إسرائيل تفرض الحبس المنزلي على الفنانة دلال أبو آمنة

قائد الشرطة: سنضرب بيد من حديد من يحرّض ضد الدولة

إحراق إطارات خلال احتجاجات في الخليل بالضفة الغربية اليوم الأربعاء (أ.ف.ب)
إحراق إطارات خلال احتجاجات في الخليل بالضفة الغربية اليوم الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تفرض الحبس المنزلي على الفنانة دلال أبو آمنة

إحراق إطارات خلال احتجاجات في الخليل بالضفة الغربية اليوم الأربعاء (أ.ف.ب)
إحراق إطارات خلال احتجاجات في الخليل بالضفة الغربية اليوم الأربعاء (أ.ف.ب)

في إطار ملاحقتها على كتابتها «لا غالب إلا الله»، قررت محكمة الصلح في الناصرة، ظهر اليوم الأربعاء، إحالة الفنّانة دلال أبو آمنة، على الحبس المنزلي في بيت والدتها في مدينة الناصرة لمدة أسبوع، ومنعها من نشر أي مدونة تتعلق بالحرب الحالية في غزة والظروف الراهنة لمدة 45 يوماً.

وكانت الشرطة قد اعتقلت الفنانة استناداً إلى أوامر الطوارئ الحربية، التي اعتمدتها الحكومة وهي قوانين الانتداب البريطاني التي أُعدّت قبل مائة سنة. وقد استخدم هذا القانون في الأسبوعين الأخيرين بشكل واسع، بأمر من القائد العام للشرطة، يعقوب شبتاي، وبدعم من وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير. وقال شبتاي إنه أصدر أوامر واضحة بالتصدي لكل تحريض على الدولة والتعامل معه بقبضة حديدية. وبحسب تقديرات أولية، تم اعتقال حوالي 120 مواطناً عربياً في إسرائيل بتهمة التحريض والتماهي خلال الحرب.

الفنانة والباحثة دلال أبو آمنة (حسابها على «إنستغرام»)

وقال المحامي أحمد مصالحة، الخبير في القانون الجنائي، إن «السلطات الإسرائيلية تفرض أجواء ترهيب معتمدة على قانون جائر يتيح محاكمة أي إنسان على أي شيء حتى لو كان رأياً سياسياً أو تضامناً مع أطفال». وأضاف: «هناك قوى في إسرائيل معنية بإشعال النار بين العرب في إسرائيل كي يستغلوا الحرب ويبطشوا بنا. وعندما رأوا أن العرب يتروون ويكتفون بالإعراب عن موقفهم الرافض للعنف الدموي الذي يصيب المدنيين، أكان من اليهود أو العرب، ويساند أهالي غزة ضد العمليات الحربية المدمرة، بكتابات في الشبكات الاجتماعية، قرروا الذهاب إلى قانون التحريض. ومن يقرأ المنشورات في هذه الشبكات يجد أن 70 في المائة وأكثر من المنشورات، ينطوي على تحريض من يهود متطرفين ضد العرب. لكن هؤلاء لا يجدون من يحاسبهم».

يذكر أن محكمة الصلح في الناصرة اعتمدت في محاكمة الفنانة دلال أبو آمنة على القانون الذي سنّه الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) في سنة 2016، بأكثرية الائتلاف الحاكم بقيادة رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، تحت عنوان مكافحة الإرهاب. وهو يحاكم أي مواطن بتهمة فضفاضة هي «التماهي مع منظمة إرهابية». وتقوم الشرطة باستخدام القانون ضد عشرات المواطنين العرب. وقررت محكمة الصلح يوم الثلاثاء اعتقال دلال أبو آمنة، وهي فنانة معروفة في العالم العربي وتحظى بشعبية كبيرة، لمدة يوم واحد، بسبب منشور في شبكة التواصل الاجتماعي على خلفية الحرب على غزة، اقتبست عبارة «لا غالب إلا الله» من القرآن الكريم. وتبيّن أن دلال أبو آمنة كانت قد تعرضت لتهديد بالقتل والاغتصاب والطرد من البلاد من نشطاء في اليمين الإسرائيلي، فمحت المنشور وتوجهت إلى شرطة الناصرة لتقديم شكوى. وإذا بالشرطة تداهم بيتها وتعتقلها بتهمة التحريض على القتل والتماهي مع تنظيم إرهابي وبتهمة عرقلة عمل الشرطة لأنها اعترضت على وضع يديها بالأصفاد.

