ذخائر «الموت المؤجل» تعاود الانتشار في إدلب بعد التصعيد الأخير

«الدفاع المدني» لـ«الشرق الأوسط»: تجدد القصف يعيق عمليات تحديد مواقعها وإزالتها

تعرّض أبناء وفاء الحسن لإصابات متنوعة بعد عثورهم على قنبلة عنقودية (الشرق الأوسط)
تعرّض أبناء وفاء الحسن لإصابات متنوعة بعد عثورهم على قنبلة عنقودية (الشرق الأوسط)
TT

ذخائر «الموت المؤجل» تعاود الانتشار في إدلب بعد التصعيد الأخير

تعرّض أبناء وفاء الحسن لإصابات متنوعة بعد عثورهم على قنبلة عنقودية (الشرق الأوسط)
تعرّض أبناء وفاء الحسن لإصابات متنوعة بعد عثورهم على قنبلة عنقودية (الشرق الأوسط)

فقدت وفاء الحسن زوجها نتيجة القصف بالقنابل العنقودية خلال استهداف مباشر للأحياء المدنية في أحد خروقات وقف إطلاق النار على المنطقة قبل عامين، لكن إصابتها وإصابة أطفالها كانت بعد ذلك بأشهر، كما أوضحت لـ«الشرق الأوسط». إذ إن القنبلة التي انفجرت أمام الخيمة التي تقيم فيها مع عائلتها لم تسقط من السماء، بل حملها الأطفال معهم وهم عائدون من المدرسة.

قالت وفاء: إن أطفالها ظنوا القنبلة العنقودية «لعبة أو قطعة من الحديد من الممكن أن يبيعوها لشراء بعض البسكويت»، وما أن بدأوا باللعب حتى انفجرت، مسببة خسارة الطفلة الكبرى عينها وفقد أختها يدها وتمزق أربطة قدمها، إضافة إلى تشوه في وجه الصبية الصغار وإصابة والدتهم بظهرها.

أتلفت فرق إزالة مخلفات الحرب ذخائر عدة أبلغ مدنيون عن وجودها في أراضٍ زراعية في جنوب إدلب (الدفاع المدني)

الآلاف واجهوا المصير ذاته عند مصادفتهم الذخائر غير المنفجرة خلال السنوات الماضية؛ إذ كانت تلك المتفجرات سبباً بمقتل 9 في المائة من الضحايا الأطفال للحرب في سوريا، وفقاً لدائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام (UNMAS)، التي أوضحت بياناتها تلوث ثلث المناطق المأهولة في سوريا بالقنابل غير المنفجرة، معرّضة 11.5 مليون شخص لخطر الإصابة أو الموت.

قصف وكثافة سكانية

لم تهدأ منطقة شمال غرب سوريا طوال سنوات الحرب، وحتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع عام 2020 بين الضامنين الروسي والتركي، استمرت الخروقات التي طالت بشكل رئيسي مناطق التماس بين قوات النظام وفصائل المعارضة، لكن التصعيد خلال الشهر الماضي (أكتوبر/تشرين الأول) كان مختلفاً؛ إذ استهدف المناطق كافة التي كانت تعدّ آمنة من قبل، والتي تضم كثافة سكانية عالية.

يضع الدفاع المدني السوري بشمال غرب سوريا علامة الخطر للتحذير من الذخائر غير المنفجرة (الشرق الأوسط)

ما بين 10 و30 في المائة من المتفجرات المستخدمة في سوريا لا تنفجر، وفقاً للبيانات التي جمعها مركز كارتر البحثي الأمريكي، الذي أحصى ما بين الأعوام 2012 و2021 استخدام أكثر من 972 ألف ذخيرة في سوريا، أي بقاء ما بين مائة إلى 300 ألف من الذخائر دون انفجار في مواقع سقوطها؛ ما يمثل خطراً مباشراً على المقيمين في تلك المناطق.

