غزة... «لكل بداية نهاية ويجب أن تستمر الحياة»

الأهالي يستأنفون الحياة مؤقتاً ويستغلون كل دقيقة تهدئة لتخفيف ضغوط الحرب على أطفالهم

دمار هائل خلّفته الحرب على غزة في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة إلا أن الفلسطينيين عادوا مع بدء الهدنة (أ.ب)
دمار هائل خلّفته الحرب على غزة في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة إلا أن الفلسطينيين عادوا مع بدء الهدنة (أ.ب)
TT

غزة... «لكل بداية نهاية ويجب أن تستمر الحياة»

دمار هائل خلّفته الحرب على غزة في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة إلا أن الفلسطينيين عادوا مع بدء الهدنة (أ.ب)
دمار هائل خلّفته الحرب على غزة في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة إلا أن الفلسطينيين عادوا مع بدء الهدنة (أ.ب)

يستأنف الفلسطيني سليمان أبو لحية البالغ من العمر 64 عاماً عادته في تنظيف الشارع المؤدي إلى منزله ومنازل أبنائه وأشقائه في بلدة القرارة الحدودية بشمال خان يونس في قطاع غزة، قبل أن يتناول طعام الإفطار والشاي المعد على نار الحطب مع بعض أبنائه وأحفاده وأصدقائه، ليستعيد جزءاً من الأوضاع العادية قبل اندلاع الحرب.

بابتسامة عريضة وبصوت مرتفع، يدعو الرجل المارة من الأقارب وغيرهم إلى شرب الشاي من براد كبير اعتاد على إعداده كل صباح، ووسط دعواته ينثر كلمات التفاؤل والأمل بإمكانية استمرار التهدئة فترة أطول، بل وحتى إنهاء الحرب، ويقول: «لا تقلقوا الدنيا بخير، ولكل بداية نهاية».

يجتهد الرجل في استعادة تفاصيل الحياة اليومية، ولو مؤقتاً، بعد أكثر من شهر ونصف الشهر قضاها مع عائلته في مركز إيواء بغرب خان يونس، قبل عودته يوم الجمعة إلى مكان سكنه بعد الهدنة المؤقتة التي جرى التوصل إليها بين حركة «حماس» وإسرائيل، بينما يحث جيرانه على الاستفادة من أيام التهدئة القليلة في تدبير شؤون حياتهم، وعدم التفكير في ما مضى أو ما هو مقبل.

سكان يستغلون الهدنة للنزوح من مدينة غزة (رويترز)

يجب أن تستمر الحياة

ويقول أبو لحية: «يجب أن تستمر الحياة، وما دامت هناك فرصة لذلك لا بد من استثمارها بكل دقيقة وعدم إشغال أنفسنا بما هو خارج عن إرادتنا، ولو بدأ كل شخص بنفسه سنحول أيام التهدئة إلى أيام راحة من عذاب النزوح». وتساءل قائلاً: «أليس من المنطقي استثمار كل دقيقة في أيام التهدئة بدلاً من التشاؤم؟ لماذا نعذب أنفسنا بما لا نملكه من قرارات هي بيد آخرين في غزة والاحتلال؟ هل نقبل بموتنا ونحن ما زلنا نتنفس وعلى قيد الحياة؟».

يقاطعه جاره الخمسيني موسى فياض معترضاً على حديثه حول العودة إلى الحياة جزئياً على الرغم من كل الضحايا الذين يسقطون والدمار الهائل في كل مكان بقطاع غزة، فضلاً على فقدان أدنى مقومات الحياة، خصوصاً على صعيد الغذاء والدواء، معتبراً أن الحديث عن حياة عادية خلال التهدئة قفز على وقائع كارثية لا نهاية لها وتعبير غير حقيقي عن الواقع الأقرب إلى النكبة، على حد قوله.

مخلفات طبية متناثرة خارج قسم الطوارئ في المستشفى الإندونيسي في شمال قطاع غزة بعد مداهمة من القوات الإسرائيلية (أ.ف.ب)

التأقلم مع الواقع الجديد

يتواصل الجدل بين الرجلين اللذين يعبران عن وجهتي نظر متباينتين، على الرغم من أنهما يعيشان نفس الظروف البائسة ويتعرضان لذات النزوح والموت والقصف، لكن حديثهما لخص محاولات كثيرين في التأقلم مع الواقع الجديد والعيش مهما كانت الظروف واستئناف الحياة بأي ثمن خلال التهدئة، وعزوف آخرين عن ذلك باعتبار أن الموت ما زال قائماً، والأمر مجرد أيام قبل العودة إلى المشهد الدموي السابق.

