سوق حلب التاريخية تنفض غبار الحرب والزلزال ببطء

ترميم وتشغيل ربع مساحتها عبر مشروع طموح

TT

سوق حلب التاريخية تنفض غبار الحرب والزلزال ببطء

خان القصابية في ساحة الفستق (الشرق الأوسط)
خان القصابية في ساحة الفستق (الشرق الأوسط)

تنهض الحياة في حلب، ثاني أكبر المدن السورية بعد العاصمة دمشق، من رحم الموت، تماماً كالنباتات والأشجار الخضراء التي تشق طريقها نحو السماء وسط غابات سوداء محترقة. فسوق حلب التاريخية، التي تُوصف بأنها «قلب المدينة النابض»، تستعيد روحها ببطء، في مشهد يجمع بين الألم والأمل.

وتُجسِّد الصورة الراهنة لهذه السوق العريقة مثالاً صارخاً للتناقض بين الحياة والموت، وبين الضوء والظلام، وبين الألوان الزاهية وتلك الباهتة. فبينما عادت الأضواء والحركة إلى الأسواق الواقعة خلف «الجامع الأُموي الكبير» بعد ترميمها وإعادة تشغيلها خلال الفترة الماضية، لا تزال الأسواق والخانات القريبة من قلعة حلب غارقة في الصمت، مثقلة بالركام والدمار الهائل.

تبدو تلك المنطقة وكأنها موطن للأشباح، يتجنبها المارة، لا سيما في ساعات الظلام، رغم أنها كانت قبل الحرب السورية تعج بالحيوية، وتصدح فيها أصوات البائعين، وتفيض بالحركة والنشاط.

دمار هائل خلفته الحرب في سوق حلب (الشرق الأوسط)

تُعدُّ سوق حلب من أقدم وأكبر الأسواق المسقوفة في العالم، وتتمتع بمكانة تاريخية واقتصادية وثقافية بارزة في سوريا، إذ تضم عشرات الأسواق المتصلة الممتدة على طول الشارع المستقيم، من باب أنطاكية وصولاً إلى محيط قلعة حلب.

وإلى جانب متاجرها وخاناتها، تحتضن السوق حمَّامات أثرية عريقة، في مقدمتها حمَّام يلبغا العائد إلى الحقبة المملوكية، وحمَّام نور الدين الزنكي الذي يعود إلى الفترة الزنكية. كما تضم خانات تاريخية كانت تؤدي دور الفنادق التجارية القديمة، من أبرزها خان الجمرك.

وتتميّز أسواق حلب بتخصُّص كل سوق بحرفة أو بضاعة بعينها. ونظراً لقيمتها التاريخية والحضارية الفريدة، أُدرجت السوق ضمن قائمة التراث العالمي «لليونيسكو» عام 1986، بوصفها جزءاً لا يتجزأ من مدينة حلب القديمة.

أحد الخانات الأثرية المدمرة في السوق التاريخية (الشرق الأوسط)

قبل الحرب، كانت السوق تحوي آلاف المحلات التي اشتهرت بمنتجات متنوعة، من الحرير والتوابل إلى الصابون. وخلال الحرب السورية، تعرّضت السوق لأضرار جسيمة نتيجة القصف والمعارك، مما أدى إلى تدميرها جزئياً في بعض المناطق وكلياً في أخرى.

تخضع أزقة السوق التاريخية، التي يصل طولها الإجمالي إلى نحو 13 كيلومتراً، حالياً لعملية ترميم واسعة ومتدرجة تشمل جهوداً محلية ودولية. وبفضل هذه الجهود، أُعيد افتتاح وتشغيل نحو 13 سوقاً من أصل 40، وفق ما أفاد به خبراء الترميم والتجار في حديثهم لـ«الشرق الأوسط».

أعمال الترميم تجري ببطء (الشرق الأوسط)

وتعود جذور سوق حلب إلى العصور الهلنستية والرومانية، حين كانت المدينة محطة تجارية مهمة على طرق القوافل بين الشرق والغرب، وازدهرت السوق بشكل كبير منذ العصر الأُموي، ثم توسَّعت وتطوَّرت في العصور الأيوبية والمملوكية، في حين شهدت أكبر مراحل توسعها في العصر العثماني حين بُنيت معظم أقسامها المسقوفة الحالية على غرار «سوق المدينة»، و«سوق العطارين»، و«سوق الصاغة»، و«سوق النحاسين»، وأصبح مركزاً تجارياً إقليمياً يربط الأناضول ببلاد الشام وبلاد ما بين النهرين.

إنقاذ الأسواق التاريخية

تعمل مؤسسة «الآغا خان» للثقافة منذ عام 2018، بالتعاون مع شركاء محليين، على برنامج لترميم السوق التاريخية. شملت هذه الأعمال إعادة تأهيل 8 أقسام رئيسية، وإرجاع أكثر من 277 محلاً تجارياً إلى أصحابها، وتأهيل نحو 500 متر من الممرات داخلها. بالإضافة إلى تنفيذ أعمال تثبيت طارئة لـ6 معالم تاريخية تضررت جراء زلازل عام 2023، بدعم كريم من مؤسسة «ألِف».

