فيدان بعد إردوغان يبحث مع الدبيبة ملفات التعاون وتسهيل التأشيرة وإعمار درنة

تركيا تؤكد دعمها جهود المبعوث الأممي لإجراء الانتخابات في ليبيا

جانب من استقبال إردوغان للدبيبة في إسطنبول الجمعة (الرئاسة التركية)
جانب من استقبال إردوغان للدبيبة في إسطنبول الجمعة (الرئاسة التركية)
TT

فيدان بعد إردوغان يبحث مع الدبيبة ملفات التعاون وتسهيل التأشيرة وإعمار درنة

جانب من استقبال إردوغان للدبيبة في إسطنبول الجمعة (الرئاسة التركية)
جانب من استقبال إردوغان للدبيبة في إسطنبول الجمعة (الرئاسة التركية)

أكدت تركيا دعمها جهود مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا عبد الله باتيلي لإجراء الانتخابات «وفق قوانين عادلة ونزيهة، وإنهاء المراحل الانتقالية».

وبحث وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، مع رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة وزير الخارجية المكلف، عبد الحميد الدبيبة، التطورات في ليبيا، وسبل حل الأزمة السياسية في البلاد.

الانتخابات الليبية

ووفق مصادر بالخارجية التركية، أكد فيدان والدبيبة، خلال محادثات في مقر الخارجية في أنقرة ليل الاثنين - الثلاثاء، «دعم تركيا وحكومة الوحدة الوطنية، جهود المبعوث الأممي باتيلي لإجراء الانتخابات، وفق قوانين عادلة ونزيهة، والعمل على توحيد الجهود المحلية والدولية من أجل إجراء الانتخابات، وإنهاء المراحل الانتقالية في ليبيا».

إردوغان أقام مأدبة غداء للدبيبة في «قصر وحيد الدين» في إسطنبول الجمعة (الرئاسة التركية)

كان فيدان قد التقى باتيلي في مقر الخارجية التركية في 12 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وبحث معه الجهود المبذولة من أجل التوصل إلى إجراء الانتخابات في ليبيا.

وزار رئيس «المفوضية العليا للانتخابات» في ليبيا، عماد السايح، أنقرة الأسبوع الماضي للاطلاع على تجربة الهيئة العليا للانتخابات في تركيا، والتقى مع رئيسها أحمد ينار وأعضائها، وتعرف على التجهيزات التكنولوجية في مجال إدارة الانتخابات من خلال عروض توضيحية، شارك فيها مسؤولو الهيئة، وتضمنت التعريف بهيكليتها المؤسسية والتشريعات المنظمة لها، والنظم والإجراءات الفنية، التي أديرت بها العملية الانتخابية في تركيا في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مايو (أيار) الماضي.

وأكد السايح في تصريحات خلال الزيارة، «أن إجراء الانتخابات يعد مسألة مفصلية لمستقبل ليبيا السياسي».

جانب من مباحثات فيدان والمبعوث الأممي عبد الله باتيلي بمقر الخارجية التركية في أنقرة في 12 أكتوبر الحالي (وزارة الخارجية التركية)

ونقلت المصادر، تأكيد حكومة الدبيبة في بيان عبر منصة «حكومتنا» على «فيسبوك» أن هاكان والدبيبة تناولا أيضاً عدداً من الملفات التي جرى الاتفاق عليها خلال لقاء الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والدبيبة في إسطنبول، يوم الجمعة الماضي، وأبرزها عودة رحلات الخطوط التركية إلى طرابلس، ومعالجة مشكلات الإقامة لليبيين في تركيا، وإلغاء تأشيرة الدخول للمواطنين من البلدين.

كما تُطُرِّقَ إلى ملف إعادة إعمار درنة والبلديات المجاورة المتضررة من كارثة السيول في شرق ليبيا، حيث جدد فيدان استعداد تركيا للمساهمة في إعادة إعمار المناطق المتضررة.

