سارت روسيا خطوة جديدة لتعزيز نفوذها في منطقة البحر الأسود ومواجهة تزايد النشاط العسكري الغربي في المنطقة، ومع الإعلان عن بدء تسيير دوريات دائمة تحمل صواريخ استراتيجية في المجال الجوي للبحر، أعلنت وزارة الدفاع الروسية اتخاذ خطوات لزيادة القدرات العسكرية في القطاع الغربي على طول خطوط التماس مع أوروبا، لمواجهة تسريع عمليات تزويد أوكرانيا بأسلحة وأنظمة عسكرية متطورة. تزامن التطور مع إقرار مجلس الدوما (النواب) الروسي (الأربعاء) قانون انسحاب روسيا من معاهدة حظر التجارب النووية، في خطوة تفاقم التوتر مع الولايات المتحدة التي اتهمتها موسكو أخيراً بتنشيط تجاربها النووية.

وأعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (الأربعاء)، في ختام زيارته الصين أن القوات العسكرية الروسية بدأت برنامجاً لتسيير دوريات لمقاتلات حربية بصفة دائمة فوق البحر الأسود. وأوضح أنه «بناءً على تعليماتي، تبدأ قوات الفضاء العسكرية الروسية القيام بدوريات بشكل دائم في المنطقة المحايدة من المجال الجوي فوق البحر الأسود. وستقوم بهذه الدوريات طائراتنا من طراز «ميغ 31» المسلحة بأنظمة صاروخية من طراز «كينغال».

وفي إشارة إلى جدية التطور قال بوتين إن «مجمعات صواريخ (كينغال) يبلغ مداها أكثر من ألف كيلومتر بسرعة 9 ماخ» مشيراً إلى أن موسكو ستكون قادرة على مراقبة أي تحركات على مدى واسع للغاية خلال هذه الطلعات الدورية. وشدد الرئيس الروسي على أن «هذا لا يشكل تهديداً، لكنّ روسيا ستراقب الوضع بشكل دقيق».
وتقول الدوائر العسكرية الروسية إن صاروخ «كينغال» الذي يُعدّ من الجيل الأحدث في روسيا قادر على اختراق جميع أنظمة الدفاع الجوي والدفاع الصاروخي الموجودة حالياً لدى الغرب، كما أنه مصمَّم لإيصال الرؤوس الحربية النووية أو التقليدية إلى مسافة تصل إلى ألفي كيلومتر.
وفي ربط مباشر لهذا التطور باستمرار إمدادات السلاح إلى أوكرانيا من واشنطن، انتقد بوتين خلال مؤتمر صحافي في بكين بدء الولايات المتحدة تسليم كييف أنظمة صواريخ «أتاكامس». وقال إن هذه الصواريخ القادرة على الوصول إلى العمق الروسي «تمثل تهديداً جديداً، إلا أنها لن تغيِّر الأوضاع بشكل جذري على خطوط التماس. إضافةً إلى ذلك، فإن ذلك خطأ جديد ترتكبه الولايات المتحدة». وسخر بوتين من تصريحات للرئيس الأميركي جو بايدن حول أن روسيا «هُزمت في هذه الحرب»، وقال: «إذا كان الرئيس الأميركي يرى أننا هُزمنا، فلماذا يواصل إرسال الصواريخ إلى أوكرانيا؟ إنه أمر مضحك».

وكرر الرئيس الروسي استعداد بلاده للمشاركة في مفاوضات لتسوية الوضع حول أوكرانيا، لكنه اشترط لذلك أن يقْدم الجانب الأوكراني على عدد من الخطوات، على رأسها «إلغاء قانون حظر المفاوضات مع روسيا». كانت كييف قد سنَّت قانوناً يحظر إجراء مفاوضات مع القيادة الروسية الحالية، وترى موسكو أن القانون يعرقل أي محاولات لفتح قنوات حوار لتسوية الوضع.
وفي إشارة إلى الموقف الغربي، أشار بوتين إلى أنه لمس تغييراً في لهجة بعض الأطراف الغربية. وزاد: «أظن أن هناك حديثاً عن ذلك. لقد غيَّر مَن يرغبون في هزيمة روسيا استراتيجياً من نبرتهم، وأرى أن ذلك تغيُّر في المواقف، إلا أن ذلك ليس كافياً. لا بد من اتخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه».
في غضون ذلك، أعلن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، خلال اجتماع المجلس العسكري المشترك لروسيا وبيلاروسيا، أن بلاده «بدأت عمليات لتعزيز قدراتها العسكرية على طول حدودها الغربية رداً على إمدادات الأسلحة إلى أوكرانيا من الولايات المتحدة والدول المتحالفة مع واشنطن». وقال شويغو إن الخطوة تشكل استجابة للتحدي الذي يضعه استمرار تزويد أوكرانيا بالصواريخ عالية الدقة والنقل المرتقب لطائرات مقاتلة من طراز «إف - 16» إلى كييف.