الحياة تعود تدريجياً إلى السوق (الشرق الأوسط)

كما تعمل «اليونيسكو» مع شركاء دوليين في مشروعات استقرار وترميم تشمل أجزاء من الأسواق والأعمال التراثية المتضررة.

تُعد سوق «السقطية 1» شرياناً أساسياً للأسواق القديمة في حلب، لوقوعها على الخط المستقيم الممتد من باب أنطاكية وصولاً إلى سوق الزرب، وفق ما أشارت فاطمة خولندي، مهندسة معمارية في صندوق «الآغا خان» للثقافة، التي رافقت فريق «الشرق الأوسط» في جولته داخل السوق.

المهندسة فاطمة خولندي (الشرق الأوسط)

تتحدث المهندسة السورية الشابة بحماس وفخر عن جماليات سوق حلب التاريخية وتفردها، وعن أعمال الترميم التي أُنجزت خلال الأعوام الماضية، قائلة: «اختيرت سوق (السقطية 1)، المتخصصة في بيع المكسرات، كمشروع (بايلوت) أو نموذج لمشروعات ترميم صندوق (الآغا خان) في السوق، لا سيما أن نسبة الضرر بها كانت أقل مقارنة بالمستويات الهائلة من الدمار في الأسواق الأخرى. ونجح المشروع في إعادة بريق السوق مجدداً، وتسليم 53 محلاً تعمل جميعها الآن». وتابعت: «في حين تضاء المتاجر بالكهرباء المركزية للمدينة، فإن نهر الأسواق المرممة يسطع بضوء خلايا الطاقة الشمسية».

إحدى الأسواق بعد ترميمها وتشغيلها (الشرق الأوسط)

تتميز سوق «السقطية 1» الممتدة لنحو مائة متر بقبابها وأقواسها الحجرية الفريدة، وتحتضن خان الجمرك المملوكي. أما سوق «خان الحرير» المجاورة للجامع الأموي الكبير، الذي يخضع هو الآخر لعمليات ترميم، فقد كانت تعاني من دمار واسع، وفق ما أفاد به المرمّمون. وبدأ فريق العمل في عام 2019 بتوثيق السوق للوقوف على شكلها الأصلي، لا سيما بعد انهيار واجهاتها الحجرية بالكامل.

مواد ترميم أصلية

ويراعي فريق المرممين إعادة استخدام الأحجار الأصلية المستخرجة من الموقع، إلى جانب الاستعانة بأحجار متطابقة من محاجر قريبة وبأحجام متباينة، تطبيقاً لمفهوم «إعادة الشيء إلى أصله»، وفق المهندسة السورية.

ومن بين الأسواق التي شملها الترميم في حلب، سوق «الأحمدية»، إحدى الأسواق التسعة على الشارع المستقيم الممتد من باب أنطاكية غرباً حتى نهاية سوق الزرب شرقاً المطل على قلعة حلب الأثرية. وتشتهر هذه السوق بتجارة الألبسة والقطنيات والمكسرات.

متجر لبيع المكسرات (الشرق الأوسط)

تمتد سوق الأحمدية على طول 39 متراً، وتضم 19 محلاً تجارياً، بالإضافة إلى سبيل للمياه ومقهى الشلبي، الذي يمنح السوق أهميتها لندرة المقاهي في الأسواق المشابهة، ويُعد تحفة فنية بطرازه المعماري الفريد. وقد تعرض المقهى للدمار إثر زلزال عام 2023 قبل أن يُرمّم مجدداً. كما تضم السوق قبة الأحمدية المشهورة بزخارفها المميزة، ومظلة خشبية مزخرفة تعرضت للحرق خلال الحرب.

سوق خان الحرير بعد ترميمها (الشرق الأوسط)

نجح فريق الترميم في إعادة الأسواق المرممة إلى صورتها الأصلية عبر استخدام مواد وأدوات يدوية دقيقة، تعتمد على براعة وعمالة ماهرة. وتقول المهندسة فاطمة: «يساعدنا التوثيق الجيد للأسواق المدمرة في الوصول إلى نتائج مرضية، ففي بعض الأحيان تستغرق عملية التوثيق والتخطيط للترميم 7 أشهر. وخلال العمل نستعين بعمالة ماهرة تنفِّذ المخططات بدقة، ونعتمد تماماً على العنصر البشري في نحت وقص ومعالجة الأحجار المستخدمة لإعادة بناء المتاجر، إدراكاً منا لأهميتها وقيمتها الأثرية».

