حرب غزة... فرنسا لم تقدّم «دعماً غير مشروط» لإسرائيل

باريس ترى أن الهدنة الإنسانية لا تتحقق بعصا سحرية

الرئيس إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا متسولا في باريس يوم الثلاثاء (إ.ب.أ)
الرئيس إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا متسولا في باريس يوم الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

حرب غزة... فرنسا لم تقدّم «دعماً غير مشروط» لإسرائيل

الرئيس إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا متسولا في باريس يوم الثلاثاء (إ.ب.أ)
الرئيس إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيسة البرلمان الأوروبي روبرتا متسولا في باريس يوم الثلاثاء (إ.ب.أ)

منذ اندلاع حرب غزة، يحرص المسؤولون الفرنسيون، بدءاً بالرئيس إيمانويل ماكرون، على حماية فرنسا من تبعاتها على الداخل بالنظر لاحتضانها أكبر جاليتين عربية -ـ إسلامية ويهودية في أوروبا، وعلى العمل من أجل وحدة الداخل والابتعاد عن الانقسامات السياسية. إلا أنه سريعاً جداً، تبيّن أن تداعيات حرب غزة وصلت إلى فرنسا وأحدثت فيها انقسامات عامودية بين يمين ويسار، وداخل كل معسكر. كذلك، فإن المواقف الرسمية التي عبّر عنها ماكرون، قبل وخلال جولة اليومين التي قام بها إلى الشرق الأوسط بداية الأسبوع الماضي، تعرضت لانتقادات حادة؛ من اليسار من جهة، ومن أصوات داخل أحزاب الأكثرية الداعمة للعهد والحكومة من جهة ثانية. كذلك، فإن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، وتحديداً وزارة الداخلية، أمرت بمنع المظاهرات الداعمة للفلسطينيين على كامل الأراضي الفرنسية بحجج أثارت بدورها انتقادات قوية فيما غالبية الإعلام الفرنسي، خصوصاً المرئي والمسموع باستثناء قلة قليلة، كشف عن تبنيه النظرة الإسرائيلية، لا بل إن بعضها تحوّل إلى بوق للدعاية الإسرائيلية. وأدى رفض السماح لمظاهرة يوم السبت الماضي في العاصمة الفرنسية بحجة الخوف من الإخلال بالنظام العام، ورفض الالتماس الذي تقدم به الداعون إليها لدى المحكمة، إلى موجة من الانتقادات الحادة ضد الإجراءات الحكومية.

ولم يسلم ماكرون من اتهامات بالتحيّز لإسرائيل والتخلي عن سياسة فرنسا التقليدية المتوازنة إزاء النزاع في الشرق الأوسط، وعدم الاهتمام بهذا الملف منذ وصوله إلى الرئاسة في ربيع عام 2017. ولم تتردد الصحافة الفرنسية في اتهامه بتبني الرؤية الأميركية التي كانت تعتبر أن «تطبيع» العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية من خلال الاتفاق الإبراهيمي «يعني دفع ملف النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي إلى الثلاجة، وأن التسوية القائمة على حل الدولتين أصبحت من الماضي». وظهرت في الصحافة الفرنسية تحليلات وقراءات تضع الإصبع على تراجع التأثير الفرنسي في منطقة الشرق الأوسط، وتصوّب على مقترح ماكرون في تل أبيب القائل ببناء «تحالف إقليمي - دولي» لمحاربة «حماس»، وامتناعه عن الإشارة ولو لمرة واحدة إلى ضرورة التوصل إلى هدنة في الكلمة التي ألقاها للصحافة، وإلى جانبه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

مظاهرة لمسلمين هنود الثلاثاء في مدينة شيناي دعماً للفلسطينيين في غزة (إ.ب.أ)

