حرب غزة... فرنسا لم تقدّم «دعماً غير مشروط» لإسرائيل

باريس ترى أن الهدنة الإنسانية لا تتحقق بعصا سحرية

الرئيس إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا متسولا في باريس يوم الثلاثاء (إ.ب.أ)
الرئيس إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا متسولا في باريس يوم الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

حرب غزة... فرنسا لم تقدّم «دعماً غير مشروط» لإسرائيل

الرئيس إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا متسولا في باريس يوم الثلاثاء (إ.ب.أ)
الرئيس إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا متسولا في باريس يوم الثلاثاء (إ.ب.أ)

منذ اندلاع حرب غزة، يحرص المسؤولون الفرنسيون، بدءاً بالرئيس إيمانويل ماكرون، على حماية فرنسا من تبعاتها على الداخل بالنظر لاحتضانها أكبر جاليتين عربية -ـ إسلامية ويهودية في أوروبا، وعلى العمل من أجل وحدة الداخل والابتعاد عن الانقسامات السياسية. إلا أنه سريعاً جداً، تبيّن أن تداعيات حرب غزة وصلت إلى فرنسا وأحدثت فيها انقسامات عامودية بين يمين ويسار، وداخل كل معسكر. كذلك، فإن المواقف الرسمية التي عبّر عنها ماكرون، قبل وخلال جولة اليومين التي قام بها إلى الشرق الأوسط بداية الأسبوع الماضي، تعرضت لانتقادات حادة؛ من اليسار من جهة، ومن أصوات داخل أحزاب الأكثرية الداعمة للعهد والحكومة من جهة ثانية. كذلك، فإن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، وتحديداً وزارة الداخلية، أمرت بمنع المظاهرات الداعمة للفلسطينيين على كامل الأراضي الفرنسية بحجج أثارت بدورها انتقادات قوية فيما غالبية الإعلام الفرنسي، خصوصاً المرئي والمسموع باستثناء قلة قليلة، كشف عن تبنيه النظرة الإسرائيلية، لا بل إن بعضها تحوّل إلى بوق للدعاية الإسرائيلية. وأدى رفض السماح لمظاهرة يوم السبت الماضي في العاصمة الفرنسية بحجة الخوف من الإخلال بالنظام العام، ورفض الالتماس الذي تقدم به الداعون إليها لدى المحكمة، إلى موجة من الانتقادات الحادة ضد الإجراءات الحكومية.

ولم يسلم ماكرون من اتهامات بالتحيّز لإسرائيل والتخلي عن سياسة فرنسا التقليدية المتوازنة إزاء النزاع في الشرق الأوسط، وعدم الاهتمام بهذا الملف منذ وصوله إلى الرئاسة في ربيع عام 2017. ولم تتردد الصحافة الفرنسية في اتهامه بتبني الرؤية الأميركية التي كانت تعتبر أن «تطبيع» العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية من خلال الاتفاق الإبراهيمي «يعني دفع ملف النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي إلى الثلاجة، وأن التسوية القائمة على حل الدولتين أصبحت من الماضي». وظهرت في الصحافة الفرنسية تحليلات وقراءات تضع الإصبع على تراجع التأثير الفرنسي في منطقة الشرق الأوسط، وتصوّب على مقترح ماكرون في تل أبيب القائل ببناء «تحالف إقليمي - دولي» لمحاربة «حماس»، وامتناعه عن الإشارة ولو لمرة واحدة إلى ضرورة التوصل إلى هدنة في الكلمة التي ألقاها للصحافة، وإلى جانبه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

مظاهرة لمسلمين هنود الثلاثاء في مدينة شيناي دعماً للفلسطينيين في غزة (إ.ب.أ)