وتُعد «سوق المحماص»، التي تنتهي بالشارع الخلفي للجامع الكبير وتضم قبة خشبية نادرة، أحدث مشروع ترميم انتهى صندوق «الآغا خان» منه في حلب. واستغرق العمل وقتاً طويلاً لإنهائه بعد أن بلغت نسبة الدمار فيه نحو 90 في المائة. وتوضح فاطمة: «نبحث عن مخططات قديمة، ونكشف الأساسات لإجراء رصد مساحي يحدد حدود المحال، ثم نُقيِّم الأضرار ونرفع تقريراً لمهندسي المرافق الصحية والكهرباء».

التاجر أبو علاء (الشرق الأوسط)

وأمام خان القصابية وقف تاجر ستيني يلقب بـ«أبو علاء» معدداً الأهمية التاريخية للسوق، وعبّر بنبرة حماسية عن اعتزازه الكبير بالمكان الذي يعمل به منذ أن كان طفلاً صغيراً، ويقول إن «حلب مدينة تاريخية تمرض ولا تموت بعدما شهدت حروباً وزلازل»، مؤكداً أنها تراهن على «العراقة» التي اكتسبتها منذ مئات السنين.

عائدون إلى حلب

داخل متجره المتخصص في بيع «صابون الغار» الشهير، جلس الرجل الستيني محمود أرناب، منتظراً زبائنه، يتذكر أيام الحرب التي عاشتها حلب واضطرته للهجرة إلى تركيا عام 2014، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «كان اليوم الذي يمر وقتئذ يكون اليوم التالي له أسوأ، لكن اليوم بعد تحرير سوريا من نظام بشار الأسد فإن الغد بات أفضل من اليوم الذي نعيشه في المدينة».

محمود أرناب (الشرق الأوسط)

ويضيف أرناب أنه «عاد منذ بضعة أشهر من تركيا وفتح متجرة مجدداً بعد ترميمه»، معبراً عن سعادته الكبيرة بالعودة إلى «ست الكل» حلب، وأكد أن الزحام الذي تشهده السوق في الفترة الجارية بدأ قبل 3 أشهر فقط.

وفي زاوية أخرى من السوق كان يترجل مصطفى الرحماني، الذي يسكن في بيت قريب من قلعة حلب، بخطوات ثابتة نحو أحد المساجد القريبة من الجامع الأموي الكبير المغلق، لأداء صلاة المغرب.

عبَّر صاحب اللحية البيضاء والوجه الباسم، عن ارتياحه الشديد بالعودة إلى حلب بعد 10 سنوات كاملة قضاها في مدينة الإسكندرية المصرية هو وأسرته، حيث افتتح مطعماً هناك للمأكولات السورية، لكنه فضَّل العودة قبل شهرين إلى حلب لاستئناف حياته بها رفقة أبنائه الذين عادوا معه أيضاً من مصر ويعملون حالياً في أحد مطاعم حلب.

لا يشعر الرجل بقلق كبير تجاه الأوضاع الراهنة في المدينة، ويتوقع تحسن الأوضاع وترميم بقية الأسواق المدمرة وإعادة فتح مطعمه، منتظراً وصول معداته وأدواته التي شحنها من مصر إلى سوريا.

جانب من أعمال الترميم (الشرق الأوسط)

انتعاشة مرهونة بالسلام

ويرهن تيري غراندان، مدير برامج «صندوق الآغا خان للثقافة»، ومدير مشروع الحفاظ والترميم والتخطيط الحضري في حلب، الاستمرار في إعادة ترميم السوق القديمة وانتعاشها بإحلال السلام في سوريا بشكل عام، وفي حلب بشكل خاص.

ويشير غراندان إلى أن إعادة تشغيل الأسواق تبقى مهمة صعبة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «جزء من سكان حلب لم يعد بعد، كان عدد سكان المدينة القديمة يُقدّر بنحو 120 ألف نسمة قبل الحرب، واليوم يقيم فيها نحو 50 ألفاً فقط. وهؤلاء السكان كانوا يشكلون جزءاً أساسياً من الحركة في السوق والعمل التجاري». وأضاف: «أُعيد تشغيل بعض الورش التي تمد الأسواق بالبضائع والمشغولات».

وبسبب طول فترة الإغلاق، يرى غراندان أن الدول التي كانت تعتمد على سوق حلب لشراء البضائع السورية خلال العقود الماضية تحولت إلى أسواق بديلة.

جانب من معروضات حلب التراثية (الشرق الأوسط)

ويؤكد تيري أن الأسواق والخانات القريبة من قلعة حلب شهدت دماراً كبيراً، ويمكن لـ«صندوق الآغا خان للثقافة» أن يُرمم سوقاً كل عام.

وفاقم الزلزال المدمر الذي ضرب سوريا وتركيا المجاورة منذ عامين الوضع في حلب، حيث تقدر منظمة «اليونيسكو» أن نحو 60 في المائة من المدينة القديمة تضررت بشدة، في حين تدمرت نحو 30 في المائة منها بشكل كامل.

وشجَّعت عمليات الترميم بعض التجار على إعادة تأهيل متاجرهم بأنفسهم، دون انتظار تدخلات حكومية، وفق ما رصدت «الشرق الأوسط»، لا سيما في الأسواق الأقل تضرراً.