إزاء هذه الصورة المتسمة بالسلبية، سعى مصدر رسمي فرنسي إلى «تصحيحها» من خلال التركيز على الأولويات التي سعى ماكرون إلى تحقيقها، ومن خلال أداء الدبلوماسية الفرنسية، سواء أكان في إطار الاتحاد الأوروبي أم في الأمم المتحدة، أم من خلال الاتصالات الثنائية. ركز المصدر في البداية على أن الدعم الفرنسي لإسرائيل، عقب هجوم «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الذي وصفته باريس، كما غيرها من العواصم الغربية، بـ«الإرهابي»، كان في سياق التأكيد على «الحق المشروع في الدفاع عن النفس»، و«لم يكن أبداً دعماً غير مشروط». بيد أن رئيسة البرلمان الفرنسي، يائيل براون - بيفيه، فاتها التذكير، خلال زيارتها لإسرائيل مع وفد صغير من النواب، بهذه المبادئ، ولم تشر إلى أن الرد الإسرائيلي يجب أن يكون «وفق القانون الدولي الإنساني»، وأن يحرص على «حماية المدنيين». وإذا كان ماكرون قد وافق على أن يكون رد إسرائيل على «حماس» بـ«لا هوادة»، فإنه شدد على ضرورة أن يكون «ضمن القواعد»؛ أي أن يحترم «قانون الحرب»، ويتيح وصول المساعدات الإنسانية، وألا يستهدف المدنيين. وإذا لم يطالب ماكرون في تل أبيب، علناً، بهدنة إنسانية ولا بوقف لإطلاق النار، فإنه نقل هذه الرسالة إلى كل من التقاهم هناك، وقال لنتنياهو: «نحن نريد هدنة إنسانية»، بحسب ما قال المصدر الدبلوماسي.

وحرص المصدر الفرنسي على التذكير بأن فرنسا كانت «أول بلد غربي دعا إلى هدنة إنسانية» على لسان الرئيس ماكرون، وأنها كانت «الدولة الغربية الوحيدة التي صوتت لصالح المشروع البرازيلي في مجلس الأمن الدولي الذي أطاح به الفيتو الأميركي»، كما أنها صوتت لصالح مشروع القرار الذي طرحه الأردن في الجمعية العامة، فضلاً عن أنها كانت ناشطة في دفع الأوروبيين، بمناسبة قمتهم الأخيرة في بروكسل، إلى قبول الدعوة لـ«هدنات إنسانية» تُمكن من إيصال المساعدات إلى المدنيين في غزة. ولفت المصدر الفرنسي أيضاً إلى أن باريس تعمل على المستوى الدبلوماسي من أجل حصول هذه الهدنة بحيث لا تبقى حبراً على ورق، إلا أنها تعترف سلفاً بصعوبة تحقيقها؛ نظراً لأنها لا يمكن أن تحصل «بعصا سحرية».

بيد أن ما يؤخذ على فرنسا أنها، حتى اليوم، لم تدع إلى وقف لإطلاق النار، وأنه لم يصدر عنها أي بيان إدانة لما يقوم به الجيش الإسرائيلي من عمليات قصف جوي وبري وبحري منذ 23 يوماً في غزة، ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا. وإذا كانت نقطة الانطلاق بالنسبة إليها أن الهدنة الإنسانية يمكن أن تقود إلى وقف لإطلاق النار، فلا الهدنة تحققت ولا وقف إطلاق النار على جدول الغربيين. ومرة أخرى، رفضت واشنطن وقف إطلاق النار متبنّية الموقف الإسرائيلي الرافض؛ لأن «حماس» ستكون «الطرف المستفيد». وقال جون كيربي، المتحدث باسم مجلس الأمن القومي إن بلاده «لا تؤيد دعوات وقف إطلاق النار»، وأن جل ما تؤيده «هدن مؤقتة» لإتاحة إيصال المساعدات الإنسانية، وتوفير ممر آمن للخروج من غزة.