ويقول فياض: «لم أستطع مغادرة مربع الحرب رغم التهدئة. صحيح أن الطائرات غادرت السماء والقصف توقف، لكن نجاتنا مؤقتة، وقد نفقد حياتنا أو عائلاتنا بعد أيام. هذا الشعور يتملك الكثيرين، ويجعلنا غير قادرين على الشعور بالارتياح، أن تتوقع موتك أو دمار منزلك بعد أيام، إحساس لا يمكن تخيله».

بيد أن هذه الصورة القاتمة لم تمنع غالبية أهالي قطاع غزة من الاستمتاع بهذه الأيام بكل الوسائل المتوافرة، ليس فقط بالعودة إلى المنازل والمناطق التي نزحوا منها والمبيت هناك، ولكن حتى باللعب مع أطفالهم في بقايا المتنزهات وحدائق ألعاب الأطفال المتوافرة، إضافة إلى ممارسة بعض الألعاب الرياضية، ومنها كرة القدم، في الشوارع والأزقة.

شوارع تحولت أنقاضاً في مدينة غزة (أ.ب)

«بدي ألعب وأنبسط»

على شاطئ دير البلح وسط قطاع غزة، ينشغل الآباء والأمهات في اللعب مع أطفالهم على بعض الألعاب القديمة، يحركون الأرجوحات لأعلى وأسفل بانتظام تارة، وينتقلون إلى لعبة أخرى لدفع الصغار للتزحلق إلى الأرض تارة أخرى، وعندما يزدحم المكان بالأطفال يضطرون إلى اللعب معهم على التراب ببعض الألعاب الشعبية التقليدية.

وعلى الرغم من الأعداد الكبيرة للأطفال وقلة الألعاب المتوافرة في الحديقة الصغيرة، لكن الطفلة ربا الخليلي ذات الأعوام التسعة لم تتوقف عن التنقل بين الألعاب لتحظى بأطول فترة ممكنة من اللعب، علها تطفئ ظمأها للهو الذي حُرمت منه طيلة 5 أسابيع من النزوح مع عائلتها في مركز إيواء.

تنطلق الطفلة، حالها حال كثيرين من أمثالها، والفرحة والابتسامة تعلو وجهها، وترفض حتى أخذ قليل من الراحة بين الألعاب وهي تقول لأمها بعفوية: «يا ماما إحنا في تهدئة بدي ألعب وأنبسط»، بعد إلحاح الأم عليها بالتوقف قليلاً، وإعطاء فرصة لغيرها من الأطفال الذين ينتظرون دورهم.

وتقول الطفلة: «التهدئة ستمر سريعاً، ولا أريد تضييع أي وقت منها دون لعب، لأن مدرسة الإيواء لا يوجد بها ألعاب، وهذه الحديقة طوال الحرب أنظر إليها، ولا أستطيع الوصول هناك»، مضيفة: «لا علاقة لنا بالحرب. نريد أن نلعب ونشعر بالسعادة ونستمتع بأيامنا دون قصف».

دمار مع بدء الهدنة في مدينة غزة (أ.ب)

تخفيف ضغوط الحرب

غير بعيد، تلتف عائلة الأربعيني محمد العايدي النازح من شمال غزة، حول مائدة طعام بسيطة على جانب هذه الحديقة بعد تأخير طويل، وهو يحاول جمع أطفاله ليتناول معهم الطعام، لكنهم يصرون على الاستمرار في اللعب، حتى أجبرهم على الجلوس للأكل ثم العودة مرة أخرى للعب.

يوضح العايدي، الذي دمر القصف الإسرائيلي منزله المبني حديثاً ووحدات سكنية لأهله وأشقائه، أن الأهالي يستغلون كل دقيقة في التهدئة لتفريغ ضغوط الحرب الهائلة عن أطفالهم، واصفاً الحياة في مراكز الإيواء بأنها قاتلة للكبار وأكثر فتكاً بالأوضاع النفسية للصغار، ما يجعل من الترفيه واللعب ضرورة لا تقل أهمية عن الدواء للمرضى، وفق تقديره.