مقالات ذات صلة

آثاريون مصريون ينتفضون ضد «تشويه» بانوراما معبد كلابشة بأسوان

يوميات الشرق جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

آثاريون مصريون ينتفضون ضد «تشويه» بانوراما معبد كلابشة بأسوان

أبدى عددٌ من الآثاريين المصريين غضبهم وانتفضوا لمشاهِد مُصوَّرة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، تظهر فيه واجهة معبد كلابشة بأسوان بها مبنيان حديثان.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق من العملات التذكارية المسكوكة في مصر (فيسبوك)

عملات تذكارية وأوسمة ونياشين تحكي تاريخ مصر

ترسم العملات التذكارية وأنماط التميز والنياشين ملامح تاريخية عبر التوثيق لأحداث وشخصيات مؤثرة في التاريخ المصري الحديث.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق الآثار المصرية المغمورة بالمياه في الإسكندرية (وزارة السياحة والآثار)

مصر تتوسع في تنظيم معارض أثرية مؤقتة بالخارج

تتجه مصر للتوسع في إقامة المعارض الأثرية المؤقتة بالخارج، بعد الإعلان عن التحضير لإقامة معرض في الولايات المتحدة الأميركية للآثار المصرية المغمورة بالمياه.

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

حلّ «يوم العمال العالمي» في مطلع هذا الشهر، كما جرت العادة منذ عقود، وأعادت هذه المناسبة إلى الواجهة أعمالاً فنية متنوّعة تحتفي بشكل أو بآخر بالعمال

محمود الزيباوي
يوميات الشرق تطوير ميدان السيدة عائشة (المقاولون العرب)

مصر تتوسع في ترميم مساجد ومقامات تاريخية بالقاهرة

تتوسع مصر في أعمال الترميم والتطوير بعدد من المساجد والأماكن الأثرية في منطقة السيدة عائشة بوسط القاهرة، في ضوء الاهتمام بإحياء التراث الإسلامي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

مبادرة لمعالجة البيانات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي بـ«لغة الضاد»

اعتمدت السعودية عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي» في خطوة تجسد وتيرة التحول التقني التي تشهدها (الصندوق الثقافي)
اعتمدت السعودية عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي» في خطوة تجسد وتيرة التحول التقني التي تشهدها (الصندوق الثقافي)
TT

مبادرة لمعالجة البيانات وخوارزميات الذكاء الاصطناعي بـ«لغة الضاد»

اعتمدت السعودية عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي» في خطوة تجسد وتيرة التحول التقني التي تشهدها (الصندوق الثقافي)
اعتمدت السعودية عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي» في خطوة تجسد وتيرة التحول التقني التي تشهدها (الصندوق الثقافي)

استثمرت مبادرة سعودية في اللغة العربية تقنية وميزة تنافسية، وحولتها من وسيلة تواصل إلى محرك ابتكار يخدم مئات الجهات، ويصون الهوية الوطنية، ويتوافق مع عدة مبادرات وطنية بالتزامن مع تسمية السعودية عام 2026 عام الذكاء الاصطناعي.

وفي مشهد تقني يتسارع فيه العالم نحو الأتمتة، وبدعم من الصندوق الثقافي في السعودية، انطلقت «مُزن» وهي مؤسسة رائدة في الذكاء الاصطناعي، لترسم مسارا فريداً للذكاء الاصطناعي المؤسسي، يمنح البيانات القدرة على الفهم العميق بلغة الضاد، ويخلق عقلاً مؤسسياً يواجه أعقد التحديات التي تتجاوز قدرات الأنظمة التقليدية.

واستطاعت «مُزن» معالجة فجوة صامتة تهدد استدامة المعرفة في المنظمات، وهي فقدان الخبرات التراكمية عند خروج الأفراد وضياع الوقت في البحث والتخمين، وعبر منصة «أسس» للذكاء المعرفي المؤسسي، قدمت «مزن» الذاكرة الحية للمؤسسات؛ حيث تعتمد على ذكاء تكيفي واعٍ بالسياق يتعلم باستمرار، ليقرأ المستندات بدقة متناهية ويحولها من بيانات متفرقة إلى بنك معرفة موحد وموثوق، يدعم اتخاذ القرار ويحول المعرفة إلى أصل مؤسسي دائم.

وقال الدكتور محمد الحسين، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة مُزن: «نمضي قدماً في شركة مُزن نحو تطوير حلول رقمية متقدمة قائمة على اللغة العربية؛ لترسيخ قيمتها وتعزيز حضورها في صميم الابتكار التقني، بما يدعم ريادة المملكة عالمياً».

واستثمرت «مُزن» في اللغة العربية كعصب تقني وميزة تنافسية، محولة إياها من وسيلة تواصل إلى محرك ابتكار يخدم مئات الجهات، ويصون الهوية الوطنية، ويتوافق مع عدة مبادرات وطنية كعام الذكاء الاصطناعي 2026، والسياسة الوطنية للغة العربية.

