لودريان في بيروت لنصح الأطراف اللبنانيين بعدم الانزلاق للحرب وانتخاب رئيس

لا يحمل جديداً ويتطلع لتعويم الدور الفرنسي

لودريان مجتمعاً مع الرئيس نجيب ميقاتي خلال زيارته السابقة لبيروت (أ.ب)
لودريان مجتمعاً مع الرئيس نجيب ميقاتي خلال زيارته السابقة لبيروت (أ.ب)
TT

لودريان في بيروت لنصح الأطراف اللبنانيين بعدم الانزلاق للحرب وانتخاب رئيس

لودريان مجتمعاً مع الرئيس نجيب ميقاتي خلال زيارته السابقة لبيروت (أ.ب)
لودريان مجتمعاً مع الرئيس نجيب ميقاتي خلال زيارته السابقة لبيروت (أ.ب)

يترقّب الوسط السياسي في لبنان ما سيحمله الوفد الرئاسي الفرنسي، وزير الخارجية السابق جان إيف لودريان، في زيارته الرابعة للبنان التي يفتتحها (الأربعاء) بلقاءٍ مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري، كان مهّد له باتصال به أول من أمس، على أن يوسع مروحة اتصالاته بلقاء رؤساء الكتل النيابية والنواب المستقلين والمنتمين إلى قوى التغيير سعياً وراء إخراج انتخاب رئيس الجمهورية من المراوحة التي لا يزال يدور فيها.

ومع أن لقاءات لودريان تستمر حتى مساء الخميس، فإن الكتل النيابية تواصلت مع السفارة الفرنسية في لبنان للوقوف منها على جدول الأعمال الذي يحمله معه لكنها لم تحصل على أجوبة شافية، ما يدعوها للتصرف على أن الموفد الرئاسي الفرنسي يُبقي برنامجه مفتوحاً لعله يتوصّل في اجتماعاته إلى قواسم مشتركة حول ماذا سيكون عليه الوضع في لبنان فور انتهاء الحرب بين حركة «حماس» وإسرائيل في قطاع غزة.

لكن الغموض الذي يكتنف جدول أعمال لقاءاته في بيروت لا يمنع الكتل النيابية من تعاملها مع زيارته الرابعة للبنان من زاوية أنه يحاول ترميم العلاقات اللبنانية - الفرنسية بعد الجروح التي أصابتها من جراء انحياز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمصلحة إسرائيل.

واستبقت معظم الكتل النيابية وصول لودريان إلى بيروت بإجراء مشاورات توخّت من خلالها التحضير للقاءاتها معه، وهذا ما سارعت إليه قوى المعارضة في البرلمان في اجتماعها مساء الثلاثاء، رغبةً منها في توحيد موقفها حيال ما يمكن أن يطرحه عليها في حال بقاء باريس على موقفها الذي تبلغته منه لجهة ترجيحه في اجتماعاته السابقة ضرورة البحث عن خيار ثالث يفتح الباب أمام انتخاب رئيس توافقي، انطلاقاً من أن لا قدرة لمرشح محور «الممانعة»، رئيس تيار «المردة» النائب السابق سليمان فرنجية، ومرشح المعارضة الوزير السابق جهاد أزعور الذي تقاطعت على اسمه مع «التيار الوطني الحر»، على تأمين الغالبية النيابية لانتخاب أحدهما رئيساً للجمهورية.

وتلتقي المعارضة مع محور «الممانعة» في تعاملهما مع الزيارة الرابعة للودريان على أنها تأتي في سياق استطلاعه المواقف للتأكد ما إذا كانت ما زالت على حالها، وصولاً لابتداع أفكار جديدة لعلها تدفع باتجاه تسجيل خرق من شأنه أن يضع انتخاب الرئيس على نار حامية.

