«الجنرال ثلج» يجتاح روسيا وأوكرانيا... عاصفة في موسكو وإعصار يهاجم القرم 

اتهامات لكييف باستخدام مكونات كيماوية ضد السلطات الانفصالية 

الثلوج تغمر الساحة الحمراء وسط موسكو (إ.ب.أ)
الثلوج تغمر الساحة الحمراء وسط موسكو (إ.ب.أ)
TT

«الجنرال ثلج» يجتاح روسيا وأوكرانيا... عاصفة في موسكو وإعصار يهاجم القرم 

الثلوج تغمر الساحة الحمراء وسط موسكو (إ.ب.أ)
الثلوج تغمر الساحة الحمراء وسط موسكو (إ.ب.أ)

لم تعد أخبار المعارك على الجبهات، وتداعيات العقوبات الغربية والمخاوف من هجمات الطائرات المسيّرة وحدها تشغل بال الروس في هذه الأيام، فقد دخل على الخط «الجنرال ثلج» الذي طالما كان على مدى منعطفات تاريخية حليفاً لروسيا في معاركها المصيرية، لكنه تحول في هذه المرة إلى خصم قاسٍ هاجم بقوة، في أسوأ عاصفة تضرب المدن الروسية منذ 40 عاماً، ما تسبب في شلل للمرافق العامة وحركة المطارات. وفي شبه جزيرة القرم ومناطق داخل العمق الأوكراني تحولت المواجهات إلى شكل جديد مع اجتياح شواطئ المنطقة إعصار وصف بأنه «الأقوى في تاريخ عمليات الرصد».

وكانت التحضيرات للشتاء تقتصر حتى قبل يومين، على تأمين موارد الطاقة اللازمة، وتحصين الجبهات تخوفاً من عمليات عسكرية تسعى على طرفي خطوط التماس إلى تحقيق اختراقات قبل اكتساح الثلوج، لكن الإعصار القوي الذي ضرب منطقة القرم ومناطق أخرى في محيطها بدل الأولويات. وقال رومان فيلفاند، المدير العلمي لمركز الأرصاد الجوية الهيدرولوجية، لوكالة أنباء «نوفوستي» الروسية الرسمية، إن «أقوى عاصفة في تاريخ رصد الأرصاد الجوية ضربت شبه جزيرة القرم».

إعصار غير مسبوق يضرب سواحل روسيا وأوكرانيا على البحر الأسود (أ.ف.ب)

فيضانات وعمليات إجلاء

وتسبب الإعصار القوي الذي امتدت تأثيراته لتشمل كل مناطق شبه الجزيرة والسواحل المحيطة بها، بفيضانات في المدن الساحلية وبروز ظواهر غريبة على بعض سواحل المنطقة. وقالت مراكز الأرصاد الجوية المحلية في المنطقة إن رياح الإعصار التي بدأت بالهبوب الأحد وصلت سرعتها إلى 40 متراً في الثانية في بعض المدن الساحلية، وتسببت بظهور أمواج قوية في البحر وصل ارتفاعها إلى 8 أمتار، وتسببت هذه الأمواج بخروج المياه من البحر لتغمر شوارع المدن. ووفقاً لرئيسة إدارة مجلس مدينة يفباتوريا، يلينا ديميدوفا فإن «سوء الأحوال الجوية تسبب بغمر الشوارع وبعض المنازل في المناطق الساحلية بالمياه». وزادت أن رجال الإنقاذ أجلوا عشرات العوائل من المناطق المنكوبة في المدينة، وأعلنت المراكز المختصة عن استعدادها لاستقبال نازحين، بينما لم تساعد الأحوال الجوية على الوصول إلى بعض المناطق المتضررة. ومع تصاعد حدة الإعصار ليلاً غمرت المياه بعض مناطق الطريق السريعة المؤدية إلى مدينة سيمفيروبل، ما تسبب في شلل كامل في حركة السير على الطريق الرئيسية التي تربط مدن شبه الجزيرة.

