الهوة الواسعة بين التأصيل النظري للشرعة الحقوقية وتطبيقها العملي

«العرب وثقافة حقوق الإنسان في عالم متغيّر» لعبد الله تركماني

الهوة الواسعة بين التأصيل النظري للشرعة الحقوقية وتطبيقها العملي
TT

الهوة الواسعة بين التأصيل النظري للشرعة الحقوقية وتطبيقها العملي

الهوة الواسعة بين التأصيل النظري للشرعة الحقوقية وتطبيقها العملي

صدر عن الشركة البريطانية للنشر (Ltd Kutub-e)، كتاب بعنوان «العرب وثقافة حقوق الإنسان في عالم متغيّر (الواقع والطموحات في سوريا)»، أهداه المؤلف، الدكتور عبد الله تركماني، للناشطة السورية المجهولة المصير رزان زيتونة، مع إشارته لاختطافها وزملائها الثلاثة سميرة الخليل وناظم الحمادي ووائل حمادة، وتغييبهم قسرياً منذ ديسمبر (كانون الأول) 2013.

يزيد الكتاب على 200 صفحة من الحجم المتوسط، ويتضمّن مقدمة وأربعة فصول. ويُشير المؤلف في مقدمته إلى كونية حقوق الإنسان، المولودة من تلاقح الثقافات الكبرى والكفاح التاريخي للبشرية ضد أشكال الظلم، تتيح تمتّع أي إنسان بهذه الحقوق بغض النظر عن دينه، أو عرقه، أو لونه، أو جنسه وجنسيته، أو أي اعتبار آخر.

وفي مطلع الفصل الأول «حقوق الإنسان في عالم متغير»، أعاد المؤلف التأكيد على كونية الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، بعد دراسته الوثائق والمواثيق الدولية والإقليمية الخاصة بحقوق الإنسان. وناقش خلال هذا الفصل، معيارية حقوق الإنسان في قياس تقدُّم الدول، مع أهم التحديات التي تواجه تفعيل مواثيق حقوق الإنسان، ومنها أسبقية الأمن والنظام على ما سواهما من الحاجات الإنسانية، مع رهن قضايا حقوق الإنسان لأولويات السياسة الدولية، مستشهداً على ذلك بجريمة الصمت الدولي على استخدام نظام الأسد في سوريا السلاح الكيماوي ضد الأبرياء والمدنيين في الغوطة الشرقية بريف دمشق صيف عام 2013، مشيراً إلى الهوة الواسعة بين التأصيل النظري الملموس للشرعة الحقوقية وبين التطبيق العملي لها. كما ناقش خلاله، دور المجتمع المدني العالمي في تعزيز ثقافة حقوق الإنسان، الذي أضحى عاملاً مهماً ومؤثراً في المجتمع الدولي، لا سيما أنه يعمل وفق شبكة تضامنية وطنية وإقليمية وعالمية.

وفي الفصل الثاني، المعنون «العرب وثقافة حقوق الإنسان»، أشار المؤلف إلى كتابات رواد النهضة العربية الحديثة في هذا المجال، التي كانت متفاعلة مع ما يشهده العالم الغربي في هذا المجال، مع فاعليتها فيه ضمن حدود البنية الثقافية العامة وتفاعلاتها مع البنيتين السياسية والاقتصادية؛ إذ إنّ الشرعة الحقوقية لم تكن حكراً على الغرب، بل وجدت في الحضارات الأخرى، ومنها العربية - الإسلامية، ولعل تفوّق الغرب الحالي فيها، كما يرى، وتجذيره لها في المؤسسات والمجتمعات الغربية، مرده لفارق الانطلاقة التاريخية لكل من مشروع الحداثة الأوروبي ومشروع النهضة العربية، مشيراً خلال هذا الفصل إلى ضعف شرعية أغلب الحكومات العربية، وإلى فقدان النخب الحاكمة لمعنى المسؤولية وتفرّدها بتقنين معايير القيادة ومهامها.