وتناول الاجتماع، الذي حضره من الجانب الليبي وزير الدولة لشؤون رئيس الحكومة ومجلس الوزراء، عادل جمعة، ومستشار رئيس الوزراء، القضية الفلسطينية والتصعيد الإسرائيلي في غزة، و«حدث التأكيد على دعم جهود الدول الإسلامية في هذا الصدد، وضرورة توفير الحماية والدعم للفلسطينيين، كما استُعرضت نتائج قمة السلام في القاهرة، والاجتماع الاستثنائي لوزراء خارجية دول منظمة التعاون الذي عُقد في جدة بشأن التطورات في غزة».

جانب من مباحثات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان والدبيبة في أنقرة ليل الأحد - الاثنين (منصة حكومتنا على فيسبوك)

وبحث إردوغان مع الدبيبة، الجمعة، ملف إعادة إعمار درنة، وإتاحة الاستفادة من الخبرة التركية في التعامل مع الكوارث. وشكر الدبيبة تركيا «على ما قدمته خلال الكارثة التي شهدتها درنة وجميع المناطق المنكوبة شرق البلاد، مشيداً بدور فرق الإنقاذ التركية».

واتفق إردوغان والدبيبة على «الاستمرار في تعزيز التعاون في مجال التدريب العسكري، ورفع كفاءة عناصر الجيش الليبي، وتعزيز التعاون في مجال الطاقة، وسبل تعزيز التبادل التجاري، وتسهيل إجراءات تنقل المواطنين بين البلدين».

وتناول إردوغان مع الدبيبة كذلك آخر التطورات في ليبيا ومسار العمل السياسي والانتخابات المرتقبة في ليبيا.

وحضر لقاء إردوغان والدبيبة من الجانب التركي، وزير الطاقة ألب أرسلان بيرقدار، الذي كلفه إردوغان المشاركة في مؤتمر الطاقة الليبي المزمع عقده في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل في طرابلس، بمشاركة عدد من الدول والشركات العالمية.

وجاءت زيارة الدبيبة لتركيا ومحادثاته فيها في ظل استعداد البرلمان التركي لمناقشة «مذكرة التفاهم» الموقَّعة في 3 أكتوبر 2022 بين أنقرة وطرابلس، بشأن التعاون في مجال المحروقات، وقد أثارت ردود فعل قوية من جانب مصر واليونان.

فيدان والدبيبة (منصة حكومتنا على فيسبوك)

وأحال إردوغان المذكرة إلى البرلمان في يونيو (حزيران) الماضي، عقب الانتخابات البرلمانية وقبل العطلة الصيفية، التي امتدت حتى الأول من أكتوبر الحالي لاستكمال إجراءات التصديق عليها.

وتهدف المذكرة التي جاءت امتداداً لمذكرة موقّعة بين أنقرة وطرابلس في 2019 بشأن تحديد مناطق الصلاحية في البحر المتوسط، إلى تعزيز التعاون بين شركات النفط والغاز لاستغلال موارد الطاقة في ليبيا، والعمل في الاستكشاف، وتنمية حقول النفط والغاز داخل الأراضي الليبية، وفي منطقتها البحرية حالياً ومستقبلاً.

وأثارت «مذكرة التفاهم» تلك، اعتراضات من دول شرق البحر المتوسط، وفي مقدمتها مصر واليونان؛ لأن حكومة الدبيبة انتهت ولايتها قبل توقيع المذكرة، ولم يعد من حقها توقيع اتفاقات أو مذكرات تفاهم مع دول أخرى.

ميناء البريقة النفطي في مرسى البريقة على مسافة نحو 270 كيلومتراً غرب مدينة بنغازي بشرق ليبيا (غيتي)

ورغم أن مذكرة العام الماضي لم تشر صراحة إلى مذكرة التفاهم الموقّعة مع حكومة فائز السراج السابقة في 2019، فإن ديباجتها تطرقت إليها بشكل غير مباشر.

