«9 نوفمبر»... كيف أصبح يوماً فاصلاً في تاريخ ألمانيا الحديث؟

من قيام الجمهورية الأولى إلى مذبحة نازية ضد اليهود فسقوط جدار برلين

مئات الآلاف يتجمعون عندما تم رفع العلم الفيدرالي الأسود والأحمر والذهبي أمام مبنى البرلمان الألماني في 3 أكتوبر 1990 مع إعادة توحيد ألمانيا... شكّل سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر خطوة كبيرة نحو إعادة توحيد البلاد (الصورة من الأرشيف الفيدرالي الألماني)
مئات الآلاف يتجمعون عندما تم رفع العلم الفيدرالي الأسود والأحمر والذهبي أمام مبنى البرلمان الألماني في 3 أكتوبر 1990 مع إعادة توحيد ألمانيا... شكّل سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر خطوة كبيرة نحو إعادة توحيد البلاد (الصورة من الأرشيف الفيدرالي الألماني)
TT

«9 نوفمبر»... كيف أصبح يوماً فاصلاً في تاريخ ألمانيا الحديث؟

مئات الآلاف يتجمعون عندما تم رفع العلم الفيدرالي الأسود والأحمر والذهبي أمام مبنى البرلمان الألماني في 3 أكتوبر 1990 مع إعادة توحيد ألمانيا... شكّل سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر خطوة كبيرة نحو إعادة توحيد البلاد (الصورة من الأرشيف الفيدرالي الألماني)
مئات الآلاف يتجمعون عندما تم رفع العلم الفيدرالي الأسود والأحمر والذهبي أمام مبنى البرلمان الألماني في 3 أكتوبر 1990 مع إعادة توحيد ألمانيا... شكّل سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر خطوة كبيرة نحو إعادة توحيد البلاد (الصورة من الأرشيف الفيدرالي الألماني)

9 نوفمبر (تشرين الثاني)... يوم مصيري في تاريخ ألمانيا حمل معه أحداثاً كبرى رسمت معالم حقبات سياسية جديدة ومستقبل شعوب. من قيام الجمهورية الألمانية في 9 نوفمبر عام 1918 على وقع هزائم البلاد في نهاية الحرب العالمية الأولى، إلى مذبحة «ليلة الزجاج المكسور» التي ارتكبها النازيون ضد يهود ألمانيا في مثل هذا اليوم من عام 1938، إلى سقوط جدار برلين في 9 نوفمبر 1989 الذي شكل خطوة حاسمة نحو إعادة توحيد ألمانيا وأفول المعسكر الشرقي الشيوعي وإعادة توحيد أوروبا ونهاية الحرب الباردة.

قيام الجمهورية الألمانية الأولى

في 9 نوفمبر 1918، أعلن فيليب شايديمان من الحزب الديمقراطي الاشتراكي قيام الجمهورية الألمانية الأولى، التي وُلدت على وقع الهزائم التي مني بها الجيش الألماني في الحرب العالمية الأولى، لتنهي حكم الإمبراطور فيلهلم (غليوم) الثاني، بعد سلسلة من التمردات التي قام بها البحارة والجنود الألمان، وفقدان القيصر فيلهلم الثاني دعم جيشه والشعب الألماني؛ فاضطر إلى التنازل عن العرش في 9 نوفمبر 1918، مفسحاً المجال بالتالي أمام ألمانيا لتوقيع الهدنة مع الحلفاء في 11 نوفمبر لتنتهي بذلك الحرب العالمية الأولى.

استمرت هذه الجمهورية التي عُرفت باسم جمهورية فايمار، حتى مطلع عام 1933 حين سقطت على أيدي النازيين.

ووفق موقع «history.com» المتخصص بالتاريخ العالمي، واجهت جمهورية فايمار أحد أكبر التحديات الاقتصادية أمام ألمانيا، وهو التضخم المفرط.

فيليب شايديمان يعلن قيام الجمهورية الألمانية في 9 نوفمبر 1918 من شرفة «الرايخستاغ» (مبنى البرلمان الألماني آنذاك)... برلين 9 نوفمبر 1918 (الأرشيف الفيدرالي الألماني)

وكان نتيجة معاهدة فرساي التي فرضت شروطاً مالية (تعويضات) باهظة على ألمانيا، أن تضاءلت قدرة البلاد على إنتاج الفحم وخام الحديد المدر للدخل. ومع استنفاد ديون الحرب والتعويضات خزائن الحكومة الألمانية، لم تتمكن هذه من سداد ديونها.

وشكّلت الأزمات الاقتصادية التي عاشتها الجمهورية الوليدة، والاضطراب السياسي، إلى جانب شعور عارم لدى الألمان بخيبة كبيرة من الهزيمة في الحرب الكبرى (العالمية الأولى) وتركيز دعاية الأحزاب المتطرفة على ما عدوه ضعف حكومة فايمار في الدفاع عن مصالح ألمانيا، عوامل رئيسية، أدت إلى سقوط هذه الجمهورية ووصول الحزب اليميني المتطرف حزب «العمال القومي الاشتراكي» (المعروف ﺑ«النازي») إلى الحكم في ألمانيا بقيادة أدولف هتلر، الذي سيدخل لاحقاً ألمانيا ومعها العالم في حرب عالمية ثانية مدمرة.