فلسطينيون يجلسون فوق ركام منزل صالح العاروري نائب رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» الذي دمرته إسرائيل في الضفة الغربية اليوم الثلاثاء (إ.ب.أ)

لا تعرف باريس كيف ومتى يمكن أن تنتهي الحرب الدائرة اليوم التي لا تريد أن تتحول إلى حرب إقليمية. لذا، فإنها «توجه الرسائل» إلى الأطراف المعنية، وأولها لبنان الذي يزوره، الأربعاء، وزير الدفاع سيباستيان لو كورنو. وتعي باريس هشاشة لبنان، وسبق لوزيرة الخارجية كاترين كولونا أن زارته في 16 أكتوبر، ونقلت إلى رئيسي الحكومة ومجلس النواب «رسالة قوية» حول ضرورة ألا تشتعل جبهة الجنوب؛ لأن الثمن الذي سيدفعه لبنان سيكون «ثقيلاً». وبحسب القراءة الفرنسية، فإن «السيناريو الأسوأ ممكن، ولكنه ليس الوحيد المطروح على الطاولة»، وثمة «عوامل كثيرة مؤثرة» ليس أقلها قوة الردع الأميركية في البحر المتوسط وإعادة إيران النظر بحساباتها. وتنبه باريس من «خطأ في التقديرات والتفسيرات» من الجانبين ما من شأنه أن يدفع إلى التصعيد والحرب المفتوحة.

غير أن ما تريد باريس العمل لأجله هو العودة إلى الأساسيات أي إلى الحل السياسي الذي سيكون وحده الضمانة للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. وتعد المصادر الفرنسية أن ما حصل في 7 أكتوبر هو «صدمة كبرى للإسرائيليين الذين يتعين عليهم أن يعوا أن الحل الأمني قد سقط»، وأن الحواجز الإلكترونية الفاصلة «خيارات فاشلة». من هنا يمكن فهم تشديد ماكرون في محطاته الأربع في المنطقة على ضرورة العودة إلى حل الدولتين الذي تم تغييبه منذ عام 2014. وتؤكد المصادر الفرنسية ضرورة العودة لـ«بناء أفق سياسي وإعادة إطلاق دينامية سياسية»، تريد باريس أن تساهم فيها. وتنبه باريس إلى أن غزة «يجب أن تكون جزءاً من الدولة الفلسطينية»، وأن الحل «يجب أن يوفر الأمن لإسرائيل وللفلسطينيين على السواء». لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل الاستفاقة لحل الدولتين ستبقى مطروحة بعد أن تضع الحرب أوزارها أم أن جهود السلام ستجهض مجدداً كما أجهضت خلال ثلاثين عاماً على أيدي إسرائيل وبتواطؤ أميركي وغربي؟


مقالات ذات صلة

«حماس» تطالب بالضغط على إسرائيل للسماح بدخول لجنة إدارة قطاع غزة

المشرق العربي سيارة إسعاف مصرية قرب معبر رفح في 4 فبراير 2026 (رويترز)

«حماس» تطالب بالضغط على إسرائيل للسماح بدخول لجنة إدارة قطاع غزة

دعت حركة «حماس»، اليوم (السبت)، جميع الأطراف للضغط على إسرائيل؛ للسماح بدخول اللجنة المستقلة لإدارة غزة للقطاع لمباشرة عملها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (رويترز) p-circle

رئيس وزراء المجر يتلقى دعوة لاجتماع «مجلس السلام» الذي يعقده ترمب

كشف رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان عن أنه تلقى دعوة لحضور اجتماع «مجلس السلام» الذي يعقده الرئيس الأميركي دونالد ترمب «بعد أسبوعين» في واشنطن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي نازحون يتدافعون لملء أوعية بلاستيكية بالماء من منشأة لتكرير الماء في خان يونس السبت (أ.ف.ب)

الواقع الصحي والإنساني ينهار في قطاع غزة رغم وقف إطلاق النار

لا تتوقف الجهات الحكومية في قطاع غزة، وكذلك المنظمات الإنسانية، والأممية، عن التحذير من واقع الحياة الصعب الذي يواجهه السكان.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية - رويترز)

الجيش الإسرائيلي يتباهى بـ5 ميليشيات تعمل لمصلحته في غزة

أكدت مصادر إسرائيلية أن هناك 5 ميليشيات مسلحة تعمل لمصلحة الجيش الإسرائيلي ضد «حماس» في غزة.

