رون ديرمر... عضو مجلس الحرب الإسرائيلي الذي يرتاب بأمره الديمقراطيون

«عقل بيبي» ولد ونشأ في فلوريدا ولم يخدم في جيش إسرائيل... واصطدم مع أوباما بسبب إيران

رون ديرمر وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي (غيتي)
رون ديرمر وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي (غيتي)
TT

رون ديرمر... عضو مجلس الحرب الإسرائيلي الذي يرتاب بأمره الديمقراطيون

رون ديرمر وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي (غيتي)
رون ديرمر وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي (غيتي)

عندما أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قراراً بتعيين رون ديرمر، سفيراً لبلاده لدى الولايات المتحدة عام 2013، دخل مساعدو الرئيس باراك أوباما، الذين نظروا إلى ديرمر باعتباره ناشطاً سياسياً يمينياً، وليس دبلوماسياً، في نقاش حول ما إذا كان ينبغي للبيت الأبيض رفض أم قبول أوراق اعتماده. (تخلوا لاحقاً عن الفكرة).

الآن، يعد ديرمر واحداً من خمسة أعضاء في حكومة الحرب التي يترأسها نتنياهو، ويعمل بمثابة قناة الاتصال الرئيسية لإسرائيل مع إدارة بايدن. وعلى خلاف الحال قبل عقد من الزمن، عندما كان ديرمر مصدراً متكرراً للضغط والتوتر للبيت الأبيض، يبذل مسؤولون أميركيون اليوم قصارى جهدهم للتأكيد على أن علاقاته الوثيقة مع نتنياهو، ومعرفته العميقة بالمشهد السياسي في واشنطن، تجعلان منه وسيطاً قيماً في هذه الأزمة.

ومع ذلك، فإنه في وقت تخوض الولايات المتحدة ما يمكن أن تكون الفترة الأكثر تحدياً في علاقاتها مع إسرائيل منذ سنوات كثيرة - والتي تتطلب موازنة الدعم لحربها ضد «حماس»، مع الضغط لوقف القصف ضد قطاع غزة من أجل جهود الإغاثة الإنسانية - بدأ تاريخ ديرمر المشاكس مع البيت الأبيض في عهد أوباما يلوح في الخلفية.

رون ديرمر اختلف مع إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما بسبب سياستها الإيرانية (أ.ب)

قال آرون ديفيد ميلر، زميل بارز بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، ومفاوض السلام السابق في الشرق الأوسط: «لدى رون ديرمر القدرة على التعامل مع الجانب الأميركي. وكونه اليوم عضواً في مجلس وزراء الحرب أمر بالغ الأهمية لذلك. والسؤال الآن ما إذا كان سيصطدم بالشكوك وانعدام الثقة تجاهه بين أعضاء بايدن».

حتى الآن يبدو أن الإجابة: لا. وأفاد مسؤولون أميركيون بأن ديرمر، 52 عاماً، الذي يتولى منصب وزير الشؤون الاستراتيجية، كان له حضور بنّاء في كثير من الاجتماعات والاتصالات الهاتفية ـ وأن التقلبات التي اتسمت بها العلاقة الطويلة معه عملت بمثابة مصدر للألفة، وليس الضغينة.

ويمكن اختبار هذا الارتياح عندما تنتقل الأزمة من المرحلة العسكرية إلى الدبلوماسية والسياسة، وهما مجالان يمكن لديرمر خلالهما قطع مساحة أوسع.

إدارة الرئيس بايدن الديمقراطية ترتاب في ديرمر القريب من الجمهوريين (أ.ف.ب)

يذكر أنه أثناء وجوده في واشنطن، اصطدم ديرمر مع أوباما بخصوص الاتفاق النووي الإيراني، الذي عارضته إسرائيل بشدة، وكذلك التوسع في المستوطنات اليهودية بالضفة الغربية المحتلة. ومثل نتنياهو، فإن ديرمر ليس من الداعمين لحل الدولتين، الذي قال الرئيس جو بايدن قريباً إنه محوري لمستقبل إسرائيل والفلسطينيين بعد الحرب.