ويتحدث المؤلف في هذا الفصل عن المعوقات النابعة من الهيكل القانوني والتشريعي في الأقطار العربية، وضعف البنية الثقافية - الاجتماعية، بوصف ذلك من أهم المعوّقات لتطور حقوق الإنسان في العالم العربي. فالارتباط بين الهيكل القانوني الوطني والشرعة الحقوقية الدولية ضعيف وظاهر في الدول العربية، مع تخمة منظومة القوانين الوطنية بالقوانين الاستثنائية، التي تتناقض مع ضمانات الشرعة الحقوقية الدولية، بالإضافة لتمدد سلطات أجهزة الدولة، ما أثّر سلباً على المهام الرقابية لمؤسسات الدولة، لا سيما القضائية والبرلمانية والإعلامية، خاتماً حديثه، في هذا الفصل، عن مقدمات الربيع العربي، وأن انتهاك حقوق الإنسان، بما تتضمنه من اعتقال أصحاب الرأي والتعذيب والقتل خارج القانون، بالإضافة للفساد والمحسوبية والهيمنة على القضاء والتفاوت الطبقي واختطاف الثروات الوطنية وتراجع التعليم والتنمية وتعثر الإصلاح وانسداد الأفق السياسي، أسباب كافية لاندلاع الثورات العربية، إلا أن نتائج انتقالها إلى البر الديمقراطي غير مضمون، إذا قصرت وظيفتها على إسقاط النظام فقط، دون الذهاب إلى تغيير بنية الثقافة السياسية، مع إحداث تغيير جذري في النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

وفي الفصل الثالث، واقع «حقوق الإنسان في سوريا»، يُشير المؤلف إلى عدم تقادم حقوق الإنسان، ما يعني إمكانية محاسبة مرتكبي الجرائم مستقبلاً، بعد الخذلان الحالي لهم من قبل المجتمع الدولي. وبعد إيراده أهم التقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا المعاصرة، والمنظمات الحقوقية السورية، ينوه المؤلف بأنّ الدستور السوري بإشارته إلى المنظومة العالمية لشرعة حقوق الإنسان، يغيّبها على أرض الواقع، من خلال اختزال مؤسسات الدولة بشخص وقرارات ورغبات رأس النظام، القائم على أحادية السلطة. وعليه، فإنّ أزمة حقوق الإنسان في سوريا، باتت، إلى جانب كونها مشكلة ثقافية واجتماعية، مشكلة تشريعية وقانونية، وتقابلها مسألة الضمانات اللازمة لتفعيل النصوص الدستورية أو القانونية في حال إقرارها، في ظل كم التحديات التي واجهت وتواجه مسيرة تطورها، بدءاً من قانون الطوارئ إلى غياب الفصل بين السلطات الثلاث، التشريعية والقضائية والتنفيذية، وتغوّل الأخيرة على السلطتين الأوليين، وإخضاعهما لمعايير سياسية وأمنية في مجال التعيين أو الترشّح إلى إحداهما، مع وجود قائمة طويلة من القوانين الوطنية المتعارضة مع مبادئ الشرعة الحقوقية، إلى جانب انعدام حق التعبير وتأسيس الأحزاب والجمعيات، بالإضافة لكم هائل من انتهاكات يندى لها الجبين مورست بحق السوريين قبل عام 2011، أما بعد عام 2011، فقد ذكر أهم الانتهاكات التي مارسها النظام وبعض فصائل المعارضة.

وفي الفصل الرابع والأخير «حقوق الإنسان في سوريا بعد التغيير» يورد المؤلف السيناريوهات المحتملة في سوريا ووضعية حقوق الإنسان فيها، لينتقل بعدها للحديث عن المعوقات المعترضة لحقوق الإنسان في سوريا الجديدة، التي تتمحور حول آثار ديمومة الاستبداد لأكثر من خمسين عاماً، وغياب الثقافة الديمقراطية والحقوقية لأغلب أحزاب المعارضة، والبنى التقليدية للمجتمع السوري، وما ترسّخ فيه من موروثات تقليدية معيقة، مع اهتزاز ثقة السوريين بالشرعة الحقوقية والمجتمع الدولي، والآثار التي خلّفتها سنوات الثورة، بالإضافة للمعوقات الذاتية والموضوعية لمنظمات حقوق الإنسان السورية.

وكان د. تركماني قد نشر كتباً عدة في هذا المجال، منها: «جدل التنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي (1995)»، و«أضواء كاشفة على الثورة السورية المغدورة (2023)»، و«العرب وحقوق الإنسان في عالم متغيّر/الواقع والطموحات في سوريا (2023)». كما أسهم في نشر 28 كتاباً جماعياً

* كاتب سوري



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً