سوق حلب التاريخية تنفض غبار الحرب والزلزال ببطء

ترميم وتشغيل ربع مساحتها عبر مشروع طموح

TT

سوق حلب التاريخية تنفض غبار الحرب والزلزال ببطء

خان القصابية في ساحة الفستق (الشرق الأوسط)
خان القصابية في ساحة الفستق (الشرق الأوسط)

تنهض الحياة في حلب، ثاني أكبر المدن السورية بعد العاصمة دمشق، من رحم الموت، تماماً كالنباتات والأشجار الخضراء التي تشق طريقها نحو السماء وسط غابات سوداء محترقة. فسوق حلب التاريخية، التي تُوصف بأنها «قلب المدينة النابض»، تستعيد روحها ببطء، في مشهد يجمع بين الألم والأمل.

وتُجسِّد الصورة الراهنة لهذه السوق العريقة مثالاً صارخاً للتناقض بين الحياة والموت، وبين الضوء والظلام، وبين الألوان الزاهية وتلك الباهتة. فبينما عادت الأضواء والحركة إلى الأسواق الواقعة خلف «الجامع الأُموي الكبير» بعد ترميمها وإعادة تشغيلها خلال الفترة الماضية، لا تزال الأسواق والخانات القريبة من قلعة حلب غارقة في الصمت، مثقلة بالركام والدمار الهائل.

تبدو تلك المنطقة وكأنها موطن للأشباح، يتجنبها المارة، لا سيما في ساعات الظلام، رغم أنها كانت قبل الحرب السورية تعج بالحيوية، وتصدح فيها أصوات البائعين، وتفيض بالحركة والنشاط.

دمار هائل خلفته الحرب في سوق حلب (الشرق الأوسط)

تُعدُّ سوق حلب من أقدم وأكبر الأسواق المسقوفة في العالم، وتتمتع بمكانة تاريخية واقتصادية وثقافية بارزة في سوريا، إذ تضم عشرات الأسواق المتصلة الممتدة على طول الشارع المستقيم، من باب أنطاكية وصولاً إلى محيط قلعة حلب.

وإلى جانب متاجرها وخاناتها، تحتضن السوق حمَّامات أثرية عريقة، في مقدمتها حمَّام يلبغا العائد إلى الحقبة المملوكية، وحمَّام نور الدين الزنكي الذي يعود إلى الفترة الزنكية. كما تضم خانات تاريخية كانت تؤدي دور الفنادق التجارية القديمة، من أبرزها خان الجمرك.

وتتميّز أسواق حلب بتخصُّص كل سوق بحرفة أو بضاعة بعينها. ونظراً لقيمتها التاريخية والحضارية الفريدة، أُدرجت السوق ضمن قائمة التراث العالمي «لليونيسكو» عام 1986، بوصفها جزءاً لا يتجزأ من مدينة حلب القديمة.

أحد الخانات الأثرية المدمرة في السوق التاريخية (الشرق الأوسط)

قبل الحرب، كانت السوق تحوي آلاف المحلات التي اشتهرت بمنتجات متنوعة، من الحرير والتوابل إلى الصابون. وخلال الحرب السورية، تعرّضت السوق لأضرار جسيمة نتيجة القصف والمعارك، مما أدى إلى تدميرها جزئياً في بعض المناطق وكلياً في أخرى.

تخضع أزقة السوق التاريخية، التي يصل طولها الإجمالي إلى نحو 13 كيلومتراً، حالياً لعملية ترميم واسعة ومتدرجة تشمل جهوداً محلية ودولية. وبفضل هذه الجهود، أُعيد افتتاح وتشغيل نحو 13 سوقاً من أصل 40، وفق ما أفاد به خبراء الترميم والتجار في حديثهم لـ«الشرق الأوسط».

أعمال الترميم تجري ببطء (الشرق الأوسط)

وتعود جذور سوق حلب إلى العصور الهلنستية والرومانية، حين كانت المدينة محطة تجارية مهمة على طرق القوافل بين الشرق والغرب، وازدهرت السوق بشكل كبير منذ العصر الأُموي، ثم توسَّعت وتطوَّرت في العصور الأيوبية والمملوكية، في حين شهدت أكبر مراحل توسعها في العصر العثماني حين بُنيت معظم أقسامها المسقوفة الحالية على غرار «سوق المدينة»، و«سوق العطارين»، و«سوق الصاغة»، و«سوق النحاسين»، وأصبح مركزاً تجارياً إقليمياً يربط الأناضول ببلاد الشام وبلاد ما بين النهرين.