وفي محيط منطقة خيرسون تسبب الإعصار بظهور أكبر انحسار لمياه البحر منذ 60 عاماً في مدينة غينيتشيسك، وفي بعض سواحل المدينة تراجعت المياه إلى مسافة تزيد على 100 متر عن الخط الساحلي المعتاد. ومع هذه الظاهرة غير الاعتيادية ظهرت سواحل المدينة مغطاة بالطحالب والأصداف وقناديل البحر، وتهافت بعض السكان لمشاهدة مناطق لم تظهر لهم من قبل. وتسبب الإعصار في قطع إمدادات الكهرباء عن بعض مناطق المدينة، وقالت السلطات المحلية إنها «تكافح لإصلاح الأعطال». وأعادت العاصفة الحالية إلى الأذهان حدثاً مماثلاً وقع في عام 1854. ومن مقالب التاريخ أنه ضرب شبه جزيرة القرم في أوج معركة حامية الوطيس خلال حرب القرم التي واجهت فيها روسيا تحالفاً ضم إنجلترا وتركيا وفرنسا وسردينيا، لكن المفارقة أن تلك العاصفة انحازت إلى جانب الروس في مواجهة الحلفاء الذين تعرضت أساطيلهم في حينها لأضرار جسيمة، وتسببت في غرق أكثر من 30 سفينة قبالة الساحل.

تجمد الحركة في نهر موسكو قرب الكرملين (إ.ب.أ)

وقالت مصادر روسية إن الإعصار القادم من البحر الأبيض المتوسط تسبب في سقوط الأشجار في المنطقة، ودمّر جزئياً خطوط أنابيب الغاز. وأعلنت السلطات تشكيل غرفة عمليات في القرم، وبدأت محاولات لإجلاء السكان . وحتى عصر الاثنين كانت التقديرات تشير إلى أن نحو 400 ألف نسمة غدوا من دون كهرباء في شبه جزيرة القرم. وأُعلنت حالة الطوارئ في بلديات عدة. ولم تقتصر آثار الطقس السيئ على البشر، وأفاد حاكم سيفاستوبول ميخائيل رازفوزاييف، بأن المياه غمرت قاعات متحف الأحياء المائية المحلي، وتسببت في نفوق أكثر من 500 حيوان بحري. ومن بينها 11 سمكة رمح مدرعة عاشت في الحوض لمدة 20 عاماً، بالإضافة إلى أسماك الضاري المفترسة الكبيرة التي أمضت هناك 15 عاماً.

وفي موسكو لم تكن الأحوال الجوية في الليلة الفائتة، أقل تأثيراً في هجوم الثلج القاسي، وأفاد الخبير في مركز الأرصاد الجوية الروسي «فوبوس» يفغيني تيشكوفيتس، بأن موسكو شهدت، مساء الأحد «عاصفة ثلجية سوداء» ترافقت مع هطولات غزيرة للأمطار، ووصلت سرعة الرياح حتى 17 متراً في الثانية. ووفقاً لتقديرات المركز فقد هطلت الثلوج بمعدلات غير مسبوقة خلال ليلة الاثنين، لتبلغ ما يعادل نصف المعدل الشهري في مثل هذه الأوقات من السنة. وتسببت العاصفة الثلجية في شل عدد كبير من المرافق، خصوصاً حركة الطيران في موسكو والمدن المحيطة بها. وأفادت خدمة «يانكس راسبيساني» الإلكترونية الروسية بأنه جرى صباح الاثنين تأجيل 35 رحلة جوية في مطارات العاصمة الكبرى «فنوكوفو» و«دوموديدوفو» و«شيريميتيفو»، أما أطراف موسكو فقد شهدت معدلات غير مسبوقة في تساقط الثلوج، مع محافظة درجات الحرارة على معدل 3 تحت الصفر. ورجح خبراء أن يكون يوم الاثنين هو الأصعب في جنوب روسيا، مع استمرار الطقس السيئ مع هطول الأمطار والرياح القوية، وفقاً لتقديرات أن تستمر تأثيرات العاصفة حتى الأربعاء.

