سوق حلب التاريخية تنفض غبار الحرب والزلزال ببطء

ترميم وتشغيل ربع مساحتها عبر مشروع طموح

TT

سوق حلب التاريخية تنفض غبار الحرب والزلزال ببطء

خان القصابية في ساحة الفستق (الشرق الأوسط)
خان القصابية في ساحة الفستق (الشرق الأوسط)

تنهض الحياة في حلب، ثاني أكبر المدن السورية بعد العاصمة دمشق، من رحم الموت، تماماً كالنباتات والأشجار الخضراء التي تشق طريقها نحو السماء وسط غابات سوداء محترقة. فسوق حلب التاريخية، التي تُوصف بأنها «قلب المدينة النابض»، تستعيد روحها ببطء، في مشهد يجمع بين الألم والأمل.

وتُجسِّد الصورة الراهنة لهذه السوق العريقة مثالاً صارخاً للتناقض بين الحياة والموت، وبين الضوء والظلام، وبين الألوان الزاهية وتلك الباهتة. فبينما عادت الأضواء والحركة إلى الأسواق الواقعة خلف «الجامع الأُموي الكبير» بعد ترميمها وإعادة تشغيلها خلال الفترة الماضية، لا تزال الأسواق والخانات القريبة من قلعة حلب غارقة في الصمت، مثقلة بالركام والدمار الهائل.

تبدو تلك المنطقة وكأنها موطن للأشباح، يتجنبها المارة، لا سيما في ساعات الظلام، رغم أنها كانت قبل الحرب السورية تعج بالحيوية، وتصدح فيها أصوات البائعين، وتفيض بالحركة والنشاط.

دمار هائل خلفته الحرب في سوق حلب (الشرق الأوسط)

تُعدُّ سوق حلب من أقدم وأكبر الأسواق المسقوفة في العالم، وتتمتع بمكانة تاريخية واقتصادية وثقافية بارزة في سوريا، إذ تضم عشرات الأسواق المتصلة الممتدة على طول الشارع المستقيم، من باب أنطاكية وصولاً إلى محيط قلعة حلب.

وإلى جانب متاجرها وخاناتها، تحتضن السوق حمَّامات أثرية عريقة، في مقدمتها حمَّام يلبغا العائد إلى الحقبة المملوكية، وحمَّام نور الدين الزنكي الذي يعود إلى الفترة الزنكية. كما تضم خانات تاريخية كانت تؤدي دور الفنادق التجارية القديمة، من أبرزها خان الجمرك.

وتتميّز أسواق حلب بتخصُّص كل سوق بحرفة أو بضاعة بعينها. ونظراً لقيمتها التاريخية والحضارية الفريدة، أُدرجت السوق ضمن قائمة التراث العالمي «لليونيسكو» عام 1986، بوصفها جزءاً لا يتجزأ من مدينة حلب القديمة.

أحد الخانات الأثرية المدمرة في السوق التاريخية (الشرق الأوسط)

قبل الحرب، كانت السوق تحوي آلاف المحلات التي اشتهرت بمنتجات متنوعة، من الحرير والتوابل إلى الصابون. وخلال الحرب السورية، تعرّضت السوق لأضرار جسيمة نتيجة القصف والمعارك، مما أدى إلى تدميرها جزئياً في بعض المناطق وكلياً في أخرى.

تخضع أزقة السوق التاريخية، التي يصل طولها الإجمالي إلى نحو 13 كيلومتراً، حالياً لعملية ترميم واسعة ومتدرجة تشمل جهوداً محلية ودولية. وبفضل هذه الجهود، أُعيد افتتاح وتشغيل نحو 13 سوقاً من أصل 40، وفق ما أفاد به خبراء الترميم والتجار في حديثهم لـ«الشرق الأوسط».

أعمال الترميم تجري ببطء (الشرق الأوسط)

وتعود جذور سوق حلب إلى العصور الهلنستية والرومانية، حين كانت المدينة محطة تجارية مهمة على طرق القوافل بين الشرق والغرب، وازدهرت السوق بشكل كبير منذ العصر الأُموي، ثم توسَّعت وتطوَّرت في العصور الأيوبية والمملوكية، في حين شهدت أكبر مراحل توسعها في العصر العثماني حين بُنيت معظم أقسامها المسقوفة الحالية على غرار «سوق المدينة»، و«سوق العطارين»، و«سوق الصاغة»، و«سوق النحاسين»، وأصبح مركزاً تجارياً إقليمياً يربط الأناضول ببلاد الشام وبلاد ما بين النهرين.

إنقاذ الأسواق التاريخية

تعمل مؤسسة «الآغا خان» للثقافة منذ عام 2018، بالتعاون مع شركاء محليين، على برنامج لترميم السوق التاريخية. شملت هذه الأعمال إعادة تأهيل 8 أقسام رئيسية، وإرجاع أكثر من 277 محلاً تجارياً إلى أصحابها، وتأهيل نحو 500 متر من الممرات داخلها. بالإضافة إلى تنفيذ أعمال تثبيت طارئة لـ6 معالم تاريخية تضررت جراء زلازل عام 2023، بدعم كريم من مؤسسة «ألِف».

الحياة تعود تدريجياً إلى السوق (الشرق الأوسط)

كما تعمل «اليونيسكو» مع شركاء دوليين في مشروعات استقرار وترميم تشمل أجزاء من الأسواق والأعمال التراثية المتضررة.

تُعد سوق «السقطية 1» شرياناً أساسياً للأسواق القديمة في حلب، لوقوعها على الخط المستقيم الممتد من باب أنطاكية وصولاً إلى سوق الزرب، وفق ما أشارت فاطمة خولندي، مهندسة معمارية في صندوق «الآغا خان» للثقافة، التي رافقت فريق «الشرق الأوسط» في جولته داخل السوق.

المهندسة فاطمة خولندي (الشرق الأوسط)

تتحدث المهندسة السورية الشابة بحماس وفخر عن جماليات سوق حلب التاريخية وتفردها، وعن أعمال الترميم التي أُنجزت خلال الأعوام الماضية، قائلة: «اختيرت سوق (السقطية 1)، المتخصصة في بيع المكسرات، كمشروع (بايلوت) أو نموذج لمشروعات ترميم صندوق (الآغا خان) في السوق، لا سيما أن نسبة الضرر بها كانت أقل مقارنة بالمستويات الهائلة من الدمار في الأسواق الأخرى. ونجح المشروع في إعادة بريق السوق مجدداً، وتسليم 53 محلاً تعمل جميعها الآن». وتابعت: «في حين تضاء المتاجر بالكهرباء المركزية للمدينة، فإن نهر الأسواق المرممة يسطع بضوء خلايا الطاقة الشمسية».

إحدى الأسواق بعد ترميمها وتشغيلها (الشرق الأوسط)

تتميز سوق «السقطية 1» الممتدة لنحو مائة متر بقبابها وأقواسها الحجرية الفريدة، وتحتضن خان الجمرك المملوكي. أما سوق «خان الحرير» المجاورة للجامع الأموي الكبير، الذي يخضع هو الآخر لعمليات ترميم، فقد كانت تعاني من دمار واسع، وفق ما أفاد به المرمّمون. وبدأ فريق العمل في عام 2019 بتوثيق السوق للوقوف على شكلها الأصلي، لا سيما بعد انهيار واجهاتها الحجرية بالكامل.

مواد ترميم أصلية

ويراعي فريق المرممين إعادة استخدام الأحجار الأصلية المستخرجة من الموقع، إلى جانب الاستعانة بأحجار متطابقة من محاجر قريبة وبأحجام متباينة، تطبيقاً لمفهوم «إعادة الشيء إلى أصله»، وفق المهندسة السورية.

ومن بين الأسواق التي شملها الترميم في حلب، سوق «الأحمدية»، إحدى الأسواق التسعة على الشارع المستقيم الممتد من باب أنطاكية غرباً حتى نهاية سوق الزرب شرقاً المطل على قلعة حلب الأثرية. وتشتهر هذه السوق بتجارة الألبسة والقطنيات والمكسرات.