محمد سامي المحمد، مسؤول فرق إزالة الذخائر غير المنفجرة في الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء)، قال لـ«الشرق الأوسط»: إن تجدد القصف يعيق عمليات تحديد مواقع تلك الذخائر وإزالتها. يضيف: «تعود جميع أعمالنا لنقطة الصفر عند كل حملة يقوم بها النظام وحليفه الروسي». ومنذ التصعيد الأخير تعرض ثلاثة مدنيين لجروح جراء انفجار قنبلة عنقودية من مخلفات القصف على بلدة ترمانين في ريف إدلب الشمالي، في 7 من أكتوبر.

أحد متطوعي الدفاع المدني ضمن فرقة إزالة الذخائر يرتدي درعه الواقي قبل تفجير قنبلة (الشرق الأوسط)

«الخطأ الأول هو الأخير»، على حد وصف المحمد؛ إذ فقدت فرق الدفاع المدني أربعة من متطوعيها أثناء عمليات إزالة الذخائر غير المنفجرة، إضافة إلى إصابة آخرين، ولكن نقص المعدات المتطورة المطلوبة يزيد من تلك المخاطر.

وذكر تقرير منظمة HALO البريطانية المختصة بإزالة الألغام والمتفجرات، والصادر نهاية عام 2020، أن القذائف العنقودية تمثل 36 في المائة من الذخائر غير المنفجرة في سوريا، وتسبب 42 في المائة من الحوادث المرتبطة بانفجارها، وتعدّ محاولات السكان لنقل تلك المتفجرات بأنفسهم سبباً بعشرة في المائة من تلك الحوادث.

عمليات المسح ليست الجهود الوحيدة المبذولة لإنهاء خطر تلك الذخائر، بل إن التوعية التي تستهدف المدنيين لعدم الاقتراب من الأجسام الغريبة والتبليغ عنها، من الجهود الأساسية التي تعتمدها فرق إزالة الذخائر في الشمال السوري. لكن الخطر يبقى واسع الانتشار، فحسب بيانات الأمم المتحدة، تتوزع 39 في المائة من الذخائر غير المنفجرة في المناطق السكنية، و34 في المائة في الأراضي الزراعية، وعشرة في المائة على الطرقات. وكان 61 في المائة من الأطفال المصابين قد تعرضوا لتلك الذخائر وهم يلعبون قرب منازلهم.

بتر أطراف وفقدان حواس

الأذى الجسدي المباشر الذي تسببه الذخائر غير المنفجرة للمصابين، شديد؛ إذ فقد 35 في المائة من المصابين حياتهم، في حين عانى 50 في المائة من الناجين بتراً في أحد الأطراف، و20 في المائة فقدوا إحدى حواسهم نتيجة للإصابة، كفقد البصر أو السمع.

لكن المشاكل البيئية تزيد مخاطرها عن مخاطر الانفجار نفسه، بحسب تقرير منظمة العمل ضد العنف المسلح (AOAV)؛ إذ غالباً ما تصنع أغلفة المتفجرات من المعادن الثقيلة التي تحتوي الرصاص واليورانيوم، وغيرها من المواد التي تعدّ عصية على التحلل ولها آثار سامة تلوث الهواء والماء والتربة وتزيد من المخاطر المهددة لصحة الإنسان، كالسرطان ومشاكل الكبد، وغيرها من الأمراض.

وتفتقد المناطق الأكثر تلوثاً خدمات الفرق الإنسانية والتطوعية؛ إذ تعدّ المنظمات مواقع العمل تلك خطرة وتمنع كوادرها من النشاط فيها، ما يزيد من معاناة السكان المقيمين بها، خاصة وأن المناطق الآمنة أكثر اكتظاظاً وذات تكلفة معيشية أكبر بالنسبة للعائلات الفقيرة؛ ما يدفعهم للبقاء في بيوتهم وإن كانت معرّضة للخطر.

الآثار النفسية التي يعانيها المصابون والمقيمون في المناطق الخطرة، طويلة الأمد كذلك. وكما تحدثت وفاء الحسن، التي أصيبت مع عائلتها بإحدى تلك المتفجرات قبل عام، فإن أطفالها فقدوا الثقة بكل ما يحيط بهم: «ابنتي التي فقدت عينها لم تعد تقبل الذهاب إلى المدرسة، وكلتا الفتاتين حالتها النفسية صعبة للغاية»، مضيفة، أن جُلّ ما تتمناه لعائلتها هو بعض من «الهدوء والأمان».