ويقول: «التهدئة فرصة مواتية لنستعيد الحياة قليلاً، ونخفف من وطأة الحرب، رغم أننا لم نعد إلى مناطقنا في الشمال، لكن لا يمكننا الركون والقبول بالموت البطيء. التهدئة تخفف من أوجاع وصدمات ما عشناه خلال الأيام السابقة، وتمد الكبار والصغار بطاقة إيجابية لتحمل ما هو مقبل، وبالتالي القدرة على الاستمرار بالحياة رغم قساوتها الشديدة خلال الحرب».

نزوح من شمال غزة عبر شارع صلاح الدين في أول أيام الهدنة (أ.ب)

الخوف من انتهاء الهدنة

وبموازاة دعوته لتمديد أيام التهدئة والعمل فلسطينياً وعربياً ودولياً لتحقيق ذلك تجنباً لويلات الحرب التي تفتك بالمدنيين، وتدمر حياتهم قبل منازلهم وممتلكاتهم، فقد أعرب عن خشيته مما قد يحدث بعد انتهاء التهدئة، وهو الخوف الذي ينتاب كل أهالي غزة ويؤرقهم ليلاً ونهاراً، كونهم تجرعوا مرارة الحياة بطعم الموت، على حد قوله.

ويستعيد أهالي قطاع غزة حياتهم جزئياً وهم يشعرون بالأمان خلال التهدئة، لتشهد الأسواق والأحياء السكنية وحتى مراكز الإيواء حركة نشطة، بينما تراجعت أعداد النازحين داخل المدن بعد عودة أعداد كبيرة منهم إلى المناطق التي نزحوا منها.


مقالات ذات صلة

محكمة فرنسية تدين الباحث الإسلامي فرانسوا بورجا بتهمة «تمجيد الإرهاب»

أوروبا الباحث الفرنسي فرانسوا بورجا (متداولة)

محكمة فرنسية تدين الباحث الإسلامي فرانسوا بورجا بتهمة «تمجيد الإرهاب»

أصدرت محكمة فرنسية حكماً يقضي بدفع الباحث الفرنسي فرانسوا بورجا، المتخصص في دراسة التيارات الإسلامية، غرامة مالية قدرها خمسة آلاف يورو بتهمة «تمجيد الإرهاب»،…

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا صورة أرشيفية لسيباستيان ديلوغو نائب حزب «فرنسا الأبية» خلال مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين وسط باريس في 29 مايو 2024 (رويترز)

فرنسا تحقق في حملة تشهير ضد مرشحين مؤيدين لفلسطين

قال مسؤولو ادعاء في باريس إنهم فتحوا تحقيقاً لتحديد ما إذا كان 3 مرشحين لرئاسة بلديات من أقصى اليسار السياسي هدفاً لدولة سعت للتدخل في الانتخابات الفرنسية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي (أ.ف.ب)

أميركا ترفع العقوبات عن المقررة الأممية للأراضي المحتلة

رفعت واشنطن إلى حين اسم المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيزي، من لوائح العقوبات الأميركية بقرار من محكمة فيدرالية.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي فلسطينيون يتفقدون مركبات مدمرة أمام منازلهم بعد هجوم لمستوطنين قرب مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب) p-circle

قوى أوروبية تضغط على إسرائيل لوقف التوسع الاستيطاني... وهولندا تحظر الواردات

دعت بريطانيا ​وإيطاليا وفرنسا وألمانيا، اليوم الجمعة، إسرائيل إلى وقف التوسع الاستيطاني في ‌الضفة الغربية والحد ‌من ​تصاعد ‌عنف ⁠المستوطنين.

«الشرق الأوسط» (روما )
المشرق العربي المندوب الفلسطيني الدائم لدى الأمم المتحدة رياض منصور متحدثاً في اجتماع لمجلس الأمن (رويترز) p-circle

رياض منصور ينفي تلقّي إشعارات أميركية لسحب ترشحه نائباً لرئيس الجمعية العامة

نفى المندوب الفلسطيني الدائم لدى الأمم المتحدة رياض منصور أن يكون تلقى إشعاراً من وزارة الخارجية الأميركية يدعوه لسحب ترشيحه لمنصب نائب رئيس الجمعية العامة.