إنقاذ الأسواق التاريخية

تعمل مؤسسة «الآغا خان» للثقافة منذ عام 2018، بالتعاون مع شركاء محليين، على برنامج لترميم السوق التاريخية. شملت هذه الأعمال إعادة تأهيل 8 أقسام رئيسية، وإرجاع أكثر من 277 محلاً تجارياً إلى أصحابها، وتأهيل نحو 500 متر من الممرات داخلها. بالإضافة إلى تنفيذ أعمال تثبيت طارئة لـ6 معالم تاريخية تضررت جراء زلازل عام 2023، بدعم كريم من مؤسسة «ألِف».

الحياة تعود تدريجياً إلى السوق (الشرق الأوسط)

كما تعمل «اليونيسكو» مع شركاء دوليين في مشروعات استقرار وترميم تشمل أجزاء من الأسواق والأعمال التراثية المتضررة.

تُعد سوق «السقطية 1» شرياناً أساسياً للأسواق القديمة في حلب، لوقوعها على الخط المستقيم الممتد من باب أنطاكية وصولاً إلى سوق الزرب، وفق ما أشارت فاطمة خولندي، مهندسة معمارية في صندوق «الآغا خان» للثقافة، التي رافقت فريق «الشرق الأوسط» في جولته داخل السوق.

المهندسة فاطمة خولندي (الشرق الأوسط)

تتحدث المهندسة السورية الشابة بحماس وفخر عن جماليات سوق حلب التاريخية وتفردها، وعن أعمال الترميم التي أُنجزت خلال الأعوام الماضية، قائلة: «اختيرت سوق (السقطية 1)، المتخصصة في بيع المكسرات، كمشروع (بايلوت) أو نموذج لمشروعات ترميم صندوق (الآغا خان) في السوق، لا سيما أن نسبة الضرر بها كانت أقل مقارنة بالمستويات الهائلة من الدمار في الأسواق الأخرى. ونجح المشروع في إعادة بريق السوق مجدداً، وتسليم 53 محلاً تعمل جميعها الآن». وتابعت: «في حين تضاء المتاجر بالكهرباء المركزية للمدينة، فإن نهر الأسواق المرممة يسطع بضوء خلايا الطاقة الشمسية».

إحدى الأسواق بعد ترميمها وتشغيلها (الشرق الأوسط)

تتميز سوق «السقطية 1» الممتدة لنحو مائة متر بقبابها وأقواسها الحجرية الفريدة، وتحتضن خان الجمرك المملوكي. أما سوق «خان الحرير» المجاورة للجامع الأموي الكبير، الذي يخضع هو الآخر لعمليات ترميم، فقد كانت تعاني من دمار واسع، وفق ما أفاد به المرمّمون. وبدأ فريق العمل في عام 2019 بتوثيق السوق للوقوف على شكلها الأصلي، لا سيما بعد انهيار واجهاتها الحجرية بالكامل.

مواد ترميم أصلية

ويراعي فريق المرممين إعادة استخدام الأحجار الأصلية المستخرجة من الموقع، إلى جانب الاستعانة بأحجار متطابقة من محاجر قريبة وبأحجام متباينة، تطبيقاً لمفهوم «إعادة الشيء إلى أصله»، وفق المهندسة السورية.

ومن بين الأسواق التي شملها الترميم في حلب، سوق «الأحمدية»، إحدى الأسواق التسعة على الشارع المستقيم الممتد من باب أنطاكية غرباً حتى نهاية سوق الزرب شرقاً المطل على قلعة حلب الأثرية. وتشتهر هذه السوق بتجارة الألبسة والقطنيات والمكسرات.

متجر لبيع المكسرات (الشرق الأوسط)

تمتد سوق الأحمدية على طول 39 متراً، وتضم 19 محلاً تجارياً، بالإضافة إلى سبيل للمياه ومقهى الشلبي، الذي يمنح السوق أهميتها لندرة المقاهي في الأسواق المشابهة، ويُعد تحفة فنية بطرازه المعماري الفريد. وقد تعرض المقهى للدمار إثر زلزال عام 2023 قبل أن يُرمّم مجدداً. كما تضم السوق قبة الأحمدية المشهورة بزخارفها المميزة، ومظلة خشبية مزخرفة تعرضت للحرق خلال الحرب.

سوق خان الحرير بعد ترميمها (الشرق الأوسط)

نجح فريق الترميم في إعادة الأسواق المرممة إلى صورتها الأصلية عبر استخدام مواد وأدوات يدوية دقيقة، تعتمد على براعة وعمالة ماهرة. وتقول المهندسة فاطمة: «يساعدنا التوثيق الجيد للأسواق المدمرة في الوصول إلى نتائج مرضية، ففي بعض الأحيان تستغرق عملية التوثيق والتخطيط للترميم 7 أشهر. وخلال العمل نستعين بعمالة ماهرة تنفِّذ المخططات بدقة، ونعتمد تماماً على العنصر البشري في نحت وقص ومعالجة الأحجار المستخدمة لإعادة بناء المتاجر، إدراكاً منا لأهميتها وقيمتها الأثرية».

