الأونروا: غزة تتعرض للخنق والموت من القنابل

أرقام مرعبة وثلثا سكان القطاع يعيشون خارج منازلهم

الأونروا: غزة تتعرض للخنق والموت من القنابل
TT

الأونروا: غزة تتعرض للخنق والموت من القنابل

الأونروا: غزة تتعرض للخنق والموت من القنابل

في طريقها إلى الاجتياح البري، يقول ساكن في غزة إن إسرائيل «تدمر ما تيسر لها في القطاع، وتقتل ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، مهدمةً المنازل على رؤوس ساكنيها، والمساجد والكنائس والمستشفيات والمدارس والمخابز والشوارع، في محاولة لإجبار الغزيين، وخصوصاً في منطقة شمال القطاع، على النزوح قسراً. وإذا كان يمكن رسم صورة لقطاع غزة، فيمكن القول إن إسرائيل تنفذ وعدها بإعادة القطاع 50 عاماً للوراء».

«بينما نتحدث الآن، يموت الناس في غزة»، هذا ما قاله مفوض الأونروا فيليب لازاريني، الجمعة، محذراً من «أنهم يموتون من القنابل والضربات. وقريباً، سيموت عدد أكبر من الناس بسبب عواقب الحصار المفروض على قطاع غزة».

وأضاف محاولاً رسم صورة لغزة من جانبه: «غزة تتعرض للخنق. الخدمات العامة تنهار، الخدمات المدنية تنهار، الخدمات الأساسية تنهار، الدواء ينفد، الغذاء والماء ينفد، بدأت شوارع غزة تفيض بمياه الصرف الصحي. إن غزة على شفا خطر صحي هائل، حيث إن مخاطر الأمراض تلوح في الأفق». وتابع: «نزح أكثر من مليون شخص، وسوت أحياء بأكملها بالأرض، وقتل الآلاف، وأصيب آلاف آخرون ولم يعد بإمكانهم الوصول إلى المستشفيات تقريباً، تحت مراقبتنا».

وتساءل: «ما الذي يحتاج إلى مزيد من الدعم؟ المخابز؟ آلات دعم الحياة في المستشفيات؟ نباتات مائية؟ كلها تحتاج إلى الوقود لتعمل». وتابع: «إنهم أمهات وآباء. أناس رائعون كرسوا حياتهم لمجتمعاتهم. لو لم يكونوا في غزة لكانوا جيرانك. توفي أحد زملائه بينما كان في طريقه لإحضار الخبز من أحد المخابز. لقد ترك وراءه ستة أطفال».

دخان يتصاعد بعد غارة إسرائيلية على غزة الجمعة (أ.ف.ب)

قائمة بأسماء القتلى

في 212 صفحة حملت أسماء الضحايا الرباعية وأرقام هوياتهم الشخصية، ردت وزارة الصحة الفلسطينية على الرئيس الأميركي جو بايدن الذي شكك بأرقام الضحايا في قطاع غزة، ونشرت أسماء 7000 قتلتهم الطائرات الإسرائيلية، عائلات بأكملها، آباء وأمهات وأطفال ومسنون. وبعد ساعات قليلة ارتفع العدد إلى 7400. وقالت وزارة الصحة الفلسطينية في اليوم الـ21 للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة إن «عدد شهداء العدوان الإسرائيلي ارتفع إلى 7326 من بينهم 3038 طفلاً و1726 امرأة و414 مسناً، وعدد المصابين إلى 18967».

وفيما يحمل كل اسم من الأسماء المنشورة قصة حياة وذكريات وأمنيات وأحلاماً وطموحات، وترك خلفه كثيراً من الألم لأهله ومحبيه، يجب الإشارة إلى أن إسرائيل تعمدت استهداف الجميع، رجالاً ونساء وأطفالاً، مسلمين ومسيحيين، مسنِّين، وأطباء ومسعفين وصحافيين ومزارعين، ومستشفيات ومدارس ومخابز ومزارع ومساجد وكنائس وأبراجاً وبيوتاً ومصانع وشوارع، وقطعت الكهرباء والماء، ومنعت إدخال الوقود، وضربت الاتصالات، في حرب تبدو أقرب إلى حرب إبادة منها حرب انتقام.

