إعادة إعمار درنة... ملف ثقيل تتنافس به حكومتا ليبيا

سياسيون يعدون المناكفة بينهما وسيلة لـ«إثبات الشرعية»

جانب من عمليات انتشال الجثث بعد الإعصار القاتل الذي ضرب مدينة درنة (رويترز)
جانب من عمليات انتشال الجثث بعد الإعصار القاتل الذي ضرب مدينة درنة (رويترز)
TT

إعادة إعمار درنة... ملف ثقيل تتنافس به حكومتا ليبيا

جانب من عمليات انتشال الجثث بعد الإعصار القاتل الذي ضرب مدينة درنة (رويترز)
جانب من عمليات انتشال الجثث بعد الإعصار القاتل الذي ضرب مدينة درنة (رويترز)

منذ أسابيع، يتصدر ملف إعادة إعمار مدينة درنة (شمالي شرق) اهتمامات الشارع الليبي، نظراً لفداحة الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالمدينة وأهلها، بالإضافة إلى17 بلدية بشرق البلاد، لكن هذا الملف ظل يراوح مكانه في ظل تنافس محموم بين حكومة (شرق)، برئاسة أسامة حماد، وغريمه (غرباً) بقيادة عبد الحميد الدبيبة، على إدارة مشاريع إعادة الإعمار.

وتحدث عضو مجلس النواب الليبي عن منطقة الجبل الأخضر، خليفة الدغاري، عن «عدم تفعيل أي من المشاريع والوعود الكثيرة، التي أطلقت من قبلهما بشأن الإعمار». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «كل ما يطلق من تصريحات بخصوص هذا الملف هو في إطار المناكفة بين الحكومتين، أو لشراء المواقف السياسية، وهذا مع الأسف ينعكس سلباً على أوضاع الأهالي».

والأربعاء، أكد حماد خلال جولة في درنة قرب انطلاق أعمال الإعمار، بدعمٍ من الحكومة والقيادة العامة، متحدثاً عن بدء توافد الشركات العالمية المتخصصة لبناء المدينة، «وفق أحدث المقاييس»، وفق قوله.

ويكثر حماد، الذي تدير حكومته المنطقتين الشرقية والجنوبية، الإشارة لجهود القيادة العامة في مساندة فريقه لمساعدة متضرري السيول والفيضانات، متهماً منافسه الدبيبة، الذي تسيطر حكومته على المنطقة الغربية، «بإطلاق الوعود الكاذبة تجاه إعمار المدن المتضررة».

ويرى الدغاري «أن الحكومتين لا تستمعان لأصوات المتضررين، ولذا جاءت مساعداتهما لهؤلاء غير مجدية»، وقال إن حكومة حماد «صرفت 100 ألف دينار لمن تهدم منزله، و50 ألفاً لمن تضرر جزئياً، لكن هذا لا يعد كافياً في ظل تضاعف أسعار مواد البناء، وقيمة الإيجارات بعد الكارثة، أما حكومة الدبيبة فأرسلت بيوتاً جاهزة، يرى بعض الأهالي عدم ملاءمتها للسكن». بينما أعلنت لجنة التعويضات، التابعة لحكومة حماد، عن توزيعها الدفعة السابعة من صكوك التعويضات للمتضررين، شملت حتى الآن قرابة 2000 عائلة.

وقلل الدغاري من حجم التوقعات ومن أن تسفر جلسة البرلمان المقبلة عن تطورات جدية في ملف الإعمار، وقال بهذا الخصوص: «كثيراً ما كانت محاولات كل حكومة مركزة على إثبات شرعيتها وأحقيتها دون غيرها في إدارة الملف»، مؤكداً أنه سيضغط مع 14 نائباً خلال هذه الجلسة لإجراء تصويت على القانون الذي سبق أن تقدموا به لرئاسة البرلمان بشأن تشكيل كيان مستقل، مالياً وإدارياً، يضطلع بملف إعمار المناطق المنكوبة. مشيراً إلى أنه رغم مناقشة هذا القانون تحت قبة البرلمان بطلب من نواب منطقة الجبل الأخضر منذ فترة، فإنه «لم تقم رئاسة الأخير بطرحه للتصويت حتى الآن».