وبكلام آخر، تستبعد القوى المعنية بانتخاب رئيس للجمهورية أن يحمل لودريان أي جديد سوى «توزيع» مجموعة من النصائح تتصدّرها الدعوة لانتخاب رئيس للجمهورية، لإعادة الانتظام إلى المؤسسات الدستورية. وتقول مصادر مقربة منهما لـ«الشرق الأوسط» إن المهمة الأولى للودريان تكمن في تسجيل الحضور الفرنسي في المشهد السياسي الذي يدخل حالياً في مرحلة جديدة مع التحاق جنوب لبنان، ولو من باب المساندة، بالحرب الدائرة في غزة.

وتكشف مصادر سياسية لبنانية محايدة عن أن لودريان سيتقدّم إلى الكتل النيابية بنصيحة منع انزلاق لبنان نحو توسع الحرب استجابةً لرغبة أصدقائه من دول غربية وعربية، فيما تضغط الولايات المتحدة على إسرائيل لمنع تمدُّد المواجهة إلى الجبهة الشمالية مع جنوب لبنان.

وتؤكد أن باريس تسأل عن إمكانية تطبيق القرار 1701 لمنع انزلاق لبنان نحو الحرب أو جنوح إسرائيل لتوسعتها لتشمل الجبهة الشمالية، خصوصاً أنه لم ينفّذ منه سوى البند المتعلق بوقف الأعمال العسكرية الذي سرعان ما تهاوى مع بدء الحرب في غزة.

وتقول المصادر نفسها إن البنود التي تشكل الإطار العام الميداني والعسكري لوضع القرار 1701 على سكة التنفيذ، ما زالت عالقة، وأبرزها تلك المتعلقة بوقف إطلاق النار وخلوّ منطقة العمليات الخاضعة لسيطرة الجيش اللبناني وقوات «يونيفيل» في جنوب الليطاني، من المسلحين.

وتضيف أن وحدة الساحات التي كان الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله، قد تحدث عنها، تتعارض مع تطبيق القرار 1701، إضافة إلى الإشكالية المترتبة على عدم انسحاب إسرائيل من بعض النقاط التي كان قد تحفّظ عليها «حزب الله» وتقع على خط الانسحاب الذي يطالب به لبنان كون «الخط الأزرق» ليس خط الانسحاب الكامل.

لذلك من السابق لأوانه الحديث عن تطبيق القرار 1701 ما دامت الحرب مشتعلة في غزة، وأن ما يصدر عن دعوة لبنان لتنفيذه يأتي في سياق منع انزلاقه نحو الحرب، باعتبار أن تطبيقه يُسقط أي ذريعة لإسرائيل يمكن أن تستخدمها لتوسعة الحرب.

وعليه فإن منطقة جنوب الليطاني ستبقى على حالها ولم تشهد أي تبدُّل يجعل منها منطقة منزوعة السلاح، وتخضع بلا شريك غير شرعي لسيطرة الجيش اللبناني بمؤازرة «يونيفيل»، وبالتالي لم يَحن أوان تطبيق القرار في ظل بقاء «حزب الله» على سلاحه في هذه المنطقة لتوفير مساندة لـ«حماس» في حربها، مع أن هذه المنطقة لم يسبق لها أن خضعت بالكامل لسيادة الدولة.

وعلى صعيد آخر لم تستبعد المصادر أن يتطرق لودريان لملء الشغور في قيادة الجيش في ضوء إصرار رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، على استبعاد تعيين خلف للعماد جوزف عون فور إحالته إلى التقاعد، وهو لا يزال يراهن على تأجيل تسريحه، وهذا ما سعى إليه في الساعات الماضية لدى الثنائي الشيعي من دون أن يتوصل معه إلى اتفاق بسبب تريث «حزب الله» بعدم حسم موقفه بذريعة أن الوقت لم يَفُتْ بعد، ما أدى إلى استبعاد طرح تأجيل التسريح من خارج جدول الأعمال في جلسة مجلس الوزراء المقررة يوم الأربعاء.