وخلال مباحثاتها لتطبيع العلاقات مع مصر، عملت تركيا على إزالة المخاوف والاعتراضات من جانب مصر، سواء في ما يتعلق بالجانب الأمني ووجود مرتزقة تابعين لتركيا في غرب ليبيا، أو في ما يتعلق بالتعاون مع حكومة طرابلس في مجال الطاقة.

كما تعمل تركيا حالياً على تهدئة التوتر مع اليونان، حيث استؤنفت الأسبوع الماضي المشاورات السياسية بينهما بعد التوقف فترة طويلة لبحث القضايا الخلافية سواء في بحر إيجه، أو في البحر المتوسط.


مقالات ذات صلة

بيونغ يانغ وبكين تعتمدان «خريطة طريق» لتعزيز العلاقات

آسيا زعيما كوريا الشمالية والصين يستعرضان حرس الشرف في بيونغ يانغ (أ.ب) p-circle

بيونغ يانغ وبكين تعتمدان «خريطة طريق» لتعزيز العلاقات

أثناء الزيارة التي استمرت يومين، «عمّق البلدان أكثر الصداقة الثورية وعلاقة الرفاقة الوثيقة، وأكّدا إرادتهما الثابتة لتطوير العلاقات الودية التقليدية»...

«الشرق الأوسط» (سيول)
الخليج الدكتور عبد الرحمن الرسي خلال استقباله في الرياض السفير شين شول كانغ (الخارجية السعودية)

وزير الخارجية السعودي يتلقى رسالة من نظيره الكوري الجنوبي

تلقى الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، رسالة خطية، من نظيره الكوري الجنوبي جو هيون، تتصل بالعلاقات الثنائية بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
آسيا وزير الدفاع الأميركي يتحدث أمام المؤتمر (إ.ب.أ)

وزير الدفاع الأميركي يخفف نبرته التحذيرية تجاه الصين ويهاجم «الحلفاء» الأوروبيين

هيغسيث: «لقد انتهى عصر دعم الولايات المتحدة لدفاع الدول الغنية. نحن بحاجة إلى شركاء وليس إلى دول تحتاج للحماية»

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
آسيا من لقاء وزير الخارجية السنغافوري مع نظيره في بيونغ يانغ جو يونغ وون (أ.ب)

كوريا الشمالية «غير متحمسة» لمحادثات مع الولايات المتحدة أو جارتها الجنوبية

وزير خارجية سنغافورة زارها على مدى يومين في ذكرى إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
آسيا وزير الدفاع الاميركي هيغسيث وإلى يساره نظيره الفيتنامي يدخلان معاً إلى الاجتماع (أ.ف.ب)

الصين تغيب عن أبرز منتدى أمني في آسيا تتصدره الولايات المتحدة

يغيب وزير الدفاع الصيني عن المنتدى الذي يستمر ثلاثة أيام للعام الثاني على التوالي، وهو ما اعتبره المحللون مؤشرا على صعود نفوذ الصين

«الشرق الأوسط»

جهاز أمني بطرابلس الليبية ينفي توقيف «بلوغر» عراقية بتهمة القتل

عناصر من «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» في غرب ليبيا (الجهاز)
عناصر من «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» في غرب ليبيا (الجهاز)
TT

جهاز أمني بطرابلس الليبية ينفي توقيف «بلوغر» عراقية بتهمة القتل

عناصر من «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» في غرب ليبيا (الجهاز)
عناصر من «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» في غرب ليبيا (الجهاز)

نفى جهاز أمني بالعاصمة الليبية ما تردد بشأن إلقاء القبض على «بلوغر» عراقية لضلوعها في مقتل صانعة المحتوى الليبية خنساء مجاهد في طرابلس في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وكانت السلطات في طرابلس قد أعلنت عن مقتل «المدوّنة» خنساء مجاهد، زوجة معاذ المنفوخ، العضو السابق في «ملتقى الحوار السياسي»، إثر إطلاق النار عليها في منطقة السراج، دون توجيه اتهامات لأحد بالتورط في قتلها.

