ليلى وقيس: العشق على التخوم الفاصلة بين الجنون والموت

القصة التي تخطت المحلية لتصبح إحدى الأساطير المؤسسة للحب الإنساني

ليلى وقيس: العشق على التخوم الفاصلة بين الجنون والموت
TT

ليلى وقيس: العشق على التخوم الفاصلة بين الجنون والموت

ليلى وقيس: العشق على التخوم الفاصلة بين الجنون والموت

قلّ أن عرفت قصة من قصص الحب عند العرب ذلك القدر من الشيوع والانتشار الذي عرفته قصة ليلى بنت المهدي وقيس بن الملوّح. ومع أن القصة المذكورة كانت واحدة من قصص الثنائيات العاشقة التي ارتبطت أسماء أبطالها الذكور بحبيباتهم، كما هو حال عروة عفراء وجميل بثينة وقيس لبنى وكثيّر عزة، إلا أنها استطاعت أن تتعدى كونها جزءاً لا يتجزأ من الأساطير المؤسسة للذاكرة والوجدان عند العرب، لتصل تردداتها لمسامع الأمم الأخرى وتؤثر بشكل واضح في آدابها ومخيلة كتّابها وتصوراتهم عن الشرق.

ومع أن قصة قيس وليلى تتقاطع من حيث وقائعها وتفاصيلها مع القصص المختلفة لشعراء بني عذرة، فإن ما انفردت به عن سواها هو جنون بطلها العاشق واختلاط عقله، ثم التوحد والانفصال عن الواقع وملازمة الوحوش في البراري. وإذا كان شعراء بني عذرة أحيطوا بالكثير من الشكوك من قبل بعض الدارسين، وفي طليعتهم طه حسين؛ حيث ذهب إلى التشكيك في أن يكون قيس بن الملوح شخصاً تاريخياً وُجد وعرفه الناس واستمعوا إليه: «أزعم أن قيس بن الملوح هو شخص من الأشخاص الخياليين الذين تخترعهم الشعوب لتمثيل فكرة خاصة، أو شخص اخترعه نفر من الرواة ليلهو به الناس أو ليُرضوا به حاجة أدبية أو خلقية».

إلا أن شخصية المجنون المولود وفق معظم الروايات عام 645 م لا تعود لتاريخ بعيد ليسهل التشكيك بوجودها. وإذا كان بعض أخباره وأشعاره اختلط بأخبار الآخرين فهذا الاختلاط لا يمس وجوده بالذات، خصوصاً أن من نقلوا أخباره ووقائع حياته كانوا رواة موثوقين ومشهود لهم بسعة الاطلاع، من أمثال إسحاق الموصلي ومصعب الزبيري وأبو عمرو الشيباني والمدائني. في حين أن تداخل نصوصه مع نصوص أترابه من شعراء الحب ليس أمراً محصوراً بالشعر العذري وحده، بل ظاهرة تنسحب على نصوص الكثير من الشعراء الأقدمين، إما بسبب اختلاف أهواء الرواة ونقص مصداقيتهم، أو لتأثر بعض الشعراء بالبعض الآخر لحد السرقة والانتحال.

