروب الأميركي، عن طريق الخطأ، بإيداع 81 تريليون دولار في حساب أحد عملائه بدلاً من 280 تريليون دولار.

وذكرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» أن اثنين من الموظفين لم يكتشفا الخطأ قبل تنفيذه، لكن البنك ألغى العملية في غضون ساعات، بعد أن اكتشفها موظف ثالث.