يدٌ من فجر الإنسان... أقدم أثر فنّي يُعيد كتابة تاريخ البشر

مخطط مطبوع على جدار كهف إندونيسي يسبق أقدم الرسوم المعروفة

هنا توقّف إنسان قديم ووضع يده على الجدار (رويترز)
هنا توقّف إنسان قديم ووضع يده على الجدار (رويترز)
TT

يدٌ من فجر الإنسان... أقدم أثر فنّي يُعيد كتابة تاريخ البشر

هنا توقّف إنسان قديم ووضع يده على الجدار (رويترز)
هنا توقّف إنسان قديم ووضع يده على الجدار (رويترز)

قال علماء إنّ مخططاً أحمر ليد بشرية، عُثر عليه مطبوعاً على جدار أحد الكهوف في إندونيسيا، يُعدّ أقدم عمل فني صخري معروف حتى الآن، في اكتشاف يُضيء على المراحل الأولى لهجرة البشر إلى أستراليا.

ووفق دراسة نقلتها «سي بي إس نيوز» عن دورية «نيتشر» العلمية، فإنّ فن الكهوف هذا يعود إلى ما لا يقل عن 67 ألفاً و800 عام، وذلك استناداً إلى بحوث أجراها فريق من علماء الآثار الإندونيسيين والأستراليين.

وقال الأستاذ في جامعة غريفيث الأسترالية وأحد المشاركين في الدراسة، ماكسيم أوبير، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نعمل في إندونيسيا منذ وقت طويل»، موضحاً أن الفريق اتجه هذه المرة إلى كهوف تقع في جزيرة مونا التابعة لمقاطعة سولاويسي، بناءً على نصيحة عالم الآثار الإندونيسي أدي أغوس أوكتافيانا، الباحث الرئيسي في الدراسة.

وأضاف أوبير أنّ الفريق عثر هناك على «طبعات أيدٍ سلبية، مرسومة بطريقة القالب المفرّغ (الستنسيل)، ويُرجَّح أنها استُخدمت فيها صبغة المغرة الحمراء». وأشار عالم الآثار الكندي إلى أنّ أصابع إحدى اليدين قد «أُعيد تشكيلها لتبدو مدببة مثل المخالب، وهو أسلوب فني لا يُعرف إلا في منطقة سولاويسي».

من جانبه، قال أحد المشاركين في الدراسة، آدم بروم، لوكالة «رويترز»، إن التصميم الذي يُشبه المخالب «يحمل دلالات ثقافية أعمق، لكننا لا نعرف على وجه التحديد ماهيتها». وأضاف: «أرجّح أن يكون له ارتباط بالعلاقة الرمزية المعقّدة التي كانت تربط هذه الشعوب القديمة بعالم الحيوانات».

ولتحديد عمر هذا الفنّ الصخري، أخذ الباحثون عيّنات دقيقة لا تتجاوز سماكتها 5 مليمترات من تكوينات تُعرف باسم «فشار الكهوف»، وهي تجمّعات صغيرة من الكالسيت تتكوَّن على جدران كهوف الحجر الجيري. واستخدم الفريق بعد ذلك أشعة الليزر لتحليل طبقات الصخور وقياس تحلّل اليورانيوم بمرور الزمن، مقارنة بعنصر مشعّ أكثر استقراراً يُعرف بالثوريوم.

حضور إنساني بقي معلّقاً على الصخر عشرات آلاف السنوات (رويترز)

وأوضح أوبير أنّ هذه التقنية «الدقيقة جداً» مكّنت العلماء من تحديد حد أدنى واضح لعمر اللوحة. وبهذا العمر، يتجاوز مخطط اليد الإندونيسي بأكثر من ألف عام مخططات أيدٍ أخرى عُثر عليها في أحد كهوف إسبانيا، ونُسبت إلى إنسان النياندرتال، مع الإشارة إلى أنّ تأريخ تلك الرسوم «لا يزال محلّ جدل»، وفق ما حذَّرت منه الدراسة.

كذلك يُعد هذا الاكتشاف أقدم بأكثر من 15 ألف عام من أعمال فنية أخرى عثر عليها الفريق نفسه سابقاً في منطقة سولاويسي. وأثبت العلماء أيضاً أنّ كهوف مونا استُخدمت مراراً لإنتاج الفنّ الصخري على مدى مراحل زمنية طويلة؛ إذ قال أوبير إنّ بعض الرسوم القديمة رُسِم فوقها خلال مراحل زمنية تصل إلى 35 ألف عام.