إزاء هذه الصورة المتسمة بالسلبية، سعى مصدر رسمي فرنسي إلى «تصحيحها» من خلال التركيز على الأولويات التي سعى ماكرون إلى تحقيقها، ومن خلال أداء الدبلوماسية الفرنسية، سواء أكان في إطار الاتحاد الأوروبي أم في الأمم المتحدة، أم من خلال الاتصالات الثنائية. ركز المصدر في البداية على أن الدعم الفرنسي لإسرائيل، عقب هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الذي وصفته باريس، كما غيرها من العواصم الغربية، بـ«الإرهابي»، كان في سياق التأكيد على «الحق المشروع في الدفاع عن النفس»، و«لم يكن أبداً دعماً غير مشروط». بيد أن رئيسة البرلمان الفرنسي، يائيل براون - بيفيه، فاتها التذكير، خلال زيارتها لإسرائيل مع وفد صغير من النواب، بهذه المبادئ، ولم تشر إلى أن الرد الإسرائيلي يجب أن يكون «وفق القانون الدولي الإنساني»، وأن يحرص على «حماية المدنيين». وإذا كان ماكرون قد وافق على أن يكون رد إسرائيل على «حماس» بـ«لا هوادة»، فإنه شدد على ضرورة أن يكون «ضمن القواعد»؛ أي أن يحترم «قانون الحرب»، ويتيح وصول المساعدات الإنسانية، وألا يستهدف المدنيين. وإذا لم يطالب ماكرون في تل أبيب، علناً، بهدنة إنسانية ولا بوقف لإطلاق النار، فإنه نقل هذه الرسالة إلى كل من التقاهم هناك، وقال لنتنياهو: «نحن نريد هدنة إنسانية»، بحسب ما قال المصدر الدبلوماسي.

وحرص المصدر الفرنسي على التذكير بأن فرنسا كانت «أول بلد غربي دعا إلى هدنة إنسانية» على لسان الرئيس ماكرون، وأنها كانت «الدولة الغربية الوحيدة التي صوتت لصالح المشروع البرازيلي في مجلس الأمن الدولي الذي أطاح به الفيتو الأميركي»، كما أنها صوتت لصالح مشروع القرار الذي طرحه الأردن في الجمعية العامة، فضلاً عن أنها كانت ناشطة في دفع الأوروبيين، بمناسبة قمتهم الأخيرة في بروكسل، إلى قبول الدعوة لـ«هدنات إنسانية» تُمكن من إيصال المساعدات إلى المدنيين في غزة. ولفت المصدر الفرنسي أيضاً إلى أن باريس تعمل على المستوى الدبلوماسي من أجل حصول هذه الهدنة بحيث لا تبقى حبراً على ورق، إلا أنها تعترف سلفاً بصعوبة تحقيقها؛ نظراً لأنها لا يمكن أن تحصل «بعصا سحرية».

بيد أن ما يؤخذ على فرنسا أنها، حتى اليوم، لم تدع إلى وقف لإطلاق النار، وأنه لم يصدر عنها أي بيان إدانة لما يقوم به الجيش الإسرائيلي من عمليات قصف جوي وبري وبحري منذ 23 يوماً في غزة، ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا. وإذا كانت نقطة الانطلاق بالنسبة إليها أن الهدنة الإنسانية يمكن أن تقود إلى وقف لإطلاق النار، فلا الهدنة تحققت ولا وقف إطلاق النار على جدول الغربيين. ومرة أخرى، رفضت واشنطن وقف إطلاق النار متبنّية الموقف الإسرائيلي الرافض؛ لأن «حماس» ستكون «الطرف المستفيد». وقال جون كيربي، المتحدث باسم مجلس الأمن القومي إن بلاده «لا تؤيد دعوات وقف إطلاق النار»، وأن جل ما تؤيده «هدن مؤقتة» لإتاحة إيصال المساعدات الإنسانية، وتوفير ممر آمن للخروج من غزة.

فلسطينيون يجلسون فوق ركام منزل صالح العاروري نائب رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» الذي دمرته إسرائيل في الضفة الغربية اليوم الثلاثاء (إ.ب.أ)

لا تعرف باريس كيف ومتى يمكن أن تنتهي الحرب الدائرة اليوم التي لا تريد أن تتحول إلى حرب إقليمية. لذا، فإنها «توجه الرسائل» إلى الأطراف المعنية، وأولها لبنان الذي يزوره، الأربعاء، وزير الدفاع سيباستيان لو كورنو. وتعي باريس هشاشة لبنان، وسبق لوزيرة الخارجية كاترين كولونا أن زارته في 16 أكتوبر، ونقلت إلى رئيسي الحكومة ومجلس النواب «رسالة قوية» حول ضرورة ألا تشتعل جبهة الجنوب؛ لأن الثمن الذي سيدفعه لبنان سيكون «ثقيلاً». وبحسب القراءة الفرنسية، فإن «السيناريو الأسوأ ممكن، ولكنه ليس الوحيد المطروح على الطاولة»، وثمة «عوامل كثيرة مؤثرة» ليس أقلها قوة الردع الأميركية في البحر المتوسط وإعادة إيران النظر بحساباتها. وتنبه باريس من «خطأ في التقديرات والتفسيرات» من الجانبين ما من شأنه أن يدفع إلى التصعيد والحرب المفتوحة.