جدير بالذكر أن كثيرا من كبار مستشاري بايدن، بما في ذلك وزير الخارجية أنتوني بلينكن ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان، سبق لهم العمل مع أوباما، ولديهم ذكريات حية عن حملة الضغط الإسرائيلية ضد الاتفاق الإيراني.

من ناحيته، تجاهل ديرمر معارك الماضي، واصفاً إياها بأنها «غير ذات صلة على الإطلاق» بعلاقاته مع الإدارة الأميركية اليوم. وقال خلال مقابلة عبر الهاتف، الاثنين: «لا أراها سحابة تخيّم على أي شيء».

وأشار ديرمر إلى أن إيران باعتبارها نقطة خلاف بين الولايات المتحدة وإسرائيل، قد تراجعت. الملاحظ أن محاولات بايدن لإحياء المحادثات النووية مع طهران تلاشت، وفي الوقت ذاته تحظى «حماس»، التي شنت هجوماً مميتاً في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) ضد مدنيين وجنود إسرائيليين، بدعم الإيرانيين. وأرسل الرئيس بايدن حاملات طائرات إلى شرق البحر المتوسط، لردع إيران وجماعة «حزب الله» اللبنانية التابعة لها، عن دخول حرب ضد إسرائيل.

وعلق ديرمر بقوله: «أعتقد أن التنسيق والتعاون أصبحا أفضل عن أي وقت مضى، خاصة في وقت حرب. إنهم يدركون موقفنا، ونحن نعي موقفهم».

لم يكن الحال كذلك خلال سنوات أوباما. عام 2014، خلال عملية عسكرية إسرائيلية سابقة في غزة، أعلنت وزارة الخارجية أنها «شعرت بالفزع» إزاء ما وصفته بالضربة «المشينة» ضد مدرسة تابعة للأمم المتحدة. وقد غضب المسؤولون الإسرائيليون من اللغة المستخدمة، عادين أنها غير مبررة على الإطلاق.

عمل ديرمر مع إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب من أجل السلام مع الدول العربية (رويترز)

كما عبّر مساعدو البيت الأبيض عن غضبهم من ميل ديرمر باستمرار نحو الجمهوريين، الذين يبدون تأييداً أكبر لنتنياهو ومواقفه. الواضح أن ديرمر كانت لديه علاقات أكثر دفئاً مع الرئيس دونالد ترمب، الذي انسحب من الاتفاق النووي الإيراني، ولم يعترض على المستوطنات الإسرائيلية، واقترح ضم إسرائيل لأجزاء كبيرة من الضفة الغربية، بجانب نقله السفارة الأميركية إلى القدس، الأمر الذي لطالما طلبته إسرائيل.

من ناحيتهم، يرى محللون أن ديرمر لديه فهم جيد لمسألة كيف تتسبب الحرب في تعقيد المشهد السياسي الداخلي أمام بايدن، مع رفض الديمقراطيين التقدميين والناخبين الأميركيين المسلمين والعرب دعمه لإسرائيل. ونظراً لعلاقات ديرمر الوثيقة مع ترمب، الذي يترشح مرة أخرى للرئاسة، يتساءل البعض حول ما إذا كان سينصح نتنياهو بأخذ الوضع الحساس لبايدن في الاعتبار.

في هذا السياق، قال ميلر: «على الإدارة أن تنظر إلى ديرمر باعتباره سلاحاً ذا حدين؛ فمن ناحية، لديهم قناة اتصال رفيعة المستوى مع رئيس الوزراء. ومن ناحية أخرى، يبدي ديرمر قدرة واضحة على التصرف بطريقة لا تعترف بالمعاملة بالمثل بين الولايات المتحدة وإسرائيل».

على أحد المستويات، تبدو عضوية ديرمر في حكومة الحرب بمثابة مفاجأة. المعروف أن ديرمر ولد ونشأ في ميامي بيتش بفلوريدا، ثم انتقل إلى إسرائيل بعد تخرجه، ولم يخدم في الجيش الإسرائيلي. يذكر أن ثلاثة من أعضاء مجلس الوزراء جنرالات متقاعدون، بينما خدم نتنياهو في وحدة القوات الخاصة في شبابه.

