ثور تاروت من الفصيلة الدربانية ويُعرَف بـ«الزابو»

يتبنى قاموساً تشكيلياً يتكوّن من عناصر تصويرية ثابتة

ثور تاروت من الفصيلة الدربانية ويُعرَف بـ«الزابو»
TT

ثور تاروت من الفصيلة الدربانية ويُعرَف بـ«الزابو»

ثور تاروت من الفصيلة الدربانية ويُعرَف بـ«الزابو»

يحتفظ متحف «متروبوليتان» في نيويورك بإناء من حجر الكلوريت الداكن، مصدره جزيرة تاروت، التابعة لمحافظة الشرقية بالمملكة العربية السعودية. يعود هذا الإناء إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، ويزيّنه نقش تصويري متقن يمثّل ثوراً من الفصيلة التي تُعرَف، اليوم، عالمياً باسم الزابو، وعربياً بالبقر الدرباني، وهي من الماشية المستأنسة، وتتميّز بسنام يعلو كتفيها.

وصل هذا الإناء بشكل شِبه كامل، ولم يفقد سوى جزء من طرفه الأعلى. يبلغ طوله 11.4 سنتيمتر، وعرضه 7 سنتيمترات، وتحمل مساحته الخارجية نقشاً ناتئاً يمثّل ثوراً يتميز بكتلة ضخمة من الشحم مُحدَّبة على ظهره. يظهر هذا الثور في صورة تتكرّر مرّتين في تأليف واحد جامع، حيث يحضر في شكل جانبي، ويعلو رأسه قرنان هلاليان عاليان على شكل هلالين متقابلين. سمات الوجه محدّدة بدقّة، وتتمثّل في عين لوزية عملاقة مجوّفة، يحدّها عظم الحاجب الذي يشكّل إطاراً لها، وأنف بارز يعلو أقصاه منخران على شكل قرصين منمنمين، وفم يرتسم في شق أفقي يفصل بين الأنف البارز والحنك المستدير، وأذنين عموديتين طويلتين تظهران عند الطرف الأسفل للقرن الأيسر.

أعضاء الجسم محدّدة كذلك بمتانة مماثلة، وتظهر هذه المتانة في تصوير العمود الفقري والأرداف والمفاصل التي يتكوّن منها البدن. يستقر السنام عند أعلى الظهر فوق الكتفين، وتزيّنه شبكة من الدوائر المجوّفة تمتّد حتى أسفل البطن، وتمثّل هذه الشبكة كتلة من الصوف تغطّي هذا الجزء من جلد الثور. تحوي ثلاث من هذه الدوائر قطعاً من الحجارة البيضاء، ممّا يشير إلى أن المساحات المجوَّفة كانت في الأصل مرصَّعة بهذا النسق. على العكس، يبدو ما تبقّى من هذا الجلد خالياً من أي نقش، وهو هنا على شكل مساحة مصقولة، ملساء ومجردة. القوائم مصوَّرة برهافة، وتتكون من أفخاذ وسيقان ورُكب وحوافر متناسقة. من طرف المؤخرة، يتدلّى الذيل عمودياً بثبات، وتحدّ طرفه الأسفل كتلة بيضاوية. في هذه الصورة المزدوجة، يقف الثور بثبات، مع حركة خفية تظهر في تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام.

تحيط بهذه الصورة المزدوجة شبكتان من النقوش تحدّدان معالم المكان الذي يقف فيه الثوران المتجاوران. تحتل الشبكة الأولى القسم الأسفل من التأليف، وهي على شكل سلسلة من الخطوط المتوازية، تعلوها خطوط مشابهة متموّجة ومقوَّسة ترتسم فوق الثورين، وتشكّل هذه الشبكة صورة تشكيلية مبتكرة لجداول من المياه. في المقابل، تحتل الشبكة الثانية القسم الأسفل، وهي على شكل كتلة متراصة من الحراشف البيضاوية، تمثّل صورة تشكيلية مبتكرة لحلّة نباتية مورقة تمتدّ فوق جداول المياه المتموّجة.

يُعرَف الثور ذو السنام، اليوم، بـ«الزابو»، وهو الثور الدرباني، كما يُستدلّ من قول ابن منظور: «ومن أجناس البقر، الدراب، ممّا رقّت أظلافه، وكانت له أسنمة، ورقّت جلوده، واحدها درباني». هذه الفصيلة البقرية معروفة في العالم القديم، كما في زمننا، وهي تتكيف بشكل جيد مع درجات الحرارة المرتفعة، وتجري تربيتها في جميع أنحاء البلدان الاستوائية. والشائع أن أصلها يعود إلى شبه القارة الهندية، غير أن الأدلة الأثرية تشير إلى وجودها في الشرق الأوسط، كما في الجزيرة العربية في زمن موغل في القدم.