وتُعد «سوق المحماص»، التي تنتهي بالشارع الخلفي للجامع الكبير وتضم قبة خشبية نادرة، أحدث مشروع ترميم انتهى صندوق «الآغا خان» منه في حلب. واستغرق العمل وقتاً طويلاً لإنهائه بعد أن بلغت نسبة الدمار فيه نحو 90 في المائة. وتوضح فاطمة: «نبحث عن مخططات قديمة، ونكشف الأساسات لإجراء رصد مساحي يحدد حدود المحال، ثم نُقيِّم الأضرار ونرفع تقريراً لمهندسي المرافق الصحية والكهرباء».

التاجر أبو علاء (الشرق الأوسط)

وأمام خان القصابية وقف تاجر ستيني يلقب بـ«أبو علاء» معدداً الأهمية التاريخية للسوق، وعبّر بنبرة حماسية عن اعتزازه الكبير بالمكان الذي يعمل به منذ أن كان طفلاً صغيراً، ويقول إن «حلب مدينة تاريخية تمرض ولا تموت بعدما شهدت حروباً وزلازل»، مؤكداً أنها تراهن على «العراقة» التي اكتسبتها منذ مئات السنين.

عائدون إلى حلب

داخل متجره المتخصص في بيع «صابون الغار» الشهير، جلس الرجل الستيني محمود أرناب، منتظراً زبائنه، يتذكر أيام الحرب التي عاشتها حلب واضطرته للهجرة إلى تركيا عام 2014، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «كان اليوم الذي يمر وقتئذ يكون اليوم التالي له أسوأ، لكن اليوم بعد تحرير سوريا من نظام بشار الأسد فإن الغد بات أفضل من اليوم الذي نعيشه في المدينة».

محمود أرناب (الشرق الأوسط)

ويضيف أرناب أنه «عاد منذ بضعة أشهر من تركيا وفتح متجرة مجدداً بعد ترميمه»، معبراً عن سعادته الكبيرة بالعودة إلى «ست الكل» حلب، وأكد أن الزحام الذي تشهده السوق في الفترة الجارية بدأ قبل 3 أشهر فقط.

وفي زاوية أخرى من السوق كان يترجل مصطفى الرحماني، الذي يسكن في بيت قريب من قلعة حلب، بخطوات ثابتة نحو أحد المساجد القريبة من الجامع الأموي الكبير المغلق، لأداء صلاة المغرب.

عبَّر صاحب اللحية البيضاء والوجه الباسم، عن ارتياحه الشديد بالعودة إلى حلب بعد 10 سنوات كاملة قضاها في مدينة الإسكندرية المصرية هو وأسرته، حيث افتتح مطعماً هناك للمأكولات السورية، لكنه فضَّل العودة قبل شهرين إلى حلب لاستئناف حياته بها رفقة أبنائه الذين عادوا معه أيضاً من مصر ويعملون حالياً في أحد مطاعم حلب.

لا يشعر الرجل بقلق كبير تجاه الأوضاع الراهنة في المدينة، ويتوقع تحسن الأوضاع وترميم بقية الأسواق المدمرة وإعادة فتح مطعمه، منتظراً وصول معداته وأدواته التي شحنها من مصر إلى سوريا.

جانب من أعمال الترميم (الشرق الأوسط)

انتعاشة مرهونة بالسلام

ويرهن تيري غراندان، مدير برامج «صندوق الآغا خان للثقافة»، ومدير مشروع الحفاظ والترميم والتخطيط الحضري في حلب، الاستمرار في إعادة ترميم السوق القديمة وانتعاشها بإحلال السلام في سوريا بشكل عام، وفي حلب بشكل خاص.

ويشير غراندان إلى أن إعادة تشغيل الأسواق تبقى مهمة صعبة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «جزء من سكان حلب لم يعد بعد، كان عدد سكان المدينة القديمة يُقدّر بنحو 120 ألف نسمة قبل الحرب، واليوم يقيم فيها نحو 50 ألفاً فقط. وهؤلاء السكان كانوا يشكلون جزءاً أساسياً من الحركة في السوق والعمل التجاري». وأضاف: «أُعيد تشغيل بعض الورش التي تمد الأسواق بالبضائع والمشغولات».

وبسبب طول فترة الإغلاق، يرى غراندان أن الدول التي كانت تعتمد على سوق حلب لشراء البضائع السورية خلال العقود الماضية تحولت إلى أسواق بديلة.