بنيامين نتنياهو مع عدد من قادة جيشه خلال زيارة لقاعدة عسكرية يوم الثلاثاء (د.ب.أ)

إلا أنه على مستوى آخر، تبدو مكانة ديرمر الراهنة أمراً يمكن التنبؤ به، نظراً لعلاقاته طويلة الأمد مع نتنياهو، المعروف على نطاق واسع باسم بيبي. يتولى ديرمر تقديم المشورة لرئيس الوزراء منذ عام 2000، سواء من واشنطن أو القدس، ويجري النظر إليه باعتباره «عقل بيبي»، حسبما ذكرت المجلة اليهودية الإلكترونية «تابلت».

من جهته، قال أنشيل فيفر، الذي تولى كتابة سيرة ذاتية بعنوان «بيبي: حياة بنيامين نتنياهو المضطربة وأوقاته»، متحدثاً عن نتنياهو: «لقد حرص على التأكد من أن ديرمر جزء من حكومة الحرب». وأضاف: «من الواضح أن الشخص الوحيد الذي يثق به هو رون ديرمر، الذي يتمتع بخبرة عسكرية قليلة أو منعدمة».

وخلال فترة عمله سفيراً بين عامي 2013 و2021، كان ديرمر لاعباً مؤثراً في واشنطن، ليس فقط داخل الدوائر الدبلوماسية، وإنما كذلك الدوائر السياسية. وعزز علاقاته مع المشرعين في «كابيتول هيل»، خاصة الجمهوريين، وعمل معهم على صياغة خطاب أمام جلسة مشتركة للكونغرس ألقاه نتنياهو عام 2015، وصف خلاله الاتفاق النووي الذي اقترحه أوباما بأنه «صفقة رديئة للغاية».

رون ديرمر «عقل» بنيامين نتنياهو (حسابه على منصة إكس)

في وقت لاحق، عمل ديرمر على نحو وثيق مع صهر ترمب، جاريد كوشنر، في صياغة الاتفاق الإبراهيمي، الذي أدى إلى تطبيع العلاقات الإسرائيلية مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين.

وقال مايكل أورين، الذي سبق ديرمر بمنصب سفير إسرائيل في واشنطن: «إنه الرجل الذي يملك الصلاحيات كافة»، في إشارة إلى أن ديرمر يتمتع بسلطة كاملة للعمل نيابة عن حكومته بالخارج.

وقال جيسون غرينبلات، مبعوث ترمب الخاص إلى الشرق الأوسط، إن ديرمر لديه «فهم هائل» للصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، وكذلك الديناميكيات في المنطقة، و«ينبغي النظر إليه باعتباره مورداً بالغ الأهمية في العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بغض النظر عن الحزب السياسي الحاكم بواشنطن».

المؤكد أن ديرمر يملك خبرة كبيرة في السياسة الحزبية، فقد كان والده، جاي، عمدة لمدينة ميامي بيتش عن الحزب الديمقراطي. وكانت وظيفته الأولى بعد تخرجه في جامعة بنسلفانيا، العمل لدى الجمهوري فرانك لونتز، خبير استطلاعات الرأي. وذكر لونتز أنه خلال إحدى المناقشات داخل الفصل الدراسي حول الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، طلب من ديرمر ذات مرة أن يقف إلى الجانب الفلسطيني.

وقال لونتز: «لقد فاز فريقه، الأمر الذي أرعبه، لذلك سارع إلى مقدمة الغرفة ليؤكد للجميع أن السبب الوحيد لفوزه أنه كذب في جميع ادعاءاته. لقد كانت إسرائيل بالفعل له أهم من سمعته الشخصية».

نتنياهو خلال مؤتمر صحافي مع قادة حكومة الحرب الإسرائيلية في قاعدة عسكرية بتل أبيب يوم 28 أكتوبر الماضي (رويترز)

وإذا كان ولاء ديرمر الوطني لإسرائيل، فإن ولاءه الشخصي لنتنياهو. ويصف أصدقاؤه هذا الولاء بأنه لا يتزعزع، إلى درجة أنه حمل نفسه ذات مرة اللوم عن فضيحة طالت نتنياهو. عام 2018، قال ديرمر إنه فشل في نقل تحذيرات إلى رئيس الوزراء بشأن سوء السلوك الجنسي الخاص بالمتحدث باسمه، ديفيد كيز، الذي استقال بعد أن أصبحت المزاعم علنية.