مقالات ذات صلة

النرويج: رسائل للمواطنين بإمكانية مصادرة أملاكهم في حال نشوب حرب

أوروبا آلاف النرويجيين تسلموا رسائل من القوات المسلحة تبلغهم بإمكانية مصادرة أملاكهم في حال نشوب حرب (رويترز)

النرويج: رسائل للمواطنين بإمكانية مصادرة أملاكهم في حال نشوب حرب

بدأ آلاف النرويجيين، الاثنين، بتسلم رسائل من القوات المسلحة تبلغهم بإمكانية مصادرة منازلهم ومركباتهم وقواربهم وآلياتهم في حال نشوب حرب.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
الاقتصاد تمتلك «غازبروم» الروسية حصة 11.3 % في شركة «نيس☼ الصربية (إكس)

«غازبروم» الروسية لبيع حصتها في شركة التكرير الصربية «نيس» لـ«مول» المجرية

أعلنت شركة «غازبروم نفط» الروسية، أنها توصلت إلى اتفاق لبيع حصتها في شركة تكرير النفط الصربية «نيس» لشركة «مول» المجرية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا السيناتور كريس كونز (وسط) محاطاً بأعضاء من الكونغرس في كوبنهاغن (أ.ب) play-circle

احتجاجات في كوبنهاغن وغرينلاند ضد مساعي واشنطن لضم الجزيرة القطبية

قامت مظاهرات، السبت، في عدّة مدن في الدنمارك وغرينلاند احتجاجاً على مطامع الرئيس الأميركي في الجزيرة تزامناً مع زيارة وفد الكونغرس لكوبنهاغن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا طلاب بالكلية العسكرية البريطانية يشاركون في عرض عسكري بلندن - 13 نوفمبر 2021 (رويترز)

بريطانيا تعتزم رفع الحد الأقصى لسن استدعاء العسكريين القدامى إلى 65 عاماً

أعلنت الحكومة البريطانية، الخميس، أن قدامى العسكريين البريطانيين الذين لا تتجاوز أعمارهم 65 عاماً قد يُستَدعَون للخدمة في الجيش.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أفريقيا رجال الشرطة النيجيرية يتخذون مواقعهم بالقرب من المتظاهرين المتجمعين خلال احتجاج «إنهاء الحكم السيئ» في أبوجا يوم 1 أغسطس 2024  (أ.ف.ب)

نيجيريا: جدل بعد التعاقد مع مجموعة للضغط داخل الكونغرس الأميركي

جدل في نيجيريا بعد التعاقد مع مجموعة للضغط داخل الكونغرس الأميركي.

الشيخ محمد (نواكشوط)

عون يؤكد الحرص على «عدم زجّ لبنان في مغامرات انتحارية»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتحدث أمام أعضاء السلك الدبلوماسي في القصر الرئاسي في بعبدا (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتحدث أمام أعضاء السلك الدبلوماسي في القصر الرئاسي في بعبدا (الرئاسة اللبنانية)
TT

عون يؤكد الحرص على «عدم زجّ لبنان في مغامرات انتحارية»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتحدث أمام أعضاء السلك الدبلوماسي في القصر الرئاسي في بعبدا (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتحدث أمام أعضاء السلك الدبلوماسي في القصر الرئاسي في بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

أبلغ الرئيس اللبناني، جوزيف عون، أعضاء السلك الدبلوماسي ورؤساء البعثات الدولية لدى لبنان، أن لبنان أنجز «تنظيف مناطق شاسعة من أي سلاح غير شرعي» في منطقة جنوب الليطاني الحدودية مع إسرائيل، وأنه حقق في مجال خطة حصر السلاح، وبسط سلطة الدولة على أراضيها بقواها الذاتية حصراً، «ما لم يعرفه منذ 40 عاماً»، مؤكداً الحرص على على «عدم زجّ لبنان في مغامرات انتحارية، دفعنا ثمنها سابقاً كثيراً».