صورة متداولة لجثمان المدونة الليبية خنساء مجاهد بعد اغتيالها بطرابلس في 21 نوفمبر الماضي (وسائل إعلام محلية)

ووجّه عماد الطرابلسي، وزير الداخلية المكلف بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في حينه، بتشكيل فريق تحقيق «عالي المستوى»، وألزمه برفع تقارير يومية مباشرة له، ورفع درجة الاستعداد الأمني في العاصمة والمناطق المجاورة، مع تعزيز الحواجز والدوريات.

وكانت صفحات على وسائل التواصل الليبية قد ذكرت، الأحد، أن «جهاز دعم المديريات بالمناطق» في غرب البلاد، ألقى القبض على «البلوغر» العراقية (د.ف) على خلفية الاشتباه بوجود صلة لها بقضية مقتل خنساء مجاهد، لكن الجهاز سارع ونفى هذا الأمر جملة وتفصيلاً.

وقال «جهاز دعم المديريات بالمناطق» - من دون الإشارة إلى اسم «البلوغر» العراقية - إن «ما يتم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشأن ضبط بعض المتهمات اليوم، وأنهنّ متورطات في جريمة قتل وقعت خلال الفترة الماضية، هو خبر عارٍ من الصحة تماماً».

وأضاف الجهاز: «أي تفاصيل حول حالات الضبط سيتم نشرها لاحقاً إذا لزم الأمر، فور استكمال الإجراءات القانونية اللازمة».

واستغرب مصدرٌ أمني بطرابلس تحدث لـ«الشرق الأوسط» الربط بين مقتل «المدونة» الليبية وبين «البلوغر» العراقية، وقال إن «التحقيقات لا تزال جارية في القضية لكشف الملابسات، والتأكد من صحة المعلومات المتداولة».

وعبّر نشطاء حقوقيون عن غضبهم مما سموه «صمت بعض الجهات المعنية بحقوق المرأة حيال الجريمة»، مطالبين بموقف واضح تجاه القضية.

وسبق أن أدان «منبر المرأة الليبية من أجل السلام» جريمة اغتيال خنساء. وقال إن مثل هذه الجرائم «تعكس ازدياد العنف ضد المرأة في أثناء النزاع وبعده، وتدهور الوضع العام، وانعدام توفر آليات الوقاية والإنذار المبكر وإجراءات الحماية. وهذا يعد إنذاراً شديداً لتدهور حالة العنف ضد النساء في بلادنا».

وكانت قبيلة «القمامدة» - التي تنتمي إليها خنساء مجاهد - قد أعربت عن غضبها إزاء مقتلها، وحمّلت النائب العام ووزير داخلية «الوحدة» مسؤولية الواقعة، وطالبت بتحقيق عاجل وشفاف، وكشف الفاعلين والمتورطين وإعلان النتائج للرأي العام.


حرب المسيّرات بالسودان تتكثف في سماء كردفان

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
TT

حرب المسيّرات بالسودان تتكثف في سماء كردفان

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)

هاجمت طائرات مسيّرة قتالية مدينة الأُبيّض، أكبر مدن إقليم كردفان، وكذلك مدينة الرهد أبو دكنة، الثالثة حجماً في ولاية شمال الإقليم، وذلك في أحدث الهجمات التي ظلت تتعرض لها المنطقة منذ شهور، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وتدمير محطات وشاحنات وقود مما فاقم أزمة الوقود، وارتفاع أسعار النقل.

ورجحت مصادر محلية أن تكون المسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع» التي تقاتل الجيش منذ أكثر من ثلاث سنوات. وقال ثلاثة شهود لـ«الشرق الأوسط» إن الهجمات الأخيرة استهدفت منشآت وقوافل داخل مدينة الأُبيّض وفي الطريق الوحيد المؤدي إليها. وذكر سائق شاحنة أن المسيّرات تحلق بكثافة فوق الطريق، وأنه شاهد استهداف ثلاثة خزانات وقود متحركة قرب بلدة أم روابة، ما أدى إلى تدميرها، واندلاع حرائق كبيرة شوهدت من مسافات بعيدة.