وربما يلعب هذا الولاء دوراً في الوقت الذي يصارع نتنياهو من أجل مستقبله السياسي بعد انتهاء الحرب في غزة. ويتساءل البعض عن النصيحة التي سيقدمها ديرمر لرئيسه وما إذا كانت هذه النصيحة - فيما يخص قضايا مثل محاولة إحياء حل الدولتين - ستفتح صدوعاً جديدة بين إسرائيل والولايات المتحدة.

ومهما كانت القضية، أكد ديرمر أنها لا ينبغي أن تصبح شخصية. وقال عن سنوات رئاسة أوباما: «لطالما كنت أرى الخلافات باعتبارها خلافات سياسية. ولم أشكك قط في دوافع أي شخص».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

مقتل فلسطيني خلال عملية اعتقال نفذتها الشرطة الإسرائيلية بالقدس الشرقية

المشرق العربي قوات الأمن الإسرائيلية تفرّق مصلين حاولوا التجمع خارج أسوار البلدة القديمة في القدس لأداء صلاة الفجر بمناسبة عيد الفطر (أ.ف.ب) p-circle

مقتل فلسطيني خلال عملية اعتقال نفذتها الشرطة الإسرائيلية بالقدس الشرقية

كشفت الشرطة الإسرائيلية، اليوم (الأربعاء)، عن أنها قتلت شاباً فلسطينياً حاول «خطف» سلاح أحد عناصرها خلال عملية ليلية في بلدة جبل المكبر بالقدس الشرقية المحتلة.

«الشرق الأوسط» (القدس)
المشرق العربي فلسطينية تعد وجبة في مخيم النصيرات للاجئين شمال دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»... تحركات جديدة من الوسطاء لكسر الجمود

تحركات جديدة بشأن مسار اتفاق وقف إطلاق في قطاع غزة، الذي زاد تعثره منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا فلسطيني يحمل جثمان أحد أقربائه قتل في غارة جوية إسرائيلية بمدينة غزة (أ.ف.ب)

«سلاح حماس»... تحرك لـ«مجلس السلام» بغزة في توقيت مربك

حراك جديد لدفع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وسط تصاعد حرب إيران، مع تسريبات إعلامية بأن «مجلس السلام» قدم مقترحاً لحركة «حماس» لنزع سلاحها.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية (الهيئة العامة للاستعلامات)

مصر قلقة إزاء «المنحى التصاعدي» لأعمال العنف في الضفة

أعربت مصر عن بالغ قلقها إزاء «المنحى التصاعدي» لأعمال العنف التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي سيارات تحمل أول مجموعة من الجرحى يغادرون مقر الصليب الأحمر الفلسطيني في خان يونس متجهين إلى معبر رفح الحدودي مع مصر (إ.ب.أ) p-circle

مقتل 4 فلسطينيين بغارات إسرائيلية على غزة

قُتل 4 فلسطينيين في غارات إسرائيلية استهدفت مدينة غزة، بحسب ما أفادت هيئة الدفاع المدني ومستشفيان في القطاع الفلسطيني.

«الشرق الأوسط» (غزة)

المفوضية الأممية للاجئين تحذر من «كارثة إنسانية» في لبنان بسبب الحرب

نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)
نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)
TT

المفوضية الأممية للاجئين تحذر من «كارثة إنسانية» في لبنان بسبب الحرب

نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)
نازح لبناني خارج خيمة في مدينة كميل شمعون الرياضية في بيروت (أ.ف.ب)

حذرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة، الجمعة، من أن لبنان يواجه أزمة إنسانية متفاقمة تنذر بالتحول إلى كارثة، وذلك بعد نحو شهر من اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.

وأفادت المفوضية بأن أكثر من مليون شخص في هذا البلد أُجبروا على الفرار من منازلهم، أي واحد من كلّ خمسة سكان، منذ الثاني من مارس (آذار)، حين اندلعت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» الموالي لإيران.