وأكد الحسين أن توظيف اللغة العربية في خوارزميات الذكاء الاصطناعي استثمار تقني يضمن دقة المعالجة وخصوصية البيانات الوطنية، ما يفتح آفاقاً اقتصادية تجعل من المحتوى الثقافي واللغوي وقوداً للابتكار والتنمية.

استطاعت «مُزن» معالجة فجوة صامتة تهدد استدامة المعرفة في المنظمات (الصندوق الثقافي)

تميز يدعم الريادة السعودية

حققت «مُزن» إنجازات مهمة عل صعيد التصنيفات العالمية، حيث حققت القفزة الكبرى في تصنيف (FCC50) الصادر عن مؤسسة (Chartis) الدولية، بتقدمها 30 مركزاً لتستقر في المرتبة 16 عالمياً، لتصبح بذلك أصغر الشركات سنّاً بين عمالقة هذا المجال في العالم.

وأطلقت السعودية على عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي»، في خطوة تجسد وتيرة التحول التقني التي تشهدها، وفي إطار توجه استراتيجي يهدف إلى تعزيز موقعها مركزاً عالمياً للتقنيات المتقدمة والاقتصاد الرقمي، مدفوعاً بتحقيق مجموعة من التحولات والقفزات النوعية في هذا القطاع، تشمل السياسات الوطنية والاستثمارات والبنية التحتية التقنية المتطورة.

وتأتي تجربة «مزن» ضمن منظومة أوسع من المشاريع التي يدعمها الصندوق الثقافي، والتي تجاوز عددها 160 مشروعاً ثقافياً، بما يعكس دور الصندوق في تمكين مشاريع وطنية نوعية تسهم في تطوير القطاع، بما يعكس تجاوز القطاع الثقافي في السعودية مرحلة التأسيس، والمضي في مسار تنموي متسارع يعزز مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، ويدعم مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تنويع الاقتصاد والارتقاء بجودة الحياة.


عمر رزيق: اختياراتي الفنية أبحث فيها عن أدوار «مركبة» مغايرة للمألوف

قدم عمر رزيق بطولته السينمائية الأولى من خلال الفيلم (الشركة المنتجة)
قدم عمر رزيق بطولته السينمائية الأولى من خلال الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

عمر رزيق: اختياراتي الفنية أبحث فيها عن أدوار «مركبة» مغايرة للمألوف

قدم عمر رزيق بطولته السينمائية الأولى من خلال الفيلم (الشركة المنتجة)
قدم عمر رزيق بطولته السينمائية الأولى من خلال الفيلم (الشركة المنتجة)

قال الممثل المصري عمر رزيق إن شخصية «نوح» التي قدمها في فيلم «ولنا في الخيال... حب؟» تحمل الكثير من ملامحه الشخصية؛ إذ نحو 80 في المائة من التفاصيل تشبهه بالفعل، لا سيما أنه درس تقريباً في البيئة نفسها التي ينتمي إليها «نوح» ومَرّ بتجارب قريبة من رحلته داخل الفيلم.

وأضاف رزيق في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الاختلاف يكمن في بعض الجوانب الخاصة بالشخصية، إذ يمتلك «نوح» اندفاعاً أكبر وقدرة على افتعال المشكلات بسبب طباعه الحادة، وهو ما لا يشبهه تماماً في الواقع، معتبراً أن الفيلم يمثل بالنسبة له أهم تجربة فنية خاضها حتى الآن، لكونه أتاح له التعبير عن جوانب متعددة تعلمها عبر سنوات، سواء في التمثيل أو الموسيقى أو حتى العزف على البيانو، الذي ظهر في أحد المشاهد.

وأكد أن العمل ينتمي إلى نوعية الأفلام التي يحبها باعتباره مشاهداً قبل أن يشارك فيها ممثلاً؛ لكونه يحب الأعمال التي تمزج الدراما بالاستعراضات الموسيقية بصورة ناعمة، على غرار أفلام مثل «لا لا لاند»، موضحاً أن الفيلم ليس غنائياً بالمعنى التقليدي، لكنه يحمل روح وأجواء الأفلام المحببة بالنسبة له.

في مشهد من الفيلم مع أحمد السعدني ومايان السيد (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن أكثر ما منحه المتعة في التجربة هو شعوره بأنه يقدم عملاً قريباً من ذائقته الفنية، وليس فقط بسبب ارتباطه بصُنّاع الفيلم، وأضاف: «مرحلة التحضير كانت الأصعب والأهم بالنسبة لي مع العمل على بناء الشخصية، الأمر الذي جعل التصوير سهلاً مع حصولي على الوقت الكافي لفهم الشخصية والتدرب عليها بشكل حقيقي».