علي بردى (واشنطن)

لبنان يحذّر من تهديد القصف الإسرائيلي مواقع تراثية في مدينة صور

حطام متناثر حول مبنى متضرر في موقع غارة إسرائيلية بمدينة صور اللبنانية 28 مايو 2026 (رويترز)
حطام متناثر حول مبنى متضرر في موقع غارة إسرائيلية بمدينة صور اللبنانية 28 مايو 2026 (رويترز)
TT

لبنان يحذّر من تهديد القصف الإسرائيلي مواقع تراثية في مدينة صور

حطام متناثر حول مبنى متضرر في موقع غارة إسرائيلية بمدينة صور اللبنانية 28 مايو 2026 (رويترز)
حطام متناثر حول مبنى متضرر في موقع غارة إسرائيلية بمدينة صور اللبنانية 28 مايو 2026 (رويترز)

أدانت وزارة الخارجية اللبنانية الضربات الإسرائيلية المستمرة على مدينة صور، الخميس، وحذّرت من أن الهجمات تهدد أحياء تاريخية، ومواقع دينية، ومعالم ثقافية في إحدى أقدم المدن بالمنطقة، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزارة الخارجية في بيان إن الوزير يوسف رجي يتابع التطورات «بألم بالغ، وقلق عميق» وسط القصف المتواصل، وإنذارات الإخلاء الإسرائيلية التي يتم إصدارها لمناطق في المدينة، والمناطق المحيطة بها.

وأجرى رجي اتصالات دبلوماسية مكثفة للضغط من أجل وقف فوري للهجمات، وفقاً للوزارة، واصفاً التراث الأثري والثقافي لصور بأنه جزء من «الضمير الإنساني المشترك».

وتضم مدينة صور، المصنفة موقعاً للتراث العالمي في منظمة التربية والعلم والثقافة (يونيسكو)، بعض أهم الآثار الفينيقية، والرومانية.

كان الطيران الحربي الإسرائيلي شن، بعد ظهر الخميس، غارة استهدفت بلدة سحمر في البقاع الغربي شرق لبنان. وجدد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، عصر الخميس، إنذاره إلى سكان مدينة صور، والمخيمات، والأحياء المحيطة بها جنوبي لبنان طالباً إخلاءها.

وشن الطيران الحربي المعادي غارة استهدفت بلدة سحمر في البقاع الغربي، بحسب ما أعلنت «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية الرسمية.


براك: اكتشاف الأسلحة الكيميائية من حقبة الأسد محطة مهمة لسوريا

براك خلال استقباله الشيباني بالسفارة الأميركية في أنقرة الخميس (إعلام تركي)
براك خلال استقباله الشيباني بالسفارة الأميركية في أنقرة الخميس (إعلام تركي)
TT

براك: اكتشاف الأسلحة الكيميائية من حقبة الأسد محطة مهمة لسوريا

براك خلال استقباله الشيباني بالسفارة الأميركية في أنقرة الخميس (إعلام تركي)
براك خلال استقباله الشيباني بالسفارة الأميركية في أنقرة الخميس (إعلام تركي)

رأى المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك، الخميس، أن اكتشاف وتأمين الأسلحة الكيميائية غير المعلنة من حقبة الأسد يعدّ محطة مهمة لسوريا الجديدة وللأمن الدولي.

وقال براك في منشور له عبر منصة «إكس»: «بفضل العمل الشجاع الذي قامت به السلطات السورية ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، وبدعم من رئيس الولايات المتحدة الأميركية والشركاء الدوليين، تحقق تنفيذ اتخاذ خطوة أخرى نحو القضاء نهائياً على الإرث الوحشي للأسلحة الكيميائية في سوريا».

وأضاف براك: «إن سوريا الأكثر أماناً، وذات السيادة، والخاضعة للمساءلة، يصبّ في مصلحة الشعب السوري والعالم بأسره».

وكان وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، قد أكد، في وقت سابق، سوريا حققت تقدماً جديداً في ملف إزالة مخلفات الأسلحة الكيميائية لحقبة النظام البائد.

من جهته، أوضح الشيباني في منشور عبر منصة «إكس» أن الفرق الوطنية المختصة نجحت في العثور على ذخائر ومواد تدخل في التصنيع، ومعدات مزج وتخزين، والتي جرى تأمينها ونقلها إلى مرافق متخصصة تمهيداً لتدميرها.