غير أن ما تريد باريس العمل لأجله هو العودة إلى الأساسيات أي إلى الحل السياسي الذي سيكون وحده الضمانة للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. وتعد المصادر الفرنسية أن ما حصل في 7 أكتوبر هو «صدمة كبرى للإسرائيليين الذين يتعين عليهم أن يعوا أن الحل الأمني قد سقط»، وأن الحواجز الإلكترونية الفاصلة «خيارات فاشلة». من هنا يمكن فهم تشديد ماكرون في محطاته الأربع في المنطقة على ضرورة العودة إلى حل الدولتين الذي تم تغييبه منذ عام 2014. وتؤكد المصادر الفرنسية ضرورة العودة لـ«بناء أفق سياسي وإعادة إطلاق دينامية سياسية»، تريد باريس أن تساهم فيها. وتنبه باريس إلى أن غزة «يجب أن تكون جزءاً من الدولة الفلسطينية»، وأن الحل «يجب أن يوفر الأمن لإسرائيل وللفلسطينيين على السواء». لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل الاستفاقة لحل الدولتين ستبقى مطروحة بعد أن تضع الحرب أوزارها أم أن جهود السلام ستجهض مجدداً كما أجهضت خلال ثلاثين عاماً على أيدي إسرائيل وبتواطؤ أميركي وغربي؟


مقالات ذات صلة

السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

المشرق العربي الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)

السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

يتوجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الثلاثاء)، إلى مدينة دافوس السويسرية، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)

ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» يوم الخميس في دافوس، في خطوة استنفرت القادة الغربيين المجتمعين في بلدة التزلج السويسرية.

نجلاء حبريري (دافوس)
المشرق العربي فلسطينيون نازحون في مخيم مؤقت بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة (إ.ب.أ)

وفاة رضيعة فلسطينية نتيجة البرد القارس في غزة

توفيت رضيعة فلسطينية، صباح اليوم (الثلاثاء)، نتيجة البرد القارس في مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي 
فلسطيني يقف قرب أنقاض منزل عائلته في خان يونس جنوب غزة ويواصل البحث عن أقاربه المدفونين تحت الأنقاض (رويترز)

«حماس» تستعد لخروج قيادات من غزة

كشفت مصادر من حركة «حماس» في غزة أن قيادات من التنظيم تستعد للخروج من القطاع «بشكل آمن» بعد إجراء «ترتيبات تتعلق بمستقبل القطاع في إطار المرحلة الثانية»

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا الملك محمد السادس (رويترز)

المغرب يقبل دعوة ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

قالت وزارة الخارجية ​المغربية في بيان اليوم (الاثنين) إن الملك محمد السادس عاهل البلاد قبِل دعوة ‌من الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ⁠ترمب ​للانضمام إلى «مجلس السلام».

«الشرق الأوسط» (الرباط)

إسرائيل تبدأ عمليات هدم داخل مقر «الأونروا» بالقدس الشرقية

آليات ثقيلة تهدم مبنىً داخل مقر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية المحتلة (أ.ف.ب)
آليات ثقيلة تهدم مبنىً داخل مقر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية المحتلة (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تبدأ عمليات هدم داخل مقر «الأونروا» بالقدس الشرقية

آليات ثقيلة تهدم مبنىً داخل مقر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية المحتلة (أ.ف.ب)
آليات ثقيلة تهدم مبنىً داخل مقر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية المحتلة (أ.ف.ب)

بدأت جرافات إسرائيلية الثلاثاء هدم منشآت داخل مقر وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في القدس الشرقية المحتلة، وفق ما أفاد مراسلو وكالة الصحافة الفرنسية، فيما دافعت وزارة الخارجية الإسرائيلية عن الخطوة.