متجر لبيع المكسرات (الشرق الأوسط)

تمتد سوق الأحمدية على طول 39 متراً، وتضم 19 محلاً تجارياً، بالإضافة إلى سبيل للمياه ومقهى الشلبي، الذي يمنح السوق أهميتها لندرة المقاهي في الأسواق المشابهة، ويُعد تحفة فنية بطرازه المعماري الفريد. وقد تعرض المقهى للدمار إثر زلزال عام 2023 قبل أن يُرمّم مجدداً. كما تضم السوق قبة الأحمدية المشهورة بزخارفها المميزة، ومظلة خشبية مزخرفة تعرضت للحرق خلال الحرب.

سوق خان الحرير بعد ترميمها (الشرق الأوسط)

نجح فريق الترميم في إعادة الأسواق المرممة إلى صورتها الأصلية عبر استخدام مواد وأدوات يدوية دقيقة، تعتمد على براعة وعمالة ماهرة. وتقول المهندسة فاطمة: «يساعدنا التوثيق الجيد للأسواق المدمرة في الوصول إلى نتائج مرضية، ففي بعض الأحيان تستغرق عملية التوثيق والتخطيط للترميم 7 أشهر. وخلال العمل نستعين بعمالة ماهرة تنفِّذ المخططات بدقة، ونعتمد تماماً على العنصر البشري في نحت وقص ومعالجة الأحجار المستخدمة لإعادة بناء المتاجر، إدراكاً منا لأهميتها وقيمتها الأثرية».

وتُعد «سوق المحماص»، التي تنتهي بالشارع الخلفي للجامع الكبير وتضم قبة خشبية نادرة، أحدث مشروع ترميم انتهى صندوق «الآغا خان» منه في حلب. واستغرق العمل وقتاً طويلاً لإنهائه بعد أن بلغت نسبة الدمار فيه نحو 90 في المائة. وتوضح فاطمة: «نبحث عن مخططات قديمة، ونكشف الأساسات لإجراء رصد مساحي يحدد حدود المحال، ثم نُقيِّم الأضرار ونرفع تقريراً لمهندسي المرافق الصحية والكهرباء».

التاجر أبو علاء (الشرق الأوسط)

وأمام خان القصابية وقف تاجر ستيني يلقب بـ«أبو علاء» معدداً الأهمية التاريخية للسوق، وعبّر بنبرة حماسية عن اعتزازه الكبير بالمكان الذي يعمل به منذ أن كان طفلاً صغيراً، ويقول إن «حلب مدينة تاريخية تمرض ولا تموت بعدما شهدت حروباً وزلازل»، مؤكداً أنها تراهن على «العراقة» التي اكتسبتها منذ مئات السنين.

عائدون إلى حلب

داخل متجره المتخصص في بيع «صابون الغار» الشهير، جلس الرجل الستيني محمود أرناب، منتظراً زبائنه، يتذكر أيام الحرب التي عاشتها حلب واضطرته للهجرة إلى تركيا عام 2014، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «كان اليوم الذي يمر وقتئذ يكون اليوم التالي له أسوأ، لكن اليوم بعد تحرير سوريا من نظام بشار الأسد فإن الغد بات أفضل من اليوم الذي نعيشه في المدينة».

محمود أرناب (الشرق الأوسط)

ويضيف أرناب أنه «عاد منذ بضعة أشهر من تركيا وفتح متجرة مجدداً بعد ترميمه»، معبراً عن سعادته الكبيرة بالعودة إلى «ست الكل» حلب، وأكد أن الزحام الذي تشهده السوق في الفترة الجارية بدأ قبل 3 أشهر فقط.

وفي زاوية أخرى من السوق كان يترجل مصطفى الرحماني، الذي يسكن في بيت قريب من قلعة حلب، بخطوات ثابتة نحو أحد المساجد القريبة من الجامع الأموي الكبير المغلق، لأداء صلاة المغرب.