جانب من معروضات حلب التراثية (الشرق الأوسط)

ويؤكد تيري أن الأسواق والخانات القريبة من قلعة حلب شهدت دماراً كبيراً، ويمكن لـ«صندوق الآغا خان للثقافة» أن يُرمم سوقاً كل عام.

وفاقم الزلزال المدمر الذي ضرب سوريا وتركيا المجاورة منذ عامين الوضع في حلب، حيث تقدر منظمة «اليونيسكو» أن نحو 60 في المائة من المدينة القديمة تضررت بشدة، في حين تدمرت نحو 30 في المائة منها بشكل كامل.

وشجَّعت عمليات الترميم بعض التجار على إعادة تأهيل متاجرهم بأنفسهم، دون انتظار تدخلات حكومية، وفق ما رصدت «الشرق الأوسط»، لا سيما في الأسواق الأقل تضرراً.


مقالات ذات صلة

مصر: معارض أثرية تحتفي بالنيل في يوم التراث العالمي

احتفت مصر بالنيل في اليوم العالمي للتراث (وزارة السياحة والآثار)

مصر: معارض أثرية تحتفي بالنيل في يوم التراث العالمي

اختارت وزارة السياحة والآثار المصرية نهر النيل موضوعاً لاحتفالها هذا العام بيوم التراث العالمي، ونظمت متاحف أثرية سلسلة من المعارض المؤقتة والفعاليات الثقافية.

فتحية الدخاخني (القاهرة )
يوميات الشرق معبد دندرة ضمن قائمة التراث بالعالم الإسلامي (وزارة السياحة والآثار)

مصر: معبد دندرة ومنازل رشيد التاريخية بقائمة التراث في العالم الإسلامي

أدرجت لجنة التراث في العالم الإسلامي معبد دندرة بمحافظة قنا، والمنازل التاريخية بمدينة رشيد، ضمن قائمة التراث.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

عثرت البعثة داخل المقبرة على عدد من المومياوات العائدة إلى العصر الروماني، بعضها ملفوف بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية...

فتحية الدخاخني (القاهرة)
يوميات الشرق القطع المستردة تعود لعصور مختلفة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

مصر تسترد 13 قطعة أثرية من أميركا تعود لعصور مختلفة

مصر تسترد 13 قطعة أثرية من الولايات المتحدة الأميركية تنتمي إلى عصور تاريخية مختلفة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق السيناريو المتحفي الجديد لقاعة الخبيئة بعد تطويره (وزارة السياحة والآثار المصرية)

عرض خبيئة معبد الأقصر كاملة للمرة الأولى

انتهت وزارة السياحة والآثار المصرية من أعمال تطوير قاعة الخبيئة بمتحف الأقصر، تمهيداً لافتتاحها خلال الفترة القليلة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

طرق طبيعية لزيادة المغنيسيوم دون مكملات

يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)
يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)
TT

طرق طبيعية لزيادة المغنيسيوم دون مكملات

يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)
يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)

يُعدُّ المغنيسيوم من أهم المعادن الضرورية لصحة الإنسان، ومع ذلك لا يحصل كثير من الأشخاص على الكمية الكافية منه يومياً، وفقاً لخبراء التغذية.

ويؤدي هذا المعدن أدواراً حيوية في الجسم؛ إذ يساهم في تنظيم ضغط الدم ومستويات السكر في الدم، ويدعم جهاز المناعة وصحة العضلات، كما يساعد على تحسين جودة النوم، من خلال تعزيز الاسترخاء، وتحفيز إنتاج هرمون الميلاتونين، حسب صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

وتقول اختصاصية التغذية السريرية الأميركية، بيثاني ماري دورفلر، من مركز «نورثويسترن» لصحة الجهاز الهضمي، إن الاهتمام بالمغنيسيوم ازداد بشكل ملحوظ؛ خصوصاً مع انتشار مشكلات الأرق؛ حيث يتساءل كثير من المرضى عن مدى إمكانية استخدامه لتحسين النوم.

وتشير إلى أن الأنظمة الغذائية الغنية بالمغنيسيوم ترتبط بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية، كما تساعد في زيادة كثافة المعادن في العظام، ما يقلل من خطر الكسور وهشاشة العظام.

ورغم هذه الفوائد، أظهرت بحوث أن نحو نصف الأميركيين لا يستهلكون الكميات الموصَى بها من المغنيسيوم، ولكن الخبراء يؤكدون أن الحل لا يتطلب بالضرورة تناول مكملات غذائية؛ بل يمكن تحقيقه بسهولة عبر تحسين النظام الغذائي.