في كتابه المرجعي، الصادر عام 1991، تحت عنوان «التحريم والتقديس، نشوء الثقافات والدول»، ذكر العالِم الأنثروبولوجي الأميركي مارفن هاريس، هذه الفصيلة البقرية المستأنسة، وكتب في وصفها: «تُقاس المقدرة البشرية بمدى التحمل الهائل وقدرات التعافي لسلالات البقر الدرباني. وكما الجمال، تخزّن الأبقار الهندية الطاقة في سنامها، ويمكنها العيش أسابيع دون طعام أو شراب، وتنتعش عندما يُتاح لها أقل قدر من الغذاء. بعد تفوق سلالات أخرى بسبب المرض والجوع والعطش، تستمر أبقار الدرباني بجرّ المحراث وإنجاب العجول وإنتاج الحليب. وخلافاً لسلالات أوروبية أخرى، اختير الدرباني؛ لا لقوته واكتناز لحمه أو غزارة حليبه، بل لقدرته على البقاء حياً في مواسم جفاف وقحط قاسية».

يظهر الثور الدرباني على إناء تاروت، كما يظهر على مجموعة كبيرة من قطع مشابهة من الكلوريت، تتبع تقليداً فنياً جامعاً سادَ في نواح عدة من بلاد الرافدين، كما في جزر الخليج العربي، وازدهر في نواح من جنوب غربي إيران توصف بـ«بلاد ما بين النهرين الصغرى». يتبنى هذا التقليد قاموساً تشكيلياً يتكوّن من مجموعة عناصر تصويرية ثابتة تمثّل العالم الحيواني والعالم الطبيعي. يحضر الثور الدرباني في هذه المجموعة بشكل أساسي، إلى جانب الوعل والأسد والفهد والعقرب والنسر والأفعى، ويظهر إمّا واقفاً على قوائمه، وإما رابضاً على قوائمه المطوية من تحت بطنه. واللافت أنه يحضر بشكل دائم أمام جداول المياه، كما على إناء تاروت.

وسط هذا العالم الحيواني الغرائبي، يظهر الإنسان في صورة ثابتة، ويلعب دور «سيّد الوحوش»، حيث يمسك بيديه المرفوعتين حيواناً من الحيوانات المتوحشة التي تشكّل مادة هذه النقوش.

وحده الثور الدرباني يظهر بصورة الحيوان المستأنس إلى جوار «سيّد الوحوش»، وكأنّه صورة مختزلة للحيوان الأليف. تتجلّى هذه الصورة الاستثنائية بشكل خاص في إناء محفوظ بالمتحف البريطاني في لندن، مصدره موقع خفاجة الأثري، على نهر ديالى، شرق العراق. يبلغ طول هذا الإناء 11.4 سنتيمتر، وعرضه 17.8 سنتيمتر، ويختزل نقشُه الجمالية التي جسّدتها أواني الكلوريت التي تعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد.

يجمع هذا النقش بين ثلاثة مشاهد لا يفصل بينها أي إطار. في المشهد الأول، يظهر سيّد هذا العالم الغرائبي جاثياً على ركبتيه، ممسكاً جدولين من المياه، فوق ثورين من الفصيلة الدربانية. وفي المشهد الثاني، يعود ويظهر منتصباً على قدميه بين فهدين، ممسكاً ثعبانين مرقطين متواجهين. يغيب «سيد الوحوش» عن المشهد الثالث، حيث يظهر أسد ونسر ينقضّان على ثور عادي ليس له سنام.

في قراءة تأويلية لهذه اللوحة الثلاثية، ترى الباحثة البلجيكية دومينيك كولون أن الحيوانات المفترسة ترمز إلى شواش الطبيعة واضطرابها وفوضاها، في حين يعبّر الإنسان عن السيطرة على هذه الشواش، وتتمثّل هذه السيادة في جرّ المياه التي تهبُ الخصوبة والازدهار.

كلام الصورة

آنية من جزيرة تاروت السعودية محفوظة في متحف «متروبوليتان»، وآنية من موقع خفاجة العراقي محفوظة في المتحف البريطاني.



ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر
TT

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر

بمناسبة الذكرى الـ66 لرحيل ألبير كامو، حاورت «الشرق الأوسط» ابنته كاترين كامو (80 عاماً)، «المؤتمنة الأولى» على أرشيفه. عن علاقتها بوالدها تقول: «كان الشخصَ الوحيد في العائلة الذي كان يبدو سعيداً بوجودي».

وحول العزلة التي فرضتها النخبة الباريسية على والدها، خاصة بعد قطيعته مع جان بول سارتر، روت: «أتذكّر حين كنتُ في الثامنة من عمري، دخلتُ غرفة الاستقبال العائلية، حيث كانَ والدي جالساً بمفرده (...) أتذكر أنّني سألته: (بابا، هل أنت حزين؟)، فرفع رأسه وأجابني: (أنا وحيد)».

ورفضت انتقادات بعضِ المثقفين العرب، مثل إدوارد سعيد، لوالدها لـ«تغييبه» العربَ في سردياته، وتقول إنَّ سعيد تناسى أنَّه «كتب (بؤس منطقة القبائل)، وهي مجموعة تحقيقات كتبها حين كان يعمل في صحيفة (ألجي روبليكان) حول فقر الجزائريين في الفترة الاستعمارية». وتضيف: «لا تزال هذه النظرية تسبب أضراراً، وهو أمر يؤسفني».


ابنة ألبير كامو لـ«الشرق الأوسط»: إدوارد سعيد ظلم والدي

البير كامو
البير كامو
TT

ابنة ألبير كامو لـ«الشرق الأوسط»: إدوارد سعيد ظلم والدي

البير كامو
البير كامو

بمناسبة الذكرى السادسة والستين على رحيل الكاتب والفيلسوف ألبير كامو، أجرت «الشرق الأوسط» حواراً مع ابنته كاترين كامو (80 عاماً)، التي تتجاوز علاقتها بوالدها الرابطة العائلية، إذ أصبحت «المؤتمنة الأولى» على واحد من أهم الأرشيفات الأدبية في القرن العشرين. وهي تتولى منذ عقود، إدارة حقوق أعماله والإشراف على نشر المخطوطات التي لم ترَ النور في حياته. وكانت وراء النشر التاريخي لروايته غير المكتملة «الرجل الأول» في التسعينات، وهو العمل الذي غيّر الكثير من القراءات النقدية حول سيرة والدها. ورغم إطلالتها الصحافية القليلة فإن السيدة كاترين قبلت حصرياً الإجابة عن أسئلة «الشرق الأوسط» بمناسبة الذكرى السادسة والستين لوالدها. هنا نص الحوار:

> بصفتك المسؤولة عن التركة الأدبية لوالدك ألبير كامو منذ عقود، ما المبادئ التوجيهية التي تعتمدينها عند الترخيص بنشر أي عمل أو فتح أرشيفه للباحثين؟

- لقد كتب والدي الرواية والمسرح والمقال، لذا فإن تعداد المبادئ التي أطبقها عند اتخاذ أي قرار يتطلب وقتاً طويلاً. وبشكل عام، فإني أعتمد في قراراتي على «الحدس» والشعور الداخلي الذي ينتابني في ذلك الوقت. وفي كل الأحوال، فإنني أعدّ أن النتاج الأدبي لوالدي ملك لقرائه أكثر مما هو ملك لي، لذا نادراً ما أجبت بالرفض أو المعارضة.

كاترين كامو

> هل لا تزال هناك في الأرشيف الذي تحتفظين به، شذرات أو مفكرات أو رسائل تعدينها شديدة الخصوصية بحيث لا يمكن عرضها على الجمهور، أو أنك ترين أن كل ما يخص كامو بات ملكاً للتاريخ؟

- لا أرى أن كل ما يخصّ ألبير كامو صار ملكاً للتاريخ بالضرورة. علينا أن نستحضر رؤية والدي للتاريخ، حيث كان يرى أن الكائن البشري أسمى وأهم من التاريخ. وأنا أشاطره هذا الرأي تماماً.

> بعد عقود من القراءة المتأنية لكل ملاحظات والدك، هل لديك شعور بأن ما تعرفينه اليوم أكثر مما كنت تعرفين وقت وفاته، أو أن جانباً منه لا يزال مستعصياً على الإدراك؟

- أعتقد أن المرء لا يمكنه معرفة أي شخص معرفة كاملة، ولا حتى معرفة نفسه... لذا، فإن رؤيتي لوالدي تظل جزئية ونسبية، وهي رؤية قابلة للنقاش والجدل بكل تأكيد.