أشخاص يسيرون أمام النوافذ المكسورة لمتجر يملكه يهودي في برلين بعد هجمات النازيين في 9 و10 نوفمبر التي عُرفت باسم «ليلة الزجاج المكسور» (متداولة)

«ليلة الزجاج المكسور»

حدث آخر كبير، طبع تاريخ التاسع من نوفمبر في ألمانيا، ففي هذا اليوم من عام 1938، وفي اليوم الذي تلاه، ارتكب النازيون ما عُرف باسم «ليلة الزجاج المكسور» أو «ليلة الكريستال»، وهي مذبحة منظمة ضد اليهود في ألمانيا، وفي النمسا وأجزاء من تشيكوسلوفاكيا، وهي مناطق كانت خاضعة للحكم النازي في برلين.

ففي ليلة 9 نوفمبر، أمر القادة النازيون أعضاء القوات شبه العسكرية التابعة للحزب النازي (قوات الأمن الخاصة، وكتيبة العاصفة، وشباب هتلر) بمهاجمة المجتمعات اليهودية. واكتسبت «ليلة الزجاج المكسور» اسمها من أشلاء زجاج نوافذ المعابد والمنازل والمحلات التجارية اليهودية التي كُسرت خلال موجة العنف التي ملأت شوارع ألمانيا، حسب موقع «موسوعة الهولوكوست» المتخصص بتاريخ الهولوكوست (أي «المحرقة اليهودية» على أيدي النازيين).

احتراق كنيس بويمستراس في فرانكفورت بألمانيا في 10 نوفمبر 1938 بعد هجمات النازيين على اليهود في ألمانيا في ليلة 9 نوفمبر التي تُعرف باسم «ليلة الكريستال» أو «ليلة الزجاج المكسور» (متداولة)

وقد تعرضت المئات من المعابد والمؤسسات اليهودية في جميع أنحاء ألمانيا للهجوم والنهب والتدمير. وتعرض العديد من اليهود للهجوم من قبل حشود من قوات العاصفة (SA). وقتل النازيون في هذه الأحداث ما لا يقل عن 91 يهودياً، وتم ترحيل 26 ألفاً منهم إلى معسكرات الاعتقال، وفق شبكة الإذاعة والتلفزيون الألمانية الدولية «دويتشه فيله».

شكّل هذا الحدث نقطة تحول في الاضطهاد المتصاعد ضد اليهود تحت حكم النازيين في ألمانيا (1933 - 1945)، ومقدّمة لما سيُقْدِم عليه النازيون خلال الحرب العالمية الثانية في ما أطلقوا عليه اسم «الحل النهائي»، وهو فعلياً إبادة اليهود (الهولوكوست) بين عامي 1941 و1945 في المناطق الخاضعة للحكم النازي.

حراس حدود من دولة ألمانيا الشرقية ينظرون من شق بجدار برلين بعد أن أسقط المتظاهرون قطعة منه عند بوابة براندنبرغ في برلين الشرقية السبت 11 نوفمبر 1989 (أ.ب - أرشيفية)

سقوط جدار برلين

في التاسع من نوفمبر 1989، سقط جدار برلين الذي كان يفصل بين برلين الشرقية التي تحكمها آنذاك «جمهورية ألمانيا الديمقراطية» (الشيوعية الموالية للاتحاد السوفياتي والمعروفة ﺑ«ألمانيا الشرقية») وبرلين الغربية تحت حكم «جمهورية ألمانيا الاتحادية» (المعروفة ﺑ«ألمانيا الغربية»).

وقد بدأت حكومة ألمانيا الشرقية بناء هذا الجدار في 12 - 13 أغسطس (آب) 1961 لمنع النزوح الكثيف من برلين الشرقية نحو برلين الغربية، فيما عد الغربيون هذا الجدار علامة لتقسيم أوروبا ورمزاً للقمع الشيوعي وللصراع الآيديولوجي.

خريطة تظهر تقسيم ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، إلى دولتي «ألمانيا الاتحادية» (ألمانيا الغربية) الليبرالية، و«ألمانيا الديمقراطية» (ألمانيا الشرقية) الشيوعية، ما بين العامين 1949 و1990 (الشرق الأوسط)

وشكل حدث سقوط الجدار (يوم 9 نوفمبر 1989) خطوة مهمة في طريق إعادة توحيد ألمانيا التي قُسمت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية إلى شرقية وغربية. وقد أُعيد توحيد ألمانيا بعد ذلك في 3 أكتوبر (تشرين الأول) 1990.