مفترق طرق تاريخي

وإلى جانب تسجيل رقم قياسي جديد، يُقدّم هذا الاكتشاف أدلة مهمّة تسهم في حل لغز تاريخي طويل الأمد يتعلّق بكيفية وصول الإنسان العاقل الأول (هومو سابينس) من آسيا إلى أستراليا.

وينقسم العلماء حول المسارات التي سلكها الإنسان الحديث في تلك الرحلة الأولى؛ فهناك مَن يرى أنهم اتّبعوا الطريق الشمالي، متنقلين بالقوارب عبر جزر إندونيسيا، بما فيها سولاويسي، وصولاً إلى بابوا غينيا الجديدة. وفي ذلك الزمن، كانت بابوا غينيا الجديدة وأستراليا جزءاً من قارة عظمى واحدة تُعرف باسم «ساهول»، ممّا أتاح لهم إكمال الرحلة سيراً.

في المقابل، يرجّح آخرون أن المهاجرين قد سلكوا الطريق الجنوبي، مروراً بجزر سومطرة وجاوا وبالي، قبل التوجه إلى تيمور، ثم استخدموا القوارب لاجتياز المسافة الأخيرة نحو أستراليا.

وقال أوبير إنّ «هذه الرسوم توفّر أول دليل على وجود الإنسان الحديث في هذه الجزر الإندونيسية في ذلك الوقت»، مضيفاً أن الاكتشاف «يعزّز فكرة أنّ البشر قد وصلوا إلى أستراليا عبر بابوا، ربما قبل نحو 65 ألف عام». مع ذلك، أشار في الوقت عينه إلى أنه لا يمكن استبعاد احتمال أن مجموعات أخرى كانت تشق طريقها إلى أستراليا عبر المسار الجنوبي في المدّة نفسها.

وذكر الباحثون أيضاً أنه من المرجّح إنتاج هذه الرسوم على أيدي أناس تربطهم صلة وثيقة بأسلاف السكان الأصليين لأستراليا.

ويُذكر أنه في عام 2018، قاد أوبير فريقاً علمياً اكتشف أقدم رسم معروف لحيوان، يتمثّل في صورة ظلية حمراء لكائن يشبه الثور على جدار كهف آخر في إندونيسيا، وقد قُدّر عمرها آنذاك بما لا يقل عن 40 ألف عام؛ أي أقدم بقليل من رسوم أخرى مماثلة لحيوانات في كهوف شهيرة بفرنسا وإسبانيا.

كذلك عُثر في قاع البحر الأبيض المتوسط، قبالة سواحل جنوب فرنسا، على رسوم كهوف تمثّل كائنات بحرية من عصور ما قبل التاريخ، يعود تاريخها إلى أكثر من 30 ألف عام.


مقالات ذات صلة

هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

يوميات الشرق هشام سلام وعدد من طلابه في مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية (سلام لاب)

هشام سلام: «مصريبثيكس» يُعيد رسم خريطة تطوّر القردة... ومدرسة مصرية تُنافس عالمياً

لم يكن سلام، العائد من جامعة أكسفورد عام 2010، يحمل معه مجرّد شهادة دكتوراه، بل كان يحمل رؤية واضحة لتوطين علم الحفريات في مصر.

محمد السيد علي (القاهرة)
يوميات الشرق ما نعتقده يقيناً... قد يتبدَّل (رويترز)

أدلة حديثة تُعيد رسم تاريخ وصول البشر إلى الأميركتين

لعقود، ظلَّ موقع في تشيلي يُدعى مونتي فيردي يمثّل الدليل الأقوى على أقدم استيطان بشري في الأميركتين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق رفيقٌ لم يخذل الإنسان يوماً (أ.ف.ب)

قبل الزراعة بآلاف السنوات... البشر والكلاب أصدقاء منذ العصر الجليدي

أظهرت دراسة جديدة أنّ العلاقة الوثيقة بين البشر والكلاب استمرّت لأكثر من 14 ألف عام، واكتشف باحثون أدلة على أنّ الكلاب كانت تعيش جنباً إلى جنب مع البشر...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ما غرق لم يُنسَ (وزارة الثقافة اليونانية)

كنز غارق في بحر إيجه... قطعة من «البارثينون» تُظهر بعد قرنين

أعلنت السلطات اليونانية أنّ غواصين عثروا على «كنز رخامي» يُرجَّح أنه نُقل من معبد البارثينون، وذلك ضمن بقايا حطام سفينة ترقد في أعماق بحر إيجه.