وبدا خطاب الرئيس عون أمام أعضاء السلك الدبلوماسي لدى لبنان، بمثابة جردة حساب قدمها للسنة الأولى من عهده الرئاسي، وبدا لافتاً اللغة الحاسمة التي استخدمها في ملف حصرية السلاح، ووصف انخراط الحزب في حرب إسناد غزة بـ«المغامرة»، من دون أن يسمّي الحزب، وتجاهل رفض الحزب خطة حصر السلاح شمال الليطاني.

عناصر من الجيش اللبناني يدققون في هوية لبناني بمنطقة مرجعيون بجنوب لبنان (رويترز)

وجاءت الكلمة بعد 3 أيام على خطاب تصعيدي لأمين عام الحزب نعيم قاسم، أعلن فيه تمسكه بسلاحه، وهو ما يزيد الشرخ في العلاقة بين الطرفين التي تتسم بـ«البرودة» و«التواصل بالحد الأدنى» في المدة الأخيرة، حسبما قالت مصادر مطلعة على ملف العلاقة بين الرئاسة و«حزب الله».

السيطرة على جنوب الليطاني

وقال عون لأعضاء السلك الدبلوماسي: «بمعزل عن حملات التشويش والتشويه والتهويل والتضليل، ورغم عدم التزام إسرائيل بإعلان وقف الأعمال العدائية، وبإمكانات معروفة لقوانا المسلحة، وفي طليعتها الجيش اللبناني، أستطيع أن أقول لكم، إن الحقيقة هي ما ترون، لا ما تسمعون».

وتابع: «ما رأيناه بعيوننا، هو أن رصاصة واحدة لم تطلق من لبنان خلال سنة من رئاستي. باستثناء حادثتين فرديتين سُجلتا في مارس (آذار) الماضي، ولم تلبث سلطاتنا الرسمية أن ألقت القبض على المتورطين فيهما، وهو ما يؤكد منذ أكثر من عشرة أشهر، أن الجيش اللبناني والقوى المسلحة اللبنانية، باتت تسيطر وحدها على جنوب الليطاني عملانياً».

https://www.facebook.com/LBpresidency/videos/في المائةD9في المائة86في المائةD8في المائةADفي المائةD9في المائة86-في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةB7في المائةD9في المائة86-في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةAAفي المائةD9في المائة86في المائةD9في المائة81في المائةD8في المائةB3-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB3في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة85-في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةA5في المائةD9في المائة86-في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةA7-في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةB9في المائةD8في المائةB1في المائةD9في المائة81-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةB3في المائةD8في المائةAAفي المائةD8في المائةB3في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة85-في المائةD9في المائة88في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةA3في المائةD9في المائة86في المائةD9في المائة86في المائةD8في المائةA7-في المائةD9في المائة83في المائةD8في المائةB0في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة83-في المائةD9في المائة86في المائةD8في المائةAFفي المائةD8في المائةB1في المائةD9في المائة83-في المائةD8في المائةA3في المائةD9في المائة86-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB3في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة85-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةABفي المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةA8في المائةD8في المائةAA-في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84/1213623544105491/

وقال عون إن القوى المسلحة اللبنانية «تولت مهام هائلة لجهة تنظيف مناطق شاسعة من أي سلاح غير شرعي، من أي نوع أو تبعية كان، وقد أنجزنا ذلك، رغم كل الاستفزازات، ورغم استمرار الاعتداءات، ورغم التشكيك والتخوين والتجريح والتجني».

وتابع: «حققنا ذلك، التزاماً منا باتفاق 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، الذي أقر بإجماع القوى المعنيّة، قبل رئاستي، وهو اتفاق دولي نحترم توقيعنا عليه، والأهم، حرصاً منا على مصلحة لبنان، وعلى عدم زجّه في مغامرات انتحارية، دفعنا ثمنها سابقاً الكثير».

جندي لبناني إلى جانب جرافة عسكرية تعمل على إزالة العوائق بمنطقة حدودية في جنوب لبنان (قيادة الجيش)

وإذ أعلن عون عن ذلك «بافتخار»، أكد: «تطلعنا إلى استمرار هذا المسار في السنة الثانية من رئاستي، لتعود أرضنا كاملة تحت سلطة دولتنا وحدها، ويعود أسرانا جميعاً، ونعيد بناء كل ما تهدم، نتيجة الاعتداءات والمغامرات، وليكون جنوب لبنان، كما كل حدودنا الدولية، في عهدة قوانا المسلحة حصراً، ولنوقف نهائياً أي استدراج أو أي انزلاق في صراعات الآخرين على أرضنا، بينما الآخرون، كل الآخرين بلا استثناء، يتحاورون ويتفاوضون ويساومون من أجل مصالح دولهم».