مقاتلة إسرائيلية طراز «إف - 15» فوق حدود غزة الجمعة (أ.ف.ب)

كل القطاعات تحت الاستهداف

حتى اليوم الـ21 للعدوان على قطاع غزة، قتلت إسرائيل 7326 فلسطينياً، بينهم 3038 طفلاً، و1726 امرأة و414 مسناً، فيما ارتفع عدد المصابين إلى 18967. وتظهر الأرقام أن 70 في المائة من الضحايا هم من الأطفال والسيدات والمسنين. وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، فإن 149 عائلة فلسطينية فقدت عشرة من أفرادها أو أكثر في عدوان الاحتلال على غزة، بينما فقدت 123 عائلة ما بين 6 - 9 أفراد، وفقدت 416 عائلة ما بين اثنين إلى خمسة من أفرادها، وذلك في 731 مجزرة.

وتشمل هذه الأرقام، 104 من الكوادر الطبية، أطباء وممرضين ومسعفين وصيادلة قتلتهم إسرائيل في أكثر من 260 اعتداء، طالت مستشفيات ومنازل وسيارات إسعاف، وخلّف هذا أكثر من 100 جريح، وتضررت 50 سيارة إسعاف، بينها 25 تعطلت عن العمل بشكل كامل. أما الصحافيون فقد قضى منهم 34 صحافياً وصحافية، جزء منهم أثناء التغطية وآخرون أثناء وجودهم في منازلهم، ولم تسلم عائلات الصحافيين من القتل؛ إذ قتلت إسرائيل زوجات وأبناء وأشقاء صحافيين.

وقال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إن إسرائيل قتلت 34 صحافياً منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، وأصابت العشرات بجراح، فيما هدمت بشكل كلي أو جزئي منازل 39 صحافياً، ودمرت مقرات ومكاتب 50 مؤسسة إعلامية، بينها فضائيات وصحف ومواقع.

وبحسب المكتب، فإن 2 من الصحافيين مفقودان. ولم يسلم موظفو الأمم المتحدة التابعون لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين «أونروا» من القصف الإسرائيلي. وأعلن المفوض العام فيليب لازاريني أن إسرائيل قتلت 57 من موظفي الوكالة في قطاع غزة منذ اندلاع الحرب وحتى اليوم الـ21 منها.

وطال القتل الإسرائيلي كذلك موظفي الدفاع المدني الفلسطيني الذي نعى 16 من أفراده أثناء تأديتهم واجبهم. ولم تعلن الداخلية الفلسطينية أرقاماً متعلقة بأعداد الشرطة أو موظفي الوزارة والأجهزة الأمنية الذين قضوا في أول 20 يوماً، لكنها نعت قائد الأمن الوطني في قطاع غزة اللواء جهاد محيسن، والعقيد محمد جلمبو مدير وحدة التنسيق الفصائلي في وزارة الداخلية، واللواء فؤاد أبو بطيحان رئيس هيئة المعابر والحدود.

صورة فضائية لمحيط مستشفى «الشفاء» في غزة (أ.ف.ب)

تدمير ربع غزة

دمرت إسرائيل 200 ألف وحدة سكنية بين تدمير كلي وجزئي، بحسب وزير الأشغال والإسكان محمد زيارة، وهو ما يمثل أكثر من 25% من المناطق المأهولة في القطاع. وقال زيارة إن قصف الاحتلال شطب أسراً بأكملها من السجل المدني، ومحا أحياء ومناطق وتجمعات سكنية بقاطنيها، كما دمر منشآت بما فيها مستشفيات، ودور عبادة، ومخابز، ومحطات تعبئة مياه، وأسواق، ومدارس، ومؤسسات تعليمية وخدماتية، وبناء عليه تم تدمير كل مناحي الحياة؛ من صحة، وإسكان، ومياه، وصرف صحي، وبنية تحتية، واقتصاد، وزراعة، وتعليم، وخدمات، ومؤسسات إنسانية، وقطع المياه والكهرباء والوقود، وأن مقومات الحياة الأساسية أصبحت غير متوفرة، وحياة الناس مهددة إما بالقصف وإما بغياب الرعاية الصحية وإما بشح المياه والأكل.