«الشرق الأوسط» (أثينا)
يوميات الشرق «تي ريكس» أحد أشهر أنواع الديناصورات آكلات اللحوم ضخمة الحجم (شاترستوك)

عظمة عملاقة قد تفكّ لغز أصول «تي ريكس»

تُمهّد عظمة ساق ضخمة للتيرانوصور ريكس، يعود تاريخها إلى نحو 74 مليون سنة، وعُثر عليها بولاية نيو مكسيكو الأميركية، للكشف عن تاريخه العائلي وموطنه الأصلي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

التنقيب في موقع العصداء بالباحة يكشف معالم معمارية ونشاط حضاري منذ الفترة الإسلامية المبكرة

يُمثّل موقع العصداء في محافظة المخواة نموذجاً معمارياً وحضارياً لمراكز التعدين ومحطات طريق الحج اليمني القديم (هيئة التراث)
يُمثّل موقع العصداء في محافظة المخواة نموذجاً معمارياً وحضارياً لمراكز التعدين ومحطات طريق الحج اليمني القديم (هيئة التراث)
TT

التنقيب في موقع العصداء بالباحة يكشف معالم معمارية ونشاط حضاري منذ الفترة الإسلامية المبكرة

يُمثّل موقع العصداء في محافظة المخواة نموذجاً معمارياً وحضارياً لمراكز التعدين ومحطات طريق الحج اليمني القديم (هيئة التراث)
يُمثّل موقع العصداء في محافظة المخواة نموذجاً معمارياً وحضارياً لمراكز التعدين ومحطات طريق الحج اليمني القديم (هيئة التراث)

كشفت أعمال الموسم الثاني للتنقيب الأثري الذي أنجزته هيئة التراث السعودية في موقع أثري مهم بمنطقة الباحة، عن عدد من المعالم المعمارية واللقى الأثرية التي تنتمي إلى فترات تاريخية عريقة شهدها الموقع الذي كان محطة رئيسية في طريق الحج من اليمن إلى مكة المكرمة.

وضمن برامجها العلمية الهادفة إلى دراسة المواقع الأثرية في مختلف المناطق السعودية، وتوثيق معالمها المعمارية ومكوناتها الحضارية، بما يعزز فهم تاريخ الاستيطان البشري والأنشطة الاقتصادية والدينية التي شهدتها تلك المواقع عبر العصور، أنهت الهيئة أعمال الموسم الثاني للتنقيب الأثري في موقع العصداء بمحافظة المخواة في منطقة الباحة الذي يُعد من أبرز مواقع التعدين التاريخية في جنوب غربي السعودية، ويكتسب أهمية جغرافية وتاريخية، لكونه نقطة التقاء رئيسية في حركة العبور والتبادل عبر فترات تاريخية مختلفة.

التنقيب في موقع العصداء الأثري بمنطقة الباحة يأتي ضمن جهود كشف التسلسل الحضاري للسعودية (هيئة التراث)

مسجد أثري ومعالم معمارية ونشاط حضاري

ومن أبرز المكتشفات مسجد أثري تبلغ مساحته نحو (11×12م)، ويضم محراباً وثلاثة مداخل رئيسية، بالإضافة إلى قواعد مربعة لأعمدة كانت تحمل سقف المسجد، مما يشير إلى تخطيط معماري واضح يعكس أهمية المسجد ودوره المحوري في تخطيط المدن الإسلامية المبكرة.

وكشفت أعمال التنقيب عن 4 غرف ملاصقة للمسجد من الجهة الشمالية الشرقية، بمساحات متفاوتة؛ تبلغ مساحة بعضها (4×5م) وأخرى (3×4م)، وتحتوي على عناصر معمارية تشمل أحواضاً مائية ومستودعات للتخزين ومواقد داخلية للطبخ، مما يرجّح استخدامها لأغراض سكنية أو لأنشطة خدمية مرتبطة بالمسجد.