وقال رئيس مركز الأرصاد الجوية الهيدرولوجية: «حتى يوم الأربعاء، لا يزال الوضع مضطرباً للغاية، وستزيد سرعة الرياح على ساحل البحر الأسود إلى 26 متراً في الثانية، وفي شبه جزيرة القرم ستكون 25 متراً في الثانية». وقال حاكم ضواحي موسكو أندريه فوروبيوف إن تساقط الثلوج عُدَّ الأكثف خلال الأربعين عاماً الماضية. كما ذكر إيفجيني تيشكوفيتس، الخبير الرئيسي في مركز «فوبوس» للطقس، على قناته على «تلغرام»، أن ارتفاع الثلوج زاد على 25 سنتيمتراً في بعض المناطق وهو معدل يصل إليه تساقط الثلوج عادة في شهر يناير (كانون الثاني).

مكونات كيماوية

على صعيد آخر، اتهمت موسكو الجانب الأوكراني باستخدام مكوّنات كيماوية ضد مسؤولين في المناطق الانفصالية التي ضمتها موسكو من جانب واحد.

وقال رئيس الوفد الروسي، نائب وزير الصناعة والتجارة كيريل ليسوغورسكي، في جلسة في منظمة حظر الأسلحة الكيماوية إن «الأجهزة الخاصة الأوكرانية استخدمت مواد كيماوية سامة ضد سلطات المناطق الروسية الجديدة». وأضاف: «لدينا معلومات عن استخدام مواد كيماوية سامة ومؤثرات عقلية من قبل عملاء استخبارات نظام كييف ضد قيادة الكيانات الجديدة التي أصبحت جزءاً من روسيا».

وكان سكرتير مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف، قد حذر قبل أيام، خلال اجتماع أمني في المنطقة الفيدرالية الوسطى، من أن «احتمال قيام كييف بارتكاب أعمال تخريبية باستخدام الأسلحة البيولوجية والمكونات المحظورة الأخرى يزداد».

ووفق ليسوغورسكي، فإن موسكو «لديها أيضاً أدلة على مشاركة الولايات المتحدة وحلفائها في توريد مواد كيماوية إلى أوكرانيا». وأشار إلى أن هذه المواد تُنْقل إلى القوات المسلحة الأوكرانية ومجموعات «المرتزقة الأجانب» الذين يقاتلون إلى جانب كييف. وكانت موسكو قد نقلت إلى منظمة حظر الأسلحة الكيماوية الشهر الماضي، ما قالت إنه «أدلة تثبت أن الجيش الأوكراني استخدم مواد محظورة في منطقة العمليات الخاصة».


مقالات ذات صلة

العاصفة «أوستن» تتسبب بانقطاع الكهرباء عن أكثر من 288 ألف منزل في فرنسا

أوروبا موجات عالية تتكسر على منارة فار دو مول خلال العاصفة أوستن في سان مالو - غرب فرنسا (أ.ف.ب)

العاصفة «أوستن» تتسبب بانقطاع الكهرباء عن أكثر من 288 ألف منزل في فرنسا

تضرب العاصفة «أوستن»، وهي أول عاصفة خريفية لهذا العام، شمال غربي فرنسا وصولاً إلى منطقة باريس، ما دفع السلطات لإعلان حال التأهب البرتقالي في 23 مقاطعة.

«الشرق الأوسط» (رين)
أميركا اللاتينية الأمواج تضرب الشاطئ بينما لا يزال الإعصار «سيمون» نشطاً قبالة ساحل المكسيك (رويترز)

5 قتلى في المكسيك عقب العاصفة «راشيل» والإعصار «سيمون»

أسفرت العاصفة المدارية «راشيل» عن مقتل 4 أشخاص أثناء مرورها في شمال غرب المكسيك، الاثنين، بعدما كان الإعصار «سيمون» تسبب بمقتل شخص.