> كيف تصفين علاقتك بوالدك؟ وما الذكريات الشخصية التي تحبين استحضارها عند تقديم أعماله للجمهور؟

- أكتفي بالقول إن والدي كان الشخص الوحيد في العائلة الذي كان يبدو سعيداً بوجودي.

> في معظم مداخلاتك وكتاباتك غالباً ما تقدمين ألبير كامو بصفته أباً في المقام الأول. ما السّمة في شخصيته الإنسانية التي لا تزال في نظرك مجهولة لدى الجمهور أو لدى كُتّاب السيرة الذين يحللون حياته باستمرار؟

- أقول إن الجانب الذي يجهله الكثير عن والدي هو أنه كان يتمتع بروح الدعابة. هو نفسه صرح ذات مرة بأن عنصر الفكاهة في أعماله لم يحظَ بالدراسة والاهتمام الحقيقيين.

> سيدة كامو، كثيراً ما تقولين بإن والدك ظّل طوال حياته ذلك «الطفل الفقير» القادم من الجزائر العاصمة. كيف أثرت هذه الأصول المتواضعة، في تقديرك على علاقته بالآخرين؟

- والدي كان بطبعه، إنساناً يهتم بالآخرين ويستمع إليهم وأنا لا أعتقد بأن لأصوله المتواضعة صّلة بهذا الجانب من شخصيته.

> كان لنشر الرسائل التي تبادلها والدك مع عشيقته ماريا كازاريس وقع الصدمة في الأوساط الأدبية. كيف تم حسم الصراع بين احترام الخصوصية العائلية والأهمية التاريخية لإظهار كامو بوصفه رجلاً تملأه العاطفة؟

- لن أذهب للقول إنني «حسمت صراعات»، بل إنني عملت بجهد دؤوب كالثور في حرثه؛ وكلما كنت أنتهي من مراجعة جزء من هذه النصوص، بدأت في مراجعة الجزء الآخر. فبعد إصدار «الدفاتر» أو كارني (الجزء 7 و8 و9 دار نشر غاليمار) التي جمعنا فيها كل نصوص والدي التي لم تكن قد نشرت، أشرفت على نشر رواية «الرجل الأول» عام 1994. وقد اشتغلتُ على نسخ مصورة من المخطوطة، حيث كانت الصعوبة الكبرى تكمن في فك رموز خط يد والدي التي غالباً ما كانت غير مفهومة، وهو ما نجحتُ فيه في نهاية المطاف، بعدها قامت الزميلة الكاتبة بياتريس فايان بجمع الرسائل التي تبادلها والدي مع ماريا كازاريس، وفي عام 2016 بدأت أشعر بأن ذكرى ماريا قد طواها النسيان فاقترحت على أنطوان غاليمار نشر تلك المراسلات.

كان والدي الشخص الوحيد في العائلة الذي يبدو سعيداً بوجودي

كاترين كامو

> يُقال إن ألبير كامو عانى في فترة من حياته من عزلة شديدة، فرضتها عليه الدوائر النخبوية الباريسية، خاصة بعد قطيعته مع المفكر جان بول سارتر. هل شعرت بصفتك ابنته بذلك؟

- نعم، لقد استشعرتُ وحدته. أتذكر حين كنتُ في الثامنة من عمري، دخلتُ غرفة الاستقبال العائلية، حيث كان والدي جالساً بمفرده على مقعد منخفض جداً، فكنتُ أبدو أطول منه. أتذكر أنني سألته: «بابا، هل أنت حزين؟»، فرفع رأسه وأجابني: «أنا وحيد»، وقد روت ليي فلورانس مالرو (ابنة الكاتب أندريه مالرو)، التي كانت تعمل مع أبي في تلك الفترة، بأنها التقت مجموعة من الأصدقاء عند خروجهم من دار «غاليمار»، اقترحوا عليها الذهاب لتناول مشروب في مكان ما، فأجابتهم: «لا أستطيع، لدي موعد مع كامو»، فقالوا لها مندهشين: «ماذا؟ ألبير كامو، هل جننتِ؟».

> تذكرين دائماً أن منزل «لورماران» الواقع في جنوب فرنسا كان مهماً في حياة والدك فكيف ذلك؟

- بالفعل، لطالما راودته الرغبة في امتلاك منزل في جنوب فرنسا، لكن إمكانياته المادية لم تكن تسمح بذلك. وقد مكنته جائزة نوبل التي حازها في 1957من تجسيد هذا الحلم، فمنطقة «لورماران» تشبه إلى حد كبير إقليم «توسكانا» الإيطالي (كما ورد في كتابه «الوجه والقفا»).

> انتقد بعض المثقفين العرب، مثل إدوارد سعيد، «غياب» العرب في سرديات ألبير كامو. كيف تتلقين هذه الانتقادات القائمة على فكر «ما بعد الاستعمار»؟

- بالنسبة لإدوارد سعيد، فقد كتب قبل سنوات في صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» أن والدي كان «استعمارياً»، متناسياً أنه كتب «بؤس منطقة القبائل»، وهي مجموعة تحقيقات كتبها حين كان يعمل في صحيفة «ألجي روبليكان» حول فقر الجزائريين في الفترة الاستعمارية وهذا قبل رواية «الغريب» بفترة طويلة. ومع ذلك، لا تزال هذه النظرية تسبب أضراراً، وهو أمر يؤسفني.

> كيف يتم الاستعداد لتسليم مشعل هذه الذاكرة للأجيال القادمة من عائلة كامو؟

كما يقال: «من بعدي الطوفان...» أو إذا شئتم «مكتوب»! (قالتها بالعربية).


إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً
TT

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم، ومركز ثقله، ممتداً من مكان السرد إلى زمنه، وشخصياته المركزية.

ففي الرواية، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» للنشر بالقاهرة، لا تُطل مدينة الإسكندرية الساحلية بحلّتها الكوزموبوليتية مركزاً للسرد، بل تزيحها الكاتبة إلى الخلفية، فيما تنقل منطقة «غيط العنب» المهمشة إلى مركز الحكي، لتخلق بين المدينة وغيط العنب حالةً تكشف عن «عملقة» الإسكندرية في مقابل «تقزّم» غيط العنب؛ تلك المنطقة «الهجينة» التي تصفها الراوِية: «لم تكن شعبية ككرموز، ولا ريفية كالقرى التي أتينا منها، كانت بين البينين».

تختار الكاتبة أن تمنح بطلتها المركزية «ناصرة» هامشاً من التخفي في مستهل السرد، فلا تُفصح مبكراً عن تعقيد علاقتها بذاتها، وبمدينتها، وبأسرتها دفعةً واحدة، وبدلاً من ذلك، تجعلها تتوارى خلف حكايتها عن جدتها «أسما» وجدها «رجب»، اللذين كانا أول من أدخلاها إلى «غيط العنب»، وفي تتبّعها لحكاية الجدة، يبدو استدعاء الذاكرة العائلية شرطاً أصيلاً لعودة البطلة إلى ذاتها.

فصل عائلي

خلال تتبّع خُطى الجدة، ينحو السرد استرجاعاً عكسياً لا يخلو من منطق جمالي، إذ يستعيد الماضي، ويعيد تدويره داخل سيرة بطلة الرواية، فهي تستدعي ذاتها على خُطى رحلة جدتها، فتقول: «مؤكد أن شبشبها علق في التربة عدة مرات. وأنا أيضاً شبشبي علق في البوص»، يتماهى صوت البطلة مع سيرة جدتها «أسما» التي رحلت تقتفي أثر زوجها بعد أن هجرها خمس سنوات كاملة، ويبدو هذا التماهي مشحوناً بتعاطف واضح مع انكسار جدتها وتيهها، وهي تُقدم وحيدة على رحلة مجهولة: «كانت تخاف القطر، تراه دودة كبيرة وضخمة، وهي لا تريد أن تصبح لقمة في أحشائه، كيف فعلتها وحدها؟».

غير أن هذا التعاطف لا يبلغ حدّ الإعفاء من الذنب، فالبطلة تُحمّل الجدة «أسما» الثمن الذي ترتّب على هذا الرحيل: «كرهت أسما لأنها السبب في وجودي داخل غيط العنب».

لا يبدو «التمرّد» على المكان «المهمّش» الذي انتمت إليه البطلة مبكراً تمرّداً اجتماعياً أو طبقياً فحسب، بل يتبدّى، في جوهره، بوصفه انعكاساً كثيفاً لعالمها الداخلي المترع بمشاعر النقص والاغتراب، ذلك العالم الذي يجعلها تشعر بأنها «فائضة عن الحاجة»، كما تصف نفسها بلغة لا تخلو من مواجهات قاسية مع الذات. وهو توصيف لا يرد عابراً، بل يلازم استدعاءها لمواقف يومية متفرقة، سواء داخل بيت الأسرة، أو في خروجها إلى العالم، كاشفاً عن إحساس متراكم بالهشاشة، وعدم الانتماء.