وفي مدينة الأُبيّض ، الأكبر في إقليم كردفان وإحدى أهم المدن الاستراتيجية في البلاد، قال شاهد آخر لـ«الشرق الأوسط»، إن المسيّرات استهدفت، صباح يوم الأحد، أربع محطات وقود داخل المدينة، أثناء تفريغ شحنة وقود، ما أدى لمقتل عدد من المواطنين وإصابة آخرين، فيما ظلت أعمدة الدخان تتصاعد لساعات طويلة فوق أجزاء واسعة من المدينة.

وأفاد شاهد ثالث بأن مدينة الرهد في ولاية شمال كردفان، تعرضت أيضاً لقصف بالمسيّرات، وأن قذيفة سقطت على منزل أحد المواطنين، وتسببت في أضرار مادية وحالة من الذعر وسط السكان.

المسيّرات مشهد يومي

أصبحت المسيّرات القتالية جزءاً من المشهد اليومي في الأُبيّض، حيث تواصل التحليق في سماء المدينة، وأجزاء واسعة من كردفان لساعات طويلة، فيما تتكرر الهجمات بصورة شبه منتظمة منذ أكثر من شهر. ويقول السكان إن الشعور السائد لم يعد الخوف وحده، بل الغضب أيضاً، مع ازدياد أعداد الضحايا المدنيين، واستمرار استهداف المرافق الخدمية التي يعتمد عليها مئات الآلاف من المواطنين.

ولم يصدر أي تعليق رسمي من الجيش أو «قوات الدعم السريع» بشأن الهجمات الأخيرة، وهما عادة ما يلتزمان الصمت حيال كثير من العمليات العسكرية أو يقدمان روايات متباينة حولها.

ورغم الصمت الرسمي، فقد ضجت منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع مصورة وصور وتعليقات حول القصف، بينما واصل أنصار كل طرف وصف الهجمات التي شنها بالإنجاز العسكري في تجاهل لمعاناة المدنيين الذين يتحملون تكلفة الحرب.

ولقي الأسبوع الماضي، أكثر من عشرة أشخاص مصرعهم، وأصيب آخرون جراء هجوم بطائرة مسيّرة يرجح أنها تابعة لـ«قوات الدعم السريع».

وفاقمت الهجمات الأخيرة أزمة الوقود التي تعاني منها مدينة الأُبيّض، بعد استهداف محطات الوقود والخزانات. وقال أحد السكان لـ«الشرق الأوسط» إن الحصول على الوقود أصبح أكثر صعوبة خلال الأيام الأخيرة، مما أدى إلى قلة عدد المركبات العامة، وتراجعت حركة النقل بصورة كبيرة، فضلاً عن ارتفاع تكلفته.

التحولات الديمغرافية

صورة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «قوات الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان (صورة متداولة - أرشيفية)

وتزداد خطورة هذه الأزمة بسبب التحولات الديمغرافية التي شهدتها مدينة الأُبيّض منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، إذ تحولت إلى ملاذ رئيسي لعشرات الآلاف من الأسر الفارة من المعارك في القرى والمدن المحيطة.

ويقدر سكان محليون أن عدد سكان المدينة تضاعف أكثر من ثلاثة مرات مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، ما أدى إلى ضغوط هائلة على الخدمات الأساسية والبنية التحتية، بما في ذلك الأساسية مثل المياه والكهرباء والصحة والنقل.

وتعد الأُبيّض واحدة من أكثر المدن أهمية في السودان من الناحيتين العسكرية والاقتصادية، فهي تمثل مركزاً رئيسياً للزراعة والتجارة والنقل، وتُشكل بوابة تربط وسط السودان بغربه، خصوصاً إقليم دارفور.

ومنذ عدة أشهر، تحاصر «قوات الدعم السريع» المدينة من ثلاث جهات، بينما يسيطر الجيش على المدينة والطريق البري الرابط بينها وبين مدينة كوستي في ولاية النيل الأُبيّض، ما جعلها إحدى أهم نقاط التماس في الحرب المستمرة بين الطرفين.