‏جانب من أعمال الموسم الثاني للتنقيب الأثري في موقع العصداء بمحافظة المخواة في منطقة الباحة (هيئة التراث)

شملت المكتشفات مجموعة متنوعة من اللقى الأثرية التي تُسهم في فهم الأنشطة المعيشية التي كانت تمارس في الموقع، حيث عُثر على أجزاء من أوانٍ فخارية متنوعة، منها الفخار العادي والمزجج، بالإضافة إلى أوانٍ حجرية مصنوعة من الحجر الصابوني، إلى جانب رحى ومساحن حجرية كانت تستخدم في إعداد الطعام، وهي مكتشفات تعكس جوانب من الحياة اليومية والأنشطة المنزلية في الموقع.

كشفت ⁧‫نتائج التنقيب في الموقع عن مسجدٍ أثري ووحدات سكنية ولقىً متنوعة تعود إلى الفترة الإسلامية المبكرة (هيئة التراث‬)

وتأتي نتائج أعمال التنقيب الجديدة في موقع العصداء، في الوقت الذي يشهد فيه قطاع التراث في السعودية مرحلة نشطة ومهمة، من جهة صونه والاهتمام به، وإعادة الاعتبار إلى الكثير من الإرث الثقافي السعودي المادي وغير المادي المتنوع والمتوزع بين مناطق السعودية الشاسعة، مع زيادة التوجه إلى إشراك القطاع الخاص والمبادرات النوعية والمجتمعات المحلية التي تُعدّ الحاضنة الطبيعية للتراث الثقافي السعودي، في جهود إدارة التراث والاهتمام به وصونه، مما يشكّل شواهد تاريخية باقية على ثراء المجتمع السعودي عبر التاريخ وعلى إرثه العريق.

وتسعى الهيئة، من خلال أعمال التنقيب، إلى توسيع نطاق الدراسات الأثرية الميدانية وتوثيق المواقع التراثية في السعودية، بما يُسهم في بناء قاعدة معرفية علمية حول تاريخ الجزيرة العربية، ويعزّز إبراز ما تزخر به من إرث ثقافي وحضاري متنوع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


«إلى العمق»... معرض يحتفي بالطقوس والأشكال الطوطمية في مصر القديمة

علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)
علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)
TT

«إلى العمق»... معرض يحتفي بالطقوس والأشكال الطوطمية في مصر القديمة

علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)
علاقة الإنسان بالطبيعة ضمن أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

يحتفي معرض «إلى العمق» للفنان المصري ناثان دوس بالحضارة المصرية القديمة من خلال مجموعة من الأشكال الطقوسية، والطوطمية التي تعود إلى فترة الأم الكبرى، تلك الفترة العتيقة التي كانت تتمركز حول الأرض بوصفها موئل الكائنات، ويتجلى ذلك في كثير من التماثيل التي تشير لميلاد البشر، والبذور، وحتى الأساطير.

ويتضمن المعرض أيضاً تماثيل من خامات متنوعة تعبر عن أفكار شتى حول الخير، والشر، والكفاح، والبحث عن الحقيقة، وضغط اللوائح، والقوانين، والشرائع على النفس البشرية منذ القدم، وكأننا أمام مشاهد يومية تحتوي على فلسفة كاملة تعيد صياغة الفكر الإنساني، وترسم مستقبل البشر من جديد.

تمثال أخناتون تحية للمتحف المصري الكبير (الشرق الأوسط)

ويضم المعرض الذي تستضيفه قاعة الزمالك للفن، ويستمر حتى 12 أبريل (نيسان)، أكثر من 20 عملاً كبيراً بخامات متنوعة من الأحجار، مثل الكوارتز والديوريت، وهي من أكثر الأحجار صلابة، وخاض بها الفنان تجربة جديدة مليئة بالأفكار والرموز التي تعود للعصور القديمة حين كانت الأرض –الأم– الأنثى هي مركز الوجود.

تمثال لقسطنطين كفافيس ضمن المعرض (الشرق الأوسط)

وعن هذه التجربة يقول ناثان: «استخدمت عدداً من الخامات في هذا المعرض، فبالإضافة إلى البرونز، هناك الكوارتز الذي صنعت منه تمثال أخناتون، ولأول مرة أقدم أعمالاً من الديوريت الذي يعد من أصعب الخامات، وقدمت من خلاله مجموعة كبيرة من الأشكال التي تمثل طقوساً قديمة، ورموزاً طوطمية، تتحدث عن فلسفة الخلق، والميلاد، والأرض الأم».