اللافت أن صاحب «حديث الأربعاء» استند فيما أبداه من شكوك بشأن المجنون لكتب التراث نفسها بخاصة ما ورد في كتاب «الأغاني» من شواهد ومرويات. فالأصفهاني يشير إلى أن غير واحد من بني عذرة ادعى عشقه لليلى، وبينهم قيس بن معاذ ومهدي بن الملوح، فيما يزعم ابن الكلبي أن الشعر المنسوب إلى قيس وضعه فتى من بني أمية كان يهوى ابنة عم له، وكان يكره أن يُظهر للناس ما بينه وبينها فوضع حديث المجنون. كما ينقل عن أحد رجال بني عامر قوله «أوَقد فرغنا من أشعار العقلاء حتى نروي أشعار المجانين؟»، وحيث يظهر هذا النوع من الحب بوصفه هشاشة و«تخنثاً» لا يليقان بقبيلته، يضيف الرجل مستنكراً: «بنو عامر أغلظ أكباداً من ذاك، إنما يكون هذا في اليمانية الضعاف قلوبها والسخيفة عقولها، وأما نزار فلا». وإذ يرى الأصمعي بأن ما أصاب قيساً هو نوع من اللوثة العقلية وليس جنوناً كاملاً، يروي أنه سأل أحدهم عن المجنون فأجابه: «لقد كان فينا جماعة رُموا بالجنون، فعن أيهم تسأل؟ فقلت عن الذي كان يشبب بليلى، فقال كلهم كان يشبب بليلى»، ثم أنشده أبياتاً متفرقة لكل واحد منهم. ويحرص الأصفهاني على نقل الحقيقة من زاويتها الأخرى، فينقل عن أبي ثمامة الجعدي قوله: «لا يُعرف فينا مجنون سوى قيس بن الملوح».

يتناول الكتاب قصة الحب الشهيرة بين قيس بن الملوّح وليلى بنت المهدي، ويفند الشكوك الكثيرة التي أحاطت بها من قبل بعض الدارسين، وفي طليعتهم عميد الأدب العربي طه حسين، حيث ذهب إلى التشكيك في وجوده، وزعم أنه شخص من الأشخاص الخياليين الذين تخترعهم الشعوب لتمثيل فكرة خاصة، وللهو أيضاً.

أما عن نشأة قيس وصباه، فإن المصادر التراثية لا تنقل عنه سوى ما اتصل بعلاقته بليلى، كما لو أن هذه الأخيرة هي التي منحته ولادته الحقيقية، فضلاً عن اسمه وشعره ومعنى وجوده. وتجمع هذه المصادر على أن قيساً بن الملوح وليلى بنت مهدي العامرية، وكنيتها أم مالك، كانا يرعيان في صغرهما مواشي ذويهما، إلى أن تمكن كل منهما من قلب صاحبه. وفي ذلك يقول قيس:

تعلقتُ ليلى وهي غرٌّ صغيرة

ولم يبدُ للأتراب من ثديها حجمُ

صغيرين نرعى البُهم يا ليت أننا

إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهمُ

وحيث لم تشر المصادر إلى علاقة المجنون بنساء سوى ليلى، يروي السراج في «مصارع العشاق» أن قيساً كان يرتبط بعلاقة غرامية مع امرأة من بني الحريش مات زوجها، وأنه كان يبعث بها إلى ليلى لتسهيل لقاءاته بها. وحين علم ذوو ليلى بما يحدث عمدوا لزجر المرأة ونهيها عما تقوم به، ثم شكوا قيساً إلى مروان بن الحكم الذي طلب من عامله إبلاغه بالكف عن رؤية الفتاة، مهدداً بهدر دمه ما لم يمتثل للأمر.

كما تتعدد الروايات حول جنون قيس واختلاط عقله، فيشير بعضها إلى أن ذلك الجنون لم يحدث دفعة واحدة، بل بدا مع حرمانه من رؤية ليلى، ثم تدرج صعوداً مع رفض والدها تزويجها منه بدعوى تشبيبه بها. وقيل إنها حين تقدم لخطبتها كلٌّ من قيس وورد العقيلي أجبرها أهلها على اختيار الأخير، قائلين: «والله لنمثلنّ بك إن لم تختاري ورداً». وتنسب إحدى الروايات إلى أبيه قوله إن ابنه كان أجمل الفتيان وأظرفهم وأرواهم لأشعار العرب، ولكن ما أصابه من أعطاب في جسده وعقله، كان بسبب إعراض ليلى عنه وإقبالها على سواه. وقيل إنه بعد اختلاطه «كان لا يلبس إلا خرقة، ولا يمشي إلا عارياً ويجمع العظام من حوله، حتى إذا ذُكرت ليلى أنشأ يحدّث عنها بكامل عقله». وحين أخذه أبوه إلى مكة لقضاء فريضة الحج، سمع صائحاً في الليل يصيح يا ليلى، فصرخ صرخة كادت تتلف معها نفسه، وأنشد قائلاً:

