غزة... «لكل بداية نهاية ويجب أن تستمر الحياة»

الأهالي يستأنفون الحياة مؤقتاً ويستغلون كل دقيقة تهدئة لتخفيف ضغوط الحرب على أطفالهم

دمار هائل خلّفته الحرب على غزة في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة إلا أن الفلسطينيين عادوا مع بدء الهدنة (أ.ب)
دمار هائل خلّفته الحرب على غزة في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة إلا أن الفلسطينيين عادوا مع بدء الهدنة (أ.ب)
TT

غزة... «لكل بداية نهاية ويجب أن تستمر الحياة»

دمار هائل خلّفته الحرب على غزة في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة إلا أن الفلسطينيين عادوا مع بدء الهدنة (أ.ب)
دمار هائل خلّفته الحرب على غزة في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة إلا أن الفلسطينيين عادوا مع بدء الهدنة (أ.ب)

يستأنف الفلسطيني سليمان أبو لحية البالغ من العمر 64 عاماً عادته في تنظيف الشارع المؤدي إلى منزله ومنازل أبنائه وأشقائه في بلدة القرارة الحدودية بشمال خان يونس في قطاع غزة، قبل أن يتناول طعام الإفطار والشاي المعد على نار الحطب مع بعض أبنائه وأحفاده وأصدقائه، ليستعيد جزءاً من الأوضاع العادية قبل اندلاع الحرب.

بابتسامة عريضة وبصوت مرتفع، يدعو الرجل المارة من الأقارب وغيرهم إلى شرب الشاي من براد كبير اعتاد على إعداده كل صباح، ووسط دعواته ينثر كلمات التفاؤل والأمل بإمكانية استمرار التهدئة فترة أطول، بل وحتى إنهاء الحرب، ويقول: «لا تقلقوا الدنيا بخير، ولكل بداية نهاية».

يجتهد الرجل في استعادة تفاصيل الحياة اليومية، ولو مؤقتاً، بعد أكثر من شهر ونصف الشهر قضاها مع عائلته في مركز إيواء بغرب خان يونس، قبل عودته يوم الجمعة إلى مكان سكنه بعد الهدنة المؤقتة التي جرى التوصل إليها بين حركة «حماس» وإسرائيل، بينما يحث جيرانه على الاستفادة من أيام التهدئة القليلة في تدبير شؤون حياتهم، وعدم التفكير في ما مضى أو ما هو مقبل.

سكان يستغلون الهدنة للنزوح من مدينة غزة (رويترز)

يجب أن تستمر الحياة

ويقول أبو لحية: «يجب أن تستمر الحياة، وما دامت هناك فرصة لذلك لا بد من استثمارها بكل دقيقة وعدم إشغال أنفسنا بما هو خارج عن إرادتنا، ولو بدأ كل شخص بنفسه سنحول أيام التهدئة إلى أيام راحة من عذاب النزوح». وتساءل قائلاً: «أليس من المنطقي استثمار كل دقيقة في أيام التهدئة بدلاً من التشاؤم؟ لماذا نعذب أنفسنا بما لا نملكه من قرارات هي بيد آخرين في غزة والاحتلال؟ هل نقبل بموتنا ونحن ما زلنا نتنفس وعلى قيد الحياة؟».

يقاطعه جاره الخمسيني موسى فياض معترضاً على حديثه حول العودة إلى الحياة جزئياً على الرغم من كل الضحايا الذين يسقطون والدمار الهائل في كل مكان بقطاع غزة، فضلاً على فقدان أدنى مقومات الحياة، خصوصاً على صعيد الغذاء والدواء، معتبراً أن الحديث عن حياة عادية خلال التهدئة قفز على وقائع كارثية لا نهاية لها وتعبير غير حقيقي عن الواقع الأقرب إلى النكبة، على حد قوله.

مخلفات طبية متناثرة خارج قسم الطوارئ في المستشفى الإندونيسي في شمال قطاع غزة بعد مداهمة من القوات الإسرائيلية (أ.ف.ب)

التأقلم مع الواقع الجديد

يتواصل الجدل بين الرجلين اللذين يعبران عن وجهتي نظر متباينتين، على الرغم من أنهما يعيشان نفس الظروف البائسة ويتعرضان لذات النزوح والموت والقصف، لكن حديثهما لخص محاولات كثيرين في التأقلم مع الواقع الجديد والعيش مهما كانت الظروف واستئناف الحياة بأي ثمن خلال التهدئة، وعزوف آخرين عن ذلك باعتبار أن الموت ما زال قائماً، والأمر مجرد أيام قبل العودة إلى المشهد الدموي السابق.

ويقول فياض: «لم أستطع مغادرة مربع الحرب رغم التهدئة. صحيح أن الطائرات غادرت السماء والقصف توقف، لكن نجاتنا مؤقتة، وقد نفقد حياتنا أو عائلاتنا بعد أيام. هذا الشعور يتملك الكثيرين، ويجعلنا غير قادرين على الشعور بالارتياح، أن تتوقع موتك أو دمار منزلك بعد أيام، إحساس لا يمكن تخيله».

بيد أن هذه الصورة القاتمة لم تمنع غالبية أهالي قطاع غزة من الاستمتاع بهذه الأيام بكل الوسائل المتوافرة، ليس فقط بالعودة إلى المنازل والمناطق التي نزحوا منها والمبيت هناك، ولكن حتى باللعب مع أطفالهم في بقايا المتنزهات وحدائق ألعاب الأطفال المتوافرة، إضافة إلى ممارسة بعض الألعاب الرياضية، ومنها كرة القدم، في الشوارع والأزقة.

شوارع تحولت أنقاضاً في مدينة غزة (أ.ب)

«بدي ألعب وأنبسط»

على شاطئ دير البلح وسط قطاع غزة، ينشغل الآباء والأمهات في اللعب مع أطفالهم على بعض الألعاب القديمة، يحركون الأرجوحات لأعلى وأسفل بانتظام تارة، وينتقلون إلى لعبة أخرى لدفع الصغار للتزحلق إلى الأرض تارة أخرى، وعندما يزدحم المكان بالأطفال يضطرون إلى اللعب معهم على التراب ببعض الألعاب الشعبية التقليدية.

وعلى الرغم من الأعداد الكبيرة للأطفال وقلة الألعاب المتوافرة في الحديقة الصغيرة، لكن الطفلة ربا الخليلي ذات الأعوام التسعة لم تتوقف عن التنقل بين الألعاب لتحظى بأطول فترة ممكنة من اللعب، علها تطفئ ظمأها للهو الذي حُرمت منه طيلة 5 أسابيع من النزوح مع عائلتها في مركز إيواء.

تنطلق الطفلة، حالها حال كثيرين من أمثالها، والفرحة والابتسامة تعلو وجهها، وترفض حتى أخذ قليل من الراحة بين الألعاب وهي تقول لأمها بعفوية: «يا ماما إحنا في تهدئة بدي ألعب وأنبسط»، بعد إلحاح الأم عليها بالتوقف قليلاً، وإعطاء فرصة لغيرها من الأطفال الذين ينتظرون دورهم.

وتقول الطفلة: «التهدئة ستمر سريعاً، ولا أريد تضييع أي وقت منها دون لعب، لأن مدرسة الإيواء لا يوجد بها ألعاب، وهذه الحديقة طوال الحرب أنظر إليها، ولا أستطيع الوصول هناك»، مضيفة: «لا علاقة لنا بالحرب. نريد أن نلعب ونشعر بالسعادة ونستمتع بأيامنا دون قصف».

دمار مع بدء الهدنة في مدينة غزة (أ.ب)

تخفيف ضغوط الحرب

غير بعيد، تلتف عائلة الأربعيني محمد العايدي النازح من شمال غزة، حول مائدة طعام بسيطة على جانب هذه الحديقة بعد تأخير طويل، وهو يحاول جمع أطفاله ليتناول معهم الطعام، لكنهم يصرون على الاستمرار في اللعب، حتى أجبرهم على الجلوس للأكل ثم العودة مرة أخرى للعب.

يوضح العايدي، الذي دمر القصف الإسرائيلي منزله المبني حديثاً ووحدات سكنية لأهله وأشقائه، أن الأهالي يستغلون كل دقيقة في التهدئة لتفريغ ضغوط الحرب الهائلة عن أطفالهم، واصفاً الحياة في مراكز الإيواء بأنها قاتلة للكبار وأكثر فتكاً بالأوضاع النفسية للصغار، ما يجعل من الترفيه واللعب ضرورة لا تقل أهمية عن الدواء للمرضى، وفق تقديره.

ويقول: «التهدئة فرصة مواتية لنستعيد الحياة قليلاً، ونخفف من وطأة الحرب، رغم أننا لم نعد إلى مناطقنا في الشمال، لكن لا يمكننا الركون والقبول بالموت البطيء. التهدئة تخفف من أوجاع وصدمات ما عشناه خلال الأيام السابقة، وتمد الكبار والصغار بطاقة إيجابية لتحمل ما هو مقبل، وبالتالي القدرة على الاستمرار بالحياة رغم قساوتها الشديدة خلال الحرب».

نزوح من شمال غزة عبر شارع صلاح الدين في أول أيام الهدنة (أ.ب)

الخوف من انتهاء الهدنة

وبموازاة دعوته لتمديد أيام التهدئة والعمل فلسطينياً وعربياً ودولياً لتحقيق ذلك تجنباً لويلات الحرب التي تفتك بالمدنيين، وتدمر حياتهم قبل منازلهم وممتلكاتهم، فقد أعرب عن خشيته مما قد يحدث بعد انتهاء التهدئة، وهو الخوف الذي ينتاب كل أهالي غزة ويؤرقهم ليلاً ونهاراً، كونهم تجرعوا مرارة الحياة بطعم الموت، على حد قوله.

ويستعيد أهالي قطاع غزة حياتهم جزئياً وهم يشعرون بالأمان خلال التهدئة، لتشهد الأسواق والأحياء السكنية وحتى مراكز الإيواء حركة نشطة، بينما تراجعت أعداد النازحين داخل المدن بعد عودة أعداد كبيرة منهم إلى المناطق التي نزحوا منها.


مقالات ذات صلة

المشرق العربي والدة الفتى الفلسطيني أدهم سيد صالح دهمان تقود جنازته في بيت لحم بالضفة الغربية المحتلة (رويترز) p-circle

مقتل فتى فلسطيني برصاص إسرائيلي في الضفة الغربية

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، السبت، عن مقتل فتى في الـ15 من عمره بنيران جنود إسرائيليين، في مخيّم للاجئين في الضفة الغربية المحتلّة.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي قوات الأمن الإسرائيلية تفرّق مصلين حاولوا التجمع خارج أسوار البلدة القديمة في القدس لأداء صلاة الفجر بمناسبة عيد الفطر (أ.ف.ب) p-circle

مقتل فلسطيني خلال عملية اعتقال نفذتها الشرطة الإسرائيلية بالقدس الشرقية

كشفت الشرطة الإسرائيلية، اليوم (الأربعاء)، عن أنها قتلت شاباً فلسطينياً حاول «خطف» سلاح أحد عناصرها خلال عملية ليلية في بلدة جبل المكبر بالقدس الشرقية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (القدس)
المشرق العربي فلسطينية تعد وجبة في مخيم النصيرات للاجئين شمال دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»... تحركات جديدة من الوسطاء لكسر الجمود

تحركات جديدة بشأن مسار اتفاق وقف إطلاق في قطاع غزة، الذي زاد تعثره منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا فلسطيني يحمل جثمان أحد أقربائه قتل في غارة جوية إسرائيلية بمدينة غزة (أ.ف.ب)

«سلاح حماس»... تحرك لـ«مجلس السلام» بغزة في توقيت مربك

حراك جديد لدفع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط تصاعد حرب إيران، مع تسريبات إعلامية بأن «مجلس السلام» قدم مقترحاً لحركة «حماس» لنزع سلاحها.

محمد محمود (القاهرة )

مقتل 6 أشخاص في غارتين إسرائيليتين على نقطتي تفتيش في غزة

تصاعد الدخان في خان يونس بعد غارة إسرائيلية قرب مخيم يؤوي نازحين في دير البلح بوسط قطاع غزة (د.ب.أ)
تصاعد الدخان في خان يونس بعد غارة إسرائيلية قرب مخيم يؤوي نازحين في دير البلح بوسط قطاع غزة (د.ب.أ)
TT

مقتل 6 أشخاص في غارتين إسرائيليتين على نقطتي تفتيش في غزة

تصاعد الدخان في خان يونس بعد غارة إسرائيلية قرب مخيم يؤوي نازحين في دير البلح بوسط قطاع غزة (د.ب.أ)
تصاعد الدخان في خان يونس بعد غارة إسرائيلية قرب مخيم يؤوي نازحين في دير البلح بوسط قطاع غزة (د.ب.أ)

قال مسؤولون محليون في قطاع الصحة إن غارتين جويتين إسرائيليتين استهدفتا نقطتي تفتيش تابعتين ​لقوة الشرطة التي تقودها حركة «حماس» وأسفرتا عن مقتل ما لا يقل عن ستة فلسطينيين بينهم طفل. يأتي هذا في أحدث جولة من العنف على الرغم من وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات ‌المتحدة والذي ‌مضى عليه الآن أكثر ​من ‌خمسة أشهر.