جانب من مجموعة الأشكال الطوطمية في المعرض (الشرق الأوسط)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «من بين الأعمال التي قدمتها بالديوريت تمثال صغير لضفدعة ترمز إلى أسطورة قديمة من أساطير الخلق، كما أنها بالنسبة لي تمثل قفزات في التعامل مع الخامات من البوليستر إلى الغرانيت، والبازلت، وغيرها، وأكثر خامة عملت عليها هي الديوريت».

وعن علاقة هذا الضفدعة بنظريات الخلق الأولى يوضح دوس أن الأساطير المصرية القديمة تتحدث عن الإله خنوم، وهو يبدأ عملية الخلق على دولاب من الفخار، ومن كان يشهد عملية الخلق ضفدعة سماها «حجت».

وأكد أنه خاض تجربة العمل على الديوريت بمجموعة تتكون من 50 قطعة، أطلق عليها مجموعة من الأدوات، والأشكال الطقسية، والطوطمية. وفترة البداية، أو ما يسمونها في الأنثروبولوجيا والتاريخ القديم «فترة الأم القديمة»، تتضمن أشكالاً متنوعة للمرأة بوصفها رمزاً للخصوبة، والولادة، وكذلك الأرض، والبذور التي تنبت فيها.

لوحة مستوحاة من الفن المصري القديم تمثل الفنان وزوجته خلال نحت تمثال أخناتون (الشرق الأوسط)

ويتضمن المعرض تماثيل متنوعة لشخصيات تاريخية، ومألوفة، من بينها تمثال «بورتريه» لأخناتون، الملك المصري من الأسرة الثامنة عشرة، وصاحب دعوة التوحيد الشهيرة، وعدّه الفنان تحية لافتتاح المتحف المصري الكبير، وإلى كل من ينتصر للهوية المصرية. كما يوجد أيضاً تمثال لأسطورة سيزيف، وهي أسطورة يونانية عن شخص يواجه لعنة أبدية تجعله يصعد بالصخرة فوق جبل فتسقط الصخرة من الطرف الآخر، ويعاد الصعود بها إلى ما لا نهاية، لكن ناثان دوس يضع سيزيف في قالب عصري، فهو يصعد بالصخرة، ويثبتها بطريقة بدائية فوق الجبل، ويحمل هاتفاً جوالاً، ويلتقط صورة «سيلفي» مع الصخرة، وكأنه أراد مشاركة معاناته مع الجميع.

أعمال الفنان ناثان دوس تطرح أسئلة حول واقع البشرية (الشرق الأوسط)

يقول ناثان: «أعشق الفن المصري القديم، وأعتبر نفسي امتداداً له»، وربما لهذا ظهرت لوحة جدارية ضخمة تصور الفنان يرتدي ملابس المصري القديم، وخلفه زوجته نيفين ناثان تؤازره وهو ينحت تمثال أخناتون، هناك أيضاً تمثال صنعه الفنان لزوجته الفنانة نيفين ناثان من خامة الغرانيت، كما أهدى إليها المعرض في مقدمة الكتاب التعريفي بعبارة «إلى نيفين زوجتي التي أقتسم معها الحلم».

جانب من افتتاح المعرض (فيسبوك)

ويضم المعرض تمثالاً نصفياً لشاعر الإسكندرية الأشهر المصري اليوناني قسطنطين كفافيس، وحضر السفير اليوناني في القاهرة إلى المعرض مثنياً على التمثال، كما يضم المعرض أفكاراً متنوعة عن فكرة الأرض، وعلاقتها بالميلاد، فهناك جنين قابع في باطن الأرض، وفوقه أو من خلاله تخرج نباتات خضراء، وهناك أيضاً العديد من التماثيل البرونزية التي تجسد أفكاراً فلسفية عن علاقة الإنسان بالطبيعة، وكفاحه للوصول إلى الجوهرة -الحقيقة الكامنة في باطن الأرض.