وتطرق عون إلى المؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي المزمع عقده في 5 مارس (آذار) في باريس، «وذلك بمسعى مشكور ومقدّر من الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية وفرنسا، وقطر ومصر، ضمن إطار اللجنة الخماسية، وبترحيب من عدد كبير من الدول الصديقة للبنان، التي نتطلع إلى لقائها في باريس، برعاية كريمة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون».

بناء الدولة

وأسهب عون في تعداد الإنجازات، وقال إنه «في عنوان إعادة بناء الدولة، فلا وقت كافياً لنا للتعداد، يكفي أن أذكر بصدور 2240 مرسوماً خلال أقل من سنة من عمر حكومتنا، أعادت تكوين القسم الغالب من إدارات الدولة وأسلاكها الأساسية، في العسكر والأمن والدبلوماسية والقضاء والمال والنقد ومختلف إداراتنا العامة»، مشيراً إلى أن هذه المهمة ستُستكمل هذه السنة بالتأكيد «على قاعدة الكفاءة والنزاهة، ضمن الممكن من طاقاتنا اللبنانية، التي نشجعها بصدق وعمق، على أن تعود إلى الدولة، لتعيد الدولة إلى فاعليتها وإنتاجيتها».

أرشيفية لدورية مشتركة للجيش اللبناني و«يونيفيل» في منطقة البويضة بمرجعيون في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي عنوان الإصلاحات، قال عون: «إننا تقدمنا فيه خطوات جبارة»، مشيراً إلى استقلالية القضاء «وهو المشروع المنشود منذ عقود طويلة»، ثم «تكوين الهيئات الناظمة لقطاعات، وُضعت أنظمة بعضها قبل ربع قرن، وتُركت شاغرة، بما ترك هوامش الفساد والهدر والزبائنيات السياسية، وصولاً إلى الإصلاحات المالية والمصرفية التي توجناها بسلسلة مشاريع قوانين لمعالجة تداعيات انهيار 2019».

وقال: «أنجزنا هذه الإصلاحات، في ظل تحسن اقتصادي مطرد، فها هي أرقام المؤسسات الدولية تتحدث عن نمو سجله لبنان لسنة 2025، قد يكون من أعلى معدلات المنطقة، وعن ناتج وطني حقق قفزة كبيرة».

وشدد الرئيس عون على أنه على المستوى الخارجي، فقد عمل على إعادة لبنان إلى «مكانه وموقعه الطبيعيين، ضمن الشرعية العربية، كما الشرعية الدولية والأممية»، لافتاً إلى أنه في خلال زياراته إلى الخارج، كانت رسالته واحدة، وهي أن «لبنان وطنٌ منذور للسلام، فلا جغرافيته، ولا شعبه، ولا طبيعته، ولا فرادته، ولا أي شيء من مكوناته، يوحي بأنه بلد حروب واعتداءات وعدوانات وتهورات». وأكد أنه «سيتابع الطريق، وسيكملها، وسنصل إلى خواتيمها الخيرة لكل أهلنا وأرضنا».

أرشيفية لمبانٍ متضررة وأنقاض في قرية حولا جنوب لبنان القريبة من الحدود مع إسرائيل (رويترز)

عميد السلك الدبلوماسي

كان عميد السلك الدبلومسي السفير البابوي المونسنيور بابلو بورجيا، قد أكد من جهته أنّ العمل الذي أُنجز في لبنان خلال السنة المنصرمة قد أسفر بالفعل عن نتائج ملموسة، غير أنّه لا يزال هناك كثير ممّا ينبغي القيام به. وشدد على أن «السلام ليس حلماً مستحيلاً، وهو موجود»، وقال: «يريد السلام أن يسكن فينا، وله القدرة الوادعة على إنارة فهمنا وتوسيعه، ويقاوم العنف وينتصر عليه».