«الشرق الأوسط» (تيخوانا (المكسيك))
المشرق العربي العاصفة الغبارية في دير الزور (سانا)

271 حالة اختناق في دير الزور جراء عاصفة غبارية تضرب شرق سوريا

تسببت العاصفة الغبارية التي ضربت، الاثنين، مناطق شرق سوريا، في أكثر من 271 حالة اختناق بمحافظة دير الزور وفق قناة الإخبارية السورية الرسمية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
الولايات المتحدة​ كيرت براون يلتقط الحطام الذي تركته العاصفة «إسياس» حول منزله في ميلتون بولاية فلوريدا (أ.ب)

العاصفة «إساياس» تودي بحياة 4 أشخاص في جنوب الولايات المتحدة

أودت العاصفة «إساياس» بـ4 أشخاص على الأقل عقب مرورها بجنوب الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ طائرات تظهر على أرض المطار بعد توقف حركة الطيران في مطار نيوآرك الدولي بولاية نيوجيرسي الأميركية عام 2025 (رويترز)

رحلات جوية ملغاة... الآلاف بلا كهرباء ومياه تغمر الطرق في نيوجيرسي الأميركية

انقطعت الكهرباء عن الآلاف على الساحل الشرقي للولايات المتحدة مساء أمس (الجمعة)، بينما غمرت المياه الطرق في بعض المناطق الساحلية بنيوجيرسي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
TT

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)

لم تعد الأزمة الفرنسية موجة احتجاجات اجتماعية عابرة، أو تعثّراً اقتصادياً يمكن احتواؤه بإجراءات عاجلة؛ فالتطورات المتلاحقة تكشف أزمة متعددة الأوجه، يتقاطع فيها ضعف المالية العامة مع تصاعد الغضب الشعبي، وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وبينما تستعد فرنسا لاستحقاق رئاسي حاسم في ربيع 2027، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة، ولمكانة البلاد داخل الاتحاد الأوروبي وفي العالم.

زائرون ينتظرون خارج متحف اللوفر في باريس الذي أغلقه محتجون (إ.ب.أ)

في شوارع مدن وبلدات عديدة، تتعدد مظاهر الاحتقان؛ فقد شهدت البلاد احتجاجات صاخبة على تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص المدرّسين، وانضم موظفون وعاملون في القطاع العام إلى التحركات اعتراضاً على تجميد الأجور. وقبل ذلك، أغلق صيادون موانئ ومحطات للوقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل. ولم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، أسفرت عن أضرار مادية كبيرة ومئات الإصابات والتوقيفات، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة.

واكتملت الصورة بعودة «السترات الصفر» إلى الساحة، بعد «استراحة» استمرت سنوات، علماً بأن أحداً لا يعلم أين كان هؤلاء الذين عرقلوا الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون، ومن هم قادتهم... والمهم أن «تحالف الشارع» في وجه السلطة صار مكتمل الأركان وعلى أتمّ الاستعداد لمواصلة «المعركة».

محتجون مقنعون قرب دراجات تحترق في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

ووسط فسيفساء المطالب، تجمع التحركات أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الثقة بالخدمات العامة، والشعور بأن النموذج الاجتماعي الفرنسي لم يعد قادراً على توفير الوعود التي ارتبطت به لعقود؛ فالدولة التي اعتاد مواطنوها الاستفادة من شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية، تواجه اليوم سؤالاً صعباً: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكتسبات في ظل ارتفاع تكلفة تمويلها وتزايد أعباء الدين؟

* الدَّين يضيّق هامش المناورة

لا شك في أن المالية العامة تحتل موقعاً مركزياً في الأزمة؛ فقد اقترب الدين العام الفرنسي (4 تريليونات دولار) من 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.55 تريليونات دولار)، فيما يتباطأ الاقتصاد إلى مستويات نمو تدور حول 0.4 إلى 0.5 في المائة لعام 2026. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يتجاوز العجز العام 5 في المائة من الناتج المحلي، الأمر الذي يعقّد مهمة الحكومة في إعادة التوازن إلى الحسابات العامة.