عبَّر صاحب اللحية البيضاء والوجه الباسم، عن ارتياحه الشديد بالعودة إلى حلب بعد 10 سنوات كاملة قضاها في مدينة الإسكندرية المصرية هو وأسرته، حيث افتتح مطعماً هناك للمأكولات السورية، لكنه فضَّل العودة قبل شهرين إلى حلب لاستئناف حياته بها رفقة أبنائه الذين عادوا معه أيضاً من مصر ويعملون حالياً في أحد مطاعم حلب.

لا يشعر الرجل بقلق كبير تجاه الأوضاع الراهنة في المدينة، ويتوقع تحسن الأوضاع وترميم بقية الأسواق المدمرة وإعادة فتح مطعمه، منتظراً وصول معداته وأدواته التي شحنها من مصر إلى سوريا.

جانب من أعمال الترميم (الشرق الأوسط)

انتعاشة مرهونة بالسلام

ويرهن تيري غراندان، مدير برامج «صندوق الآغا خان للثقافة»، ومدير مشروع الحفاظ والترميم والتخطيط الحضري في حلب، الاستمرار في إعادة ترميم السوق القديمة وانتعاشها بإحلال السلام في سوريا بشكل عام، وفي حلب بشكل خاص.

ويشير غراندان إلى أن إعادة تشغيل الأسواق تبقى مهمة صعبة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «جزء من سكان حلب لم يعد بعد، كان عدد سكان المدينة القديمة يُقدّر بنحو 120 ألف نسمة قبل الحرب، واليوم يقيم فيها نحو 50 ألفاً فقط. وهؤلاء السكان كانوا يشكلون جزءاً أساسياً من الحركة في السوق والعمل التجاري». وأضاف: «أُعيد تشغيل بعض الورش التي تمد الأسواق بالبضائع والمشغولات».

وبسبب طول فترة الإغلاق، يرى غراندان أن الدول التي كانت تعتمد على سوق حلب لشراء البضائع السورية خلال العقود الماضية تحولت إلى أسواق بديلة.

جانب من معروضات حلب التراثية (الشرق الأوسط)

ويؤكد تيري أن الأسواق والخانات القريبة من قلعة حلب شهدت دماراً كبيراً، ويمكن لـ«صندوق الآغا خان للثقافة» أن يُرمم سوقاً كل عام.

وفاقم الزلزال المدمر الذي ضرب سوريا وتركيا المجاورة منذ عامين الوضع في حلب، حيث تقدر منظمة «اليونيسكو» أن نحو 60 في المائة من المدينة القديمة تضررت بشدة، في حين تدمرت نحو 30 في المائة منها بشكل كامل.

وشجَّعت عمليات الترميم بعض التجار على إعادة تأهيل متاجرهم بأنفسهم، دون انتظار تدخلات حكومية، وفق ما رصدت «الشرق الأوسط»، لا سيما في الأسواق الأقل تضرراً.


مقالات ذات صلة

اكتشاف مبنى أثري يوثق بدايات «الرهبنة القبطية» في دلتا مصر

يوميات الشرق الاكتشاف الأثري الجديد تضمن رسومات وزخارف مرتبطة بالحياة الرهبانية (وزارة السياحة والآثار المصرية)

اكتشاف مبنى أثري يوثق بدايات «الرهبنة القبطية» في دلتا مصر

أعلنت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، بمنطقة الرباعيات بالقلايا بمركز حوش عيسى في محافظة البحيرة، الكشف عن مبنى أثري للرهبان.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من المواقع الأثرية المرمّمة بالقلعة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر تنتهي من ترميم مبانٍ أثرية بقلعة صلاح الدين

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية عن الانتهاء من ترميم عدة مبانٍ أثرية بمنطقة القلعة في القاهرة التاريخية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق ترميم سور الملك رمسيس الثالث (وزارة السياحة والآثار)

مصر: كشف أثري جديد لإمبراطور روماني بمعابد الكرنك

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، السبت، اكتشاف لوحة حجرية جديدة تعود إلى عصر الرومان، وذلك خلال تنفيذ مشروع تركيب وترميم بوابة سور الملك رمسيس الثالث.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
يوميات الشرق رأس تمثال رمسيس الثاني بعد الترميم (وزارة السياحة والآثار)

مصر تنتهي من تجميع وترميم رأس تمثال لرمسيس الثاني بسوهاج

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية عن الانتهاء من ترميم رأس تمثال من الجرانيت للملك رمسيس الثاني داخل معبده بمدينة أبيدوس بمحافظة سوهاج (جنوب مصر).