وأوضح رزيق أن «فريق العمل خضع لفترة تحضير استمرت قرابة 3 أشهر، تخللها معسكر مغلق في مدينة الجونة جمعني مع أحمد السعدني ومايان السيد، حيث كنا نقرأ السيناريو باستمرار ونجري البروفات ونناقش أدق تفاصيل الشخصيات»، مؤكداً أن هذه الفترة خلقت حالة من التفاهم والانسجام بين الجميع، مما انعكس بوضوح أثناء التصوير.

وقال إن الاستعراضات لم تمثل تحدياً كبيراً بالنسبة له، لأنه درس في معهد الباليه، لذلك كان التعامل مع الحركة والرقص أمراً معتاداً، رغم كثافة التدريبات التي خضع لها فريق العمل، مؤكداً أن سعادته الحقيقية لم تتوقف عند نجاح الفيلم في شباك التذاكر، بل امتدت إلى نجاح هذا النوع المختلف من الأعمال جماهيرياً، و«هو ما قد يساعد على تشجيع صناع السينما لتقديم أشكال أكثر تنوعاً وجرأة»، على حد تعبيره.

وحصل عمر رزيق على جائزة التمثيل عن دوره بالفيلم في الدورة الماضية من مهرجان «جمعية الفيلم السينمائي»، وهو الفيلم الذي عرض في مهرجاني «مالمو للسينما العربية»، و«هوليوود للفيلم العربي» الشهر الماضي، بعدما حقق إيرادات كبيرة بالصالات السينمائية داخل مصر.

مع بطلة الفيلم مايان السيد خلال العرض في «مالمو» (الشرق الأوسط)

وأكد عمر رزيق أن فكرة البطولة المطلقة لا تشغل تفكيره بقدر اهتمامه بجودة الدور نفسه، موضحاً أنه يبحث دائماً عن الشخصيات التي تمنحه مساحة حقيقية للتعبير والتجريب، بغض النظر عن حجم الدور أو موقع اسمه على الملصق الدعائي؛ لأن حبه للتمثيل قائم على متعة اكتشاف الشخصيات المختلفة والمركبة، وليس على فكرة البطولة أو الظهور الفردي.

وعن مشاركته في موسم رمضان الماضي، قال إنه خاض تجربتين مختلفتين تماماً من خلال مسلسلي «علي كلاي» و«رأس الأفعى»، موضحاً أن «علي كلاي» كان تجربة جديدة أحب خوضها لأنها قريبة من أجواء الأعمال الشعبية التي أراد تقديمها مع حبه من أجل الوصول إلى فئة مختلفة من الجمهور.

وعن دوره في «رأس الأفعى»، أكد أنه استمتع بالتجربة بسبب اختلاف الشخصية عنه بشكل كامل، وهو ما جعله ينجذب أكثر إلى مرحلة التحضير والمذاكرة، مشيراً إلى أن أكثر ما يستهويه في التمثيل هو محاولة فهم الشخصيات المركبة واكتشاف دوافعها النفسية؛ لأن التحضير يظل المرحلة الأكثر متعة بالنسبة له داخل أي مشروع فني.

وأشار رزيق إلى أنه لا يمنح مواقع التواصل الاجتماعي اهتماماً كبيراً، رغم إدراكه لأهميتها بالنسبة للممثلين في الوقت الحالي، موضحاً أنه يحاول الوجود والتفاعل مع الجمهور قدر الإمكان، لكنه بطبيعته لا يميل إلى مشاركة تفاصيل حياته بشكل مستمر عبر «السوشيال ميديا».

وكشف عن انتهائه من تصوير إحدى حكايات مسلسل «القصة الكاملة»، من إخراج إسلام خيري وإنتاج مجدي الهواري، وبطولة محمد فراج، مؤكداً أن الشخصية التي يقدمها هذه المرة تحمل طابعاً نفسياً معقداً ومختلفاً عن أدواره السابقة. وفي الختام أشار إلى أنه ينجذب دائماً إلى الشخصيات التي تتطلب بحثاً داخلياً عميقاً، وهو ما يجعله يبدأ كل مرة بقراءة السيناريو وفهم ما وراء الكلمات قبل تقديم الشخصية على الشاشة.


خالد يسلم لـ«الشرق الأوسط»: الدراما الواقعية تشبهني

يؤمن يسلم بأن خبراته الحياتية ومخزون تجاربه جعلاه أقرب من الأدوار التي يجسدها (حسابه على إنستغرام)
يؤمن يسلم بأن خبراته الحياتية ومخزون تجاربه جعلاه أقرب من الأدوار التي يجسدها (حسابه على إنستغرام)
TT

خالد يسلم لـ«الشرق الأوسط»: الدراما الواقعية تشبهني

يؤمن يسلم بأن خبراته الحياتية ومخزون تجاربه جعلاه أقرب من الأدوار التي يجسدها (حسابه على إنستغرام)
يؤمن يسلم بأن خبراته الحياتية ومخزون تجاربه جعلاه أقرب من الأدوار التي يجسدها (حسابه على إنستغرام)

بين أحياء جدة الصاخبة، وتجربة الوظيفة في منطقة نائية، والانتقال بين دهاليز العمل المؤسسي... تشكّلت شخصية الممثل السعودي خالد يسلم بعيداً عن المسار التقليدي للفنانين؛ مما يجعله يراهن على المخزون الإنساني الذي جمعه من محطات الحياة المختلفة والتقاطاته تفاصيل البشر في الشارع والميدان، لتجسيدها عبر أدوار متنوعة في الدراما الاجتماعية المحليّة.