وقالت كارولينا ليندهولم بيلينغ، ممثلة المفوضية في لبنان، للصحافيين في جنيف متحدثة من بيروت: «لا يزال الوضع مقلقاً للغاية، وهناك خطر فعلي لوقوع كارثة إنسانية». وأشارت: «نلحظ هنا في لبنان أزمة اقتصادية تتفاقم على نحو مقلق».

واستطردت: «أكثر من 136 ألف نازح يعيشون في 660 ملجأ جماعياً، أغلبيتها مدارس مكتظّة. وحتّى لو نزحوا، هم لا يشعرون بالأمان»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وصرّحت كارولينا ليندهولم بيلينغ: «تعيش عائلات في خوف دائم ولا شكّ في أن التداعيات النفسية، لا سيّما على الأطفال، ستستمرّ إلى ما بعد النزاع الراهن».

اندلعت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» في لبنان في 2 مارس حين هاجم الحزب الدولة العبرية بصواريخ رداً على مقتل المرشد الإيراني في ضربات إسرائيلية أميركية.

وترد إسرائيل بغارات كثيفة في أنحاء لبنان وتوغل بري في الجنوب، ما أسفر عن مقتل أكثر من ألف شخص.

وفي جنوب لبنان، تسبّب تدمير إسرائيل لجسور استراتيجية في عزل أكثر من 150 ألف شخص، معطلاً بشدّة وصول المساعدات الإنسانية، حسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

«مفجع»

ووجّهت المفوّضية نداء لجمع أكثر من 60 مليون دولار بغية توسيع استجابتها، محذّرة من أن الحاجات تتزايد بوتيرة أسرع من الموارد.

وقالت كارولينا ليندهولم بيلينغ: «كان لبنان يواجه أصلاً أزمات متعدّدة، وهذا النزوح الكبير يحدث ضغوطات شديدة على الأسر والخدمات». وصرّحت: «يقول لي الناس مراراً إن جلّ ما يريدونه هو العودة إلى منازلهم».

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، التي يواجه مركزها اللوجيستي للمساعدات الطارئة في دبي صعوبات على مستوى النقل البحري والجوّي، عن إرسال أوّل دفعة من المساعدات الإنسانية برّاً إلى لبنان.

وأفاد الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من جانبه بأن الصليب الأحمر اللبناني يوزّع المساعدات، وخصوصاً البطانيات والفرش والوجبات الغذائية والخبز ومياه الشرب.

وأشار الناطق باسم الاتحاد تومازو ديلا لونغا إلى أن الصليب الأحمر اللبناني هو أكبر مزوّد لخدمات الإسعاف في البلد، ووضع خطّة طارئة لنقل الدم بغية تزويد المستشفيات به بلا انقطاع.

وقال: «بين 2 و23 مارس، نفّذت فرق الصليب الأحمر اللبناني 2754 مهمّة إسعاف و11 عملية بحث وإنقاذ في مواقع حضرية»، مشيراً إلى مقتل متطوّع وإصابة عدّة متعاونين آخرين خلال أداء مهامهم.

وأضاف: «يعمل المتعاونون والمتطوّعون تحت ضغوطات هائلة لضمان سلامتهم وسلامة المصابين الذين يقومون بإجلائهم على السواء».

وأشارت هيئة الأمم المتحدة للمرأة من جانبها إلى أن النساء الحوامل يواجهن الولادة في ملاجئ مؤقتة لا نفاذ فيها لخدمات الرعاية مثل قاعات المدارس.

وقالت ممثّلة الهيئة في لبنان جيلان المسيري: «تواجه النساء خوفاً دائماً وليالي بلا نوم وإنهاكاً كاملاً، فيما يضطررن لطمأنة أطفال مرعوبين».

وبين النازحين أكثر من 370 ألف طفل «لا مكان آمناً لهم»، حسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف).

وقال ممثّل «اليونيسف» في لبنان، ماركولويجي كورسي: «هو نزوح كبير ومباغت وفوضوي يمزّق العائلات ويفرغ بلدات بكاملها مع تداعيات ستبقى بعد توقّف العنف»، مشيراً إلى أن «إنهاك الأطفال اللبنانيين النفسي والمعنوي مفجع».