وتزداد المشكلة خطورة مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح خدمة الدين أكثر تكلفة، وتُضطر الدولة إلى تخصيص موارد متزايدة لسداد التزاماتها بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار والخدمات. وتشير التقديرات الواردة إلى أن فرنسا ستحتاج إلى إصدار ما قيمته 340 مليار يورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل خلال العام المقبل، في وقت يتراجع فيه إقبال المستثمرين على شرائها في ظل المخاطر المالية والسياسية.

مبنى بلدية مدينة ليموج الذي أحرق جزءاً منه مشاغبون (أ.ف.ب)

لكن ذلك لا يعني أن فرنسا تتجه حتماً إلى أزمة شبيهة بما شهدته اليونان (2009 - 2010)، أو إلى انهيار مفاجئ في ثقة الأسواق؛ فحجم الاقتصاد الفرنسي ومكانته داخل الاتحاد الأوروبي يمنحان باريس ثقلاً مختلفاً. لكن هذا الثقل نفسه يجعل الأزمة أكثر أهمية: فأي تدهور حاد في قدرة باريس على إدارة دينها الثقيل، قد ينعكس على الاستقرار المالي الأوروبي برمته.

* أربعون عاماً من التأجيل

الواقع أنه لا يمكن تفسير الوضع الراهن بقرار حكومي واحد، أو تحميل رئيس معيّن المسؤولية الكاملة عنه؛ فقد تراكمت الاختلالات المالية على مدى عقود، وتعاقبت حكومات من اليمين واليسار من دون أن تنجح في وقف الزيادة الهيكلية للدين. ويعود أحد التحولات المهمة إلى عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في ثمانينات القرن الماضي، حين توسعت السياسات الاجتماعية والإنفاق العام، وأدّت إصلاحات مثل خفض سن التقاعد إلى الستين وتقليص ساعات العمل وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، إلى زيادة الأعباء على المالية العامة.

غير أن اختزال الأزمة فيما حصل في تلك المرحلة سيكون تبسيطاً مضللاً؛ فالحكومات اللاحقة، من عهد جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، لم تتمكن بدورها من عكس مسار الدين، ويُعزى ذلك في المقام الاول إلى التخوف من رد فعل الجمهور على سلبه قسطاً من الرفاه. كما أسهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، في زيادة الضغوط على الموازنات العامة.

الرئيس المأزوم إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

والحقيقة أن النموذج الاجتماعي الفرنسي «الفضفاض» أصبح موضوع مواجهة سياسية متكررة؛ فكل محاولة لإصلاح التقاعد أو التأمين ضد البطالة أو الإنفاق العام، تصطدم بمقاومة شعبية عنيدة، فيما يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى تضييق الخيارات المتاحة مستقبلاً. وهكذا تجد الدولة نفسها بين حاجتها إلى ضبط الإنفاق وخشيتها من تفجير احتجاجات جديدة.

* شلل سياسي وصعود اليمين المتطرف

لم يكن مفاجئاً في خضمّ الورطة الاقتصادية أن تتلبد الغيوم السوداء في سماء السياسة. ومنذ حل الجمعية الوطنية عام 2024، لم يتمكن المشهد البرلماني من إنتاج أكثرية مستقرة، وتوزعت القوى بين 3 كتل كبيرة متعارضة يصعب عليها التوصل إلى تسويات دائمة. وأصبح تمرير مشروع الموازنة اختباراً متكرراً لقدرة الحكومة على الصمود، فيما تتراجع ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات.