ودعا لبنان إلى «اعتماد مواقِفَ جديدة، لِرَفضِ منطقِ الانتقامِ والعنف، ولتجاوِزِ الانقساماتِ السياسيّةِ والاجتماعيّةِ والدّينيّة، ولفتحِ صفحاتٍ جديدةٍ باسمِ المصالحةِ والسّلام».


ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء يذكّر أحزاباً بأيام «عجاف» في العراق

رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (إكس)
رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (إكس)
TT

ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء يذكّر أحزاباً بأيام «عجاف» في العراق

رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (إكس)
رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (إكس)

في غمرة انشغال رئيس ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي بإقناع حلفائه داخل «الإطار التنسيقي» بحسم أمره مرشحاً وحيداً لمنصب رئاسة الوزراء في الحكومة الجديدة، تُظهر إشارات عن القوى السنية، أن طموحاته تواجه عقبات جدية تحول دون ظفره بالولاية الثالثة، بعد أن كان قد شغل المنصب لدورتين متتاليتين بين 2005 و2014.

أول الاعتراضات العلنية على ترشيح المالكي صدر من رئيس حزب «تقدم» محمد الحلبوسي الذي يمتلك نحو 35 مقعداً برلمانياً، ويمثل الجهة الأقوى داخل «المجلس السياسي الوطني» الذي يضم معظم القوى السنية في البرلمان.

في تدوينه عبر منصة «إكس» وجه الحلبوسي نداءً إلى قادة «الإطار التنسيقي» المؤهلة لطرح مرشحها لرئاسة الوزراء، طالبها فيها ضمناً، بحسب فهم معظم المراقبين، بالتخلي عن فكرة ترشيح المالكي وإن لم يذكر اسمه بشكل محدد.

وقال الحلبوسي :«ننتظر ما سيصل إليه الإخوة قادة الإطار التنسيقي بترشيح اسم المكلَّف لرئاسة الحكومة المقبلة، ونتمنَّى حرصهم على وحدة وتماسك مكونات العراق بأكمله، بنفس حرصهم وأكثر على وحدة الإطار».

ورأى الحلبوسي أن ذلك يأتي «من خلال مراعاتهم للقبول الوطني اللازم لتمرير المكلَّف، وتشكيل حكومة قوية مدعومة من كلِّ مكوّنات الشعب المتطلّع لمستقبل أفضل، دون العودة لأيام عجاف مؤلمة من الأزمات والاضطرابات والفتن، التي ما زالت عالقة بأذهان العراقيين وآثارها قائمة لم تجد حلولاً رغم المحاولات لعلاجها».

وتفهم عبارة «الأيام العجاف» على أنها إشارة إلى ما تعرضت له البلاد من اضطرابات أمنية وسياسية واجتماعية خلال الولاية الثانية لرئاسة نوري المالكي للوزراء، وانتهت بصعود تنظيم «داعش» وسيطرته على نحو ثلث الأراضي العراقية عام 2014.

رئيس حزب «تقدم» محمد الحلبوسي (موقع الحزب)

«فيتو» سني

ويؤكد مصدر قيادي في «المجلس السياسي الوطني» أن معظم القيادات السياسية السنية في هذا المجلس ترفض تولي المالكي منصب رئاسة الوزراء، والمواقف الجديدة للقوى السنية ناجمة من شعورهم بإمكانية حصول المالكي على ولاية جديدة بضوء المؤشرات التي تصدر عن قوى «الإطار التنسيقي».

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن «بعض القيادات تضع (فيتو) حقيقياً على المالكي، وهنا شبه قاعدة وإجماع داخل المجلس السياسي على رفض ترشيحه، لكن مثنى السامرائي رئيس تحالف (عزم) يشذ وحده عن هذا الإجماع».

ويشير إلى أن المالكي يجري اتصالات مكثفة مع قادة المجلس السياسي لإقناعهم بقبول ترشيحه، ويسعى إلى التلويح بإرضاء جميع الأطراف من خلال منحهم مناصب في الحكومة الجديدة من خلال توسيع «قاعدة المشاركة في الحكومة واستحداث مناصب ووزارات جديدة».