وكذلك عدّ المتخصصون سقوط هذا الجدار، علامة لأفول ثم تفكك المعسكر الشرقي (حلف وارسو) الذي كان يتزعمه الاتحاد السوفياتي، وبالتالي نهاية الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي الشيوعي والمعسكر الغربي الليبرالي بزعامة الولايات المتحدة.

مواطنون من ألمانيا الشرقية يتسلقون جدار برلين عند بوابة براندنبورغ بعد الإعلان عن فتح حدود ألمانيا الشرقية الخميس 9 نوفمبر 1989... الصورة مُلتقطة في برلين الشرقية بألمانيا الشرقية الجمعة 10 نوفمبر 1989 (أ.ب - أرشيفية)

وفي تفاصيل هذا اليوم الذي سقط فيه الجدار، أنه بعد خمسة أيام من تجمع نصف مليون شخص في برلين الشرقية في احتجاج حاشد ضد الحكومة الشيوعية للمطالبة بإصلاحات، حاول زعماء ألمانيا الشرقية تهدئة الاحتجاجات المتصاعدة من خلال تخفيف القيود على الحدود، ما يسهل السفر على الألمان الشرقيين نحو ألمانيا الغربية حيث كانوا يسعون للعبور إلى الجهة الغربية من برلين لأسباب اقتصادية وسياسية.

في هذا اليوم (9 نوفمبر 1989)، قرأ غونتر شابوفسكي العضو في المكتب السياسي للحزب الحاكم في ألمانيا الشرقية، في مؤتمر صحافي، أنه أصبح من المسموح لسكان جمهورية ألمانيا الديمقراطية (الشيوعية المعروفة بالشرقية) السفر عبر الحدود الغربية للدولة. وفي إجابة عن سؤال أحد الصحافيين قال: «إن هذا القرار فاعل فوراً ودون تأخير»، وفق ما نقلته شبكة «بي بي سي».

ألمان من شرق برلين وغربها يجتمعون بالقرب من نقطة عبور عند جدار برلين يراقبهم عناصر من شرطة ألمانيا الشرقية الجمعة 10 نوفمبر 1989 (أ.ب - أرشيفية)

في الواقع، كان من المقرر أن يبدأ تنفيذ القرار في اليوم التالي، مع تفاصيل حول التقدم بطلب للحصول على تأشيرة. لكن الأخبار كانت منتشرة في جميع أنحاء شاشات التلفاز، وتوافد الألمان الشرقيون على الحدود بأعداد هائلة، وفتح هارالد ياغر أحد حراس الحدود الذي كان يشاهد كلمة شابوفسكي، الممر أمام الجمهور، معتقداً أن الأوامر أعطيت بالسماح بفتح الحدود (وذلك بعد عدم تلقيه جواباً واضحاً من رؤسائه حول هذه المسألة)، وفق «بي بي سي»، ما أدى إلى تدفق آلاف الألمان الشرقيين نحو الجدار وعبروا نحو برلين الغربية في 9 نوفمبر وخلال الأيام التي تلته، وتسلق كثيرون الجدار عند بوابة براندنبورغ في برلين، وقطّعوا الجدار نفسه بالمطارق والمعاول، وسط أجواء من الاحتفال والبكاء، في مشاهد بثتها الشاشات عبر جميع أنحاء العالم.


مقالات ذات صلة

لبنان يحذّر من تهديد القصف الإسرائيلي مواقع تراثية في مدينة صور

المشرق العربي حطام متناثر حول مبنى متضرر في موقع غارة إسرائيلية بمدينة صور اللبنانية 28 مايو 2026 (رويترز) p-circle

لبنان يحذّر من تهديد القصف الإسرائيلي مواقع تراثية في مدينة صور

أدانت وزارة الخارجية اللبنانية الضربات الإسرائيلية المستمرة على مدينة صور، الخميس، وحذّرت من أن الهجمات تهدد أحياء تاريخية، ومواقع دينية، ومعالم ثقافية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
أوروبا قصر هوفبورغ الإمبراطوري بفيينا وفي وسط الصورة تظهر «شرفة هتلر» (متداولة)

«شرفة هتلر» في فيينا... جرحٌ مفتوح في الذاكرة النمساوية بعد نحو 90 عاماً على «الأنشلوس»

لا تزال الشرفة الشهيرة المطلة على ساحة الأبطال في العاصمة النمساوية فيينا تثير جدلاً واسعاً حول كيفية التعامل مع أحد أكثر رموز الماضي النازي حساسية في البلاد.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
أوروبا البابا ليو الرابع عشر خلال تقديم رسالة بابوية في مدينة الفاتيكان - 25 مايو 2026 (إ.ب.أ)

البابا يعتذر عن الدور التاريخي للكنيسة في الرق

أصدر البابا ليو، الاثنين، اعتذاراً يُعد الأكثر وضوحاً حتى الآن الذي يصدر من رئيس الكنيسة الكاثوليكية بشأن دورها في العبودية.