لبنان يتجه لمعالجة أزمة السفير الإيراني بمساعٍ لـ«تنفيس الاحتقان»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الوزير فادي مكي (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الوزير فادي مكي (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان يتجه لمعالجة أزمة السفير الإيراني بمساعٍ لـ«تنفيس الاحتقان»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الوزير فادي مكي (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يلتقي الوزير فادي مكي (الرئاسة اللبنانية)

تتجه السلطات اللبنانية إلى «تبريد» الأزمة السياسية الداخلية التي ترتبت على قرار وزارة الخارجية بإبعاد السفير الإيراني لدى لبنان، محمد رضا شيباني، بشكلٍ لا تتراجع فيها «الخارجية» عن القرار، ولا تتخذ إجراءات بحقّه في حال بقي في لبنان بعد المهلة المُعطاة له لمغادرة البلاد يوم الأحد المقبل، وفق ما قالت مصادر وزارية، لـ«الشرق الأوسط».

وقاطع أربعة وزراء شيعة، من أصل خمسة، يمثلون ثنائي «حزب الله» و«حركة أمل»، جلسة مجلس الوزراء، الخميس؛ اعتراضاً على قرار «الخارجية» باعتبار شيباني «شخصاً غير مرغوب به».

وقالت المصادر الوزارية إن الجلسة الحكومية، الخميس، «لم تناقش ملف شيباني، وكان رئيس الحكومة نواف سلام يغلق أي نقاش حول هذا الملف، طالباً التركيز على الملفات الحياتية للتعامل مع أزمة النزوح، وتداعياتها، والاتصالات مع الجهات الدولية والجهات المانحة لمساعدة لبنان». وأكدت أن معالجة ملف شيباني تجري وفق مساعٍ لـ«تنفيس الاحتقان».

الوزير مكي

وكان وزير التنمية الإدارية فادي مكي، وهو الوزير الشيعي الخامس، قد شارك في الجلسة الوزارية، الخميس، مما عرَّضه لانتقادات. وقال مكي، بعد لقائه بالرئيس اللبناني جوزيف عون، الجمعة: «إننا استعرضنا آخِر المستجدات في ضوء مشاركتي في جلسة مجلس الوزراء، وكانت مناسبة لتأكيد أن المرحلة تفرض التضامن الداخلي وتعزيز حضور الدولة وتغليب المسؤولية الوطنية». وتابع: «الأولوية، اليوم، هي لمواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر، واحتضان النازحين، وتكثيف كل الجهود لوقف الحرب، مع تأكيد السلم الأهلي والحوار الداخلي».

وأضاف: «أكّدتُ أن لا خيار لنا إلا الدولة ومؤسساتها الشرعية، وأن لبنان، اليوم، بأمسّ الحاجة إلى قرارات تُوحِّد لا تُفرِّق. وأعبّر عن كامل ثقتي بما يقوم به فخامة الرئيس، بالتنسيق مع دولة رئيس مجلس النواب ودولة رئيس مجلس الوزراء».

مبادرة «التيار الوطني الحر»

في غضون ذلك، يستكمل «التيار الوطني الحر» زياراته على الفعاليات السياسية، لشرح مقترح لحماية لبنان. وقال رئيسه النائب جبران باسيل، بعد زيارته رئيس البرلمان نبيه بري، إن أهم ما في المقترح هو «موضوع الوحدة الوطنية؛ لأنها أساس كل شيء وأساس هذا الوطن وأساس بقائه والأساس الذي من خلاله يستطيع لبنان أن يخرج سالماً من هذه الحرب التي نحن فيها».

وتابع: «للأسف، هناك منطقان يتواجهان: منطقنا الذي يقول 100 يوم حرب من الخارج على لبنان ولا يوم واحد من الحرب بين اللبنانيين، والمنطق الثاني يعلن رسمياً أنه فلتكن حرب داخلية في لبنان، المهم أن ننتهي من الحرب الخارجية». وأضاف: «نحن لا نريد حرباً داخلية ولا خارجية، نحن في بعض الأحيان ليست لدينا القدرة لمنع الحرب الخارجية، للأسف، للأسباب التي نتفق أو نختلف عليها نحن اللبنانيين، لكن نحن بالتأكيد لدينا القدرة على أن نمنع الحرب الداخلية، وهذه مسؤوليتنا ومهمتنا في المرحلة المقبلة، لذا في كل يوم سنعود ونذكر وننبه، خاصة المغرَّر بهم والذين ينجرّون وراء غرائز طائفية لا مكان لها».

وأضاف: «اليوم، معركتنا ليست طائفية، نحن بمواجهة أخطار يجب إبعادها عنا بأن نتكلم كلاماً وطنياً وليس كلاماً طائفياً، فالناس الذي ينجرّون وراء هذا الكلام يجب ألا يتذوقوا، لا هم ولا أولادهم ولا أي أحد، طعم الحرب الداخلية؛ لأن الجميع ذاق مرارتها بما يكفي، ويجب أن نمنع تكرارها، هذه مسؤوليتنا، وهذا خطابنا، وهذا كلامنا الجامع بين بعضنا البعض، هكذا تنتهي الأزمة أكيد، وهكذا ينجو لبنان، وبعدها نتطلع مع خلافاتنا السياسية كيف سنبنيه، لكن الأهم أن يبقى لبنان، ويبقى لبنان بوحدتنا الوطنية».

إغاثة النازحين

وبينما تتجه أزمة السفير الإيراني للاحتواء، ينصبّ التركيز اللبناني على إغاثة النازحين. وأطلع وفد من الصليب الأحمر الدولي، برئاسة المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأدنى والأوسط نيكولاس فون آركس، الرئيس عون على عمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر في ضوء استمرار التصعيد العسكري في عدد من البلدات والقرى اللبنانية والعمليات الإنسانية التي تقوم بها اللجنة بالتعاون مع الصليب الأحمر اللبناني والتنسيق مع الجيش اللبناني والقوات الدولية العاملة في الجنوب. وعرَض فون آركس لتدهور الوضع الإنساني ونزوح الآلاف من القرى والبلدات المستهدَفة دون أن يتمكنوا من العودة بسبب تدهور الأوضاع، مشيراً إلى الصعوبات التي تواجه الفرق في أثناء عملها ومؤكداً استمراريتها في العمل وتأمين المستلزمات للمستشفيات والمراكز الصحية وإيصال المساعدات.

وقال: «أسهمنا في تأمين الوصول إلى المياه لأكثر من 800000 شخص من خلال ضمان استمرارية تشغيل محطّات الضخ. إضافةً إلى ذلك، نجحنا في إيصال المساعدات الأساسية إلى نحو 10000 شخص في مختلف القرى، فضلاً عن دعمنا للمستشفيات لضمان استمرارها في تقديم العلاج للجرحى والمرضى».

من جهته، طلب الرئيس عون الاهتمام بأبناء الجنوب الموجودين في قراهم وبلداتهم وتأمين المساعدات الضرورية لتعزيز صمودهم.

وكان مدير الصليب الأحمر قد أكد، بعد زيارته رئيس البرلمان نبيه بري، استمرار حضور اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الميدان، ولا سيما في المناطق الأكثر تضرراً، وتلك التي يصعب الوصول إليها، حيث تُواصل فِرق اللجنة تقديم الدعم للمتضررين، بالتوازي مع جهود الجهات الأخرى في دعم النازحين بمراكز الإيواء.

وأشار الوفد إلى استمرار وجود فِرق اللجنة في جنوب لبنان، خصوصاً في تبنين ومرجعيون؛ لتأمين وصول المساعدات والخدمات الصحية، في ظل ازدياد عزلة هذه المناطق عن باقي البلاد، كما شدد الوفد على أهمية احترام القانون الدولي الإنساني بما يشمل حماية المدنيين والبنى التحتية والخدمات الأساسية والمُسعفين والطواقم الطبية.