صورةٌ تظهرعلمًا إسرائيليًا يرفرف فوق مبانٍ مُهدمة داخل مقر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية المُحتلة (أ.ف.ب)

وقالت وزارة الخارجية الإسرائيلية في بيان إن ما أسمتها «وكالة الأونروا- حماس» كانت «قد توقفت عن عملها في الموقع ولم يعد هناك أي موظفين تابعين للأمم المتحدة أو أي نشاط فيه».

وأضافت «لا يتمتع هذا المجمع بأي حصانة وقد وضعت السلطات الإسرائيلية اليد عليه وفقا لكل من القانون الإسرائيلي والقانون الدولي».

وزير الأمن القومي اليميني إيتامار بن غفيروقوات الأمن أثناء أعمال الهدم الجارية داخل مقر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية المحتلة (أ.ف.ب)

ومن جانبها، قالت الأونروا إنها تواجه «هجوما غير مسبوق» مع تنفيذ إسرائيل عمليات هدم داخل مقرها في القدس الشرقية.

واتهمت إسرائيل مراراً الأونروا بتوفير غطاء لمسلحي «حماس»، قائلةً إن بعض موظفيها شاركوا في هجوم الحركة على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 والذي أشعل فتيل الحرب في غزة.


الجيش الإسرائيلي يعارض انسحاب قواته من سوريا لأنه يقيد حرية عملياته

نتنياهو يزور مرتفعات جبل الشيخ السورية بعد سقوط نظام الأسد (أ.ف.ب)
نتنياهو يزور مرتفعات جبل الشيخ السورية بعد سقوط نظام الأسد (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يعارض انسحاب قواته من سوريا لأنه يقيد حرية عملياته

نتنياهو يزور مرتفعات جبل الشيخ السورية بعد سقوط نظام الأسد (أ.ف.ب)
نتنياهو يزور مرتفعات جبل الشيخ السورية بعد سقوط نظام الأسد (أ.ف.ب)

أعربت مصادر في قيادة الجيش الإسرائيلي، الاثنين، عن معارضتها لمضمون المحادثات الجارية بين دمشق وتل أبيب للتوصل إلى اتفاق «تفاهمات أمنية»، تنص على انسحاب قواته من المواقع التسعة التي أقامها في الأراضي التي احتلها في جنوب سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، بادعاء أنه سيفقد حريته في استهداف هذه المناطق.

وبحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية، يعتبر الجيش الإسرائيلي أن مطالبة الرئيس السوري، أحمد الشرع، بتوقف إسرائيل، وخاصة طيرانها الحربي، عن استمرار الغارات في الأراضي السورية «سيشكل صعوبة في إحباط تهريب أسلحة متطورة من العراق وإيران، عن طريق سوريا، إلى (حزب الله) الذي يعيد بناء قوته».

وأضافت الصحيفة أن الجيش الإسرائيلي الذي أجرى دراسات معمقة للمطالب السورية، وتبعات الاتفاق الأمني الذي تريده، ورغم أن المستوى السياسي تعهد خلال الأسبوع الأخير بأن الجيش سيبقى في جميع الأحوال في كل قمم جبل الشيخ في سوريا، كونها «موقعا استراتيجياً يسمح لقوات الجيش بمراقبة طرق تهريب أسلحة بين سوريا ولبنان»، فإن هناك عناصر أخرى تبدي فيها الحكومة الإسرائيلية مرونة يرفضها الجيش، خصوصاً الانسحاب من المواقع التسعة، ووقف الغارات في مختلف أنحاء سوريا.

ويدعي الجيش الإسرائيلي أن اتفاقاً أمنياً جديداً بين إسرائيل وسوريا من شأنه أن يعيد عمليات تهريب أسلحة، بادعاء أنه بقيت في أنحاء سوريا كميات كبيرة من الأسلحة وقدرات المراقبة، مثل رادارات روسية، من فترة النظام السابق، وغيرها.

وبحسب الصحيفة، فإنه لا توجد قدرة أو خبرة للجيش السوري الذي يجري بناؤه مجدداً لتشغيل معظم الأسلحة، والقدرات، «لكن اتفاقاً مع سوريا من شأنه أن يتيح لها أن تتعلم وفي الوقت ذاته، يقيد الجيش الإسرائيلي ويمنعه من مهاجمة هذه الأسلحة، والقدرات».