وقال شويغو خلال الاجتماع: «الولايات المتحدة وحلفاؤها يسرعون عمليات نقل مركبات مدرعة وأنظمة دفاع جوي وصواريخ عالية الدقة إلى أوكرانيا. وفي انتهاك للاتفاقيات الدولية، أدرجت واشنطن الذخائر العنقودية في حزم المساعدات العسكرية. ولدينا أيضاً مسألة نقل المقاتلات التكتيكية من طراز (إف – 16)». وزاد: «رداً على هذه التهديدات، نتخذ الإجراءات المناسبة ونعزز حدودنا الغربية».
وأشار إلى أن «دول الناتو تزوّد القوات المسلحة الأوكرانية بالأسلحة، وتنقل المعلومات الاستخباراتية، وتدرِّب العسكريين الأوكرانيين، وترسل المرتزقة والمستشارين».
على صعيد موازٍ، أقرّ مجلس الدوما (النواب) في القراءة الثالثة والأخيرة، قانون إلغاء التصديق على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية. وتم تقديم المبادرة إلى البرلمان الأسبوع الماضي على خلفية الإعلان الروسي عن تنشيط واشنطن تجاربها النووية.
وتضم معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية 187 دولة، وصدَّقت عليها 178 دولة مشاركة. ومع ذلك، فإن الكثير من الدول، بما في ذلك قوى نووية بينها الولايات المتحدة والصين وإسرائيل، لم تصدق على المعاهدة، خلاف روسيا التي صدّقت عليها في عام 2000، وأوضح ممثل روسيا لدى المنظمات الدولية في فيينا، ميخائيل أوليانوف، أن موسكو لا تنوي على خلفية هذه الخطوة استئناف التجارب النووية. موضحاً أن «الهدف الرئيسي هو أن نكون على قدم المساواة مع واشنطن».
كان نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف، قد قال في وقت سابق، إن «الوضع حول معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية يُسبب قلقاً متزايداً بسبب تصرفات الولايات المتحدة».
على صعيد آخر، حذَّر السفير الروسي لدى الولايات المتحدة أناتولي أنطونوف، من مخاطر تزويد أوكرانيا بصواريخ تكتيكية من طراز «أتاكامس»، ورأى أن «الإمداد السري لأوكرانيا بهذه الصواريخ خطأ فادح ستكون له عواقب وخيمة».

وقال الدبلوماسي الروسي: «قرار البيت الأبيض إرسال صواريخ بعيدة المدى إلى الأوكرانيين هو خطأ فادح. إن عواقب هذه الخطوة، التي أُخفيت عمداً عن الجمهور، ستكون خطيرة للغاية. وتنتهج واشنطن باستمرار خطى نحو التقليص الكامل للعلاقات الثنائية».
كانت تقارير إعلامية قد تحدثت عن وصول أولى الشحنات من هذه الصواريخ سراً إلى الأراضي الأوكرانية، وأشارت مصادر إلى أن القوات الأوكرانية بدأت خلال اليومين الماضيين باستخدام هذه الصواريخ التي يصل مداها إلى نحو 300 كيلومتر ويمكن أن تصل إلى العمق الروسي.
وقال السفير إن موسكو «حذرت الإدارة الأميركية مراراً وتكراراً من اتخاذ خطوات متهورة». وزاد: «لقد أوضحت موسكو دائماً أن تزويد نظام كييف بهذه الأسلحة يقوِّض بشكل خطير الأمن الاستراتيجي والإقليمي. لكن يبدو أن الولايات المتحدة تواصل الضغط من أجل استفزاز صدام مباشر بين الناتو وروسيا».
وأشار أنطونوف إلى أن أي «هدايا» أميركية من هذا النوع لن تؤثر على توازن القوى في المنطقة العسكرية الشمالية. وأضاف أن «جميع مهام العملية العسكرية الخاصة سوف تتحقق».