نظير مجلي (تل أبيب)
خاص مقاتلون من «حماس» يحملون جثماناً بعد استخراجه من نفق خلال البحث عن جثث الرهائن الإسرائيليين في خان يونس 29 أكتوبر 2025 (أ.ب)

خاص هكذا دفعت «حماس» ترمب للإشادة بها عدة مرات

تظهر تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب المتكررة والعديد من المراقبين والمعنيين أنهم لم يتوقعوا أن تنجح عملية استعادة جميع المختطفين الأحياء والأموات.

«الشرق الأوسط» (غزة)

واشنطن وطهران تحملان التفاؤل والتشاؤم إلى جولة تفاوض ثانية

طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)
طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)
TT

واشنطن وطهران تحملان التفاؤل والتشاؤم إلى جولة تفاوض ثانية

طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)
طائرة عسكرية أميركية على سطح حامل الطائرات من فئة «نيميتز» في بحر العرب (أ.ف.ب)

في اليوم التالي لانعقاد جولة المفاوضات بين واشنطن وطهران في مسقط، بدا المشهد محكوماً بإيقاع مزدوج بين فتح نافذة دبلوماسية محدودة وتصعيد متواصل في الخطابين السياسي والعسكري، وسط شكوك عميقة بشأن إمكان تحقيق اختراق فعلي في الخلاف المزمن حول البرنامج النووي الإيراني وأجندة التفاوض الأوسع، التي من المفترض أن تشمل الصواريخ الإيرانية ودعم الحلفاء الإقليميين.

وعُقدت مفاوضات غير مباشرة، الجمعة، بين واشنطن وطهران في مسقط، شملت مصافحة مباشرة بين ممثلي البلدين، هي الأولى منذ أن شنَّت الولايات المتحدة، في يونيو (حزيران) 2025، ضربات على مواقع نووية رئيسية خلال حرب استمرت 12 يوماً، وبدأتها إسرائيل على إيران.

وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فجر السبت، أن الولايات المتحدة أجرت محادثات «جيدة جداً» مع إيران، مؤكداً أن طهران «ترغب في التوصل إلى اتفاق»، ومشيراً إلى أن جولة جديدة من المفاوضات ستستأنف «في مطلع الأسبوع المقبل».

لكن ترمب شدد في المقابل على أن إيران «لن تمتلك سلاحاً نووياً»، محذراً من أن عدم التوصل إلى اتفاق سيقود إلى «عواقب وخيمة للغاية». وأعاد الرئيس الأميركي التذكير بإرسال أسطول عسكري كبير إلى المنطقة، في رسالة تؤكد أن خيار القوة لا يزال قائماً إلى جانب المسار الدبلوماسي، وفق تصريحات صحافية نقلها البيت الأبيض.

إيرانيون بجانب جدارية تحمل صورة المرشد علي خامنئي في شارع بالعاصمة طهران يوم 7 فبراير 2026 (رويترز)

خطوط حمراء

وحرصت طهران على تثبيت خطوطها الحمراء. وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن المحادثات التي جرت الجمعة في سلطنة عُمان كانت «غير مباشرة»، لكنه أشار إلى أنه «على الرغم من ذلك، سنحت الفرصة لمصافحة الوفد الأميركي»، في إشارة رمزية إلى كسر الجليد من دون تغيير طبيعة الوساطة العُمانية.

ووصف عراقجي جولة مسقط بأنها «بداية جيدة»، لكنها لم تُفضِ إلى اختراق حاسم، مؤكداً أن الطريق ما زال طويلاً لبناء الثقة، وأن استمرار المسار مرهون بمشاورات داخلية في العواصم المعنية.

وأوضح عراقجي أن طهران وواشنطن متفقتان على ضرورة عَقْد جولة جديدة «قريباً»، من دون تحديد موعد نهائي حتى الآن. وأكد استعداد بلاده للتوصل إلى اتفاق «مطمئن» بشأن تخصيب اليورانيوم، لكنه شدَّد على أن «التخصيب حق غير قابل للتصرف، ويجب أن يستمر»، وأن فكرة «التخصيب بنسبة صفر» خارج إطار المفاوضات.