أسامة حماد رئيس الحكومة الليبية المكلفة من مجلس النواب (حكومة الاستقرار)

وفي إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن الدولي منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أعرب المبعوث الأممي إلى ليبيا، عبد الله باتيلي، عن قلقه إزاء الانقسام والتنافس بين القيادات الليبية حول إعادة إعمار درنة وضواحيها، داعياً إلى تأسيس آلية وطنية موحدة لتقييم حجم الأضرار، وتنفيذ مشروع إعادة الإعمار، تجري تغطية تكلفته من الموارد الوطنية الليبية.

ويتوقع بعض المراقبين أن تتركز مساءلة حكومة حماد خلال جلسة البرلمان المقبلة حول ما تحقق، بعد عقد الحكومة لمؤتمرها الدولي حول ملف إعادة الإعمار في درنة مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، والذي رغم محدودية المشاركة الدولية الرسمية به، حظي باهتمام الكثير من شركات البناء والإعمار الخاصة بدول إقليمية وغربية.

ومن جانبه، أرجع المحلل السياسي الليبي، إسلام الحاجي، احتدام التنافس على ملف إعادة الإعمار بين الحكومتين «لما يتضمنه من مكاسب ضخمة»، مشدداً على أن أي خطوة في هذا الملف لن تحدث قبل حدوث تفاهم مسبق بين الروس والأميركيين وبين حلفائهما لضمان حصول كل طرف على حصة وافرة من تلك العملية».

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الليبية «المؤقتة» (حكومة الوحدة)

وقلل الحاجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» مما يردده البعض بأن ملف إعادة إعمار درنة سيعهد به حصرياً لهيئة الاستثمار العسكري التابعة لـ«الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، موضحاً أن «هذه الهيئة لا تملك شركات بناء لتنفرد بمثل هذه العملية الضخمة». ورأى الحاجي أن توظيف كل من الدبيبة وحفتر لمثل هذا الملف «البالغ الأهمية سياسياً واقتصادياً وإنسانياً، سيترتب عليه لفت أنظار القوى الدولية والإقليمية لحجم الدور، الذي يلعبه كل منهما في ملف الإعمار، فضلاً على كونه دعاية سياسية مبكرة لهما في أنه يقدم شيئاً لأهالي المناطق المتضررة».

وإلى جانب إطلاق حكومته خطة «سند وطن» لدعم النازحين والمتضررين وعائلات الشهداء والمفقودين بالمناطق المتضررة من الفيضانات، يحرص الدبيبة على التأكيد باستمرار على اضطلاع حكومته بملف الإعمار بشرق البلاد، ويناقشه خلال اجتماعاته مع سفراء الدول الغربية داخل ليبيا، فضلاً على تصدره لأجندة زياراته الخارجية، مثلما جرى مؤخراً خلال مباحثاته بالعاصمة التركية.

وبموازاة مسارعة حكومة حماد خلال الأسابيع الأولى للكارثة بالدعوة لعقد مؤتمرها لإعمار درنة، تقدم وزير المالية بحكومة «الوحدة» الوطنية، خالد المبروك، بطلب رسمي للبنك الدولي بالمساعدة في تقييم الأضرار الناجمة عن السيول، وإنشاء برامج للتحويلات النقدية السريعة والطارئة للمتضررين، بالإضافة إلى إدارة أموال إعادة الإعمار التي تعهدت بها الجهات الدولية.

وانتقد الحاجي تجاهل الحكومتين الإقرار بحقيقة أن ملف الإعمار يحتاج لحكومة موحدة، أو لتوافق بينهما ليكون هناك مردود إيجابي، «ينعكس على وضع الأهالي لا على وضعية ومصالح أي منهما السياسية والاقتصادية».