ويرى مراقبون أن السيطرة على الأُبيّض أو إضعاف قدراتها اللوجستية يمثل هدفاً استراتيجياً لـ«قوات الدعم السريع»؛ نظراً لدورها بوصفها مركزاً للإمدادات والتجارة، وارتباطها بشبكة الطرق التي تربط إقليمي كردفان ودارفور ببقية أنحاء البلاد، إضافة إلى تمركز أعداد كبيرة من الجيش في تلك المنطقة.

منظومة دفاع جوي

صورة متداولة تبين الدمار الذي حل بمبنى التلفزيون في مدينة الأُبيّض

يُذكر أن «قوات الدعم السريع» أعلنت في وقت سابق، أنها دمرت منظومة دفاع جوي تركية الصنع مضادة للطائرات المسيّرة كانت تؤمن المدينة، دون تعليق من الجيش، وهو ما عدّه كثير من المراقبين تطوراً خطيراً في معركة السيطرة على الأجواء فوق كردفان.

وتعكس الهجمات المستمرة على الأُبيّض تحولات أوسع سادت الحرب السودانية خلال العامين الأخيرين، إذ بعد أشهر طويلة من المعارك البرية الواسعة التي اتسمت بالسيطرة على المدن والأحياء والتقدم الميداني المباشر، أخذت الحرب تتجه بصورة كبيرة نحو الاعتماد على الضربات بعيدة المدى، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة.

ويقول خبراء عسكريون إن طرفي الحرب يسعيان إلى استنزاف بعضهما بعضاً، عبر استهداف مراكز القيادة والإمداد والبنية التحتية الحيوية، بدلاً من الاعتماد فقط على العمليات البرية المكلفة بشرياً ولوجستياً.

وخلال السنتين الماضيتين من الحرب، برزت المسيّرات بوصفها سلاحاً رئيسياً في النزاع، سواء لأغراض الاستطلاع وجمع المعلومات، أو لتنفيذ هجمات دقيقة على أهداف ثابتة ومتحركة.

ويمتلك طرفا الحرب أنواعاً مختلفة من المسيّرات، بدءاً من المسيرات الاستطلاعية الصغيرة التي تقوم بتحديد الأهداف، إلى المسيّرات الهجومية القادرة على حمل ذخائر موجهة، وصواريخ أرض جو، وأيضاً المسيّرات الانتحارية التي تهاجم الهدف مباشرة وتنفجر عند الاصطدام به.

تغيير طبيعة الحرب

خيام وفّرتها السعودية في مخيم للنازحين بمدينة الأُبيّض 12 يناير 2026 (رويترز)

وأدى استخدام هذه التقنيات إلى تغيير طبيعة الحرب بصورة جوهرية، إذ لم تعد المدن البعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة بمنأى عن العمليات العسكرية، كما أصبحت المنشآت المدنية والبنية التحتية عُرضة للاستهداف بصورة أكبر من أي وقت مضى.

وبينما يتنافس الطرفان على تحقيق مكاسب عسكرية وإعلامية، يجد المدنيون أنفسهم في قلب المواجهة. ويتحدث السكان عن الطائرات التي تحلق فوق رؤوسهم، وأعمدة الدخان التي ترتفع في السماء جراء القصف المتواصل، فضلاً عن أزمات الوقود والمواصلات والخدمات التي تتراجع، والخوف الذي أصبح جزءاً من الحياة اليومية.

ودعا ناشطون في منصات التواصل الاجتماعي الجيش لتعزيز دفاعات المدينة وعدم تركها مستباحة لهجمات المسيرات المتكررة، وطالبوا بإجراءات عاجلة لحماية المدنيين والمنشآت الحيوية وتأمين خطوط الإمداد.