لكن المصدر يؤكد تمسك قادة المجلس برفض ولاية المالكي، وهو «رفض غير مرتبط بمناورات سياسية بهدف الحصول على مغانم ومناصب حكومية أكثر، إنما مرتبط بمشاعر الجمهور في المحافظات والمناطق السنية التي سبق أن احتلت من قبل (داعش)، وتعرض سكانها لصنوف التحديات والمصاعب».

ويلفت المصدر إلى أن «الأحداث الأخيرة في سوريا أعادت إلى الأذهان في المحافظات السنية ما جرى في عهد المالكي عام 2014، وربما عزز من ترجع فرصه في رئاسة الوزراء، حتى لو لم يتأثر العراق بتلك الأحداث، لكن سكان تلك المحافظات صاروا متخوفين جداً من تكرار سيناريو التهجير والحرب، وهم عادوا بصعوبة لديارهم من جديد، وأنفقوا كل ما يملكون لتعمير منازلهم التي دمرتها الحرب ضد (داعش)».

جانب من أحد اجتماعات قوى «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء العراقية)

وحول موقف محمد الحلبوسي المعلن من المالكي، يقول المصدر، إن «الحلبوسي يعرف أنه ربما يتضرر في مسار تشكيل الحكومة، خصوصاً أن المالكي لا ينسى خصومه بسهولة، لكن يعرف أيضاً أن من العسير تجاهل مشاعر جمهوره».

ويعتقد المصدر أن «الممانعة السنية إلى جانب الكردية وما نعرفه من ممانعة أطراف داخل الإطار التنسيقي، عوامل ربما تستبعد وبشكل نهائي عودة المالكي إلى السلطة».

ويتوقع أن تعقد قوى «الإطار التنسيقي» اجتماعاً، السبت المقبل، وتشير بعض المصادر الصحافية إلى أن جدول أعمال الاجتماع سيتضمن «الإعلان عن المرشح أو تغيير الآليات». وفي ذلك إشارة إلى إمكانية قلب موازين اللعبة التي قد تطيح بطموحات المالكي.


فيروس تنفسي يحصد وفيات يومية في غزة... ولا مقومات لتحديده

فلسطيني يحمل جثمان رضيعته البالغة 3 أشهر يوم الثلاثاء بعد وفاتها جراء البرد في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطيني يحمل جثمان رضيعته البالغة 3 أشهر يوم الثلاثاء بعد وفاتها جراء البرد في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

فيروس تنفسي يحصد وفيات يومية في غزة... ولا مقومات لتحديده

فلسطيني يحمل جثمان رضيعته البالغة 3 أشهر يوم الثلاثاء بعد وفاتها جراء البرد في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطيني يحمل جثمان رضيعته البالغة 3 أشهر يوم الثلاثاء بعد وفاتها جراء البرد في مدينة غزة (أ.ف.ب)

مرت الغزية يسرى الحجار (32 عاماً) بأوقات عصيبة عندما فوجئت بارتفاع كبير في درجة حرارة رضيعها نضال البالغ 5 أشهر، ونقلته إلى عيادة مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة بعد تفاقم أوضاعه.

لم تُفلح الفحوصات الطبية الأولية التي أجراها الفريق الطبي للرضيع في تحديد الأسباب الدقيقة لمرضه، الأمر الذي اضطرهم إلى البحث عن حلول بسيطة مثل المحلول وخافض الحرارة وغيره، لمحاولة إيقاف الأعراض، وهو ما حدث فعلاً بعد ساعات.

تقول الحجار لـ«الشرق الأوسط»: «غادرنا العيادة بحالة أفضل، لكن بعد أقل من يوم أعدناه إلى العيادة بعد (تدهور جديد)»، مضيفة: «حتى الآن (صباح الثلاثاء) مرت 5 أيام على مرض رضيعي، وما زلت أحاول بالطرق البدائية تبليل رأسه بالمياه الباردة وبعض الأدوية لخفض الحرارة ووقف القيء والهزلان، ولم يستطع الأطباء تحديد الأسباب».