يتحدث يسلم لـ«الشرق الأوسط» عن رحلته مع الفن التي تجاوزت 10 سنوات، موضحاً أن التمثيل بالنسبة إليه لم يكن قراراً مفاجئاً بقدر ما كان تراكماً طويلاً من المراقبة والاحتكاك بالناس والتجارب الإنسانية المختلفة، التي جعلته يرى المجال بفلسفة تميل كثيراً إلى الواقعية.

خالد يسلم في دور «المقدم ماجد» بمسلسل «حفرة جهنم» الذي بدأ عرضه مؤخراً (إم بي سي - MBC)

«حفرة جهنم»... رجل أمن من جديد

بحماسة عالية، يؤكد أن أحدث أعماله مسلسل «حفرة جهنم»، الذي بدأ عرضه مؤخراً على قناة «إم بي سي (MBC)»، محطة مختلفة في مسيرته، فهو يرى أن ما جذبه منذ البداية كان النص نفسه، موضحاً أن «الاسكريبت» حمل اختلافاً عن كثير من الأعمال المتداولة، خصوصاً دور «المقدم ماجد»؛ فالشخصية التي يقدمها هذه المرة تحمل جانباً إنسانياً وصراعاً داخلياً وعائلياً، مع ماضٍ يلاحقها باستمرار، عادّاً أن هذا النوع من الأدوار المركبة ظل نادراً في الدراما التلفزيونية السعودية.

ولأن يسلم ظهر سابقاً بشخصية وزي رجل الأمن، فكان لا بد من سؤاله عن التقاطع بين «المقدم ماجد» في «حفرة جهنم» و«العقيد عزام» في «رشاش»... وهنا يُوضح أن التخوف من تكرار النمط كان حاضراً منذ البداية، قبل أن يكتشف الفروق العميقة بين الشخصيتين، مؤكداً أن «حفرة جهنم» منحه فرصة لتقديم شخصية أشد سوداوية، تركض داخل الأحياء العشوائية وتعيش مطاردة مستمرة، بخلاف شخصياته السابقة، التي كان من آخرها الكابتن الطيار الهادئ والأنيق؛ الذي قدمه في المسلسل الرمضاني «أم 44».

العيون الملونة والصورة النمطية

ومن اللافت لدى الممثل خالد يسلم ملامح مميزة وعيون ملونة، على غير المعتاد في الممثلين المحليين؛ مما جعل الحديث ينتقل إلى الصور النمطية داخل الدراما السعودية؛ نظراً إلى أن بعض الممثلين من أصحاب الملامح المختلفة يوضعون غالباً داخل قوالب اجتماعية محددة، كأن يكون الشخص من طبقة مرفهة أو من خلفية مختلطة أو متعلمة بصورة نمطية متكررة.

وهنا يؤكد خالد أن ذلك لم يُقيده، مستشهداً بتجربته في فيلم «الهامور» حين قدم دور محتال من طبقة أقل، كما يرى أن الصناعة السعودية «ما زالت تتعامل بحذر مع التنوع الشكلي والاجتماعي داخل الشخصيات»، متناولاً مسلسل «رشاش»، حيث يوضح أنه كان يتمنى رؤية تنوع أوسع في شخصيات رجال الأمن؛ من جازان والأحساء والغربية ومناطق أخرى، «بما يعكس صورة المجتمع السعودي الحقيقي بتنوعه».

البطولة... منظور مختلف

وفي حديثه عن بطولة «حفرة جهنم»، يقدّم خالد يسلم رؤية مختلفة عن التصور الشائع المرتبط بفكرة «البطولة المطلقة»، لافتاً إلى أن أول بطولة مطلقة حصل عليها كانت في عام 2019، وأن هذا ليس هاجساً بالنسبة إليه؛ فهمّه الحقيقي «ينصب على جودة الدور ومحوريته داخل العمل، بغض النظر عن عدد المشاهد أو ترتيب الاسم على الملصق الدعائي». كما يرى أن لعبه «دوراً ثانوياً في عمل جيد أكبر إغراءً من بطولة مطلقة داخل عمل ضعيف».