عباس يطالب واشنطن بموقف «حازم» من الإجراءات الإسرائيلية في الضفة

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
TT

عباس يطالب واشنطن بموقف «حازم» من الإجراءات الإسرائيلية في الضفة

الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)
الرئيس الفلسطيني محمود عباس (د.ب.أ)

دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الأربعاء، الولايات المتحدة والمجتمع الدولي إلى «موقف حازم» بعد أن وافق المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي على إجراءات تهدف إلى تعزيز سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية المحتلة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في قمة شرم الشيخ لإنهاء حرب غزة بمصر 13 أكتوبر 2025 (رويترز)

وقال عباس خلال زيارة لأوسلو إنه بحث مع رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستور في هذا القرار، وفي عنف المستوطنين الإسرائيليين وحجب إسرائيل أربعة مليارات دولار من المساعدات المخصصة للشعب الفلسطيني.

وقال في مؤتمر صحافي إن «هذه الانتهاكات الجسيمة تستدعي رداً حازماً من الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي؛ لأنها تعرقل جهود الرئيس ترمب وتشكل انتهاكاً للقانون الدولي».


تداخل عسكري وتوازن هش يحكمان سنجار شمال العراق

دورية عسكرية عراقية على الحدود مع سوريا في منطقة سنجار (أ.ف.ب)
دورية عسكرية عراقية على الحدود مع سوريا في منطقة سنجار (أ.ف.ب)
TT

تداخل عسكري وتوازن هش يحكمان سنجار شمال العراق

دورية عسكرية عراقية على الحدود مع سوريا في منطقة سنجار (أ.ف.ب)
دورية عسكرية عراقية على الحدود مع سوريا في منطقة سنجار (أ.ف.ب)

كشفت مصادر أمنية عراقية لـ«الشرق الأوسط» خريطة القوى العسكرية والأمنية التي تمسك فعلياً الأرض في قضاء سنجار شمال العراق، في وقت تصاعدت فيه التهديدات التركية بتنفيذ عملية عسكرية محدودة تستهدف ما تبقى من وجود لحزب «العمال الكردستاني» في المنطقة.

ووفقاً للمصادر، تتوزع السيطرة داخل مركز القضاء بين الشرطة المحلية التي تتولى إدارة الملف الأمني اليومي، مدعومة بانتشار للجيش الاتحادي في محيط المدينة، وعلى الطرق الرابطة مع باقي مناطق محافظة نينوى.

كما توجد تشكيلات من «الحشد الشعبي» في بعض النقاط، إلى جانب قوات تابعة لـ«الحزب الديمقراطي الكردستاني» في أطراف القضاء.

وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد أشار إلى احتمال تنفيذ عملية وصفها بـ«البسيطة» تتضمن تقدماً برياً لقوات «الحشد الشعبي»، وإسناداً جوياً تركياً خلال يومين، أو ثلاثة.

حرس الحدود العراقي يقوم بدورية على طول الحدود مع سوريا في سنجار شمال البلاد (أ.ب)

بقايا «العمال»

وتتحدث المصادر العراقية عن وجود لـ«وحدات مقاومة سنجار» المعروفة اختصاراً بـ(اليبشه)، التي تضم نحو 2600 مقاتل من أبناء المكون الإيزيدي، وتتمركز في جبال وكهوف سنجار، وتحظى بنفوذ ملحوظ لارتباطها بحزب «العمال الكردستاني»، رغم إعلان الأخير حل نفسه في مايو (أيار) 2025.

وبشأن ما يتردد عن إمكانية وصول بعض عناصر قوات «قسد» بعد خسارتهم لمناطق نفوذهم في سوريا، تشير المصادر إلى «عدم إمكانية عبور تلك العناصر إلى قضاء سنجار، بالنظر للوجود الأمني، والعسكري العراقي المكثف على الحدود، والسياج المحكم، والعازل بين العراق وسوريا في تلك المناطق».

لكن المصادر أوضحت أن «التداخل بين القوى المختلفة يخلق حالة توازن هش، وصراع نفوذ غير معلن، ينعكس شعوراً بعدم الاستقرار لدى السكان».