«الشرق الأوسط» (روما)
شؤون إقليمية المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل تلقي كلمة خلال عرض كتاب «في شوارع طهران» (Auf den Strassen Teherans) في برلين 20 مايو 2026 (د.ب.أ)

ميركل تقدّم كتاباً يتناول «نضال الحركة النسوية في إيران»

خلال فعالية لتقديم كتاب في برلين، لفتت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل الانتباه إلى ما وصفته بـ«نضال الحركة النسوية في إيران».

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق إعلان قهوة أشعل ذاكرة جرح لم يندمل (غيتي)

«يوم الدبابة» يُطيح رئيس «ستاربكس كوريا» ويُشعل الغضب

أُقيل الرئيس التنفيذي لـ«ستاربكس كوريا» على خلفية حملة تسويقية عُدَّت إشارة إلى واقعة تاريخية دامية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

وكالة الطاقة الذرية: هجوم على مبنى التوربينات بمحطة نووية في أوكرانيا

صورة تظهر جانباً من محطة زابوريجيا النووية التي تسيطر عليها روسيا جنوب شرقي أوكرانيا (رويترز - أرشيفية)
صورة تظهر جانباً من محطة زابوريجيا النووية التي تسيطر عليها روسيا جنوب شرقي أوكرانيا (رويترز - أرشيفية)
TT

وكالة الطاقة الذرية: هجوم على مبنى التوربينات بمحطة نووية في أوكرانيا

صورة تظهر جانباً من محطة زابوريجيا النووية التي تسيطر عليها روسيا جنوب شرقي أوكرانيا (رويترز - أرشيفية)
صورة تظهر جانباً من محطة زابوريجيا النووية التي تسيطر عليها روسيا جنوب شرقي أوكرانيا (رويترز - أرشيفية)

قالت الوكالة الدولية ​للطاقة الذرية، السبت، إنها تلقت بلاغا من محطة زابوريجيا للطاقة النووية في ‌جنوب شرق ‌أوكرانيا ​أفاد ‌بأن طائرة ⁠مسيرة ​أصابت اليوم مبنى التوربينات ⁠في الموقع، مما تسبب في إحداث ثقب في ⁠جداره.

وعبر رئيس ‌الوكالة ‌رافائيل ​جروسي ‌عن قلقه ‌الشديد إزاء الحادث وقال «إن مهاجمة المواقع النووية أشبه باللعب ‌بالنار». وأوضحت الوكالة في منشور ⁠على «إكس» ⁠إن فريقها في محطة الطاقة التي تسيطر عليها روسيا طلب الإذن بالدخول لفحص ​مبنى ​التوربينات المتضرر.


السلطات الصحية الهولندية تسمح للسفينة هونديوس بالإبحار مجدداً

تبحر سفينة الرحلات البحرية الهولندية «إم في هونديوس» التي أصيبت بفيروس «هانتا» قبالة سواحل هولندا وهي تقترب من ميناء روتردام (أ.ف.ب)
تبحر سفينة الرحلات البحرية الهولندية «إم في هونديوس» التي أصيبت بفيروس «هانتا» قبالة سواحل هولندا وهي تقترب من ميناء روتردام (أ.ف.ب)
TT

السلطات الصحية الهولندية تسمح للسفينة هونديوس بالإبحار مجدداً

تبحر سفينة الرحلات البحرية الهولندية «إم في هونديوس» التي أصيبت بفيروس «هانتا» قبالة سواحل هولندا وهي تقترب من ميناء روتردام (أ.ف.ب)
تبحر سفينة الرحلات البحرية الهولندية «إم في هونديوس» التي أصيبت بفيروس «هانتا» قبالة سواحل هولندا وهي تقترب من ميناء روتردام (أ.ف.ب)

سُمح لسفينة رحلات سياحية كانت قد استدعت حالة استنفار صحي عالمي بسبب تفشّ لفيروس هانتا الفتاك بالإبحار مجدّداً السبت، بعد إنجاز أعمال التنظيف، والتعقيم.

وقال جهاز الصحة العامة في ميناء روتردام الهولندي في بيان إنه بعد معاينة أخيرة أُجريت الجمعة «لم تعد هناك، من منظور الصحة العامة، أي عوائق تحول دون إبحار السفينة هونديوس مجدداً».

وأوضح الجهاز أنه خلال عمليات الفحص «خلص خبراء مكافحة العدوى إلى أن تنظيف السفينة هونديوس أُجري بفاعلية، وأن التعقيم نُفّذ وفقاً للإرشادات المعتمدة».

في هذا الأسبوع، قالت شركة «أوشنوايد إكسبيديشنز» المالكة للسفينة إن «هونديوس» ستغادر روتردام فور استكمال عمليات المعاينة، على أن تستأنف برنامج رحلاتها السياحية اعتباراً من 13 يونيو (حزيران).