كما أكد عراقجي أن اليورانيوم المخصَّب «لن يخرج من البلاد»، مع استعداد إيران لمناقشة مستوى ونقاء التخصيب أو صِيَغ فنية أخرى «مطمئنة»، من بينها إنشاء اتحاد إقليمي، وفق ما أفاد به دبلوماسيون مطلعون على موقف طهران.

وفيما يتعلَّق بأجندة الجولة المقبلة، قطع عراقجي الطريق على أي توسيع للملفات المطروحة، مؤكداً أن البرنامج الصاروخي الإيراني «غير قابل للتفاوض الآن ولا في المستقبل»، واصفاً إياه بأنه «موضوع دفاعي بحت».

وأضاف في تصريحات نقلها التلفزيون الإيراني أن واشنطن عادت إلى طاولة المفاوضات بعد محاولات ضغط وتهديد بشن هجمات عسكرية، عادّاً ذلك يعكس فشل سياسة التهديد في تغيير الموقف الإيراني.

وكان وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، قد صرح بأن المحادثات ساعدت في تحديد مجالات محتملة للتقدم.

«لن نستهدف الجوار»

صعّد عراقجي لهجته، محذراً من أن بلاده ستستهدف القواعد الأميركية في المنطقة إذا تعرضت لهجوم، قائلاً: «لا مجال لمهاجمة الأراضي الأميركية، لكننا سنهاجم قواعدهم في المنطقة». وأكد في الوقت نفسه أن إيران «مستعدة للحرب تماماً كما هي مستعدة لمنع وقوعها».

وتزامنت هذه التصريحات مع رسائل عسكرية مباشرة؛ إذ نقل الإعلام الإيراني عن رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، عبد الرحيم موسوي، قوله إن إيران «لن تبدأ الحرب أبداً»، لكنها «لن تتردد للحظة واحدة في الدفاع القاطع عن أمنها القومي ومصالحها الحيوية»، محذراً من أن أي «مغامرة» لفرض الحرب ستفشل، وتؤدي إلى إشعال المنطقة بأسرها.

وفي سياق موازٍ، انتقد عراقجي ما وصفه بـ«عقيدة الهيمنة» الإسرائيلية، معتبراً أنها تسمح لإسرائيل بتوسيع ترسانتها العسكرية بلا قيود، بينما تضغط على دول أخرى في المنطقة لنزع سلاحها أو تقليص قدراتها الدفاعية.

جاءت هذه التصريحات على خلفية حرب يونيو 2025 التي استمرت 12 يوماً، وشنت خلالها إسرائيل هجمات واسعة على أهداف نووية وعسكرية ومدنية داخل إيران، قبل أن ترد طهران بضربات صاروخية وطائرات مسيّرة.

صورة أصدرتها البحرية الأميركية في 5 فبراير 2026 لبحارة أميركيين يوجهون طائرة عسكرية في بحر العرب (أ.ف.ب)

شكوك إسرائيلية

في إسرائيل، سادت لهجة تشكيك واضحة حيال نتائج مفاوضات مسقط. ونقلت القناة «12» الإسرائيلية عن مسؤولين رفيعين أن المحادثات «لن تؤدي إلى اتفاق»، بسبب الفجوات العميقة بين الطرفين، محذرين من أن أي استهداف لإسرائيل سيقابل برد «مضاعف» على غرار عملية «الأسد الصاعد» التي نُفذت في يونيو الماضي.

كما أشارت القناة إلى ضغوط إسرائيلية لإدراج البرنامج الصاروخي الإيراني ودعم طهران لتنظيمات مسلحة ضمن جدول الأعمال، وهو ما ترفضه إيران بشكل قاطع.

أما في واشنطن، فأكد مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية أن محادثات مسقط «لم تكن مصممة أساساً للتوصل إلى اتفاق»، بل كانت اختباراً للنيات، ومحاولة لمنع التصعيد. ورأى أن انتهاء الجولة من دون انهيار أو قطيعة «هو بيت القصيد»، مشيراً إلى مرحلة توقف لتقييم المواقف يعود خلالها الطرفان إلى عاصمتيهما لتحديد جدوى الاستمرار في الانخراط الدبلوماسي، مع التأكيد على أن الخيارات الأخرى «جاهزة بالفعل»، إذا لم تُبدِ إيران مرونة كافية.