ويبدو السرد، الذي يدور على لسان البطلة، أقرب إلى متاهة وعي تدخلها بعد أن بلغت الخمسين من عمرها، في لحظة قدرية ارتبطت بقرار «تطوير» غيط العنب، وتسليم شقق جديدة لسكانه، وهي لحظة لا تُستعاد فيها الذاكرة بدافع الحنين، بل بدافع السؤال المؤلم عن جدوى الاسترجاع ذاته، حين تتساءل: «لماذا أدرك كل ذلك الآن، وأنا في الخمسين من عمري وعلى مشارف ترك بيتي؟ ما الذي سأستفيده من إعادة تذكّر ما حصل لي بعد كل هذا العمر؟».

لا يبدو فعل التذكّر هنا مجرد استدعاء متتابع لفصول من حياة متفرقة، إذ تتبدى حياة البطلة كلها كأنها فصل واحد ممتد، يعاد داخله تدوير مشاعر قديمة مُختزنة داخل ألوان، وروائح، ومشحونة بحيرة مستمرة إزاء هُوية ظلت مهمَّشة، سواء على مستوى المكان، أو في علاقتها بجسدها، أو في محاولتها تعريف الأنوثة خارج شروط النقص، والوصم.

هنا تتجاور البنية المكانية للنص مع البنية النفسية، والعائلية للبطلة بوصفهما منظومة مرايا مزدوجة، تعكس الذات بقدر ما تنفّرها من صورتها، فالمكان لا يعمل خلفية محايدة، بل إنه وسيط كاشف، يضع البطلة في مواجهة مباشرة مع تاريخها الشخصي والطبقي معاً. أما الزمن الذي تتساءل عن جدواه، فليس زمناً مفقوداً فحسب، بل حياة كاملة لم يعد ممكناً استعادتها، أو إعادة ترتيبها، وهو ما يتكثف في تساؤلاتها الموجعة: «لماذا تأخر ردم الترعة حتى كبرت؟ لماذا لم يحدث وأنا أصغر، أو قبل أن أولد؟ الترعة التي طاردتني كلما حاولت الصعود لمصادقة أحد من الإسكندرانية. ما إحنا لسنا إسكندرانية لأننا نعيش جانب الترعة».

في هذا المقطع، لا تُقدَّم «الترعة» على أنها عنصر مكاني صامت، بل باعتبار أنها حدّ فاصل يُبرر الإقصاء الاجتماعي، ويحوّل الانتماء إلى معادلة مشروطة بمعادلات الجغرافيا والسُلطة، فتنحت الأزمة الطبقية لغة السرد بشيء من الغضب المكتوم، حيث تتحول اللغة إلى أثر مباشر للإهمال، والتفاوت. وهو ما يفتح سؤالاً روائياً أعمق عن «التطوير» و«الإهمال» لا بوصفهما سياسات عمرانية فحسب، بل باعتبارهما آليتين لإعادة توزيع القيمة الإنسانية، وتحديد من يُسمَح له بالانتماء، ومن يُترك عالقاً على الهامش.

لا يظلّ المكان الهجين في الرواية مجرّد خلفية اجتماعية أو معطى مكاني محايد، بل يتقدّم بوصفه انعكاساً لذاتٍ هجينة بدورها، تتأرجح بين تعريفات غير مستقرة للجسد والهوية. فكما يقع «غيط العنب» في منطقة لا هي مدينة مكتملة ولا ريف خالص، تعيش البطلة حالة مماثلة من الالتباس النفسي والجندري، تفقد تدريجياً قدرتها على تعريف ذاتها داخل ثنائية المرأة/ الرجل، لتظل عالقة في بحثٍ قَلِق عن تفسير طبي لتشوّه مُحتمل أصاب جسدها، غير أن هذا التشوّه يتجاور في البنية الفنية للرواية مع تشوّهات إنسانية أعمق.

ويبدو الهروب من الواقع، عبر استعانة البطلة بالكثير من الخيال، محاولةً لمقاومة واقعها الوجودي المثير للغثيان؛ فتُعيد، على سبيل المثال، تخيّل الأب الذي تمرّس على القسوة، لا كما كان، بل في صورة فانتازية هشّة: «أحب أن أتخيّل بابا طاير بالفيزبا... ويبكي»، وبهذا المنطق، تتجاوز «غيط العنب» حدود الهامش، لتصبح فضاءً تتشكّل داخله الخسارات والخيالات معاً.