السفير البابوي ينفذ جولة تضامنية في القرى المسيحية جنوبي لبنان

السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)
السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)
TT

السفير البابوي ينفذ جولة تضامنية في القرى المسيحية جنوبي لبنان

السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)
السفير البابوي في إحدى كنائس الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)

جال السفير البابوي في لبنان المونسنيور باولو بورجيا في عدد من القرى المسيحية الحدودية في جنوب لبنان، شملت بلدات كوكبا ومرجعيون والقليعة، في زيارة حملت رسائل تضامن مباشرة مع السكان المسيحيين الصامدين في بلداتهم، في ظل تصاعد التوترات الأمنية وتفاقم الضغوط المعيشية.

وقال بورجيا خلال الجولة إن «الواجب يفرض أن نكون حاضرين ومتضامنين، وأن نتشارك الأفراح والآلام حيثما تدعو الحاجة»، في إشارة إلى البعد الإنساني للزيارة. والتقى، برفقة رئيس «كاريتاس لبنان»، عدداً من الأهالي، مطّلعاً على أوضاعهم المعيشية وشهاداتهم حول تداعيات الوضع الأمني على حياتهم اليومية.

مساعدات دولية لدعم السكان

بالتوازي، وصلت إلى قضاء مرجعيون قافلة مساعدات مؤلفة من 15 شاحنة محمّلة بمواد إغاثية، جرى تفريغها في بلدة القليعة بإشراف رئيس البلدية حنا ضاهر.

ونُظّمت القافلة بإشراف برنامج الغذاء العالمي، وبمساهمة منظمات دولية، في إطار الاستجابة الإنسانية للأوضاع الناجمة عن التصعيد العسكري.

وشملت المساعدات مواد غذائية، ومستلزمات للنظافة الشخصية، ومياه شرب، إضافة إلى بطانيات وفرش وأدوات مطبخ أساسية، بهدف دعم قدرة الأهالي على الصمود في مناطقهم.

وأكد المنظمون أن هذه القافلة تشكل الدفعة الأولى ضمن خطة طوارئ، على أن تتبعها شحنات إضافية خلال الأيام المقبلة لتوسيع نطاق الاستجابة.

السفير البابوي خلال وصوله إلى الجنوب (وكالة الأنباء المركزية)

قرى حدودية بين الصمود والهشاشة

وتُعد القرى المسيحية في قضاء مرجعيون، ومنها القليعة وكوكبا، من أبرز البلدات الواقعة على تماس مباشر مع الحدود الجنوبية، وقد شكّلت تاريخياً نموذجاً للتنوع الديني في المنطقة، حيث تتداخل مع محيط ذي غالبية مسلمة.

وعاشت هذه القرى على مدى عقود تحت وطأة التحولات الأمنية، من الاحتلال الإسرائيلي الذي انتهى عام 2000، إلى تداعيات حرب يوليو (تموز) 2006، وصولاً إلى جولات التصعيد المتكررة منذ عام 2023 حتى اليوم، ما جعلها في موقع هش بين الاستقرار والانكشاف.

ورغم ذلك، حافظت هذه البلدات على حضورها السكاني، مدفوعة بعوامل التمسك بالأرض والروابط الاجتماعية، غير أن الأزمات الاقتصادية الأخيرة، إلى جانب التوترات الأمنية، دفعت بعض العائلات إلى النزوح المؤقت، وسط مخاوف من اتساع ظاهرة الفراغ السكاني.

ويؤكد أبناء المنطقة أن التحدي لم يعد أمنياً فقط، بل بات مرتبطاً بقدرتهم على الاستمرار في ظل الضغوط الاقتصادية وتراجع الخدمات، ما يضفي أهمية إضافية على المبادرات الإغاثية والزيارات التضامنية.

رسائل دينية سابقة

وكان بورجيا قد زار قبل أيام مدينة صور، حيث شارك في قداس ترأسه المطران جورج إسكندر. وفي كلمته، شدد على أن زيارته تهدف إلى «حمل المحبة إلى بيوت اللبنانيين»، مستحضراً دعوات البابا ليو الرابع عشر إلى التمسك بالأمل والسير في طريق السلام.

وقال: «لبنان بلد مميز بتنوعه، وما يجمع أبناءه أكبر مما يفرقهم»، داعياً إلى «رفع الصلاة من أجل السلام وعدم الانجرار إلى منطق الحرب»، ومؤكداً أن «البابا يتابع ما يجري في لبنان عن كثب ويقف إلى جانب شعبه».