وداعٍ دعا إذ نحن بالخيفِ من مِنى

فهيّج أحزان الفؤاد وما يدري

دعا باسم ليلى غيرها فكأنما

أطار بليلى طائراً كان في صدري

ثم طلب أبوه إليه أن يتعلق بأستار الكعبة ويدعو الله طالباً شفاءه من بلائه، فلم يكن منه إلا أن هتف بحرقة: «اللهم زدني لليلى حباً وبها كلفاً ولا تُنسني ذكرها أبداً». وحين تفاقم اضطرابه بدأ يهيم في البرية فيأكل من نبات الأرض ويشرب من ينابيعها وطال شعر رأسه حتى ألفته الظباء والوحوش ولم تعد تنفر منه. وذكر هيثم بن عدي أن المجنون التقى صدفة بزوج ليلى، وإذ فاجأه بالسؤال:

بربّك هل ضممت إليك ليلى

قبيل الصبح أو قبّلت فاها

وهل رفّت عليك قرون ليلى

رفيف الأقحوانة في نداها؟

أجابه زوجها بالقول: «اللهم إذ حلّفتني فنعم»، فقبض المجنون بكلتا يديه قبضتين من الجمر وما فارقهما حتى سقط مغشياً عليه، وسقط الجمر مع لحم راحتيه وعض على شفته فقطعها. وقام زوج ليلى مغموماً بفعله متعجباً منه، ومع أن علاقة قيس بفتاته تكاد تخلو من الطابع الجسدي والشهواني، فقد حُكي أنه حين بلغه تعرّض ورد له بالسوء لم يتردد في أن يرسل له أبياتاً فضائحية تكشف عن علاقته الجسدية بزوجته ويقول فيها:

وأشهد عند الله أني رأيتها

وعشرون منها إصبعاً من ورائيا

أليس من البلوى التي لا شَوَى لها

بأن زُوّجت كلباً وما بُذلت ليا

وأغلب الظن أن المجنون قد نظم هذه الأبيات تنفيساً عن شعوره بالغيرة والغضب وإغاظة للزوج الشامت، وقد تكون منحولة من قبل الرواة.

أما فيما يخص أيامه الأخيرة، فرُوي أن المجنون كان يتردد إلى جبل يقال له التوباد؛ حيث كان هو وليلى يرعيان غنم أهلهما، وحين ذهب عقله بات يهيم على وجهه ويذرع القفار الشاسعة بين بلاد الشام وتخوم اليمن، متسائلاً عن موقع التوباد. فلما اهتدى إليه أنشد قائلاً:

وأجهشتُ للتوباد حين رأيته

وكبّر للرحمن حين رآني

وأذرفت دمع العين لما عرفته

ونادى بأعلى صوته فدعاني

فقلت له قد كان حولك جيرة

وعهدي بذاك الصرم منذ زمانِ

فقال مضوا واستودعوني بلادهم

ومن ذا الذي يبقى على الحدثانِ

وقد بلغ نفوره من البشر حد أنه لم يعد يأنس إلى أي منهم باستثناء من يردد على مسامعه اسم ليلى وأشعاره عنها. كما نُمي عنه أنه كان يدخل في بعض حالات الوجد القصوى في نوع من الحلول الصوفي فيظن نفسه ليلى وينادي على قيس. وقد ظل ذووه يجرون خلفه في القفار ويتركون له الطعام ثم يتوارون عن مدى ناظريه حتى وجدوه ميتاً في وادٍ كثير الحجارة: «لم تبق فتاة من بني جعدة وبني الحريش إلا وخرجت حاسرة، فما رؤي من باكين وباكيات على رجل ميت أكثر مما رؤي في ذلك اليوم».


مقالات ذات صلة

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

ثقافة وفنون حسن عبد الله

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه،

شوقي بزيع
ثقافة وفنون واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

واجهة قصر الحير الغربي

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة،

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت

دوايت غارنر
ثقافة وفنون «تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.