قصف إسرائيلي اليوم على قطاع غزة (أ.ب)

وفي جلسة المحكمة الأربعاء، شطبت الشرطة معظم التهم واكتفت بتهمة التماهي مع منظمة إرهابية. فقررت المحكمة إطلاق سراحها من السجن وإحالتها على الحبس المنزلي بشروط مقيدة لمدة أسبوع.

وتشير القيادات السياسية في المجتمع العربي في إسرائيل إلى أن الأجواء العدائية للعرب في المجتمع الإسرائيلي تتسع، على الرغم من أن حوالي 40 شخصاً منهم قتلوا بالصواريخ التي أطلقتها حركتا «حماس» و«الجهاد» من غزة و«حزب الله» من لبنان باتجاه إسرائيل، فسقطت في بلداتهم. كما أن المئات من العمال العرب تعرّضوا للفصل من أماكن عملهم، في حين تعرض عشرات من الطلبة الجامعيين للتهديد بالفصل من الجامعات والكليات المختلفة بسبب منشورات منددة بـ«العدوان على غزة».

وأشاد قائد الشرطة، شبتاي، بشعبة التحقيقات والمخابرات وشعبة «السايبر» في الشرطة المعنية بشبكات الاتصال والمعلومات وأنظمة التحكّم عن بُعد، في جهودها للتصدي لظاهرة «التحريض» على شبكة الإنترنت، وقال شبتاي: «ليعلم الجميع ممن يحرّض ضد دولة إسرائيل ورموز حكومتها ومنتخبيها وجنودها وشرطتها، بأن شرطة إسرائيل ستضربه بقوة ولن تتسامح معه مطلقاً. ترى الشرطة الإسرائيلية أهمية قصوى في كبح الدعم لـ(حماس) وتنظيم (داعش)».


مقالات ذات صلة

العنف المدعوم إسرائيلياً ضد العرب يطول البلدات اليهودية

تحليل إخباري مواطنون عرب محتجون على انتشار الجريمة بالبلدات العربية خلال مظاهرة في سخنين شمال إسرائيل يناير الماضي (رويترز)

العنف المدعوم إسرائيلياً ضد العرب يطول البلدات اليهودية

تتوافق محصلة الهجوم مع تحذيرات أطلقها قادة المجتمع العربي في إسرائيل طوال سنوات، من امتداد ظاهرة العنف ضد البلدات العربية إلى نظيرتها اليهودية.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي أيمن عودة يتحدث أمام فعالية «قمة السلام الشعبية» في القدس 9 مايو الماضي (أ.ف.ب)

«نشطاء السلام» في إسرائيل مُصرون على إعلاء صوتهم وسط محاولات للمنع

أعلنت 80 منظمة في إسرائيل منضوية تحت لواء «شراكة السلام» وبعض الأحزاب السياسية العربية عن تنظيم سلسلة نشاطات ترفع فيها من جديد رايات السلام، وسط محاولات للمنع

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطينيون معظمهم من النساء والأطفال في طريقهم للخروج من منازلهم بقرية الطنطورة في مايو 1948 بعد جرائم «تطهير عرقي» ارتكبتها عصابات صهيونية بحق رجال القرية (موقع فلسطين في الذاكرة)

حملة لوقف مخطط إسرائيلي لإقامة مشروع سياحي فوق «مقابر جماعية» للفلسطينيين

أطلق نشطاء فلسطينيون حملة ضد تجاهل إسرائيل أدلة متعلقة بمقابر جماعية في قرية الطنطورة، التي احتلتها عصابات صهيونية عام 1948، وارتكبت جرائم بحقّ سكانها.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية منصور عباس رئيس القائمة العربية الموحدة (يمين) يوقِّع اتفاق ائتلاف حكومي مع يائير لبيد (يسار) ونفتالي بنيت في تل أبيب - يونيو 2021 (أ.ف.ب)