قاعدة عسكرية إسرائيلية في «التل الأحمر» الغربي بالقنيطرة (فيسبوك)

ويعارض الجيش الإسرائيلي، حسب الصحيفة، مطالبة سوريا بوقف الهجمات الإسرائيلية في منطقة درعا، بادعاء أن ميليشيات موالية لإيران، ومنظمات فلسطينية، و«حزب الله» كانت تنشط في هذه المنطقة، واستهدفها الجيش الإسرائيلي. ويعتبر الجيش أن موافقة إسرائيل في إطار المحادثات حول اتفاق أمني سيمنع مهاجمة أهداف مثل هذه، علماً بأنه لم يتم إطلاق نار من الأراضي السورية باتجاه إسرائيل طوال سنوات كثيرة.

رفع صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والشيخ حكمت الهجري من قبل الموالين له في السويداء (مواقع التواصل)

كما يعارض الجيش الإسرائيلي تقليص ما يسمى بـ«المساعدات للدروز السوريين في ثلاث مناطق قرب دمشق وجبل الدروز ومحافظة السويداء»، والتي تطالب سوريا في المحادثات بوقفها كلياً. وتشكل هذه المساعدات، من وجهة النظر السورية، خطراً على سلامة الدولة، في أعقاب مطالبة الزعيم الروحي للدروز في السويداء، الشيخ حكمت الهجري، باستقلال هذه المنطقة عن سوريا.

وبحسب الجيش الإسرائيلي فإن هذه المساعدات التي شملت بالأساس آلاف الأسلحة «النوعية» التي استولى عليها الجيش الإسرائيلي خلال الحرب في السنتين الماضيتين، من «حماس» و«حزب الله»، وكذلك شملت دروعاً واقية تعتبر ضرورة أمنية حيوية للدروز، ولإسرائيل، ولا يمكن الاستغناء عنها.

وبناء على ذلك، أوصى الجيش أمام الحكومة الإسرائيلية بعدم الانسحاب من «الجولان السوري»، أي المناطق التي احتلها بعد سقوط النظام السابق، وأنه «يحظر الانسحاب من أراضي العدو في أي حدود معادية، ومن الأسهل الدفاع عن بلدات إسرائيلية عندما تكون في أراضي العدو وفي منطقة منزوعة السلاح»، بادعاء أن هذه عبرة من هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول).

ويقول الجيش الإسرائيلي إنه رغم تخوفه من نتائج المحادثات مع سوريا، فإنه في جميع الأحوال ستبقى قواته منتشرة بأعداد كبيرة، ومضاعفة عن السابق على طول الحدود في هضبة الجولان السورية (المحتلة)، حتى لو تقرر الانسحاب من الأراضي في جنوب سوريا.

الشرع خلال توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع «قسد» مساء الأحد (إ.ب.أ)

من جهة ثانية، كشفت صحيفة «معاريف» عن قلق إسرائيلي من التوقيع على الاتفاق بين الحكومة السورية و«قسد». وقد عبر عن هذا القلق المستشرق موشيه ألعاد، المحاضر في كلية الجليل، قائلاً إن هذا الاتفاق ليس مجرد تطور تكتيكي في الجبهة السورية الدامية، بل هو تطور استراتيجي ذو بعد إقليمي، يدل على سيطرة الدولة على مواردها النفطية، وتوحيد صفوفها لتكون منطلقاً لاستعادة قوتها وقدراتها في شتى المجالات. وقال إن هذا التطور، إلى جانب الاستمرار في مضايقة العلويين والدروز يثير القلق.

جندي سوري في حقل الثورة النفطي بمحافظة الرقة بعد استعادته من «قسد» الأحد (أ.ب)

وأعرب ألعاد عن تقديره بأن الدعم الأميركي لأحمد الشرع يتحول إلى ضربة لحلفائه الذين حاربوا «داعش» وهزموها في سوريا. وها هو يقوض الثقة بها، ليس عند الأكراد وحدهم، بل عند جميع حلفاء أميركا.

واعتبر ألعاد عودة سوريا لتكون دولة قوية وموحدة هي خطر استراتيجي على إسرائيل. لذلك، فإن تل أبيب «تفضل حالياً البقاء في الظل، مع تعميق جهودها الاستخبارية، والمحافظة على نشاط سلاح جوها العسكري في سوريا، ونسج علاقات مع الأقليات، مع تفضيلها لعدم الاستقرار في سوريا على أن تكون قوية، وموحدة».