وتوضح دورفلر أن معظم الأشخاص الأصحاء لا يحتاجون إلى مكملات؛ بل إلى زيادة تناول الأطعمة النباتية، مشيرة إلى أن الجسم يمتلك آليات ذكية للحفاظ على المغنيسيوم، مثل تقليل فقدانه عبر الكلى.

وتوصي الجهات الصحية بأن تستهلك النساء البالغات ما بين 310 و320 ملِّيغراماً يومياً حسب السن، بينما يحتاج الرجال إلى ما بين 400 و420 ملِّيغراماً يومياً، مع زيادة طفيفة خلال فترة الحمل.

وتُعد حالات النقص الشديد نادرة، وغالباً ما ترتبط بمشكلات صحية، مثل أمراض الكلى أو اضطرابات الجهاز الهضمي التي تؤثر على امتصاص العناصر الغذائية.

مصادر غذائية

توجد عدَّة طرق فعَّالة لزيادة المغنيسيوم من خلال الطعام دون الحاجة إلى المكملات الغذائية، وذلك عبر التركيز على أطعمة طبيعية غنية بهذا المعدن الأساسي.

وتُعدُّ بذور اليقطين من أغنى المصادر بالمغنيسيوم؛ إذ يوفر ربع كوب منها نسبة كبيرة من الاحتياج اليومي، كما يمكن إضافتها بسهولة إلى السلطات أو تناولها كوجبة خفيفة بين الوجبات الرئيسية.

كما تُعتبر المكسرات والبذور مثل اللوز والكاجو وبذور الشيا خيارات غذائية مهمة، فهي لا توفر المغنيسيوم فحسب؛ بل تحتوي أيضاً على دهون صحية مفيدة للجسم.

أما البقوليات والحبوب الكاملة، مثل الفاصوليا السوداء والحمص والكينوا، فهي مصادر غنية تجمع بين المغنيسيوم والألياف والبروتين، ما يجعلها جزءاً أساسياً من النظام الغذائي المتوازن.

وتساهم الخضراوات الورقية الداكنة، مثل السبانخ، في تعزيز مستوى المغنيسيوم في الجسم، إلى جانب ما تحتويه من فيتامينات ومعادن مهمة تدعم الصحة العامة.

كما يمكن الاعتماد على مجموعة متنوعة من الأطعمة النباتية، مثل التوفو والأفوكادو وحليب الصويا، والتي يسهل دمجها في الوجبات اليومية للحصول على تغذية متكاملة.

ويشير خبراء التغذية إلى أن تنويع النظام الغذائي وزيادة الاعتماد على الأطعمة النباتية يُعدان الطريقة الأكثر أماناً وفاعلية لتلبية احتياجات الجسم من المغنيسيوم، مع فوائد إضافية تشمل دعم صحة القلب والعظام وتحسين جودة النوم.


تطوير أم تجريف... ماذا يحدث في مسار «ترام الإسكندرية»؟

مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)
مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)
TT

تطوير أم تجريف... ماذا يحدث في مسار «ترام الإسكندرية»؟

مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)
مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)

في حين تواصل الجرافات والمعدات الثقيلة عملها في الإسكندرية ضمن مشروع إعادة تأهيل «ترام الرمل»؛ ارتفعت أصوات مواطنين بالإسكندرية للمطالبة بالتصدي لما يحدث في مسار الترام، معتبرين إزالة المحطات التاريخية «طمساً لذاكرة المدينة واعتداءً على هويتها البصرية».

ويخضع «ترام الرمل»، نسبةً إلى منطقة محطة الرمل، أو «الترام الأزرق» حيث لونه المميز، في الوقت الحالي لعملية تطوير شاملة ليحل محله ترام متطور، إذ تتضمن خطة التطوير هيكلة شاملة تتضمن تجديد القضبان وعربات الترام، واستخدام قطارات كهربائية مكيفة ومجهزة بأحدث سبل الراحة، وإنشاء أنفاق للمشاة و«كباري» أمام إشارات المرور والمزلقانات لاختصار زمن التقاطر؛ مما يسمح بتقليل وقت الانتظار ومضاعفة طاقته الاستيعابية، وزيادة سرعته.

ويُعدّ ترام الإسكندرية من أقدم شبكات الترام في العالم، حيث بدأ إنشاؤه عام 1860 ليكون أول وسيلة نقل جماعي في مصر وأفريقيا، وفي عام 1863 افتُتح الخط لنقل الجمهور بقطار واحد تجره الخيول، قبل أن تتم كهربته بالكامل عام 1904، حيث استعملت المركبات الكهربائية فى نقل الركاب، وفقاً لـ«الهيئة العامة لنقل الركاب بمحافظة الإسكندرية».