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس».

محمود الزيباوي

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
TT

السعودية تتقدم 10 مراتب في تقرير السعادة العالمي

تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)
تحولات إيجابية شاملة شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة في السعودية (واس)

حقَّقت السعودية تقدماً لافتاً في تقرير السعادة العالمي لعام 2026، إذ جاءت في المرتبة الـ22 عالمياً من بين 147 دولة، بتقدم 10 مراتب عن ترتيبها العام الماضي، وبدرجة تقييم بلغت 6.817 من 10 على مقياس تقييم الحياة.

ويصدر هذا التقرير السنوي عن مركز أبحاث الرفاهية في جامعة أكسفورد بالتعاون مع مؤسسة «غالوب» الدولية بالتزامن مع اليوم العالمي للسعادة في 20 مارس (آذار).

ويعتمد التقرير على استطلاعات رأي تشمل أكثر من 140 دولة، تقيس مستوى رضا الأفراد عن حياتهم وفق عدة عوامل رئيسية، أبرزها: الناتج المحلي الإجمالي للفرد، والدعم الاجتماعي، ومتوسط العمر الصحي المتوقع، والحرية في اتخاذ القرارات، والكرم، ومستوى مكافحة الفساد.

وتؤكد النتيجة نجاح الجهود المبذولة ضمن «رؤية السعودية 2030»، لا سيما عبر «برنامج جودة الحياة» الذي يعتمد هذا التقرير كأحد المؤشرات المرجعية له.

وتجاوزت مساهمة قطاعات جودة الحياة في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد 20.5 مليار دولار، وجذبت ما يزيد عن 5.8 مليارات دولار في الاستثمارات غير الحكومية، كما عزَّزت الصادرات غير النفطية بأكثر من 5.6 مليارات دولار.

ويعكس التقدم المطرد في ترتيب السعودية الأثر الإيجابي للتحولات الشاملة التي شهدتها قطاعات السياحة والثقافة والترفيه والرياضة، حيث أسهمت في تعزيز أنماط الحياة الصحية بالمجتمع، وبناء منظومة متكاملة ترتكز على الإنسان وتُعزِّز رفاهيته.

وجاء ترتيب السعودية في التقرير متقدماً على عدة دول كبرى، إذ حلّت في مرتبة أعلى من الولايات المتحدة التي جاءت في المركز الـ23، وكندا الـ25، والمملكة المتحدة الـ29، فيما تصدرت فنلندا القائمة للعام التاسع على التوالي، تلتها آيسلندا والدنمارك.


«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
TT

«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)
شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)

انتقدت شركة «مصر للطيران»، الناقل الوطني بمصر، مشهداً بفيلم «السلم والثعبان 2»، الذي انطلق عرضه مؤخراً عبر إحدى المنصات الإلكترونية، على خلفية ظهور بطلي العمل عمرو يوسف وأسماء جلال بملابس الشركة، في مشهد اعتبرته الشركة «غير لائق» ويمس «الصورة المشرفة المتأصلة لأطقم الركب الطائر في ذهن الجمهور»؛ بحسب بيان صدر (الاثنين).

واتهمت الشركة صناع الفيلم بـ«الإساءة لصورتها الذهنية وقيمتها المعنوية والانتقاص من مكانتها في مصر والعالم تحت دعوى الإبداع»، مؤكدة وقوفها بقوة «لحماية الحقوق المعنوية والأدبية للعاملين بالشركة ضد أي تشويه متعمد أو غير متعمد لصورتهم».

وتدور أحداث الفيلم - الذي حمل اسم «السلم والثعبان... لعب عيال» - ما بين الحب وطموحات الواقع، فيعيد طرح أسئلة الهوية والعاطفة من خلال قصة «أحمد»، الذي يقوم بدوره عمرو يوسف، المعماري المُبدع الذي يسعى لإعادة اكتشاف ذاته، و«ملك» التي تقوم بدورها أسماء جلال، رائدة الأعمال الطموحة التي تحاول الموازنة بين نجاحها المهني وحنينها العاطفي.