وبحسب المصادر، فإن اتفاق سنجار الموقع بين بغداد وأربيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، برعاية الأمم المتحدة، والهادف إلى تطبيع الأوضاع الإدارية، والعسكرية، وإخراج الجماعات المسلحة، لم يُنفذ بالكامل.

ورغم تخصيص 50 مليار دينار لإعادة الإعمار في 2024، ما زال نحو نصف السكان في مخيمات النزوح بإقليم كردستان، فيما تبقى الخدمات دون المستوى المطلوب.

وكيل الخارجية العراقية محمد بحر العلوم مستقبلاً السفير التركي في بغداد (إعلام الخارجية)

«شأن عراقي»

وكان وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، لوح بإمكانية تنفيذ عملية عسكرية محدودة في سنجار. وردت بغداد برفض التصريحات، واستدعت السفير التركي، مؤكدة أن ملف سنجار شأن وطني خالص يُدار وفق الآليات العراقية.

وأعرب وكيل وزارة الخارجية العراقية، محمد حسين بحر العلوم، عن «استياء العراق من التصريحات المتداولة في وسائل الإعلام، وأنها تمثل إساءة إلى العلاقات الودية بين العراق وتركيا، وتُعد تدخلاً في الشأن الداخلي العراقي، وتجاوزاً للأعراف الدبلوماسية».

وأكد أن «العراق دولة مؤسسات ذات نظام سياسي ديمقراطي دستوري، ولا يمكن مقارنته بدول أخرى لها أنظمة سياسية مختلفة».

وشدد بحر العلوم على أن «ملف سنجار وسائر المناطق العراقية هو شأن وطني خالص، ويجري التعامل معه وفق الأولويات، والآليات الوطنية، ونرفض أي تدخل خارجي لفرض حلول، أو لاستخدام هذا الملف للتأثير سياسياً، أو عسكرياً».

ونقل بيان الخارجية العراقية عن السفير التركي أنيل بورا إينان قوله إن «تصريحات وزير الخارجية فُهمت على نحو غير دقيق نتيجة ترجمة غير صحيحة».

وأشار إلى أن «حديث الوزير كان يتعلق بعناصر حزب (العمال الكردستاني) الموجودين في العراق، ولا علاقة له بالشأن العراقي الداخلي، أو بالمواطنين العراقيين».


أب في غزة يبحث عن رفات عائلته بين أنقاض منزلهم

تظهر شظايا العظام أمام الكاميرا خلال عملية بحث عن رفات نعمة حماد التي لا تزال مدفونة تحت أنقاض منزلها الذي دمرته غارة جوية إسرائيلية في ديسمبر 2023 في مدينة غزة (أ.ب)
تظهر شظايا العظام أمام الكاميرا خلال عملية بحث عن رفات نعمة حماد التي لا تزال مدفونة تحت أنقاض منزلها الذي دمرته غارة جوية إسرائيلية في ديسمبر 2023 في مدينة غزة (أ.ب)
TT

أب في غزة يبحث عن رفات عائلته بين أنقاض منزلهم

تظهر شظايا العظام أمام الكاميرا خلال عملية بحث عن رفات نعمة حماد التي لا تزال مدفونة تحت أنقاض منزلها الذي دمرته غارة جوية إسرائيلية في ديسمبر 2023 في مدينة غزة (أ.ب)
تظهر شظايا العظام أمام الكاميرا خلال عملية بحث عن رفات نعمة حماد التي لا تزال مدفونة تحت أنقاض منزلها الذي دمرته غارة جوية إسرائيلية في ديسمبر 2023 في مدينة غزة (أ.ب)

يجلس محمود حماد وسط كومة الأنقاض التي كانت يوماً منزله في غزة، يغرف التراب بمنخل كبير ويهزّه قبل أن يفحص ما تبقّى فيه بعناية ثم يفرغه. في الأيام الأخيرة، ابتسم له الحظ قليلاً، إذ ظهرت عظام صغيرة يعتقد أنها تعود لأفراد من أسرته التي لا يزال يبحث عنها.