هدم محطة «بولكلي» التاريخية بمسار ترام الرمل في الإسكندرية أثار انتقادات (المحامي المصري محمد فتوح)

وتداول نشطاء التراث والبيئة وكذلك حقوقيون، خلال الساعات الماضية، مقاطع فيديو وصوراً تُظهر تعرض محطات الترام التاريخية للهدم، كان أبرزها محطة إيزيس أو «بولكلي»، والتي تعرف شعبيا بمسمى «بوكلا»، مما دعاهم إلى إطلاق حملات واستغاثات للمسؤولين والجهات المعنية لإنقاذ هوية الإسكندرية، مشددين على أن هدم المحطات يعد مخالفة للقانون ويأتي خلافاً لتفاصيل التطوير المعلنة.

كان من أبرز تلك الحملات ما تم توجيهه إلى وزيرة الثقافة المصرية، جيهان زكي، للحفاظ ما تبقى من تراث الإسكندرية، وممارسة سلطتها القانونية في حماية محطات الترام كمعالم تاريخية بالمدينة.

وقال المحامي المصري، محمد فتوح، صاحب الحملة، والذي تقدم قبل أسابيع بدعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري لإلغاء مشروع تطوير ترام الرمل بالإسكندرية، إن النشطاء بالمدينة ليسوا ضد التطوير، فهم يدعمون أي خطوات نحو التقدم، لكنهم يشددون على أن التطوير يجب أن يتم بطريقة تحافظ على الهوية البصرية للمدينة الكوزموبوليتانية، وتحمي تراثها وتاريخها من الاندثار.

محطات ترام الرمل تضم معالم معمارية تعكس هوية المدينة (سيرة الإسكندرية)

وأضاف فتوح لـ«الشرق الأوسط»، أن محطة إيزيس (بولكلي) هي درة معمارية يتجاوز عمرها 163 عاماً، ومسجلة رسمياً في مجلد الحفاظ على التراث المعماري بالإسكندرية تحت رقم توثيق 1898، حيث تتميز المحطة بعناصر معمارية فريدة، أبرزها العمود الكبير المزود بأربع ساعات على غرار ساعة لندن، والذي كان رمزاً بصرياً يمكن مشاهدته من جميع الاتجاهات، مشيراً إلى أن «مشهد هدم هذا العمود أمام أعين الناس يعد بالنسبة للنشطاء ليس مجرد فقدان قطعة أثرية، بل محو لمعالم معمارية تعكس هوية المدينة».

ويؤكد فتوح أن هدم المحطة لم يكن مطروحاً ضمن خطط التطوير المعلنة، واصفاً ما يحدث حالياً بأنه عكس ما تم الترويج له تماماً، إذ كان الحديث يدور عن تحسين المرافق وتجميلها، لا عن محوها بالكامل، موضحاً أن «هدم أصل تراثي مسجل يُعد مخالفة صريحة للقانون».

كما يشير إلى أن المحطة كانت تحتضن أشجاراً قديمة أُدمجت في تصميم المبنى خلال أعمال تطوير سابقة عام 2008، على غرار ما يحدث في المدن الأوروبية، حيث تُحافظ المباني على الأشجار كجزء من المشهد العمراني، لكنها أُزيلت هي الأخرى، وهو ما يجعل المشهد أكثر إيلاماً».

وبيّن أن المطالبة الأساسية للنشطاء هي أن يتم مشروع تطوير الترام في إطار يوازن بين التحديث والحفاظ على التراث، بحيث لا يُجرف تاريخ الإسكندرية تحت شعار التطوير، فالمطلوب هو نموذج يدمج بين التقدم العمراني وصون الذاكرة الجمعية، ليبقى الترام ومعالمه جزءاً حياً من شخصية المدينة.

ويلفت المحامي السكندري إلى أن نزاعه القضائي لإلغاء مشروع تطوير الترام لا يزال منظورا أمام ساحات القضاء، مؤكداً أن «محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية أصدرت أمراً قضائياً باختصام رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري (التابع لوزارة الثقافة)، وإلزامه بتقديم مذكرة توضح طعونه واعتراضاته الفنية على القرار الخاص بالمشروع، وإلزامه بأن يكشف للمحكمة هل وافق فعلاً على هدم محطات الترام؟».

محطة «بولكلي» التاريخية بمسار ترام الرمل في الإسكندرية (المحامي المصري محمد فتوح)

من ناحية أخرى، يؤكد النائب حسام حسن، عضو مجلس النواب المصري، الذي سبق أن قدم إحاطة برلمانية موجّهة إلى وزير النقل والمواصلات، بشأن وقف تشغيل ترام الرمل، لما أثاره من تساؤلات تتعلق بحماية المال العام والحفاظ على التراث، أن «أزمة الترام لا تتعلق بالإسكندرية وحدها، بل هي جزء من مشكلة أوسع تتمثل في طرح مشروعات التطوير دون مشاركة مجتمعية حقيقية أو مراعاة للبعد الشعوري للمواطنين أو حتى في تسويق مشروعات التطوير».