رمزية الأرض والميلاد ضمن المعرض (الشرق الأوسط)

وعن فلسفة المعرض يقول ناثان إنه يسعى دائماً لتقديم أعمال تحمل أفكاراً تمس الإنسان وعلاقته بالواقع المعاش، ولكنه يبحث دائماً عما وراء هذا الواقع من تجليات، ورؤى، وأبعاد نفسية قد تسيطر على بعض البشر، وتحدد سلوكهم، وتؤطره، من هنا جاءت فكرة «إلى العمق» بحثاً عن معنى أعمق للوجود البشري. ومن الأعمال المهمة في المعرض وسادة من الغرانيت ملقاة على الأرض وفوقها كل الأدوات تقريباً التي يحتاجها النحات، وكأنه يقول إنه وقت الراحة، ويعلق على هذا العمل: «ينام المتعب على وسادة من الحجر ليستريح، أما الكسول فلن يجد الراحة ولو على وسادة من الريش».


كتاب جديد عن معارك عبد الحليم حافظ الفنية

عبد الحليم حافظ لا يزال على القمة بحسب الكتاب (كتاب نصف حليم الآخر)
عبد الحليم حافظ لا يزال على القمة بحسب الكتاب (كتاب نصف حليم الآخر)
TT

كتاب جديد عن معارك عبد الحليم حافظ الفنية

عبد الحليم حافظ لا يزال على القمة بحسب الكتاب (كتاب نصف حليم الآخر)
عبد الحليم حافظ لا يزال على القمة بحسب الكتاب (كتاب نصف حليم الآخر)

بينما يوحي عنوان كتاب «نصف حليم الآخر» بأنه يستعيد قصة حب «العندليب الأسمر» عبد الحليم حافظ التي لم تكتمل ومثَّلت جانباً مؤلماً في مسيرته، غير أنه في الحقيقة يتناول معارك عبد الحليم عبر مسيرته الفنية ويركز أكثر على مواقفه الإنسانية.

ويذكر أن، الكتاب الذي صدر في القاهرة عن دار نشر «بتانة» للكاتب عادل السنهوري، يتزامن مع الذكرى 49 لرحيل «العندليب الأسمر»، ويقول المؤلف في مقدمته: «حليم لم يكن فقط وجهاً واحداً لعملة ذهبية فنية، كان هناك وجه آخر غاية في الروعة وفي التضحية والحب لكل من حوله، هذا الوجه هو نصف حليم الآخر الذي قد لا يعرفه الكثيرون»، مؤكداً أن «حليم ما زال أسطورة الغناء العربي وحامل لواء الرومانسية في حياة أجيال عديدة منذ الخمسينات وحتى الآن وربما في أجيال قادمة»، لافتاً إلى أن «العندليب خاض معارك فنية كثيرة لها ما يبررها على الرغم من أنها أغضبت الكثير من الفنانين حتى أقرب أصدقائه لكنها انتهت جميعها بالصلح لأنها دارت حول الفن والغناء».

البقاء في القمة أصعب من الوصول إليها، هذه حقيقة أدركها عبد الحليم مبكراً ويشير المؤلف إلى أن العندليب قد خاض معارك كي يبقى متصدراً قمة الغناء في مصر والعالم العربي، فقد دخل في معارك مع أم كلثوم وفريد الأطرش ومحمد رشدي ووردة ومع أقرب أصدقائه إلى قلبه الملحنين كمال الطويل ومحمد الموجي، مشيراً إلى أنه لا يزال هناك بُعدٌ غائبٌ في تفسير هذه المعارك ولو من الجانب النفسي.

ويستشهد المؤلف بما ذكره الكاتب الراحل محمود عوض صديق عبد الحليم في كتابه «بالعربي الجريح» الذي قال فيه إن «حليم قد خاض مشوار نجاحه مرتين، أولاً لكي يصل إلى القمة وثانياً لكي يستمر فيها، وقد وجد في الأول من شاركوه وكانوا جزءاً من نجاحه، ووجد من حاربوه أيضاً، فلا يمكن أن نفهم ظاهرة عبد الحليم دون أن نفهم أساساً مشاركة كمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي في الوصول إلى قلوب الجماهير بلون جديد وسط أسماء كبيرة لها قاعدتها الجماهيرية العريضة».

الكتاب تناول مواقف كثيرة في حياة عبد الحليم (الشرق الأوسط)

ويلفت عوض إلى الاختراق الأول الذي حقَّقه حليم في قلوب الجماهير حين وجد من يتبنون صوتاً بديلاً لمطرب جديد هو كمال حسني وأنَّ أقلاماً بارزة وصحفاً كاملة حشدت نفسها لتقديم كمال حسني بديلاً لعبد الحليم، وتعاقد على أفلام سينمائية وقدم له كبار الملحنين ألحاناً عذبة لكنه في النهاية توارى واستمر عبد الحليم.