وأظهر إحصائيات جديدة رسمية أن عدد المنازل التي تعرضت للقصف 6.500، وعدد الوحدات 200000، وعدد الهدم الكلي 29 ألف وحدة.

المستشفيات ودور عبادة

التدمير في غزة شمل 79 مقراً حكومياً، بينها مقرات داخلية وشرطة وأجهزة أمنية، كما شمل تدمير 38 مسجداً، و3 كنائس بمدينة غزة. أما عدد المدارس المتضررة فبلغ 189 مدرسة، منها 25 مدرسة خرجت عن الخدمة في قطاع غزة. ومن بين المباني التي ضربت وتضررت بشكل كبير مقر «أونروا» الرئيسي، و29 مدرسة تابعة للوكالة. كما استهدف الاحتلال الإسرائيلي 10 مخابز تم تدميرها بشكل كامل في مناطق مختلفة في قطاع غزة.

وقالت وزارة الصحة إنه تم تسجيل 69 اعتداء على المنشآت الصحية، 12 منها أصبحت خارج الخدمة، وهي: المستشفى الدولي للعيون، مستشفى دار السلام، مستشفى اليمن السعيد، مستشفى الطب النفسي، مستشفى بيت حانون، مستشفى الدرة للأطفال، مستشفى حمد لإعادة التأهيل، مستشفى الكرامة، مستشفى الوفاء للتأهيل الطبي والجراحة التخصصية، كما من المتوقع أن يتوقف مستشفى الصداقة التركي عن العمل، وكذلك مستشفى القدس التابع للهلال الأحمر والمستشفى الأهلي العربي المعمداني.

والمعمداني استهدفته إسرائيل بالقصف المباشر مرتكبة هناك مذبحة قضى فيها 500 فلسطيني. وتطالب إسرائيل 24 مستشفى بالإخلاء في شمال قطاع غزة (السعة الإجمالية لهذه المشافي 2000 سرير). كما توقف 46 مركز رعاية صحية من أصل 72 عن العمل جراء القصف ونفاد الوقود. وبحسب هذه الأرقام، فإن 34 في المائة من مستشفيات غزة لا تعمل، و65 في المائة من مراكز الرعاية الصحية الأولية مغلقة.

أطفال فلسطينيون يحصلون على الطعام في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في رفح بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ثلثا سكان القطاع خارج منازلهم

ورصد المكتب الإعلامي الحكومي، الجمعة، تعمد إسرائيل استهداف المستلزمات المعيشية والحياتية لمفاقمة الواقع الإنساني الكارثي الذي يعيشه المواطنون. وقال إنه رصد تعمد الاحتلال قصف المنشآت التجارية ونقاط تخزين وبيع المواد الغذائية؛ لمفاقمة الكارثة الإنسانية وتسريع نفادها من الأسواق، وقد جرى ذلك في أكثر من منطقة منها مول أبو دلال بالنصيرات، ومخازن مواد غذائية بحي الدرج، ومنطقة سوق الزاوية وشارع فهمي بك.

كما قصف الاحتلال آلاف دونمات الأراضي المزروعة بالخضراوات، ويمنع وصول المزارعين لها، وقد ألحق القصف دماراً بأكثر من 24 ألف دونم من المزروعات، وباتت غير صالحة للزراعة، إضافة إلى تدمير مزارع دواجن وأبقار ومصانع (لا توجد إحصائية دقيقة). وكل هذا القصف والتدمير غير المسبوق، قاد نحو مليون وأربعمائة ألف مواطن من غزة للنزوح، من أصل 2 مليون و200 ألف، بواقع 685000 نزحوا لدى عائلات أخرى، و565 ألفاً نزحوا في 148 مدرسة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين، و101000 في المساجد والكنائس والأماكن العامة، 70000 في 67 مدرسة حكومية.