ويعتقد حماد أن هذه العظام تعود للجنين الذي كانت زوجته الحامل تحمله عندما استهدفت غارة جوية إسرائيلية مبنى العائلة قبل أكثر من عامين، ما أسفر عن مقتل زوجته وأطفاله الخمسة. وأضاف حماد الشظايا إلى صندوق العظام الذي جمع محتوياته على مدار أشهر من الحفر المتواصل في الأنقاض بمفرده، مستخدماً المعاول والمجارف ويديه. وقال لوكالة «أسوشييتد برس»: «لن أجدها كلها».

ولا يزال نحو 8 آلاف شخص مدفونين تحت أنقاض منازلهم التي دمرها القصف الإسرائيلي على غزة، وفقاً لوزارة الصحة في غزة. وفي ظل استمرار الغارات الجوية والاعتداءات البرية، كان انتشال معظمهم أمراً مستحيلاً. لكن منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول)، تزايدت الجهود المبذولة لانتشالهم، رغم ما يعوقها من نقص في المعدات الثقيلة.

«لقد استشهدوا، ونجوت أنا»

نحو الساعة 11:30 صباحاً من يوم 6 ديسمبر (كانون الأول) 2023، استهدفت غارة إسرائيلية مبنى مكوناً من 6 طوابق؛ حيث كانت تعيش عائلات حماد وشقيقه في حي صبرا بمدينة غزة.

محمود حماد يبحث عن رفات أقاربه الذين ما زالوا مدفونين تحت أنقاض منزلهم الذي دمره قصف جوي إسرائيلي في ديسمبر 2023 بمدينة غزة (أ.ب)

وخرج حماد (39 عاماً) من شقته ليصعد إلى الطابق العلوي، فيما كانت زوجته نعمة حماد، الحامل في شهرها التاسع، وأطفالهما الخمسة الذين تتراوح أعمارهم بين 8 و16 عاماً، ينهون تناول طعام إفطارهم.

وفي الأيام التي سبقت الغارة، أسقط الجيش الإسرائيلي منشورات فوق المنطقة تطالب السكان بالمغادرة والتوجه إلى النصف الجنوبي من القطاع، لكن محمود حماد رفض الرحيل.

ولفترة من الوقت، ذهبت نعمة حماد والأطفال إلى منزل والديها في حي جباليا المجاور، في حين بقي زوجها في المنطقة، لكن نعمة أرادت العودة، فحاول زوجها ثنيها عن ذلك، وسط القصف الإسرائيلي المستمر. لكن في 5 ديسمبر، وجد زوجته وأطفاله على بابه، وقال إن زوجته قالت له: «إما أن نعيش معاً وإما نستشهد معاً»، وتابع: «لقد استشهدوا، ونجوت». كما قُتل شقيقه وزوجة شقيقه وأبناؤهما الأربعة.

نُقل محمود حماد إلى عيادة قريبة مصاباً بجروح متعددة، بما في ذلك كسور في الصدر والحوض والركبة ونزيف داخلي في الصدر. وبعد الغارة، تمكَّن الجيران من انتشال جثة ابنه الأكبر إسماعيل، وجثة اثنين من أبناء أخيه، وظل الباقون تحت الأنقاض.

وبعد تعافيه من جراحه، عاد حماد إلى أنقاض منزله وأقام مأوى مؤقتاً بالقرب منها. وقال: «بقيت معهم، زوجتي وأولادي، بين الأنقاض. كنت أتحدث إليهم كل يوم، وكانت رائحتهم عالقة، وشعرت برابطة عميقة معهم».

بحث مضنٍ عن الجثامين

وبدأ البحث عن جثثهم. طلب ​​في البداية المساعدة من الدفاع المدني في غزة، لكن فرق الإنقاذ لم تصل، إما بسبب خطورة الوضع وسط القصف الإسرائيلي المكثف، وإما لعدم امتلاكهم المعدات والآليات اللازمة لإزالة الأنقاض. لذا بدأ الحفر بنفسه. بدأ بالأسقف والجدران المنهارة، يكسرها إلى حجارة صغيرة ويضعها في أكياس. أكوام من عشرات الأكياس تُحيط بالموقع الآن كالجدار.