وأضاف حسن، لـ«الشرق الأوسط»، أن غياب هذه المشاركة يجعل الأفراد يشعرون بأن هويتهم تُنتزع منهم، مشيراً إلى أن «مواطني الإسكندرية يرون في الترام جزءاً من شخصيتهم وهويتهم، وأن فقدان هذا المعلم التاريخي يُفسَّر على أنه انتزاع لجزء من ذاكرة المدينة»، موضحاً أن «المصريين بطبيعتهم مرتبطون بالتراث والهوية البصرية، لكن غياب الاعتبار لهذه القيم في مشروعات التطوير يخلق فجوة بين الخطاب الرسمي وما يعيشه المواطن على أرض الواقع»، على حد تعبيره.

ويلفت إلى أن القيادة السياسية تتحدث عن أهمية الهوية البصرية، لكن التنفيذ على الأرض لا يراعي هذه الاعتبارات، وهو ما يفسر حالة الغضب الشعبي من هدم معالم تاريخية مثل محطة ترام بولكلي، مؤكداً أن الشعب المصري مرتبط بأرضه وتاريخه، وأي مشروع لا يضع هذا الارتباط في الاعتبار يظل مهدداً بفقدان ثقة الناس فيه.

كان المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري قد أوضح في بيان خلال فبراير (شباط) الماضي، عدم صحة ما تردد حول إزالة ترام الرمل بشكل نهائي، لافتاً إلى «تأكيد وزارة النقل أن ما يجري هو تنفيذ أعمال إعادة تأهيل وتطوير للمشروع».

وبدورها، شددت محافظة الإسكندرية على أن مشروع تطوير «ترام الرمل» لا يستهدف إلغاءه بأي حال، وإنما يهدف إلى الحفاظ عليه وتطويره ليواكب متطلبات النقل الحديث، مع تحقيق أعلى معايير السلامة والكفاءة البيئية، مؤكدةً أن جميع الدراسات والإجراءات التنفيذية تمت وتتم وفق أسس علمية وفنية دقيقة، وبمشاركة جهات استشارية دولية ووطنية متخصصة.

Your Premium trial has ended


اكتشافات جديدة في «موقع السرين» تعكس الصلات الحضارية بين السعودية والصين

نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
TT

اكتشافات جديدة في «موقع السرين» تعكس الصلات الحضارية بين السعودية والصين

نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)

كشفت أعمال التنقيب في «موقع السرين» الأثري بمحافظة الليث بمنطقة مكة المكرمة، عن أدلة جديدة توثِّق عمق الروابط التجارية والحضارية، التي شهدها واحد من أهم الموانئ التاريخية على ساحل البحر الأحمر، حيث أدى دوراً محورياً في التجارة والحج والملاحة بين اليمن ومكة المكرمة وشرق آسيا وأفريقيا، مُسجِّلاً ذروة ازدهاره الحضاري خلال القرنين الرابع والخامس الهجريَّين.

وأعلنت هيئة التراث، الثلاثاء، نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025م للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري بمحافظة الليث بمنطقة مكة المكرمة، ضمن جهودها لتوثيق ودراسة المواقع الأثرية الساحلية، وتعزيز فهم المشهد الحضاري للمدن والموانئ التاريخية الإسلامية على ساحل البحر الأحمر.

ومن أبرز المكتشفات المُوثَّقة، جزء من جرة خزفية صينية تعود إلى عصر سونغ الشمالية (960 - 1127م)، تتميَّز بوجود بقايا ختم زخرفي يحمل رموزاً كتابية صينية متضررة وغير مقروءة، وتعدُّ شاهداً أثرياً على الاتصال التجاري بين جنوب الصين وسواحل البحر الأحمر خلال العصر الإسلامي.

شهد الموسم توثيق معثورات أثرية متنوعة شملت الفخار بأنواعه والمباخر الفخارية والأدوات الحجرية (هيئة التراث)

وأظهرت أعمال الموسم الرابع من أعمال التنقيب في «موقع السرين»، عن امتدادات معمارية في عدد من مربعات الحفر ضمن شبكة التنقيب بالموقع، شملت توثيق وحدات سكنية وخدمية وتخزينية، ومواقد فخارية تعكس أنشطة الحياة المعيشية، إلى جانب الكشف عن سور يحيط بالموقع ويمتد في الجهات الجنوبية والشمالية والغربية، بما أتاح قراءة أوضح لتنظيم الموقع وحدوده العمرانية.