وكانت «هونديوس» تقوم برحلة من أوشوايا في الأرجنتين إلى الرأس الأخضر، وأصبحت محور اهتمام دولي منذ أعلنت منظمة الصحة العالمية وفاة ثلاثة ركاب بعد تفشي فيروس هانتا على متنها.

وغادر بعض الركاب السفينة في جزيرة سانت هيلينا قبل إطلاق الإنذار الصحي.

وهانتا فيروس نادر ينتشر عادة عن طريق القوارض المصابة، وخصوصاً عبر ملامسة بولها، وبرازها، ولعابها، ولا لقاحات مضادة له، أو علاجات محدّدة.

وجرى إنزال غالبية الركاب في جزيرة تينيريفي في أرخبيل جزر الكناري الإسباني، ونُقلوا جواً إلى بلدانهم.

ووصلت السفينة التي ترفع علم هولندا في 18 مايو (أيار) إلى روتردام، أكبر موانئ أوروبا، ووضع طاقمها في الحجر الصحي.

إلى الآن، سجّلت منظمة الصحة العالمية 13 حالة مؤكدة مرتبطة بتفشي المرض، بينها الوفيات الثلاث.


هل تلجأ روسيا إلى سياسة «قطع الرأس» لإجبار أوكرانيا على الاستسلام؟

عامل إنقاذ يبحث عن ناجين في موقع قصف روسي على مركز تسوق بكييف يوم 24 مايو (إ.ب.أ)
عامل إنقاذ يبحث عن ناجين في موقع قصف روسي على مركز تسوق بكييف يوم 24 مايو (إ.ب.أ)
TT

هل تلجأ روسيا إلى سياسة «قطع الرأس» لإجبار أوكرانيا على الاستسلام؟

عامل إنقاذ يبحث عن ناجين في موقع قصف روسي على مركز تسوق بكييف يوم 24 مايو (إ.ب.أ)
عامل إنقاذ يبحث عن ناجين في موقع قصف روسي على مركز تسوق بكييف يوم 24 مايو (إ.ب.أ)

يبدو السؤال الأكثر إثارة بعد مرور نحو 4 سنوات ونصف سنة على اندلاع الحرب في أوكرانيا: لماذا لم تلجأ روسيا إلى اغتيال عدوها اللدود فولوديمير زيلينسكي وتصفية رموز القيادة العسكرية والسياسية في أوكرانيا؟ كان يمكن، وفقاً لتقديرات بعض النخب الروسية لسيناريو من هذا النوع، أن يضعف من عزيمة المقاومة في أوكرانيا، ويفاقم الخلافات الداخلية، وأن يضع العالم أمام استحقاق التعامل مع واقع جديد. لكن الرئيس فلاديمير بوتين لم يتخذ هذا القرار الحاسم.

والزعيم الذي يتربع على عرش الكرملين منذ 26 سنة، واجه خصومه خلال كل تلك الفترة أقداراً غامضة ومختلفة. ولاحق الموت كل من وجّه سلاحه أو نشاطه السياسي ضده. من أصلان مسخادوف في الشيشان عام 2005، إلى ألكسندر ليتفينينكو (2006)، ثم بوريس بيريزوفسكي (2013)، وبوريس نيمتسوف (2015)، وصولاً إلى يفغيني بريغوجين في 2023، ثم ألكسندر نافالني في العام التالي. وصحيح أنه باستثناء مسخادوف الذي قُتل خلال مواجهات عسكرية مباشرة في حرب الشيشان الثانية، فإن الكرملين تبرأ من دم كل المعارضين الآخرين. مع ذلك، بدا أن الأقدار واجهت دائماً خصوم الزعيم القوي.

والسؤال المهم هنا: لماذا لم يحسم بوتين قراره تجاه زيلينسكي حتى الآن؟ وهل يحمل التهديد الروسي حالياً بتقويض مراكز صنع القرار في أوكرانيا، إشارات إلى تبدّل محتمل في موقف الكرملين حيال سياسة «قطع الرأس» التي طالما دعا إليها رموز معسكر «الصقور» في روسيا؟

إزاحة زيلينسكي

كانت المطالبات بإزاحة الرئيس الأوكراني المُتّهم في موسكو بأنه يقود «عصابة نازية» قد بدأت في وقت مبكر بعد اندلاع الحرب. وقد عبّر جزء مهم من النخب السياسية والأمنية والعسكرية عن قناعة بضرورة أن تُوجّه موسكو ضربة حاسمة تستهدف أركان القيادة الأوكرانية. وارتفعت الأصوات أكثر عند منعطفات ميدانية حاسمة، أو بعد ضربات موجعة عسكرياً أو سياسياً تعرّضت لها موسكو؛ مثل هجوم المسيرات الذي استهدف الكرملين بشكل مباشر في عام 2023، أو عند نجاح الهجوم الأوكراني المباغت في منطقة كورسك والذي أسفر عن سيطرة القوات الأوكرانية على مساحات شاسعة داخل الأراضي الروسية، واحتاجت موسكو بعد ذلك نحو 8 أشهر، ومساعدة قوية قدمتها الوحدات الخاصة في كوريا الشمالية لطرد المتوغلين داخل أراضيها.