خبير أسلحة كيماوية تابع للأمم المتحدة يحمل عينات من أحد مواقع الهجوم بالأسلحة الكيماوية في حي عين ترما بدمشق (أرشيفية - رويترز)

وأشار إلى أن التقدم جاء نتيجة أشهر طويلة من العمل الوطني والاستخباراتي والفني، شملت جمع المعلومات وتحليلها والوصول إلى مواقع عالية الخطورة، بالإضافة إلى تسهيل زيارات فرق التفتيش التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) إلى عشرات من هذه المواقع، وإحراز تقدم في ملاحقة المتورطين في البرنامج الكيميائي السابق.

وكان مسؤول سوري أكد، في لاهاي قبل أيام، العثور على بقايا لبرنامج الأسلحة الكيماوية السري الذي كان ‌يُديره ‌الرئيس ‌السابق بشار الأسد، ​بما في ذلك مواد خام وذخائر مماثلة لتلك التي استخدمت في شن هجمات غاز مميتة خلال ‌الحرب ‌الأهلية ​الطويلة ‌التي شهدتها البلاد.

ونقلت وكالة «رويترز» عن المندوب الدائم لسوريا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيماوية ‌في لاهاي، محمد كتوب، أن السلطات اعتقلت 18 شخصاً للاشتباه بتورطهم في برنامج الأسد للأسلحة الكيماوية، بينهم مسؤولون عسكريون وسياسيون وتقنيون ​كبار في النظام السابق.

وقال المصدر نفسه إنه تم العثور أيضاً على «مكونات غاز السارين المستخدم من قبل قوات الأسد»، مضيفاً أنه جرى انتشال أكثر من 70 صاروخاً وقنبلة كانت تُستخدم للأسلحة الكيماوية.


القبض على أبرز أذرع نظام الأسد في الرقة ودير الزور

تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)
تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)
TT

القبض على أبرز أذرع نظام الأسد في الرقة ودير الزور

تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)
تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)

ألقت قوات الأمن الداخلي في مدينة الرقة القبض على تركي البوحمد داخل إحدى المزارع بريف المحافظة، في عملية أمنية نفذت بناء على متابعة ميدانية دقيقة، ويعد الموقوف من أبرز الأسماء القيادية لدى ميليشيات النظام البائد، وأبرز المجرمين في المحافظة خلال فترة النظام البائد والمتعاون مع الميليشيات الإيرانية التابعة لـ«الحرس الثوري» و«حزب الله» اللبناني.

يعرف البوحمد، واسمه الحقيقي تركي مخلف المرعي، بكونه أحد قيادات ميليشيا قوات مقاتلي العشائر التي ارتبطت بشعبة الاستخبارات العسكرية، حيث برز اسمه خلال السنوات الأولى من الثورة في سوريا.

تركي البوحمد قائد ميليشيا العشائر في الرقة ودير الزور (متداولة)

عرفت مجموعته باسم بـ«مغاوير الصحراء» التابعة لميليشيا الدفاع الوطني السابقة. وقد ارتبط اسمه بعمليات نهب وسلب وتعذيب طالت معظم سكان المناطق التي دخلتها تلك الميليشيا، فضلاً عن مساهمته في اعتقال عدد كبير من مؤيدي الثورة السورية. ونشرت مواقع سورية فيديو لـ«قصر» يملكه المدعو تركي مخلف المرعي بين قريتي البوحمد وغانم - العلي في ريف الرقة الشرقي.

يُعتبر البوحمد مسؤولاً عن ارتكاب العديد من الجرائم بحق أبناء المنطقة الشرقية منذ عام 2017، بما في ذلك جرائم الحرب، والتهجير القسري، كما يُعدّ من أبرز المسؤولين عن تجنيد الشباب في المنطقة للانضمام إلى صفوف الميليشيات الإيرانية.