وحالة الرضيع السابق ليست وحدها؛ فسكان قطاع غزة باتوا يكابدون خلال الأسابيع الماضية الأخيرة، «انتشاراً واسعاً لأعراض مرضية متطابقة خصوصاً بين كبار السن والأطفال»، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» مدير مجمع الشفاء الطبي محمد أبو سلمية.

أطفال فلسطينيون حديثو الولادة في حضانة واحدة بمستشفى بمدينة غزة بسبب أزمة الوقود (رويترز)

وشرح أبو سلمية أنه «منذ أقل من شهر، وبشكل شبه يومي تسجل حالات وفاة جديدة بسبب انتشار فيروس خطير وفتاك»، مبيناً أنه «يتسبب في التهابات رئوية شديدة للغاية، ما يؤدي إلى وقوع حالات وفاة في صفوف الحالات الهشة ذات المناعة الضعيفة بشكل أساسي، وبشكل ثانوي لدى حالات مناعتها أفضل حالاً مثل بعض الشباب الذين سجلت حالات وفيات في صفوفهم خلال الأيام الماضية».

لا توجد مقومات للفحص

وشرح أبو سلمية أن «المنظومة الصحية في غزة، لا تمتلك أدنى مقومات الفحوصات المخبرية التي يمكن أن تكشف عن هذا الفيروس»، مرجحاً أن يكون متحوراً جديداً من فيروس كورونا، بعد نشاطات جديدة في دول العالم للفيروس.

وتوفيت صباح الثلاثاء، الطفلة الرضيعة شذا أبو جراد (7 أشهر)، بسبب البرد القارس ونقص أدوات الإيواء والتدفئة اللازمة، ليرتفع عدد الوفيات إلى نحو 10 في صفوف الأطفال نتيجة الظروف ذاتها.

ويقول أبو سلمية إن الأجواء الباردة حالياً، ولدت نشاط الفيروس الحالي، الذي تسبب في أعداد كبيرة من الوفيات، نتيجة الظروف الصعبة والقاسية التي يعيشها السكان في قطاع غزة، إثر الحرب الإسرائيلية، وما نتج عنها من ظروف بيئية وصحية قاسية جداً.

وأكد أبو سلمية وجود رابط بين الحرب التي تسببت في حالة مناعة ضعيفة لدى سكان غزة الذين تعرضوا لمجاعات عدة، إلى جانب تلوث المياه، مبيناً أن «كل ذلك يأتي في ظل نقص الأدوية والإمكانات اللازمة لدى الجهات الصحية لتستطيع توفير استجابة لازمة ومضادة وسريعة للتعامل مع الحالة الصحية القائمة حالياً».

طفل يعاني من سوء تغذية حاد يأكل من يد أمه في مستشفى ناصر بخان يونس جنوب قطاع غزة - 16 ديسمبر 2025 (رويترز)

وقالت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، في تغريدة لها عبر منصة «إكس»، إنه «في ظل انهيار النظام الصحي في غزة، نواصل تقديم الرعاية الصحية الأولية لآلاف الأشخاص يومياً، لكنّ هناك نقصاً حاداً في الأدوية».

واتهمت «الأونروا» إسرائيل بمنع إمدادات «الأونروا» العالقة في مستودعات الأردن ومصر، من الدخول إلى القطاع منذ 2 مارس (آذار) الماضي، مشددةً على ضرورة إدخال مساعداتها إلى القطاع في ظل الحاجة الملحة إليها.

وأكدت أن ظروف الشتاء القاسية تفاقم معاناة العائلات في غزة، التي أنهكتها الحرب والنزوح المتكرر، داعيةً للسماح بإدخال المساعدات على نطاق واسع.

وحذر المتحدث باسم «الدفاع المدني» في غزة، محمود بصل، من تزايد أعداد الوفيات، لا سيما بين الأطفال الصغار، جراء موجة البرد الشديدة بالتزامن مع تدهور الوضع الإنساني في القطاع، مؤكداً أن الأوضاع الميدانية والصحية قاسية للغاية، خصوصاً بالنسبة للأطفال الرضع والمرضى وكبار السن، في ظل أن غالبية العائلات تعيش في خيام متهالكة لا توفر الحماية من البرد أو الأمطار والظروف البيئية القاسية المحيطة بهم.