وشددت «مصر للطيران» على الاحتفاظ بحقها في «اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال استخدام الزي الرسمي المعتمد لأطقم الضيافة الجوية الخاص بالشركة وعلامتها التجارية المسجلة ضمن أحداث العمل دون الحصول على موافقة مسبقة من الجهات المختصة بالشركة، بالإضافة إلى الضرر الواقع بسبب استخدامها في (مشهد مسيء وغير لائق)»، بحسب البيان.

في السياق، أعلن طيار مصري يدعى أحمد فتح الله عبر حسابه على «فيسبوك» عن تقديم بلاغ للنائب العام ضد صناع الفيلم بتهمة «الإساءة للطيران»، مؤكداً أن تحركه جاء بدافع احترامه لمهنة الطيران ولكل من يعمل بها باعتبارها «من المهن التي لا يمكن السخرية منها».

المخرج طارق العريان خلال تحضيرات التصوير (الشركة المنتجة)

وعرض الجزء الثاني من «السلم والثعبان – لعب عيال» بعد 25 عاماً من عرض الجزء الأول، وهو من بطولة عمرو يوسف وأسماء جلال وظافر العابدين، ومن إخراج طارق العريان، وحقق إيرادات كبيرة مع عرضه بالصالات في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وعلق الناقد الفني طارق الشناوي على الأزمة قائلاً إن «هناك حالة من التربص تجاه الأعمال الفنية خلال الفترة الأخيرة، وهذا المناخ يؤثر سلباً على حرية الإبداع»، مضيفاً أن «فقدان روح الدعاية والتفاعل الطبيعي مع الفن يعني خسارة جزء مهم من مقومات الحياة الثقافية».

وأضاف أن المشهد محل الجدل لا يتجاوز كونه «إيفيه» أو نكتة درامية قد تعجب البعض وقد لا تلقى قبولاً لدى آخرين، لكنه لا يحمل أي إساءة حقيقية أو تجاوز يستدعي هذا التصعيد، مشيراً إلى أن «الأزمة الحالية تعكس مشكلة أكبر بكثير من مجرد الاعتراض على مشهد داخل فيلم».

وأكد أن الأصوات المعترضة غالباً ما تكون الأعلى، لكنها لا تعبر بالضرورة عن الرأي العام، فتضخيم ردود الفعل أصبح ظاهرة متكررة، لافتاً إلى أن «بعض المهن، ومن بينها الطيارون وأطقم الضيافة، من المفترض أن يكون لديهم قدر من تقبل روح الدعابة، خاصة في إطار الأعمال الفنية التي تقوم بالأساس على الخيال والمعالجة الدرامية».

عمرو يوسف وأسماء جلال في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

واعتبر الناقد الفني أحمد سعد الدين أن تحركات «مصر للطيران» وغضب الطيارين «أمر غير مبرر»، مؤكداً أن «الفيلم لا يحمل أي إساءة، سواء للشركة أو للطيارين على حد سواء، لأنه يقدم مشهداً في إطار كوميدي، ومُوظف درامياً داخل الأحداث».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «ما يحدث من تصعيد يعكس حالة الاحتقان التي أصبحت موجودة لدى العديد من أصحاب المهن المختلفة الذين يعترضوا على ظهور نماذج سلبية أو أي مشاهد قد تكون محل تعليق على مواقع التواصل الاجتماعي»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر يحمّل الأفلام السينمائية أكثر مما ينبغي ويجب عدم التعامل معها بهذا المنظور».

صناع الفيلم خلال العرض الخاص (الشركة المنتجة)

وأوضح أنه بالمنطق نفسه فإن العاملين بمجال الطيران كان يتوجب عليهم المطالبة بوقف عرض فيلم «مطاردة غرامية» الذي جمع بين فؤاد المهندس وشويكار في ستينات القرن الماضي وظهر خلاله البطل في وظيفة «مراقب جوي» متعدد العلاقات النسائية وتؤثر علاقته النسائية على عمله بشكل واضح يكاد يؤدي لحدوث كوارث في الحركة الجوية، لكن الواقع يشير إلى أن «الفيلم الذي قدمت أحداثه في معالجة مسرحية أيضاً يعد من كلاسيكيات السينما المصرية ومن الأفلام الكوميدية الناجحة، وصور بالفعل داخل مطار القاهرة آنذاك».


فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
TT

فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)
أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)

يستعيد فيلم «إيجي بست» قصة أحد أشهر مواقع القرصنة على الأفلام -عنوان الفيلم نفسه- الذي مثّل نافذة مهمة لأجيال من الشباب لمشاهدة أحدث الأفلام والمسلسلات العربية والأجنبية مجاناً عبر الإنترنت، وقد حقق الموقع انتشاراً عربياً واسعاً، ونجح في استقطاب نحو 13.5 مليار زائر، محققاً أرباحاً تخطت 100 مليون دولار، وقد عرض نحو 2500 فيلم عربي وأجنبي، منذ تأسيسه عام 2009، وحتى إغلاقه في 2019، حسب أرقام أوردها صناع الفيلم في نهاية أحداثه.

الفيلم الذي بدأ عرضه ضمن أفلام موسم عيد الفطر يتسم بروح شبابية ويجمع اثنين من نجوم السينما الشباب، وهما: أحمد مالك وسلمى أبو ضيف، بمشاركة مطرب الراب مروان بابلو في أول أعماله ممثلاً، إلى جانب كل من ميشال ميلاد، وأحمد عبد الحميد، وأحمد الرافعي، وحنان يوسف.

وأخرج الفيلم مروان عبد المنعم في أول أعماله الطويلة، وإنتاج طارق نصر الذي عَدّ الفيلم عملاً شبابياً يعبّر عن طموحات جيل بأكمله ويناقش مرحلة محورية في تطور العصر الرقمي في مصر، مسلطاً الضوء على الصراع بين الشغف والمسؤولية في إطار إنساني يناقش الصداقة والحب، مثلما ذكر في تصريحات صحافية. وحقّق «إيجي بست» خلال أيام عيد الفطر إيرادات لافتة بلغت نحو 21 مليون جنيه (الدولار الأميركي يعادل 52.5 جنيه مصري) ليحتل المركز الثاني بعد فيلم «برشامة».

مروان بابلو وأحمد مالك وسلمى أبو ضيف على ملصق الفيلم (الشركة المنتجة)

وعبر دراما مستوحاة من وقائع حقيقية تنطلق أحداث الفيلم من زقاق صغير بحي المرج (شرق القاهرة)، حيث يجمع الشغف بالأفلام بين الصديقين «محمد شوقي» الذي يؤدي دوره أحمد مالك، وصديقه «صابر» الذي يؤديه مروان بابلو، لا يستطيع شوقي شراء تذكرتَي سينما لمشاهدة فيلم مع «أنوار» بائعة محل الملابس التي يحبها ويتطلّع إلى الزواج منها وتؤديها سلمى أبو ضيف، ويكتفي بتذكرة واحدة لها، لكنها تلقي له بالتذكرة ويحصل عليها «صابر» الذي يضع كاميرا خلسة لنسخ الفيلم.

ومن هنا تبدأ رحلتهما في عمل موقع لمشاهدة الأفلام مجاناً، معتمداً على ما يحققه من إيرادات الإعلانات، ليحقق الموقع صدى واسعاً بين الجمهور، ويبدو مثل المصباح السحري الذي يجد فيه محبو الأفلام كل ما يحلمون به، وتنهال عليهم الأموال ويتغير حالهم. وحَلّ الفنان أحمد فهمي ضيف شرف في الفيلم مؤدياً دور المنتج الذي يسعى للتعاون مع مؤسسي الموقع، في حين ترددت موسيقى شارة برنامج «نادي السينما» بما تمثله من «نوستالجيا» على خلفية بعض المشاهد لتعبّر عن تعلق كبير بالفن السابع.