حزب تركي مؤيد للأكراد: اتفاق سوريا لا يدع «أعذاراً» لتأخير السلام مع «العمّال الكردستاني»

تونجر باكيرهان الرئيس المشارك لحزب «المساواة والديمقراطية للشعوب» المؤيد للأكراد يلقي كلمة في إسطنبول 17 مارس 2024 (رويترز)
تونجر باكيرهان الرئيس المشارك لحزب «المساواة والديمقراطية للشعوب» المؤيد للأكراد يلقي كلمة في إسطنبول 17 مارس 2024 (رويترز)
TT

حزب تركي مؤيد للأكراد: اتفاق سوريا لا يدع «أعذاراً» لتأخير السلام مع «العمّال الكردستاني»

تونجر باكيرهان الرئيس المشارك لحزب «المساواة والديمقراطية للشعوب» المؤيد للأكراد يلقي كلمة في إسطنبول 17 مارس 2024 (رويترز)
تونجر باكيرهان الرئيس المشارك لحزب «المساواة والديمقراطية للشعوب» المؤيد للأكراد يلقي كلمة في إسطنبول 17 مارس 2024 (رويترز)

قال حزب «المساواة والديمقراطية للشعوب» المؤيد للأكراد بتركيا، إن الاتفاق التاريخي بدمج القوات الكردية السورية في قوات الحكومة ​السورية لم يدع «أعذاراً» لأنقرة لتأخير عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني.

ووافقت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد، أمس (الأحد)، على الخضوع لسيطرة السلطات في دمشق، وهي خطوة لطالما سعت أنقرة إليها بصفتها جزءاً لا يتجزأ من جهود السلام مع حزب العمال الكردستاني. وقال تونجر باكيرهان، الرئيس المشارك لحزب «المساواة والديمقراطية للشعوب»، لوكالة «رويترز»: «لأكثر ‌من عام، ‌اعتبرت الحكومة أن دمج (قوات ‌سوريا الديمقراطية) ⁠في ​دمشق أكبر ‌عقبة في هذه العملية»، وهذه أول تصريحات علنية للحزب بعد يوم من الاتفاق.

وأضاف: «لم تعد للحكومة أي أعذار. حان الآن دور الحكومة لتتخذ خطوات ملموسة». وحذّر باكيرهان حكومة الرئيس رجب طيب إردوغان من اعتبار أن تراجع مكاسب الأكراد على الأرض في سوريا يلغي الحاجة إلى مفاوضات في الداخل.

وقال خلال ⁠المقابلة: «إذا كانت الحكومة تحسب أننا أضعفنا الأكراد في سوريا، وبالتالي لم ‌تعد هناك حاجة لعملية سلام في تركيا، فسترتكب خطأ تاريخياً».

وقال مسؤولون أتراك في وقت سابق اليوم، إن اتفاق الاندماج السوري، إذا تم تنفيذه، يمكن أن يدفع العملية المستمرة منذ أكثر من عام مع حزب العمال الكردستاني الذي يتخذ من شمال العراق مقراً. وحث إردوغان على سرعة دمج المقاتلين الأكراد في ​القوات المسلحة السورية.

ومنذ 2016، ترسل تركيا، أقوى داعم أجنبي لدمشق، قوات إلى شمال سوريا للحد من مكاسب ⁠«قوات سوريا الديمقراطية» التي سيطرت بعد الحرب الأهلية التي استمرت من 2011 إلى 2024 على أكثر من ربع مساحة سوريا في أثناء قتالها تنظيم «داعش» بدعم قوي من الولايات المتحدة.

وأقامت الولايات المتحدة علاقات وثيقة مع دمشق على مدى العام الماضي، وشاركت عن كثب في الوساطة بينها وبين «قوات سوريا الديمقراطية» من أجل التوصل إلى الاتفاق.

وقال باكيرهان إن التقدم يتطلب الاعتراف بحقوق الأكراد على جانبي الحدود.

وأضاف: «ما يجب القيام به واضح: يجب الاعتراف بحقوق الأكراد ‌في كل من تركيا وسوريا، وتجب إقامة أنظمة ديمقراطية وضمان الحريات».