وفي إطار «حملة الضغوط القصوى التي تشنّها الولايات المتحدة» على طهران، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية بعيد انتهاء جولة المفاوضات الأولى فرض عقوبات جديدة على قطاع النفط الإيراني شملت 15 كياناً وشخصين و14 سفينة. وفي الوقت ذاته، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً (دخل حيّز التنفيذ السبت)، وينصّ على فرض تعريفات جمركية إضافية على الدول التي تواصل التجارة مع إيران. وستؤثر هذه الرسوم على التجارة مع عدد من الدول، من بينها روسيا وألمانيا وتركيا. وبحسب بيانات «منظمة التجارة العالمية»، فإن أكثر من ربع نشاط إيران التجاري في عام 2024 كان مع الصين.

وتشير معطيات مختلفة إلى أن الجولة المقبلة، إذا ما انعقدت قريباً، كما يتوقع الطرفان، ستتركز عملياً على الملفّ النووي وحده من وجهة نظر طهران، مع نقاش تقني حول مستويات التخصيب وضمانات تطمئن الغرب، في مقابل إصرار أميركي على تنازلات «ملموسة وكبيرة»، وربما محاولة جديدة لتوسيع جدول الأعمال. وبين هذين المسارين، تبقى الدبلوماسية قائمة على حافة دقيقة تحكمها حسابات الوقت وتوازن الردع، ومخاوف انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع إذا أُغلقت نافذة التفاوض.


تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
TT

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار والبدء في إعادة إعمار القطاع، والحفاظ على وصول مستدام للمساعدات الإنسانية لسكان القطاع.

وقالت مصادر تركية إن إردوغان والملك عبد الله بحثا، خلال لقائهما في المكتب الرئاسي بقصر دولمه بهشه في إسطنبول، السبت، العلاقات بين بلديهما وسبل تعزيزها في مختلف المجالات، وتناولا القضايا والتطورات الإقليمية والدولية.

وعقد إردوغان والملك عبد الله جلسة مباحثات ثنائية، أعقبها جلسة موسعة بمشاركة وفدي البلدين، بعد وصول العاهل الأردني في زيارة قصيرة تلبية لدعوة من الرئيس التركي.

وتناولت المباحثات بالتفصيل تطورات الأوضاع في قطاع غزة وتنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام، وشددا على ضرورة استمرار وقف إطلاق النار ورفض الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، واستدامة وصول المساعدات الإنسانية ورفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين.

كما تناولت المباحثات التطورات في سوريا، وأكد إردوغان والملك عبد الله ضرورة الحفاظ على وحدة أراضي سوريا وسيادتها ورفض أي محاولات لهز استقرارها، وضمان عودة السوريين إلى بلادهم بشكل طوعي وآمن.

جانب من المباحثات الموسعة بين إردوغان وعاهل الأردن بحضور وفدي البلدين (الرئاسة التركية)

وبحسب المصادر، ناقشت المباحثات الثنائية والموسعة مختلف التطورات في المنطقة وأكد الجانبان استمرار التعاون والعمل معاً لضمان الاستقرار في المنطقة.

وشارك في المباحثات من الجانب التركي وزيرا الخارجية هاكان فيدان، والدفاع يشار غولر، ورئيس المخابرات إبراهيم كالين، ومستشار رئيس الجمهورية للشؤون الخارجية والأمنية عاكف تشاغطاي كيليتش، ونظراؤهم من الجانب الأردني.

وجاءت زيارة العاهل الأردني لتركيا، غداة استئناف حركة الشحن البري باتجاه تركيا واليونان عبر بوابة «جيلوه غوزو» (باب الهوى) الحدودية بين تركيا وسوريا، بعد توقف استمر 15 عاماً.

وجاءت الخطوة نتيجة جهود وتنسيق مشترك بين وزارتي النقل في البلدين أدت إلى إزالة جميع العقبات الجمركية والإجرائية، حيث دخلت 3 شاحنات الأراضي التركية، الجمعة، في خطوة تجريبية عبر البوابة الحدودية.