وحذرت وزارة الصحة من أن مراكز الإيواء تحمل فوق طاقتها بنسبة 250 في المائة، ما يشكل خطراً على تفشي الأمراض.


مقالات ذات صلة

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

تركيا والأردن يؤكدان ضرورة الاستمرار في تنفيذ خطة السلام في غزة

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أهمية تنفيذ خطة السلام في غزة وضمان استمرار وقف إطلاق النار

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية صورة لعميلَي «الموساد» المزعومين وهما التركي من أصل فلسطيني فيصل كريم أوغلو (يميناً) والتركي محمد بوداك دريا (الداخلية التركية)

تركيا تعتقل عميلَين لـ«الموساد»... أحدهما من أصل فلسطيني

ألقت المخابرات التركية القبض على شخصين أحدهما فلسطيني كانا يعملان لمصلحة «الموساد» الإسرائيلي، في عملية مشتركة مع شعبة مكافحة الإرهاب ونيابة إسطنبول.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية مشاركون في مسيرة احتجاجية ضد تفشي الجريمة بالمجتمعات العربية في إسرائيل في تل أبيب يوم السبت (إ.ب.أ)

العرب في إسرائيل يستعدون لبدء عصيان مدني غداً

يستعد المواطنون العرب في إسرائيل، يوم غد (الاثنين)، لبدء «عصيان مدني» عبر الامتناع عن الشراء أو دفع أي التزامات ضريبية، لتصعيد احتجاجهم ضد الحكومة اليمينية.

نظير مجلي (تل أبيب:)
المشرق العربي فلسطينيون ينتظرون الحصول على طعام في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ب) p-circle

غزيون يشككون في قدرة مجلس السلام برئاسة ترمب على تغيير واقعهم المأساوي

يقوم الفلسطينيون اليائسون في أحد أحياء غزة بالحفر بأيديهم في مكب نفايات بحثاً عن أغراض بلاستيكية للاستعانة بها لمواجهة البرد في القطاع.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
المشرق العربي الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)

مصر توافق على الانضمام لمجلس السلام

أعلنت مصر اليوم (الأربعاء) قبولها دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للانضمام إلى «مجلس السلام» الذي يُشكّله من قادة العالم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الجيش السوري يعلن بدء الانسحاب من محيط مدينة الحسكة تطبيقاً للاتفاق مع «قسد»

مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)
مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)
TT

الجيش السوري يعلن بدء الانسحاب من محيط مدينة الحسكة تطبيقاً للاتفاق مع «قسد»

مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)
مجموعة من «قسد» تنسحب من الخطوط الأمامية في الحسكة (رويترز)

أفادت هيئة العمليات في الجيش السوري، اليوم الثلاثاء، بأن قوات الجيش بدأت الانسحاب من محيط مدينة الحسكة في شمال شرق البلاد، تطبيقاً للاتفاق المبرم بين الحكومة و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد.

وأضافت هيئة عمليات الجيش في بيان نشرته قناة «الإخبارية السورية» التلفزيونية أن قوى الأمن الداخلي انتشرت في المناطق التي انسحبت منها قوات الجيش.

وذكر الجيش أن «قسد» تلتزم بتطبيق الاتفاق «وتقوم بخطوات إيجابية»، مضيفاً: «نقوم بالمراقبة والتقييم لتحديد الخطوة التالية».

وأعلنت الحكومة السورية و«قسد» أواخر الشهر الماضي توصلهما لاتفاق شامل لوقف إطلاق النار والدمج التدريجي للقوات والهياكل الإدارية الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية.

ويتضمن الاتفاق، الذي تم التوصل إليه بعد أن انتزعت قوات الحكومة السورية السيطرة على مساحات كبيرة من شمال وشرق سوريا من «قسد»، دخول قوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي اللتين كانتا خاضعتين لسيطرة «قسد».


فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على السجون

مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
TT

فرنسا مستعدة لدعم القوات السورية في محاربة «داعش» والسيطرة التامة على السجون

مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)
مصافحة تجمع الوزير جان نويل بارو ونظيره السوري أسعد الشرع في دمشق يوم 5 فبراير (أ.ف.ب)

ثلاث رسائل رئيسية نقلها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، إلى السلطات السورية خلال جولته التي قادته إلى دمشق وبغداد وأربيل وبيروت والتي كان منطلقها الرئيسي، في المحطتين الأوليين، التحديات التي تطرحها مواصلة الحرب على «داعش» وإدارة التحولات التي شهدها الشمال الشرقي في سوريا بالنظر للمخاوف الفرنسية بشأن مصير الأكراد ومستقبل «قوات سوريا الديمقراطية».

وقالت مصادر دبلوماسية في باريس، إن فرنسا تعتبر أن «أولوية الأولويات» تتمثل في منع بروز «داعش» مجدداً وأن ثمة حاجة لقيام تنسيق ضروري وجدي بين «قسد» التي كانت تتولى سابقاً مسؤولية حراسة السجون ومراكز الاعتقال وبين القوات السورية التي انتقلت إليها مسؤولية الإشراف على عدد من هذه السجون. كذلك ترى باريس أن المهم الاستفادة من الخبرات التي تراكمت لدى «قسد» التي حظيت برعاية واهتمام فرنسيين كبيرين فيما يخص محاربة الإرهاب. ولذا، فإن من الأهمية بمكان ألا تذهب هذه الجهود سُدى.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو متحدثاً إلى الصحافة في مقر إقامة سفير بلاده في بيروت (أ.ف.ب)

ووفق القراءة الفرنسية، فإنه من المجدي أن تتم الاستفادة من هذه القدرات في إطار اندماج «قسد» في الجيش السوري. وتنظر فرنسا بإيجابية لما تراه من انخراط السلطات الجديدة في محاربة «داعش» ورغبتها بالتنسيق مع الأسرة الدولية، خصوصاً بعد أن انضمت دمشق رسمياً إلى التحالف الدولي لمحاربة «داعش».

وفي اللقاءات التي عقدها بارو مع المسؤولين في دمشق وبغداد، كان همه الأول التركيز على أهمية منع «داعش» من «التشتت» أو «التبعثر»، خصوصاً بصدد عملية نقل إرهابييها من مناطق «قسد» سابقاً إلى السجون العراقية. وحصل الوزير الفرنسي على تعهدات سورية وعراقية بخصوص أن أمراً كهذا لن يحصل.

رغم أهمية ما سبق، فإن باريس حريصة على أن يتم الوفاء بالتعهدات التي قدمت للوزير الفرنسي وأن توفر لذلك القدرات اللازمة لتنفيذها. وقلق باريس ليس مرتبطاً برغبة السلطات السورية وإرادتها السياسية، بل بخصوص القدرات المتوافرة لديها؛ انطلاقاً من مبدأ أن تأمين هذه المواقع التي آل الإشراف إليها إلى القوات السورية الرسمية ليس بالأمر السهل. ولذا، فإن باريس تبدو مستعدة اليوم للعمل مع هذه القوات كما عملت سابقاً مع «قسد» لرفع جاهزيتها وقدراتها بما يضمن مواصلة محاربة «داعش» من جهة وضمان أن تكون الرقابة على السجون ومواقع الاحتجاز مضمونة تماماً.

مركبات عسكرية أميركية ترافق حافلات تنقل معتقلي تنظيم «داعش» من سوريا إلى العراق في مدينة القامشلي السورية - 8 فبراير 2026 (رويترز)

ثمة تساؤل طُرح بمناسبة زيارة بارو ويتناول عدم لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع. وثمة من اعتبر أن ذلك مرده إلى الانتقادات الفرنسية لكيفية التعامل مع «قسد» التي كانت باريس وما زالت أحد الداعمين الرئيسيين لها. لكن الجهات الفرنسية تنفي هذه المزاعم وتربط عدم حصول الاجتماع لتضارب في الأجندات بين الشرع وبين الرئيس الفرنسي، وتذكر أن زيارة بارو إلى دمشق لم تدم سوى ثلاث ساعات.