ينتظر خالد يسلم نصاً كوميدياً يشكل مرحلة جديدة في مسيرته (حسابه على إنستغرام)

الانسجام ركيزة في الدراما

ومن أكثر الجوانب اللافتة في حديث خالد يسلم، وصفه تأثير العلاقات الإنسانية بين الممثلين على جودة العمل، حيث يؤكد أن «معرفة الممثلين بعضهم ببعض خارج العمل تنعكس مباشرة على الأداء والانسجام»، مستشهداً مرةً أخرى بتجربة «رشاش»، حين «عاش فريق العمل أشهراً طويلة معاً خلال فترة (كورونا)؛ الأمر الذي خلق ألفة حقيقية ظهرت حتى على مستوى حركة الكاميرا والإضاءة». ويلفت إلى أن «هذا الانسجام الإنساني يمثل عنصراً أساسياً في نجاح الأعمال الدرامية، والتفاهم بين الممثلين يمنح المشاهد إحساساً حقيقياً بالعلاقات داخل القصة».

أما على مستوى اختياراته الفنية، فيبدو واضحاً ميل خالد يسلم نحو الدراما الاجتماعية والقصص القريبة من الواقع؛ إذ يرى أن الأعمال التي تعكس الحياة اليومية وتجارب الناس الحقيقية تستهويه أكبر من الأعمال التي تعتمد على المبالغات غير الواقعية.

في المقابل، يتحدث عن الكوميديا بحذر، مؤكداً أنه ينتظر «نصاً كوميدياً مختلفاً يقدّم مساحة حقيقية للأداء والكتابة الجيدة»، وهنا يتضح الفارق بين الشخصيات الجادة التي يقدمها على الشاشة وتوقه إلى تقديم أدوار كوميدية، حيث يكشف عن أن كثيرين يفاجأون بطبيعته المرحة خارج الشاشة؛ بسبب ارتباط صورته الدرامية بالشخصيات الجادة والهادئة.

كيف اكتشف التمثيل؟

عند العودة إلى البدايات، فإن دخوله الفعلي الفن بدأ من بوابة الإعلانات، بعد استجابته مع مجموعة من أصدقائه لإعلان يبحث عن «موديلز»، ويشير إلى أن تلك المرحلة منحته ألفة مع الكاميرا، خصوصاً مع وجود تجارب سابقة له في المسرح والعمل الطلابي والتطوعي، حيث كان يقدم ورشات عمل أمام الجمهور؛ الأمر الذي أسهم في كسر رهبة الكاميرا مبكراً. ويوضح خالد أن المخرج محمود صباغ كان أول من منحه فرصة تمثيلية حقيقية، حين شارك بمشاهد عدة في فيلم «بركة يقابل بركة»، إلا إنه يخصص مساحة أكبر للحديث عن المخرج عبد الإله القرشي، الذي يصفه بأنه صاحب التأثير الحقيقي في تعميق تجربته الفنية.

وبحماس كبير، يستعيد خالد تفاصيل أول فيلم قصير جمعه مع عبد الإله القرشي، موضحاً أن التحضير استمر 7 أيام كاملة مقابل 3 أيام تصوير فقط. وخلال تلك الفترة، اكتشف أول مرة معنى «تقمص الشخصية»، حين شعر بأن شخصيته الحقيقية بدأت تتداخل مع الشخصية التي يؤديها. ويرى أن هذه التجربة كانت نقطة التحول الأساسية التي جعلته يحب التمثيل بوصفه مساحة للذهاب نحو شخصيات مختلفة عنه تماماً.

التفرّغ للفن... رحلة الفرص

وفي حديثه عن التفرغ للفن، يصف خالد يسلم المرحلة الحالية بأنها مليئة بالتحديات مع اتساع السوق الفنية السعودية، ويرى أن «المرحلة المقبلة تحتاج إلى تنظيم مشابه لما حدث في القطاع الرياضي، حيث أصبح الرياضي المحترف يتمتع بمنظومة واضحة وحقوق مهنية محددة». في المقابل، يؤكد أن «التفرغ للفن يحمل جانباً إيجابياً أيضاً؛ لأنه يدفع الفنان إلى البحث المستمر عن الفرص وعدم انتظارها».

وعند سؤاله عن معادلة النجاح داخل المجال، فإنه يرفض اختصارها في الموهبة فقط، مؤكداً أن الحضور والتواصل والعلاقات الإنسانية تلعب دوراً مهماً في وصول الفنان إلى الفرص المناسبة، ويستشهد بمواقف حدثت معه حين كتب بعض الكتّاب شخصيات وهم يتخيلونه داخلها بعد متابعته أو اللقاء به شخصياً.

أما أكبر ما بدا واضحاً في نهاية حديثه، فهو اهتمام خالد يسلم بالجيل الجديد من صنّاع الأفلام؛ إذ يؤمن بأن «حضور الفنانين مهرجانات الطلبة وأعمالهم يمثل مسؤولية أخلاقية وفنية»، مؤكداً أن «الفنان يمتلك مسؤولية اجتماعية تجاه المجتمع، عبر الدعم والمشاركة والمساندة، حتى تتوسع دائرة الفرص داخل الصناعة السينمائية السعودية».