مقالات ذات صلة

ليبيا: سباق البحث عن «دعم عسكري» يطغى على «مسارات التسوية»

شمال افريقيا صدام حفتر يتوسط عناصر «اللواء 106- القوات الخاصة» 29 يناير (القيادة العامة)

ليبيا: سباق البحث عن «دعم عسكري» يطغى على «مسارات التسوية»

تعمل الولايات المتحدة ودول إقليمية عدة على مساعدة طرفَي النزاع في ليبيا على توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة، لكن دون إحداث تغيير بالمشهد المحتقن.

جمال جوهر (القاهرة)
العالم العربي المنفي يلقي كلمة خلال لقاء مع مكونات اجتماعية وأمنية في مدينة الزاوية غرب ليبيا 29 يناير (مكتب المنفي)

بعد «المالية» و«الطاقة»... المنفي يُطلق لجنة جديدة لضبط الإنفاق في ليبيا

رغم تعدد اللجان التي شكّلها رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، لمواجهة أزمات الاقتصاد والأمن، يرى مراقبون أن نتائجها بقيت محدودة على الأرض.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر مستقبلاً بولس في القيادة العامة 25 يناير (القيادة العامة)

«الاجتماعات السرية»... مسارات موازية لأفرقاء الأزمة السياسية الليبية

منذ بداية الأزمة السياسية، عرفت ليبيا «الاجتماعات السرية» التي احتضنتها عواصم دولية وإقليمية عديدة، خاصة بين قيادات تشكيلات مسلحة، ثم سياسيين وعسكريين نظاميين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا أعضاء الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس (المكتب الإعلامي للمحكمة)

حكم بـ«عدم دستورية» 4 قوانين برلمانية يُربك المشهد السياسي الليبي

ينظر ليبيون إلى الحكم بـ«عدم دستورية» 4 قوانين برلمانية الصادر عن المحكمة العليا بطرابلس على أنه سيزيد الوضع السياسي تأزماً وإرباكاً ويضع القضاء في مفترق طرق

«الشرق الأوسط»
شمال افريقيا جلسة للدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بطرابلس في نوفمبر الماضي (صفحة المحكمة)

ليبيا: حكم دستوري يعيد التوتر بين «النواب» والمحكمة العليا

قضت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بطرابلس بعدم دستورية تعديل سبق أن أقره مجلس النواب على «قانون نظام القضاء»، في حكم أعاد الجدل حول حدود الفصل بين السلطات.

خالد محمود (القاهرة)

سباق في ليبيا بحثاً عن «دعم عسكري»

صدام حفتر يتوسط عناصر «اللواء 106- القوات الخاصة» 29 يناير (القيادة العامة)
صدام حفتر يتوسط عناصر «اللواء 106- القوات الخاصة» 29 يناير (القيادة العامة)
TT

سباق في ليبيا بحثاً عن «دعم عسكري»

صدام حفتر يتوسط عناصر «اللواء 106- القوات الخاصة» 29 يناير (القيادة العامة)
صدام حفتر يتوسط عناصر «اللواء 106- القوات الخاصة» 29 يناير (القيادة العامة)

تُظهر تحركات جبهتيْ شرق ليبيا وغربها، سعياً ملحوظاً باتجاه التسلّح وتعزيز القدرات العسكرية تدريباً واستعداداً، أكثر منه «تجاوباً» مع المسار الانتخابي، أو ما يعكس نيات حقيقية لإنهاء الانقسام الذي يفتّت المؤسسات الحكومية.