وعلى الرغم من جماهيريته الواسعة لأنه أحد أهم مطربي الراب، فإن الفيلم يخلو من غناء مروان بابلو ويعتمد على غناء مطربي الراب أبيوسف، والفنان شوقي، والفنان موند، بالإضافة إلى أغنية «2 في 1» لهادي معمر وطارق الشيخ. وقد أصدر صناع الفيلم «ميني ألبوم» الذي طُرح تزامناً مع عرض العمل.

عرض مجاني

وأقام فريق العمل عرضاً مجانياً للجمهور ليلة أول أيام عيد الفطر في سينما «ميامي» بالقاهرة، حضره طاقم الفيلم، وقال المؤلف أحمد حسني لـ«الشرق الأوسط» إنهم أقاموا مسابقة عبر مواقع «السوشيال ميديا»، وقد شهد العرض نحو 800 شاب وفتاة، مؤكداً أن «مستوى تقييمات الجمهور للفيلم جيدة جداً، وأنها تجتذب جمهوراً جديداً كل يوم».

وكشف أحمد حسني عن أن فكرة الفيلم نبعت من رغبته هو والمخرج مروان عبد المنعم في تقديم فيلم عن شباب نجحوا في الإقدام على تجربة كبيرة بإمكانات محدودة، وأنهم وجدوا في «إيجي بست» تجربة مهمة، لأنهم أنفسهم تأثروا بها وشاهدوا أفلاماً كثيرة من خلالها زادت من تعلقهم بالسينما.

وأشار إلى أن الفيلم لا يروي سيرة هذا المشروع من البداية إلى النهاية، بل يختار منه ما يؤكد فكرته. وأضاف: «كان هدفي يتركز على مخاطبة من يشاهدون الأفلام بشكل غير قانوني وما يمثله ذلك من حرمانية وخسائر لصناعة السينما من خلال عمل درامي يتعرض للقرصنة، لكن بشكل غير مباشر»، مرجعاً التعاطف مع أبطاله إلى «أنهم لم يشعروا أنهم كانوا يقومون بعمل غير قانوني».

وحول تقديم مروان بابلو ممثلاً بالفيلم دون غناء، يقول حسني: «أردنا أن تكون التجربة تمثيلاً فقط، حتى لا نكسر إيهام المتفرج».

صورة جماعية لطاقم الفيلم بحضور الفنان عصام عمر الذي شارك منتجاً تنفيذياً به (الشرق الأوسط)

وعدّ الناقد طارق الشناوي فيلم «إيجي بست» عملاً عصرياً مأخوذاً من حالة عاشها شباب هذا الزمن، وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «لقد راهنت عليه قبل أن أشاهده من خلال أبطاله وفكرته المأخوذة من حياة دافعي التذكرة؛ إذ إن 80 في المائة من جمهور السينما هم هذا الجيل الذي كان يشاهد (إيجي بست)، وأنه تأكد بعد مشاهدة الفيلم من صحة رهانه»، لافتاً إلى أنه «من الأفلام التي تحقق تراكماً نوعياً في الإيرادات».

وتابع قائلاً: «براعة الفيلم في أنه لا يُشعر المشاهد أن هناك سيناريو مكتوباً، ولا أن هناك حبكة درامية، وإنما حالة مأخوذة من الحياة دون تدخل درامي، وقد عاش صناعه الحالة، كما عاش أبطاله هذا الإحساس في أدائهم، في فيلم لا يتورع عن تقديم لحظات ضعفهم، فلم يقدم شخصيات مثالية، بل قدم بشراً لديهم لحظات ضعف قد تكون هي مصدر قوتهم».

ولفت الشناوي إلى أن «مروان بابلو لديه تلقائية وحضور أمام الكاميرا، وهو اختيار ذكي»، مشيراً إلى أن «مالك وسلمى من أكثر الفنانين عصرية في فن (الأداء الهامس) الذي يعتمد على أقل قدر من الانفعال، وأن المخرج مروان عبد المنعم قدم تجربة ناضجة في أول أفلامه، وقد حافظ على تلقائية ممثليه»، مشيداً بـ«مشاهد المواجهة بين بابلو ومالك وسلمى».