زيلينسكي يتحدث بعد لقائه رئيس الوزراء السويدي وتبدو خلفه مقاتلة من طراز «إف - 16» في أوبسالا يوم 28 مايو (أ.ف.ب)

وفي عام 2023، وصف نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري ميدفيديف، وأحد أبرز «الصقور» الذين دعوا باستمرار إلى استخدام الترسانة النووية للقضاء على «العدو»، التصفية الجسدية لزيلينسكي و«زمرته»، بأنها الخيار الوحيد أمام روسيا. كانت موسكو لم تستفِق بعد من صدمة هجوم المسيرات على الكرملين، والتي صُنّفت بوصفها محاولة اغتيال مباشرة لبوتين. وقال السياسي الروسي آنذاك إنه «لم يتبقَّ أي خيار سوى التصفية الجسدية لزيلينسكي وفريقه، حتى إنه ليس مطلوباً منه توقيع وثيقة الاستسلام غير المشروط. و(أدولف) هتلر، كما نعلم، لم يوقعها أيضاً. سيتم دائماً إيجاد بديل، لإعلان الاستسلام وتوقيعه».

وفي السياق ذاته، وصف رئيس مجلس النواب (الدوما) فياتشيسلاف فولودين، زيلينسكي بأنه «إرهابي دولي»، وأكد أن البرلمان «سيطالب (الرئيس) باستخدام أسلحة قادرة على إيقاف وتدمير نظام كييف الإرهابي»، في إشارة إلى المطالبة باستخدام أسلحة غير تقليدية لحسم الحرب.

شقة مدمرة بمبنى سكني بموسكو عقب هجوم بطائرة مسيرة يُرجّح أن تكون أوكرانية في 30 مايو (إ.ب.أ)

وخلال الفترات اللاحقة، تكرّرت مثل هذه الدعوات كثيراً، وشكّلت دائماً «الخيار النهائي» لإجبار أوكرانيا على السلام. لكنّ اللافت هنا أن جزءاً من النخب الروسية كان يرى أن هذا السيناريو كان يجب استخدامه مباشرة في بداية الحرب، عندما جاءت النتائج الأولى بعد مرور أشهر عدّة مُخالفة لتوقّعات الكرملين بأن تكون الحرب خاطفة وحاسمة؛ أي أنه كان ينبغي، وفقاً لبعض التعليقات، عدم السماح بتحويل المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة مكّنت الأوكرانيين من حشد قدراتهم بشكل جيد، ومنحت فرصة للأوروبيين - والغرب عموماً - لتشكيل تحالف قوي زاد من صعوبة قرار حسم الحرب.

بهذا المعنى، فإن تأخر الكرملين في تبنّي قرار «قطع الرأس» في وقت مُبكّر، جعل هذه المهمة أصعب في المراحل اللاحقة.

زيلينسكي الضعيف أفضل من زيلينسكي الميت

يرى خبراء أن إحجام الكرملين عن الحسم المباشر والسريع باستهداف القيادة الأوكرانية، له أسباب عدة؛ بينها تجارب روسيا في صراعات سابقة، وتشعب المواجهة في أوكرانيا وامتدادها إلى أوروبا ومناطق أخرى في العالم، وانعكاساتها المحتملة على العلاقات طويلة الأمد مع الجيران في الفضاء السوفياتي السابق، وفي محيط روسيا الإقليمي والدولي.

ترمب مستقبلاً بوتين خلال «قمة ألاسكا» في 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

وفي هذا الإطار، يتذكّر البعض أن إزاحة مسخادوف بعملية اغتيال مُوجّهة، أسفرت عن إطالة أمد الحرب الشيشانية الثانية لسنوات تالية، وباتت روسيا تواجه ليس «رئيساً منتخباً قادراً على الجلوس إلى طاولة المفاوضات؛ بل مجموعة من الإرهابيين والمتشددين المتطرفين للغاية مثل شامل باسايف وأنصاره».

العنصر الثاني المهم هنا أن اغتيال زيلينسكي وبعض رموز قيادته في وقت مُبكّر كان سيجعله «بطلاً قومياً» ورمزاً للإلهام لمواجهة روسيا لعقود مقبلة، كما كتبت الصحافية الأوكرانية ديانا بانشينكو. ورأت الصحافية المعارضة حالياً لزيلينسكي، أنه «لو أن روسيا قضت على زيلينسكي قبل عامين، لما تغير شيء، لكنه كان سيصبح بطلاً قومياً لأوكرانيا لقرون، وكان سيُخلّد اسمه، وكان الشعب الأوكراني سيقاتل باسم تضحيته. وكان العالم أجمع سيُحيي ذكراه بوصفه شهيداً».