ويعمل عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، على استثمار علاقته بأنقرة، فيما سعت حكومته، نهاية الأسبوع الماضي، إلى التماس تعاون عسكري جديد مع تركيا لتعزيز قوة عناصرها، في إطار تعاون ممتد منذ حرب «الجيش الوطني» على طرابلس، في أبريل (نيسان) 2019، بالإضافة إلى إشارات بحصولها على «مُسيّرات» أوكرانية.

في موازاة ذلك، لم يكتفِ المشير خليفة حفتر، قائد «الجيش الوطني»، بالحليف الروسي؛ بل مدَّد تعاونه مع باكستان. وقال مسؤول عسكري سابق بغرب ليبيا، أن حفتر يترقب نتائج «صفقة الأسلحة الكبرى التي أبرمها نجله صدام مع باكستان».


هجوم كبير لـ«الدعم» بالمسيّرات في كردفان

نازحون من منطقة هجليج غرب السودان ينتظرون تلقي مساعدات إنسانية في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف (أ.ف.ب)
نازحون من منطقة هجليج غرب السودان ينتظرون تلقي مساعدات إنسانية في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف (أ.ف.ب)
TT

هجوم كبير لـ«الدعم» بالمسيّرات في كردفان

نازحون من منطقة هجليج غرب السودان ينتظرون تلقي مساعدات إنسانية في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف (أ.ف.ب)
نازحون من منطقة هجليج غرب السودان ينتظرون تلقي مساعدات إنسانية في مخيم «أبو النجا» بولاية القضارف (أ.ف.ب)

تعرّضت مدينة الأُبيِّض، كبرى مدن إقليم كردفان في غرب السودان، أمس، لواحدة من أكبر الهجمات باستخدام طائرات مُسيَّرة يُعتقد أنها تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، واستهدفت مقارّ عسكرية وحكومية.

واستهدفت الغارات، التي استمرت أكثر من ساعتين، قاعدة عسكرية ومقر الشرطة والبرلمان الإقليمي ومكاتب شركة الاتصالات والمنطقة المحيطة بالملعب البلدي، وفق شهود محليين.

ولا تزال المدينة تحت سيطرة الجيش، فيما تحاصرها «قوات الدعم السريع» منذ عدة أشهر، وتقع الأُبيّض على طريق تجاري استراتيجي، وتضم منشآت عسكرية مهمة تابعة للجيش.

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن «المضادات الأرضية تصدّت لهجوم بالمسيّرات الانتحارية... وأسقطت عدداً منها».

وسبق أن استهدفت مسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع» لمرات متتالية في الأشهر الماضية مواقع عسكرية ومنشآت مدنية في مدينة الأُبيّض، ما أدّى إلى وقوع عشرات القتلى والجرحى وسط العسكريين والمدنيين. إلى ذلك، قال بيان لمكتب رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، بعد لقائه الرئيس الجيبوتي إسماعيل جيلي، رئيس الدورة الحالية لمنظمة «إيغاد»: «إن اللقاء تطرّق إلى ضرورة عودة السودان للمنظمة والاتحاد الأفريقي».


تونس تمدد حالة الطوارئ حتى نهاية عام 2026

عناصر من الشرطة التونسية (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة التونسية (أ.ف.ب)
TT

تونس تمدد حالة الطوارئ حتى نهاية عام 2026

عناصر من الشرطة التونسية (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة التونسية (أ.ف.ب)

أصدرت الرئاسة التونسية، يوم الجمعة، قراراً بتمديد حالة الطوارئ في البلاد إلى يوم 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026.

ونشر التمديد، الذي يبدأ سريانه يوم السبت 31 يناير (كانون الثاني)، في «الجريدة الرسمية»، وفقا لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وتستمر بذلك حالة الطوارئ في البلاد لأكثر من عشر سنوات، منذ التفجير الإرهابي الذي استهدف حافلة للأمن الرئاسي وسط العاصمة يوم 24 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2015، وأدى إلى مقتل 12 عنصراً أمنياً ومنفذ الهجوم الذي تبناه تنظيم «داعش».