وينتظر أن تشكل هذه الخطوة قفزة نوعية في خريطة النقل البري الإقليمي وإحياء لشريان تجاري مهم يربط الأردن بالقارة الأوروبية عبر الأراضي السورية والتركية، من خلال معبري جيلوه غوزو (باب الهوى) وأونجو بينار (باب السلامة).


صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
TT

صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)

رغم وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب محادثات مسقط بأنها «جيدة جداً»، ومع كسر الشكل التفاوضي لمجرد حصول لقاء مباشر بين الوفدين الإيراني والأميركي، فإن القراءة الأكثر شيوعاً في واشنطن تميل إلى التشاؤم أكثر.

والسبب ليس ما قيل داخل الغرف بقدر ما لم يتغير خارجها: طبيعة الفجوة الاستراتيجية، وتناقض «الخطوط الحمراء»، وسقف التوقعات الذي ترفعه التهديدات العسكرية والعقوبات، ثم يعود ليصطدم بواقع نظامٍ يتقن كسب الوقت وإدارة التفاوض كأداة لتخفيف الضغط لا كطريقٍ لإنهائه.

المحادثات التي جرت في مسقط بوساطة سلطنة عمان استمرت ساعات طويلة وانتهت بتصريحات عامة من الطرفين عن «أجواء إيجابية» و«بداية جيدة»، مع توقع جولة تالية الأسبوع المقبل، بحسب ما أعلنه ترمب. وقال إن إيران «تريد إبرام صفقة»، وإن المباحثات ستُستكمل «مطلع الأسبوع المقبل».

وأشار «أكسيوس» إلى أن لقاءً مباشراً حصل بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومبعوثي الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. لكن هذا «التقدم الشكلي» لم يبدد الشكوك حول أن الجولة قد تكون افتتاحاً لمسار طويل من الجولات، أي ما تخشاه واشنطن وحلفاؤها تحديداً.

صورة مركبة لاستقبال وزير خارجية عُمان البوسعيدي نظيره الإيراني عراقجي (يمين) ثم استقباله ويتكوف وكوشنر قبل بدء المباحثات في مسقط أمس (إ.ب.أ)

عقدة «الصفر»

جوهر التشاؤم يبدأ من سؤال واحد: ما الحد الأدنى الذي سيعتبره الطرفان «صفقة»؟ في المقاربة الأميركية التي يكررها ترمب، هناك مطلب مُبسط ومطلق: «لا سلاح نووي» ويُترجم عملياً لدى فريقه إلى خط أحمر على التخصيب.

في المقابل، ترى طهران أن التخصيب جزء من السيادة ورمز للاستقلال، وتعتبر التنازل عنه هزيمة سياسية داخلية لا تقل كلفة عن العقوبات نفسها. هذه الثنائية (صفر مقابل حق) تجعل مساحات التسوية ضيقة بطبيعتها: حتى لو وجد حل تقني وسط (نسب وسقوف ورقابة)، فإن الغلاف السياسي لكل طرف يدفعه إلى التصلب.

الصحف الأميركية تناولت هذه المعضلة، ولخص تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» المعضلة برقم واحد: «صفر»، بوصفه التعريف العملي لمطلب «صفر تخصيب»، محذّراً من أن الإصرار عليه قد يتحول إلى «جرعة سم» قد تقتل التفاوض مهما كانت الأجواء الإيجابية.

السبب الثاني للتشاؤم مؤسسي بحت: مَن يملك القرار النهائي في طهران؟ حتى لو تفاوض عباس عراقجي بمرونة، يبقى اختبار أي تفاهم هو قدرته على عبور مراكز القوة وصولاً إلى المرشد علي خامنئي. وهذا ليس تفصيلاً؛ إنه ما يجعل الدبلوماسية مع إيران بطيئة بطبيعتها، وأحياناً «مجزّأة» إلى رسائل متناقضة بين ما يقوله المفاوض وما تسمح به دوائر القرار.