وليس مفاجئاً أيضاً أن يستفيد اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني»، من هذا المناخ؛ فخطابه يربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان السيطرة على الأمن وأعباء الهجرة، ويقدم نفسه بديلاً قادراً على إعادة الانتظام إلى النظام. وفي المقابل، تستقطب حركة «فرنسا الأبية» اليسارية الراديكالية، بقيادة جان لوك ميلانشون، جزءاً من الغاضبين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وبين الطرفين، يتراجع الوسط السياسي الذي شكّل القاعدة السياسية والشعبية لماكرون، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تشتت الأصوات المعتدلة إلى تعزيز فرص المتنافسين الأكثر تطرفاً.

ويجب التنبّه إلى أن استمرار المواجهة بين القوى السياسية قد يعطل الإصلاحات الضرورية، ويطيل حالة عدم اليقين التي تؤثر في الاستثمار والاستهلاك وثقة الأسواق. كما أن ربط الاضطرابات حصراً بالهجرة، والاكتفاء بتشديد الإجراءات الأمنية، لا يعالجان حتماً الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية التي تؤجج نار الاحتقان.

محتجون بمواجهة الشرطة في باريس (أ.ب)

* الامتحان الانتخابي الصعب

تواجه فرنسا اليوم معادلة شديدة التعقيد: استعادة النظام من دون تجاهل أسباب الغضب، وضبط الدين من دون تقويض الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة السياسية قبل أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مواجهة «انتحارية» بين قوى متعارضة جذرياً.

فمن سينجح في اجتراح خطة واضحة توزع أعباء الإصلاح بصورة عادلة، وتحدد أولويات الإنفاق، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، بالتوازي مع استعادة القدرة على اتخاذ القرار داخل المؤسسات السياسية، لا سيما البرلمان؟

لقد وعد ماكرون، عند وصوله إلى السلطة عام 2017، بتقديم صورة متفائلة عن فرنسا قادرة على التجدد واستعادة موقعها الدولي. لكن تراجع شعبيته واتساع الإحساس بالتراجع يكشفان عمق الهوّة بين هذا الوعد والواقع. ومع ذلك جددت غالبية الفرنسيين الثقة به وأعادت انتخابه عام 2022.

ومع اقتراب انتخابات 2027، لن يكون التحدي محصوراً في تحديد هوية الرئيس المقبل؛ بل في تقرير ما إذا كانت فرنسا قادرة على إصلاح ماليتها العامة وتجديد عقدها الاجتماعي، أم إنها ستترك الأزمات المتراكمة تعيد تحديد هويتها السياسية.

جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب) تحدث فيها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن الاحتجاجات (إ.ب.أ)

ولنتذكّر أن فرنسا ليست مجرد اقتصاد كبير يواجه مشكلة ديون؛ بل إحدى ركائز المشروع الأوروبي. وأي إخفاق في احتواء أزمتها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها. أما نجاحها فلن يتحقق إلا بكسر حلقة التأجيل والانقسام، قبل أن يصبح ثمن الإصلاح أعلى من قدرة المجتمع والدولة على تحمّله.

فرنسا الأنوار والفكر والتقدّم تشعر بأنها ترهّلت، ويُدرك الفرنسيون أن نظامهم السياسي والاجتماعي لم يعد قابلاً للتطور ومواكبة الحياة العصرية... والأدهى أن الاقتصاد لم يعد قادراً على توليد ثروة كافية لاستعادة ما كان، خصوصاً أن «الوجود» في بلاد الغير انتهى أو يكاد...

الزمن يتغيّر!


فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)

استنفرت السلطات الفرنسية قواها الأمنية، واستعانت بالجيش، واتخذت سلسلة إجراءات قضائية وأمنية لمحاولة تجنب تكرار «السبت الأسود» اليوم، بالتزامن مع دعوات جديدة إلى التظاهر في باريس ومرسيليا وليون وغيرها من المدن الكبرى والصغرى.

وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز، أمس، عن خطة أمنية تقضي بنشر ما لا يقل عن 70 ألف رجل من الشرطة والدرك، بمؤازرة فرق وحدات النخبة التي لا تتدخل عادة للحفاظ على الأمن في الشوارع، ولا التصدي للمتظاهرين. كما ستتم الاستعانة بوحدات من الجيش التي سبق أن نُشرت في فترة الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في عامي 2015 و2016.

وبعد ساعات من إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون منع «المظاهرات في الأيام المقبلة»، سمحت مديرية الشرطة في باريس بمسيرة واحدة لنقابة «كونفدرالية العمل» القريبة من الحزب الشيوعي.

بينما منعت ترخيص مظاهرة طلبتها مجموعات من «السترات الصفراء» والطلاب. كما طال المنع مدينتي مرسيليا وليون والعديد من المدن الأخرى.


أوكرانيا وروسيا تعلنان التزام «هدنة ميلانيا ترمب» في أوليشكي

عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)
عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)
TT

أوكرانيا وروسيا تعلنان التزام «هدنة ميلانيا ترمب» في أوليشكي

عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)
عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)

أعلن الجيش الأوكراني، الجمعة، أنه سيلتزم ابتداءً من الثلاثاء، هدنة في مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون والخاضعة للاحتلال الروسي، بهدف ضمان تنفيذ عملية إنسانية فيها.

يأتي ذلك بعدما أعلن رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الروسي أن قواته ستلتزم هدنة محلية في أوكرانيا ابتداءً من الثلاثاء، للسماح بتنفيذ عمليات إنسانية في مدينة أوليشكي.

وكانت السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب صرحت في إعلان مفاجئ، الجمعة، بأنها نجحت في تأمين وقف محلي لإطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا في مدينة أوليشكي المنكوبة، حيث لا يزال السكان عالقين ويعانون من نقص في الغذاء.

وقالت هيئة الأركان العامة الأوكرانية، في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»: «بهدف تنفيذ عملية إنسانية في مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون والخاضعة لاحتلال مؤقت، ترسي أوكرانيا وقفاً لإطلاق النار في منطقة محددة، ابتداء من الساعة الثالثة فجر يوم 27 أكتوبر (تشرين الأول) بتوقيت كييف».

وفي منشور على المنصة الروسية «ماكس»، أكد الجنرال فاليري غيراسيموف رئيس هيئة الأركان العامة أن قواته ستلتزم هذه الهدنة «ابتداءً من الساعة 04:00 (01:00 بتوقيت غرينتش) في 27 أكتوبر 2026»، في إطار «العملية الإنسانية الجارية في محيط» مدينة أوليشكي.

وأشار إلى أن الهدنة ستُطبّق «في محور خيرسون»، من دون التطرق إلى تفاصيل إضافية عن نطاقها الجغرافي أو مدتها.

وأوضح أن قواته ستجري «استطلاعاً تقنياً» على الأرض لضمان إيصال المساعدات الإنسانية وسلامة المدنيين في هذه المنطقة الشديدة الخطورة على الجبهة.

ويواجه سكان أوليشكي نقصاً متزايداً في المواد الغذائية والأدوية. وتقر كل من أوكرانيا وروسيا بوجود أزمة إنسانية في المنطقة، لكنهما تتبادلان الاتهامات حول المسؤولية عن هذا الوضع، بحيث يتهم كل طرف الآخر بعرقلة إيصال الإمدادات الغذائية وتنفيذ عمليات الإجلاء.

وسيطرت القوات الروسية على مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون بجنوب أوكرانيا، عام 2022 في مستهل الغزو. وتعرضت المدينة لأضرار جسيمة من جراء تدمير سد كاكوفكا عام 2023، ما تسبب في فيضانات مدمرة على طول نهر دنيبر. وتتبادل موسكو وكييف الاتهامات بالمسؤولية عما حصل. وانخفض عدد سكان المدينة من نحو 24 ألف نسمة إلى نحو ألفي نسمة حالياً.