وأبدوا خشيتهم من أن يؤدي استمرار القصف واستهداف الوقود والخدمات الأساسية إلى إضعاف قدرة مدينة الأُبيّض على الصمود، خصوصاً في ظل استضافتها أعداداً كبيرة من النازحين واعتماد مناطق واسعة من كردفان عليها بوصفها مركزاً رئيسياً للتجارة والخدمات.

وحذّر الناشطون من أن تلقى المدينة مصيراً مشابهاً لمصير مدينة الفاشر، كبرى مدن إقليم دارفور، التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع» بعد حصار استمر نحو 18 شهراً.

ومع استمرار الهجمات وتراجع المؤشرات على قرب انتهاء الحرب، تزداد المخاوف من أن تتحول مدينة الأُبيّض إلى واحدة من أكثر المناطق تأثراً بتداعيات الصراع المستمر في السودان.


كيف غيَّر «هجوم محمد صلاح» خطط تأمين الحدود المصرية - الإسرائيلية؟

رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقد إحدى نقاط تأمين خط الحدود الدولية على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي (أرشيفية - المتحدث العسكري)
رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقد إحدى نقاط تأمين خط الحدود الدولية على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي (أرشيفية - المتحدث العسكري)
TT

كيف غيَّر «هجوم محمد صلاح» خطط تأمين الحدود المصرية - الإسرائيلية؟

رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقد إحدى نقاط تأمين خط الحدود الدولية على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي (أرشيفية - المتحدث العسكري)
رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقد إحدى نقاط تأمين خط الحدود الدولية على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي (أرشيفية - المتحدث العسكري)

بعد مرور ثلاث سنوات على هجوم الجندي المصري محمد صلاح، الذي قتل فيه ثلاثة جنود إسرائيليين عقب عبوره الحدود، تتحدث تقارير عبرية عن تحولات جذرية في أسلوب تعامل الجيش الإسرائيلي مع الملف الحدودي وسط مخاوف من تكرار مثل هذا الحادث، فيما ذكر عسكريون مصريون سابقون أن الواقعة ربما غيّرت بعض الترتيبات الأمنية اليومية، لكنها لم تغير القواعد العامة في العلاقات الأمنية، التي تحكمها اتفاقية السلام والبروتوكول المنبثق عنها.

ووفق منصة «مكور ريشون» الإخبارية الإسرائيلية، الأحد، فإن الجيش الإسرائيلي أحيا في الأسبوع الماضي الذكرى الثالثة للهجوم الحدودي الذي وقع في الثالث من يونيو (حزيران) 2023.

حينها كان الجندي صلاح يقضي خدمته العسكرية بالقرب من معبر العوجة حين عبر الحدود وتبادل إطلاق النار مع الجنود الإسرائيليين فقتل ثلاثة منهم قبل أن يُقتل هو الآخر خلال اشتباكٍ مسلّحٍ مع جنود آخرين.

«الهاجس الأمني»

قال نائب مدير المخابرات الحربية ورئيس جهاز الاستطلاع السابق بمصر، اللواء أركان حرب أحمد كامل، لـ«الشرق الأوسط»: «الإعلام العبري يتحدث يومياً عن إجراءات إسرائيلية متطورة لتأمين خط الحدود مع مصر من معبر كرم أبو سالم شمالاً حتى العلامة الدولية 91 جنوباً، والمعروفة بمنطقة طابا، حيث توجد القوات الإسرائيلية المسؤولة عن التأمين في المنطقة (د)، وتقابلها قوات الشرطة المدنية المصرية في المنطقة (ج)، عدا الجزء المقابل للحدود مع غزة فتوجد به قوات حرس حدود مصرية طبقاً للاتفاق المبرم عام 2005».

نقطة تأمين بالحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

وأضاف: «مع زيادة الهاجس الأمني الإسرائيلي عقب هجمات (حماس) في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، شددت إسرائيل إجراءاتها لتأمين الحدود مع مصر بوضع دوريات ومراقبة إلكترونية وموانع مركبة ومدقات ودوريات سيارة مزودة بقصاصي الأثر، بالإضافة لرادارات أرضية وطائرات مسيرة؛ وفي المقابل توجد قوات شرطة مدنية مصرية ووسائل مراقبة وتأمين».