تنظر باريس بـ«إيجابية» إلى ما تحقق حتى اليوم من العمل بالاتفاق الأخير المبرم بين دمشق و«قسد» رغم أنها، في الأساس، كانت مستاءة من لجوء السلطات السورية إلى القوة العسكرية للتوصل إلى هذه النتيجة.

قافلة أميركية تنقل محتجزين من «داعش» على طريق في ضواحي الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 7 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ولاحقاً، أكدت فرنسا أنها لعبت دوراً فاعلاً في الدفع باتجاه الاتفاق المذكور. لكن النظرة الإيجابية لا تلغي تماماً بعض «المخاوف» الفرنسية لجهة تطبيق مضمون الاتفاق، باعتبار أن «الشيطان يكمن في التفاصيل» أكان في كيفية دمج مقاتلي «قسد» في صفوف الجيش السوري أم بشأن تسمية شخصيات كردية في مناصب مدنية وعسكرية.

والأهم من ذلك أن هناك تخوفاً لدى الأكراد من تراجع الاهتمام الدولي بقضيتهم ما قد يدفع النظام إلى التشدد في التعامل معهم. لذا، فإن باريس ترى أن زيارة بارو كانت بالغة الأهمية لأنها تعكس جانباً من الاهتمام الدولي لمتابعة مصير الاتفاق المبرم ووضعه موضع التنفيذ.

وبكلام آخر، فإن زيارة بارو تعد، بشكل ما، رسالة «طمأنة» للأكراد. وأثار بارو في لقاءاته حاجة الأكراد إلى مواصلة جهودهم على المستوى السياسي ليكونوا قادرين على إثبات حضورهم والمشاركة الكاملة في بناء سوريا الجديدة.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يعقد مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع رئيس إقليم كردستان العراق في أربيل 5 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أما في الملف العراقي، فإن قلق باريس مرده المخاوف من انعكاس حرب جديدة بين الولايات المتحدة وإيران على العراق في حال لم تنجح المفاوضات بين الطرفين الإيراني والأميركي. ولذا، فإن الرسالة الرئيسية التي حملها بارو إلى بغداد تحث القادة العراقيين على العمل لمنع انجرار العراق إلى هذه الحرب الممكنة بسبب ما قد تقوم به بعض الميليشيات المرتبطة إلى حد بعيد بإيران.

ونقل عن مسؤولين عراقيين إشارتهم إلى هذه المخاوف التصعيدية التي يسعون لمنع حصولها، فيما أفضت التدخلات الأميركية في موضوع تسمية رئيس للوزراء في العراق إلى تشنج سياسي واضح. وإذ تشدد باريس على عدم رغبتها في التدخل في الشؤون الداخلية للعراق، فإن الامتناع لا يردعها عن الإشادة برئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، الذي تؤكد أنها عملت معه بشكل جيد وأنه نجح في تثبيت استقرار العراق وإطلاق عجلته الاقتصادية.


نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)
خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)
TT

نشر المسودة الأولى لدستور مؤقت لدولة فلسطينية

خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)
خلال مسيرة فلسطينية في رام الله بالضفة الغربية (رويترز - أرشيفية)

نشرت اللجنة المكلفة بصياغة دستور لدولة فلسطينية، الثلاثاء، المسودة الأولى لدستور مؤقت ليتسنى للجمهور الاطلاع عليها، وإبداء الملاحظات قبل الصياغة النهائية، وذلك في إطار إصلاحات قانونية ودستورية تجريها السلطة الفلسطينية، عقب اعتراف دول غربية كبرى، العام الماضي، بدولة فلسطينية، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكلّف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس لجنة من الخبراء والسياسيين في أغسطس (آب) الماضي، لصياغة دستور مؤقت. وتقول اللجنة في منصتها الإلكترونية إنها مكلفة بصياغة دستور مؤقت «للانتقال من السلطة إلى الدولة».