في المقابل، فإن تضييق الخناق عليه ومحاصرته بالأزمات وتسهيل عمليات فساد في الداخل، بدت سياسة أكثر جدوى بالنسبة إلى الكرملين لإضعاف زيلينسكي، وتحويله إلى «قائد لرزمة من الفاسدين الذين يُحمّلهم جزء واسع من الشعب الأوكراني قدراً من المسؤولية عن المأساة التي أصابت بلادهم».

إذن، فإن زيلينسكي الضعيف الذي يستجدي المساعدات الغربية، ويُحاصَر بالأزمات، وفقد جزءاً من شرعيته لأنه لم ينجح في ترتيب انتخابات رئاسية بعد انتهاء ولايته في مايو (أيار) 2024، أفضل لروسيا من زيلينسكي «البطل القومي الذي واجه الغزو الروسي بشجاعة».

عمليات إنقاذ في موقع قصف روسي على مركز تسوق في كييف، يوم 24 مايو (إ.ب.أ)

يُضاف إلى ذلك تبدّل المزاج العام حيال زيلينسكي في بعض عواصم القرار. ولا يخفى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وفريقه لا يرتبطون مع زيلينسكي بعلاقة وثيقة، خلافاً للإدارة السابقة، وقد وصفه مراراً بأنه عقبة في طريق السلام. كما أن جزءاً مهماً من مباحثات روسيا مع الوسيط الأميركي، ركّز على أنه لا دور مستقبلاً لزيلينسكي في «اليوم التالي»، وأن بين شروط السلام إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في أوكرانيا تُبعد الرئيس الأوكراني وفريقه عن المشهد السياسي نهائياً.

وفي وقت سابق، وصف ترمب زيلينسكي بأنه «ممثل كوميدي ناجح إلى حد ما»، و«ديكتاتور بلا انتخابات»، ونصحه «بالتحرك بسرعة، وإلا فلن يبقى له بلد». وقد صرّح ترمب مراراً وتكراراً بأن الوقت قد حان لإجراء انتخابات في أوكرانيا. وأشار إلى أن سلطات البلاد تستخدم العمل العسكري لتجنب إجراء استفتاء، لكن يجب أن تُتاح للشعب الأوكراني فرصة التعبير عن رأيه.

وفي هذا الإطار، زعم عالم السياسة يوري بارانتشيك، أن زيلينسكي قد يُعزل (أو يقتل) من قبل السلطات الأميركية أو البريطانية، وهذا أفضل من أن تفعل روسيا ذلك بنفسها.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

العنصر الآخر المهم لروسيا في مسعى تقويض صورة زيلينسكي بدلاً من اغتياله يكمن في رد الفعل المحتمل في الفضاء السوفياتي السابق، حيث يُهدّد سيناريو أوكرانيا بالتحول إلى شبح يؤرق مستقبل علاقات موسكو مع جيرانها. ويكفي أن استهداف القيادة الأوكرانية كان سيعني التفافاً شعبياً أوسع حول السياسيين الذين يمكن أن يُظهروا تحدياً للكرملين، أو أن يعارضوا سياسات بوتين. وقد بدا ذلك واضحاً في مثال أذربيجان التي خرجت نهائياً من عباءة «الشقيق الأكبر»، وأرمينيا التي تحاول حالياً اللجوء إلى تكامل واسع مع أوروبا والحصول على غطاء سياسي وأمني من الولايات المتحدة، ناهيك بوضع مماثل في جورجيا وبعض جمهوريات آسيا الوسطى.

التصعيد الروسي

رغم كل ذلك، عاد الحديث عن احتمال التحرّك الروسي الحاسم لتقويض أركان القيادة الأوكرانية إلى الواجهة أخيراً، بعدما لوحت موسكو بسيناريو التصعيد القاتل وطالبت الغرب بسحب دبلوماسييه من كييف، موحيةً بأن خيار «الحسم النهائي» يقترب بقوة؛ وفقاً لسكرتير مجلس الأمن القومي سيرغي شويغو المقرب جداً من بوتين.

آثار هجوم بمسيّرة تقول الرئاسة الرومانية إنها «روسية» على مبنى سكني في مدينة غالاتي على الحدود الرومانية - الأوكرانية، يوم 29 مايو (أ.ف.ب)

ويرى خبراء أن عنصرين أساسيين يضغطان على موسكو حالياً لتصعيد المواجهة بقوة؛ أولهما تزايد التقارير عن تحضيرات أوكرانية لهجوم مضاد قوي، بعدما نجحت كييف في تعديل كفة خسائرها الميدانية والتقنية عبر تطوير قدرات حديثة للغاية في مجالات دقيقة مثل المسيرات الهجومية، وأجهزة تعطيل الرادارات وغيرها. ويقول خبراء إن استمرار استهداف المرافق الأساسية داخل العمق الروسي، أسفر عن تقليص فوائد روسيا من ارتفاع أسعار النفط، وأصاب بشلل في حالات كثيرة مطارات رئيسية في البلاد، مع التهديد المتفاقم بشن هجوم قوي يهدف إلى تحسين أوراق كييف التفاوضية يدفع موسكو أكثر وأكثر إلى تفضيل تحرك حاسم لمواجهة التطورات المحتملة.