هذا المعنى ظهر حتى في الخطاب الأميركي الداخلي: افتتاح التفاوض لا يُعامل كإنجاز بحد ذاته، بل كمرحلة لاختبار «النية» و«القدرة على الالتزام». وفي مثل هذه البيئة، أي تنازلٍ يُقرأ داخل إيران على أنه رضوخ تحت التهديد، خصوصاً مع الحشد العسكري، الذي قد يدفع النظام إلى التصلب بدل المرونة.

شراء الوقت؟

يُفترض أن الجمع بين «الجزرة والعصا» يُسرّع التفاهم. لكن في الحالة الإيرانية غالباً ما ينتج أثراً مزدوجاً: يرفع ضغطاً اقتصادياً ونفسياً قد يدفع طهران للعودة إلى الطاولة. وفي الوقت نفسه يمنحها حافزاً لاستخدام الطاولة لتخفيف الضغط دون حسم الملفات، أي استراتيجية «إدارة الأزمة» لا حلّها.

هنا يتقاطع تشاؤم المنتقدين مع ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، في افتتاحية تتهم إيران بالعودة إلى أسلوب «المماطلة التفاوضية»: جولات متتابعة من دون تنازلات جوهرية، مع رفضٍ لإنهاء التخصيب أو نقلِه للخارج، ورفضٍ، بحسب الافتتاحية، لمنح ضمانات أو عمليات تحقق كافية بعد الضربات السابقة على منشآت نووية.

وفي يوم المحادثات نفسه، تزامن المسار الدبلوماسي مع مزيد من ضغط «العصا»: عقوبات أميركية جديدة مرتبطة بـ«أسطول الظل» النفطي الإيراني. هذا التزامن قد يكون رسالة تفاوضية، لكنه أيضاً يسهّل على طهران تسويق روايتها بأن واشنطن تفاوض «تحت التهديد»، ما يبرر تشدداً داخلياً.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)

«نطاق» الملفات

حتى لو انحصرت الجولة على الملف النووي، فإن التناقض البنيوي قائم: واشنطن، وفق ما نُقل، كانت تميل إلى مسارين، نووي و«أوسع» يشمل الصواريخ والشبكات الإقليمية، بينما أعلن عراقجي أن النقاش يقتصر على النووي فقط. هذا يعني أن أي «تقدم» نووي، إن حصل، قد يُستهلك سياسياً داخل واشنطن إذا بدا أنه يتجاهل ملفات يعتبرها صقور الإدارة والكونغرس جزءاً من «السلوك الإيراني» لا يمكن فصله عن النووي. لذلك يأتي التشاؤم أيضاً من داخل واشنطن: حتى لو تحقق اتفاق تقني، قد لا يملك الغطاء السياسي الكافي ليصمد، هذا من دون الحديث عن إسرائيل.

ومن دون الغرق في تفاصيل مسقط، يمكن تلخيص معيار النجاح في الجولة المقبلة بـ3 إشارات لا تحتاج إلى بيانات مطولة: لغة واضحة حول التخصيب، تتجاوز مفردات «الحق» أو «الصفر» كشعارات، بل صيغة عملية قابلة للقياس والتحقق والجدولة. إطار تحقق عبر عودة جدية للرقابة والوصول، لأن أي اتفاق بلا تحقق سيُعامل كهدنة مؤقتة لا كصفقة. تسلسل العقوبات مقابل الخطوات، بحيث إذا لم تُحسم آلية رفع أو تعليق العقوبات مقابل خطوات نووية محددة، ستبقى كل جولة مجرد «استماع متبادل».

لهذا، تبدو مفارقة مسقط منطقية: يمكن لترمب أن يصف المحادثات بـ«الجيدة» لأنها فتحت باباً مباشراً وأعادت اختبار الدبلوماسية تحت سقف التهديد. لكن التشاؤم يسود لأن الاختبار الحقيقي ليس الجوّ، بل القدرة على كسر عقدة الصفر، وتأمين التحقق، ومنع إيران من تحويل التفاوض إلى مساحة زمنية آمنة لإعادة التموضع، وهي مهارة راكمتها طهران تاريخياً، وتخشى واشنطن اليوم أن تعود إليها بحلتها المعتادة.