وأسفرت أعمال التنقيب ضمن السياق المعماري، عن بقايا مسجد في الجهة الجنوبية الغربية من الموقع، ولا تزال أعمال التنقيب والدراسة مستمرة فيه، مع توقُّع امتداد العمل إلى الموسم المقبل نظراً لأهميته في فهم البنية الدينية والتنظيم الحضري لمدينة السرين.

وشهد الموسم توثيق معثورات أثرية متنوعة شملت الفخار بأنواعه، والمباخر الفخارية، والأدوات الحجرية، وخرز العقيق، والزجاج، إلى جانب مواد عضوية عبارة عن أصداف وعظام حيوانية، بما يعكس تنوع الأنشطة الاقتصادية والمعيشية لسكان الموقع.

وتستمر أعمال التنقيب والدراسة في «موقع السرين» الأثري خلال المواسم المقبلة؛ حسبما أكدت هيئة التراث؛ وذلك بهدف بناء تصور علمي متكامل لتاريخ الاستيطان، والتطور العمراني، وإبراز القيمة الحضارية للموقع بوصفه أحد أهم الموانئ التاريخية على ساحل البحر الأحمر.

التنقيب يأتي ضمن جهود توثيق ودراسة المواقع الأثرية الساحلية وتعزيز فهم المشهد الحضاري للمدن والموانئ (هيئة التراث)

عمق تاريخي لأكثر من ألفَي عام

توجد مدينة السِّرّين في محافظة الليث، الواقعة على بُعد 250 كيلومتراً، جنوب مكة المكرمة، وتحديداً في السهل الفيضي لوادي «حَلية» الشهير، أو ما يُعرَف حالياً بـ«وادي الشاقة الشامية» عند مصب الوادي في البحر، ويقع في جنوبها مصب «وادي عِلْيَب»، أو ما يُعرَف حالياً بـ«وادي الشاقة اليمانية».

وتعود تسمية المدينة الأثرية بهذا الاسم نسبة إلى هذين الواديين، إذ يُعدُّ «حلية» و«عليب» من أشهر وأخصب أودية مكة المكرمة، في حين يُعدُّ ميناء المدينة، الذي تعود نشأته إلى فترة ما قبل الإسلام، جزءاً رئيسياً من تفاصيل المدينة التي كانت أحد المواقع الحيوية والاقتصادية التي نهضت بحركة اقتصادية ونشاط اجتماعي لافت، خلال الفترة من القرن الثالث الهجري حتى القرن الثامن الهجري.

وشهد الموقع نشاطاً حضرياً وتجارياً منذ القرن الثالث الهجري، وأسهم في ربط شبكات التجارة البحرية بين شبه الجزيرة العربية وشرق أفريقيا وموانئ العالم الإسلامي، مستفيداً من موقعه الجغرافي عند مصب وادٍ موسمي وفَّر بيئةً طبيعيةً ملائمةً للاستيطان البشري.

أظهرت أعمال التنقيب عن امتدادات معمارية في عدد من مربعات الحفر ضمن شبكة التنقيب (هيئة التراث)

وفي أكتوبر 2024، وقَّعت هيئة التراث السعودية، في مقرِّ وزارة الثقافة والسياحة الصينية، برنامجاً تنفيذياً مع الهيئة الوطنية للتراث الثقافي الصيني؛ لتجديد الترخيص لأعمال التنقيب في الموقع الأثري، بوصفه واحداً من المواقع التاريخية المهمة في السعودية، والذي يُعتقد أنه يحتوي على آثار تعود لحضارات قديمة استوطنت المنطقة.

وتُعدُّ مدينة السرين إحدى المحطات التاريخية على طريق الحرير البحري، وتحوَّلت من بلدة صغيرة، في نهاية القرن الثالث الهجري، إلى مدينة كبيرة ونشيطة تجارياً، تَعاقب على إمارتها عدد من الأمراء، وارتبط ميناؤها تاريخياً بالرحلات والبضائع المقبلة من الصين ودول آسيا إلى الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين.

وتضم مدينة السرين ميناءً للسفن، يحتوي آثاراً ونقوشاً تاريخية تعود إلى عصر ما قبل الإسلام، إضافة إلى بقايا آثار استودعتها الحِقب الماضية تبرهن على حجم وقيمة تراثها الغنيّ، ومنها المباني القديمة، وكسر الأحجار الحمراء، والأحجار البحرية، التي كانت تُستخدَم في تشييد المباني، وكسر فخارية وخزفية وزجاجية، وأكوام من الآجُر والحجر، كما تحتفظ شواهد مقبرة المدينة بنقوش مميزة تستحق التعمُّق في دراستها.