وقال ⁠مسعفون ​إن طائرات ⁠إسرائيلية هاجمت نقطتي تفتيش تابعتين للشرطة في خان يونس جنوب قطاع غزة، مما أسفر عن مقتل ثلاثة من أفراد الشرطة وثلاثة مدنيين، بينهم فتاة، وإصابة أربعة آخرين.

ولم ⁠يعلق الجيش الإسرائيلي حتى الآن ‌على أحدث ‌الهجمات. وقتل الجيش أكثر من ​680 فلسطينياً في ‌غزة منذ دخول وقف إطلاق ‌النار حيز التنفيذ في نوفمبر (تشرين الثاني)، وفقا لمسؤولي الصحة المحليين، وقُتل أكثر من 72 ألف شخص منذ بدء الحرب ‌في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وتشن إسرائيل الآن أيضا حربا، ⁠إلى ⁠جانب الولايات المتحدة، ضد إيران، وتنفذ حملة جديدة ضد جماعة «حزب الله» اجتاحت خلالها قوات إسرائيلية جنوب لبنان.

استمر العنف في غزة على الرغم من وقف إطلاق النار ووسط الحرب بين إسرائيل وإيران. ويقول مسؤولو الصحة في القطاع إن القوات الإسرائيلية قتلت ما لا يقل ​عن 50 فلسطينيا منذ ​بدء الصراع مع إيران قبل شهر.


ميليشيا تقصف منزلاً لنيجيرفان بارزاني

تصاعُد الدخان عقب انفجار قرب مطار أربيل الدولي (أ.ف.ب)
تصاعُد الدخان عقب انفجار قرب مطار أربيل الدولي (أ.ف.ب)
TT

ميليشيا تقصف منزلاً لنيجيرفان بارزاني

تصاعُد الدخان عقب انفجار قرب مطار أربيل الدولي (أ.ف.ب)
تصاعُد الدخان عقب انفجار قرب مطار أربيل الدولي (أ.ف.ب)

أفيد في إقليم كردستان العراق، أمس، بأن ميليشيا استهدفت رئيس إقليم كردستان نيجيرفتان بارزاني بطائرة مسيّرة ملغمة انفجرت عند منزله في مدينة دهوك.

وقالت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط»، إن «انفجار الطائرة تسبب بأضرار مادية، دون تسجيل خسائر في الأرواح».

وسارع رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني إلى إدانة الهجوم، مؤكداً رفضه «أي محاولة لزعزعة الاستقرار».

إلى ذلك تحدث مصدر أمني عن تحليق طائرتين مسيّرتين فوق المدينة، انفجرت إحداهما بعد سقوطها، فيما أُسقطت الأخرى قبل وصولها إلى هدفها. كما سجل سقوط مسيرة بعد تفجيرها جواً في مدينة أربيل قرب حي «دريم سيتي».

وفي تطور آخر، أعلنت السلطات السورية أن الجيش تصدى لهجوم بطائرات مسيّرة استهدف قاعدة التنف العسكرية في جنوب البلاد، مشيرة إلى أن الطائرات انطلقت من الأراضي العراقية.


إسرائيل تتقدم في «الأرض المحروقة» جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود اللبنانية (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تتقدم في «الأرض المحروقة» جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود اللبنانية (إ.ب.أ)

تتقدم القوات الإسرائيلية داخل جنوب لبنان وفق نهج تدريجي قائم على «الأرض المحروقة»، حيث يسبق التوغل تدمير واسع للقرى والبنى التحتية، في مسعى لفرض منطقة عازلة ومنع عودة السكان، وهو ما أعلنه صراحة رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤشر واضح إلى توجه إسرائيلي لفرض شريط أمني بالقوة، وذلك بالتوازي مع إنذارات إخلاء طالت عدداً من القرى جنوباً، ما يعكس توجهاً واضحاً لتثبيت واقع ميداني وأمني طويل الأمد.

وفي موازاة ذلك، سجّل تطور نوعي مع استخدام «حزب الله» صواريخ أرض–جو في الأجواء اللبنانية، في محاولة لتقييد الحركة الجوية الإسرائيلية، إلا أن إطلاقها من محيط الضاحية الجنوبية لبيروت يثير مخاطر مباشرة على سلامة الملاحة، خصوصاً في مطار رفيق الحريري الدولي.