واعترفت دول غربية كبرى، بما فيها فرنسا، رسمياً بدولة فلسطينية في سبتمبر (أيلول)، في إطار ضغوط على إسرائيل لوقف حرب غزة، والرغبة في دعم حل الدولتين للصراع في الشرق الأوسط. وترفض إسرائيل فكرة إقامة دولة مستقلة للفلسطينيين.

وأصبح قطاع غزة تحت إدارة مؤقتة بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب التي استمرت عامين وألحقت دماراً هائلاً بالقطاع، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 71 ألف فلسطيني.

وهدأ القتال إلى حد كبير في غزة بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول)، في إطار خطة ترمب. واندلعت الحرب في السابع من أكتوبر 2023 بعد هجوم قادته حركة «حماس» على جنوب إسرائيل في الساعات الأولى لهذا اليوم، في هجوم أسفر عن مقتل 1200 شخص.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في نوفمبر (تشرين الثاني) إن بلاده ستساعد السلطة الفلسطينية في صياغة دستور لدولة فلسطينية مستقبلية.

وعندما تأسست السلطة الفلسطينية في عام 1994، كان الفلسطينيون يأملون أن تكون نقطة انطلاق نحو إقامة دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة عاصمتها القدس الشرقية.

لكن هذا الهدف صار فيما يبدو بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى، رغم الاعتراف الدولي المتزايد بدولة فلسطينية. فقد تسارعت وتيرة بناء المستوطنات الإسرائيلية، ويرفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إقامة دولة فلسطينية بوصفها تهديداً لإسرائيل.

ودائماً ما تحث الدول المانحة السلطة الفلسطينية على إجراء إصلاحات والتصدي للفساد.

وقالت لجنة الصياغة على موقعها إن نشر المسودة جاء بناء على قرار من عباس، مشيرة إلى فتح الباب لتلقي الملاحظات خلال 60 يوماً.

وجاء في ديباجة المسودة: «انطلاقاً من الحقوق الثابتة، غير القابلة للتصرف، للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وعدالة قضيته، نكتب هذا الدستور المؤقت لدولة ما زالت تحت الاحتلال، دولة تصر على أن تكتب وجودها بحبر من الصمود والأمل».

ومن أهم المواد التي تضمنتها مسودة الدستور المؤقت المادة 79 المتعلقة بتنظيم تولي منصب الرئيس في حال شغوره بسبب الوفاة أو المرض. وجاء فيها أنه «لرئيس الدولة أن يعين نائباً له، وأن يكلفه بما يراه مناسباً من مهام، وأن يعفيه من منصبه، وأن يقبل استقالته».

ونصت أيضاً على أنه «حال خلو منصب رئيس الدولة بالوفاة أو الاستقالة يحل محله رئيس مجلس النواب، وحال خلو منصب رئيس الدولة لفقدان الأهلية أو عدم قدرته على ممارسة مهامه الدستورية، يُعلن خلو المنصب بقرار من المحكمة الدستورية بناء على طلب الأغلبية المطلقة لأعضاء مجلس النواب، ويباشر رئيس مجلس النواب مؤقتاً سلطات رئيس الدولة».

وتوضح المادة ذاتها أنه «إذا كان مجلس النواب غير قائم، يحل رئيس المحكمة الدستورية محل رئيس مجلس النواب».

وتؤكد المادة وجوب انتخاب رئيس جديد في مدة لا تتجاوز 90 يوماً من تاريخ شغور المنصب، وأن تبدأ مدة الرئاسة من تاريخ إعلان نتائج الانتخابات.

وليس واضحاً هل في حال إقرار هذه المسودة سيُلغي المرسوم الذي أصدره عباس في وقت سابق وينص على أن يتولى نائب الرئيس منصب الرئيس المؤقت لحين إجراء انتخابات. واستُحدث منصب نائب الرئيس، العام الماضي، وأُجريت آخر انتخابات لاختيار رئيس السلطة الفلسطينية في عام 2005.

وتتضمن المسودة الجديدة تعديلاً على الفترة الرئاسية ومجلس النواب لتكون خمس سنوات بدلاً من أربع.