تطالب مصر، من جانبها، بزيادة الإجراءات الخاصة بالتأمين من أجهزة وردارات متقدمة لضمان عدم تكرار حادثة محمد صلاح، لكن «إسرائيل تتهرب وتماطل في الموافقة على الطلب المصري لرفع كفاءة وقدرات قوات الشرطة المصرية لتأمين الحدود»، وفقاً لكامل.

«نقطة فاصلة»

وحسب منصة «مكور ريشون»، فإن القيادة الجنوبية بالجيش الإسرائيلي استخلصت دروساً من الواقعة، «ما أدى إلى تحسينات كبيرة في الجاهزية وتغييرات عميقة في المفهوم العملياتي».

وقالت المنصة إن الحادثة أصبحت «نقطة فاصلة»، ونقلت عن مسؤول كبير في القيادة الجنوبية قوله إن الجانب الإسرائيلي «يفعل كل شيء للحفاظ على الحدود هادئة وبناء علاقات جيدة مع الدول المجاورة، لكنه لا ينخدع ويدرك أن الهجمات يمكن أن تأتي من كل الاتجاهات».

رئيس أركان الجيش المصري يتفقد عدداً من الارتكازات الأمنية بمدينة رفح (المتحدث العسكري)

خبير الأمن القومي المصري اللواء محمد عبد الواحد قال: «على الرغم من عدم صدور تصريحات رسمية مصرية في هذا الشأن، فإن هذا الحادث أدى قطعاً لتغيير في الترتيبات الأمنية، من حيث المراقبة ودوريات المرور والتفقد الأمني على الحدود، وتغييرات أيضاً في ترتيبات اختيار الجنود نفسياً مع الحرص على ألا تكون لهم توجهات سياسية».

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «رغم ذلك، لم يغير الحادث من القواعد العامة في العلاقات الأمنية بين البلدين، التي تظل تحكمها بنود اتفاقية السلام والبروتوكول المنبثق عنها».

واستطرد: «هناك وفد أمني زار مصر عقب الحادث، وتم التأكيد على أنه فردي لا يعبر عن سياسات القوات على الحدود. ثم جاءت حرب غزة وارتفع التنسيق الأمني بين البلدين، وكان مُنصبّاً على ضبط الحدود المشتركة وخصوصاً الحدود المصرية - الفلسطينية ومحور فيلادلفيا».

ونوه إلى أن الحادث زاد أيضاً «من حالة الاستنفار الأمني من الجانبين، وجعل هناك التزاماً بمسافات معينة بحيث لا يقترب الجنود من بعضهم البعض؛ فهي ترتيبات تتعلق بالوضع الأمني اليومي وليس تغييراً جوهرياً في البنود الأمنية المتفق عليها بين البلدين بشكل عام».

«اختلاق مشكلات»

وخلال العامين الماضيين، دأبت أصوات إسرائيلية على التحذير مما تَعُدُّه بناء مصر قوة عسكرية كبيرة بالقرب من الحدود مما قد يمثل «تهديدات حقيقية»، ويخالف اتفاقية السلام الموقعة بين البلدين في 1979، حسب وصفها.

لكن في رأي كامل، «دأب الجانب الإسرائيلي على اختلاق بعض المشكلات الحدودية مع مصر من وقت لآخر للضغط عليها للقيام بالمزيد من الإجراءات لتأمين خط الحدود الدولية».

وهو نفس ما ذهب إليه عبد الواحد الذي قال: «إسرائيل كعادتها تحاول استغلال الحادث كما تفعل عادة لتصوير نفسها مهددة، وتمارس عمليات ابتزاز عاطفي لتصور للمجتمع الدولي أن كل خروقاتها على الحدود بدافع حماية نفسها؛ لكن مصر تنتبه لذلك جيداً».