يساعد أحد أقارب محمود حماد في البحث عن رفات زوجته نعمة حماد التي لا تزال مدفونة تحت أنقاض منزلهما الذي دمره قصف جوي إسرائيلي في ديسمبر 2023 بمدينة غزة (أ.ب)

وفي مارس (آذار) 2024، عثر على رفات اعتقد أنها تعود لأفراد عائلته. وقال: «كانت هناك عظام بسيطة مغطاة باللحم... بعضها أكلته الحيوانات».

في أواخر عام 2024، حفر حتى وصل إلى شقة أخيه، التي كانت في الطابق الثالث؛ حيث عثر على جثتي أخيه وزوجة أخيه. دفنهما في مقبرة مؤقتة أنشأها سكان المنطقة خلال الحرب لحفظ موتاهم ريثما يتم نقلهم إلى مقبرة لائقة.

«الوجبة الأخيرة»

ومنذ أكتوبر، استأنف حماد الحفر إلى عمق 9 أمتار (30 قدماً). وأخيراً، وصل إلى شقته التي كانت في الطابق الأرضي. يركز الآن على إزالة الأنقاض من الجهة الشرقية، لأنه يعلم أن زوجته كانت هناك في لحظاتها الأخيرة. وقال: «كانا يتناولان مهلبية الأرز في غرفة المعيشة».

وبينما كان ينخل التراب بمنخله، عثر على شظايا عظام صغيرة. وشارك صور العظام عبر تطبيق «واتساب» مع طبيب قال إن الشظايا، التي تضمنت عظم فك، تبدو أنها لطفلة رضيعة. ويعتقد حماد أنها رفات الطفلة التي كانوا ينتظرونها. كانوا يخططون لتسميتها حيفا، تيمناً بإحدى شقيقات زوجته التي قُتلت في غارة إسرائيلية قبل أسابيع قليلة من قصف منزلهم. وقال: «كانت جميع ملابس الطفلة وسريرها وغرفتها جاهزة، وكان الجميع في المنزل ينتظرون قدومها». وأعاد اكتشاف شظايا العظام إلى حماد الأمل. وقال إنه بمجرد جمع ما يكفي من الرفات، سيدفنها دفناً لائقاً.

700 جثة منذ وقف إطلاق النار

وصرح زاهر الوحيدي، رئيس قسم السجلات بوزارة الصحة، لوكالة «أسوشييتد برس»، بأنه تم انتشال أكثر من 700 جثة من تحت المباني منذ بدء وقف إطلاق النار، وذلك بعد انتشال 61 مليون طن من الأنقاض.

وتجاوز ضحايا الحرب حتى الآن 72 ألف قتيل، وفقاً لمصادر رسمية في غزة. وأدّى القصف الإسرائيلي إلى تدمير أو إلحاق أضرار بـ81 في المائة من مباني القطاع البالغ عددها 250 ألف مبنى، بما في ذلك مدارس ومستشفيات ومنازل خاصة، وفقاً لوحدة تحليل صور الأقمار الاصطناعية التابعة للأمم المتحدة.

أنقاض مهولة

وخلّفت هذه الكارثة غزة واحدة من أكثر المناطق تضرراً على وجه الأرض؛ حيث بلغ حجم الأنقاض 61 مليون طن، أي ما يعادل حجم 15 هرماً من أهرامات الجيزة، أو 25 برجاً من أبراج إيفل، وفقاً للأمم المتحدة. وقد زاد من صعوبة عمليات إزالة الأنقاض نقص الجرافات والمعدات الثقيلة التي غالباً ما تمنعها إسرائيل من دخول غزة.

ولا تزال عمليات الإنقاذ مستحيلة في أكثر من 50 في المائة من قطاع غزة الخاضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية؛ حيث يواصل الجيش الإسرائيلي تفجير المباني وهدمها بشكل ممنهج، ما يقلل من فرص العثور على جثث مفقودة داخلها.