والعنصر الثاني الضاغط على موسكو يكمن في تفاقم المخاوف الروسية من تحوّل أوروبا إلى تهديد طويل الأمد، مع زيادة الإنفاق العسكري والتحول بسرعة نحو العسكرة واستمرار تقديم المساعدات الواسعة لأوكرانيا. ولم تكن مجرد صدفة أن يصف معسكر الصقور الروسي أوروبا بأنها «تتحول بسرعة إلى تكتل عسكري أكثر خطورة وتهديداً على روسيا من حلف شمال الأطلسي».

صورتان للرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترمب في محل للهدايا التذكارية بمدينة شنغهاي الصينية يوم 19 مايو (إ.ب.أ)

وفي هذا الإطار، بدا أن التلويح الروسي بتصعيد قوي يستهدف تقويض مراكز صنع القرار في أوكرانيا، وهو موجه بشكل مباشر وجدّي إلى الولايات المتحدة، لتسريع وتنشيط التدخل لوضع التسوية السياسية على سكة التنفيذ الفعلي بعد غياب واشنطن لأشهر بسبب انشغالها بحرب إيران.

وقد ظهرت نتائج أولية لذلك من خلال إعلان المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، نيته زيارة موسكو قريباً لإحياء جهود التسوية. كما أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو خلال زيارته الهند، أن واشنطن ستعمل سريعاً على تخفيف حدة التوتر، ومحاصرة التصعيد المتوقع من خلال تنشيط جهود الوساطة.

تجربة إسرائيل

مع العناصر الضاغطة على موسكو للتصعيد، برز تطور مهم قد تكون له تأثيرات على آلية تفكير جزء من النخب السياسية والعسكرية، وقد تمثل في دروس الهجمات الإسرائيلية المتواصلة والقوية في غزة، ثم في لبنان، وبعد ذلك إيران.

لقاء سابق بين بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكرملين عام 2020 (أ.ب)

ويرى محللون أن الاستراتيجية الإسرائيلية التي قامت على قطع رأس الخصم، وبالتالي إضعافه داخلياً وشلّ قدراته على السيطرة والحكم، قد تُشكّل درساً مهماً يمكن الاحتذاء به في حال دفعت الضرورات روسيا لذلك.

ومع أن هذه النظرية تبدو متأخرة نسبياً بعد مرور سنوات على اندلاع الحرب، فإن بعض المحللين يرى ضرورة دراستها، وفحص مجالات تبنيها بشكل كامل أو جزئي لحسم المعركة لصالح روسيا.

3 سيناريوهات

بهذا المنطق، ومع رزمة كاملة من المحاذير المتعلقة بهذا الأمر، يضع البعض 3 سيناريوهات محتملة لتطور الموقف:

أولها، وهو الأضعف وفقاً لتقديرات محللين، أن تذهب موسكو فعلياً لتنفيذ تهديدها بتقويض مراكز القيادة والسيطرة الأوكرانية في حال شعرت بأنها تواجه خطراً داهماً بتعديل كفة الصراع لصالح أوكرانيا وحلفائها في أوروبا. وهنا يدخل في الحسابات انشغال الإدارة الأميركية أو ترددها في لعب دور حاسم لوقف العمليات العسكرية، وتثبيت شروط سلام مؤقت أو دائم.

بوتين محادثاً المتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف في أستانة يوم 29 مايو (إ.ب.أ)

  • الثاني يكمن في مواصلة التلويح بخيار الحسم العسكري النهائي، بما في ذلك في إطار التهديد بالقوة النووية التكتيكية بهدف إرباك الموقف الأوروبي وزيادة المخاطر بقدر محسوب، من دون الانزلاق نحو توسيع مواجهة مباشرة، ودفع واشنطن إلى تسريع خياراتها بالتدخل. وهنا تدخل التدريبات النشطة حالياً على السلاح النووي التكتيكي في بيلاروسيا، وزيادة استخدام الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية مثل صاروخ «أوريشنيك» متوسط المدى الذي يمتاز بقدرة تدميرية هائلة، وقد استخدمته روسيا 3 مرات على الأقل منذ بداية الحرب.

  • السيناريو الثالث يتعلق بعودة متأخرة للسيناريو الذي كان يجب، وفقاً للبعض، القيام به منذ البداية؛ وهو تنفيذ عملية استخباراتية لاستهداف زيلينسكي وبعض أركان حكمه، على أن يبدو ذلك انقلاباً داخلياً، أو تدخلاً غربياً مباشراً لحسم مسار السلام. في هذه الحال، سيكون على موسكو أن تواجه تبعات اليوم التالي لهذه العملية، حتى لو لم يكن بمقدور أي طرف أن يثبت بشكل مباشر تورط أجهزتها الاستخباراتية في هذه العملية.