مجموعة صور لقائد الميليشيا السابق مع رموز نظام الأسد ويبدو فيها اثنتان منهما مع العميد سهيل الحسن بنظام الأسد (إعلاميون بلا حدود - الرقة)

وكان موقع «الذاكرة السورية» قد وثّق أنه عمل لصالح الأجهزة الأمنية في بدايات الثورة السورية، وساهم باعتقال المتظاهرين والمتعاطفين مع الجيش الحر. وفي منتصف عام 2014 شكّل مع «عمر العلاوي» الأمين العام لـ«حركة الاشتراكيين العرب» ميليشيا مسلحة تدعى «قوات مقاتلي العشائر» للقتال إلى جانب قوات الأسد في الرقة ودير الزور، وتتبع الميليشيا لشعبة الاستخبارات العسكرية، وتخضع لتدريب من روسيا و«حزب الله»، وربطته علاقة متينة مع سهيل الحسن وروسيا التي منحت الأخير 15 وساماً، بالإضافة إلى دكتوراه فخرية في العلوم العسكرية.

يُعد البوحمد أحد أبرز قادة الميليشيات التي قـاتلت إلى جانب النظـام السوري السابق في ريف الرقة الجنوبي الشرقي كما شارك في المعارك التي شهدها ريف دمشق وسط اتهـامات بارتكـاب انتـهاكات وجـرائم حـرب بحق المدنيين.

ارتبط اسمه خلال سنوات سيطرة ميليشياته على مناطق ريف الرقة بسلسلة من الانتهاكات بحق المدنيين، شملت وفق مصادر محلية عمليات نهب وابتزاز، إضافة إلى فرض قيود على عودة السكان إلى قراهم، حيث جرى اشتراط انخراط مقاتلين من بعض العائلات للسماح لهم بالعودة، إلى جانب منع عائلات أخرى لأسباب تتعلق بالانتماء أو المواقف السياسية.

تركي البوحمد قائد ميليشيا العشائر في الرقة ودير الزور (متداولة)

في عام 2017، أعلن البوحمد نفسه شيخ عشائر «البوشعبان» خلال فعالية أقامتها مجموعته، وهو ما أثار حالة من الجدل والاستياء داخل أوساط اجتماعية وعشائرية، في ظل رفض بعض أبناء العشيرة لهذا التوصيف والانقسام حوله.

تركي البوحمد الذي يُلقب شعبياً بـ«كركاعة»، هو من قرية البوحمد شرق الرقة ونسب نفسه إليها في اسمه. وبعد تشكيله ميليشيا مقاتلي العشائر بدأ بعمليات نهب وسرقة وخطـف وابتــزاز بحق مدنيين في المناطق التي دخلها عناصره. وبحسب مصادر محلية، فإن تركي له علاقة بعمليات استهداف رُعاة الأغنام في البادية السورية وسرقة مواشيهم، وتعفيش منازل المدنيين في قرى حطلة وخشام ومراط خلال سيطرة النظام البائد على هذه القرى.

وكان موقع «الرقة تذبح بصمت» قد نشر في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أن قوى الأمن الداخلي في معدان ألقت القبض على عناصر خلية مسلحة مرتبطة بالمدعو «تركي البوحمد» العامل تحت جناح ميليشيا#قسد وذلك في بلدة معدان شرق الرقة.

مجموعة صور لقائد الميليشيا السابق البوحمد مع رموز نظام الأسد (إعلاميون بلا حدود - الرقة)

وبعد اعتقال البوحمد اليوم تفاعلت مواقع التواصل الاجتماعي مع الخبر ودعم معظمها القبض على أحد رجالات الأسد من مجرمي الحرب، وأشارت إلى أن بعض المتنفذين يتواصلون مع السلطات السورية للإفراج عنه.

إلا أن حساب «إعلاميون بلا حدود - الرقة»، نشر أنه بعد الأنباء المتداولة عن خروج المدعو «تركي البوحمد» المعروف بلقب «كركاعة»، والمتهم بالتورط بعدة انتهاكات وتجاوزات بحق المدنيين في مدينة الرقة وريفها الشرقي، إضافة لورود اسمه ضمن شهادات وملفات متداولة تتعلق بقضايا تعذيب وانتهاكات بحق عدد من أبناء المنطقة؛ أطلق عدد من الأهالي مناشدات للجهات المعنية بضرورة تحويله إلى القضاء وفتح كامل الملفات المرتبطة به ومحاسبة جميع المتورطين وفق القانون، مؤكدين أن الجهات الأمنية تتحمل كامل المسؤولية أمام الأهالي والرأي العام في حال تم الإفراج عنه أو إغلاق ملفه دون محاسبة قانونية واضحة وعادلة.