وتبدو قصة منع عبد الحليم لصديقه كمال الطويل من السفر، أقرب لـ«مقلب» أو خلاف بين صديقين وليست معركة، ويسوقها المؤلف في الكتاب، حيث أراد الطويل السفر قبل أن ينتهي من آخر أغنيات فيلم «حكاية حب» وهي «في يوم في شهر في سنة»، فقد أراد كمال الطويل السفر على أن يُنهي لحن الأغنية بعد عودته، لكن حليم طلب منه إنهاء الأغنية أولاً قبل سفره، فوقع خلاف وشجار بين حليم والطويل الذي أصر على السفر وخلال إنهاء سفره بمطار القاهرة استوقفه ضابط الجوازات لصدور قرار بمنعه من السفر، انفعل الطويل فأخبره ضابط كبير أن سيارة تنتظره لتوصيله إلى أحد الأماكن السيادية، وإذا به أمام مسؤول أمني كبير طمأنه وتبادل معه الضحك واتصل بعبد الحليم ليخبره أن كمال الطويل موجود في مكتبه، ثم أعطاه السماعة ليسمع ضحكات عبد الحليم وهو يقول له «مش قلت لك يا كمال لحن الأغنية أولاً وبعدين سافر».

وفسر الطويل لمؤلف الكتاب الذي التقاه قبل سنوات من رحيله موقف عبد الحليم ومعاركه الفنية، بقوله: «لقد كان عبد الحليم طوال الوقت يتملكه إحساس يصل لحد اليقين بأنه سيموت صغيراً وأنه لن يتزوج ولن يكون له أولاد يخلدون اسمه من بعده، لذا اعتبر فنه هو أسرته وزوجته وأطفاله، وأنه ما يستحق أن يقاتل من أجله، فقد عاش يبحث عن الأفضل دائماً لنجاح مشروعه الغنائي ولم يغمض عينيه عن تجارب الآخرين».

ويتضمن الكتاب حكايات وتفاصيل عن خلافات وقعت بين عبد الحليم ونجوم الغناء في عصره، ومن بينها خلافه مع المطربة نجاة، الذي بدأ من خلال إعجابه بالأغاني التي غنتها، وكان قد غنى أغنيتها «غريبة منسية» خلال استضافته ببرنامج إذاعي، وقال إنه تمنى أن يغني اللحن بكلمات تناسب مطرباً لا مطربة، وتكرر الموقف بعد أغنية «لا تكذبي» التي غنتها نجاة في فيلم «الشموع السوداء» وكتب كلماتها كامل الشناوي ولحنها الموسيقار محمد عبد الوهاب وأعجب بها عبد الحليم كثيراً وقام بغنائها في إحدى حفلاته دون أن يستأذن نجاة، وكان عبد الوهاب قد قام بتغيير بعض الجمل اللحنية لتناسب صوت حليم، وغضبت نجاة وحاول أن يعتذر لها لكنها رفضت قبول اعتذاره وظلت الأجواء متوترة بينهما ليستمر خلافهما خمس سنوات.

ويتطرق الكتاب إلى كثير من المواقف الإنسانية ومنها إنقاذه للطفل شريف عامر «الإعلامي البارز حالياً» من الموت حيث ربطت عبد الحليم صداقة بوالده الصحافي منير عامر وعلم من مقال كتبه والده أن طفله شريف تعرض لإصابة بالتهاب رئوي وعمره 12 يوماً فقط، وتطلب علاجاً لم يكن متوفراً بمصر، فطلب عبد الحليم الدواء من لبنان، ليُفاجأ منير عامر بطرد يصله من بيروت بالدواء المطلوب، كما تجلَّت مواقف العندليب الإنسانية في علاقته مع أعضاء الفرقة الموسيقية والكورس الذي يصاحبه في الغناء وأفراد الكومبارس في أفلامه ورعايته لكثير من أبناء قريته (الحلوات) بالشرقية، وفي تدخله لإعادة الكاتب الراحل مفيد فوزي لعمله الصحافي بعد فصله من مجلة «صباح الخير»، وغيرها من المواقف الإنسانية التي لم يعلنها العندليب الأسمر في حياته ورواها آخرون عنه.