نتنياهو يخطط لشطب حزب عربي بزعم «الإرهاب» ومساعدة غزة

كشفت مصادر سياسية مقربة من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أنه أصدر تعليماته لإعداد مشروع قانون يتيح شطب حزب «الحركة الإسلامية» بقيادة منصور عباس.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يلقي كلمة في الكنيست بالقدس يوم 2 فبراير 2026 (إ.ب.أ) p-circle

مفاوضات لتخفيف الحكم عن نتنياهو... واستطلاعات تُقلل من فرص معارضيه

شهدت الساحة السياسية الإسرائيلية صدمة شديدة في أعقاب الكشف عن اجتماع سري بين النيابة ومحامي نتنياهو، ضمن مفاوضات لإبرام صفقة ادعاء تفضي إلى تخفيف الحكم عنه.

نظير مجلي (تل أبيب)

مساعٍ دبلوماسية لدفع «اتفاق غزة»... وإسرائيل تحتل أراضي جديدة

أنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل بمدينة غزة في صورة التُقطت الاثنين (رويترز)
أنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل بمدينة غزة في صورة التُقطت الاثنين (رويترز)
TT

مساعٍ دبلوماسية لدفع «اتفاق غزة»... وإسرائيل تحتل أراضي جديدة

أنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل بمدينة غزة في صورة التُقطت الاثنين (رويترز)
أنقاض مبانٍ سكنية دمرتها إسرائيل بمدينة غزة في صورة التُقطت الاثنين (رويترز)

تتواصل المساعي والجهود الدبلوماسية في العاصمة المصرية القاهرة لدفع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، في حين وسّع الجيش الإسرائيلي الأراضي التي يحتلها في القطاع، وسيطر على مواقع جديدة وسط عمليات قصف لا تتوقف.

وكانت حركة «حماس» قد أعلنت، الأحد، أنها سلمت رد الفصائل الفلسطينية على خطة «خريطة الطريق» التي تلقتها من ممثل «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف في أبريل (نيسان) الماضي. وأفادت بأنها عقدت مع الفصائل الفلسطينية لقاءات مع الوسطاء (مصر، وقطر، وتركيا) في القاهرة خلال الأسبوع الماضي، وقد «أثمرت الموقف الوطني الموحد الذي تم تقديمه».

وقال مصدر مُقرب من فريق ملادينوف لـ«الشرق الأوسط»، إن ممثلاً لمصر التقى مع ملادينوف، وسلّمه نسخة من رد «حماس» والفصائل، موضحاً أن ملادينوف عبّر عما وُصف بـ«الإحباط» من الرد، خاصةً فيما يتعلق بالبند الثامن المتعلق بـ«حصر وتخزين السلاح».

وتركز انتقاد ملادينوف، وفق ما ذكر المصدر، على «عدم الإشارة بشكل واضح إلى البنية التحتية والسلاح الشخصي ومصيرهما»، مشيراً إلى أن «اجتماعاً سيُعقد مع الوسطاء من مصر وقطر وتركيا بهدف تقريب وجهات النظر».

ووفق مصادر من الفصائل الفلسطينية، فإن الوسطاء سعوا إلى إقناع الفصائل بتقديم تعديل فيما يتعلق بمصطلح «البنية التحتية»، إلا أن «الخلاف حول توصيف ما يندرج تحت (البنية التحتية)، والمقصود منها في ظل تعدد أدواتها (الأنفاق، وورش تصنيع الأسلحة، وغيرهما) أدى إلى تأجيل النقاش حولها».

وتقدر مصادر فصائلية أن موقف ملادينوف وربما إسرائيل يبدوان متمسكين بحسم الخلاف بشأن «البنية التحتية، والسلاح الشخصي» قبل الاتفاق الشامل على باقي القضايا.

فلسطيني نازح داخل خيمته في مدينة غزة يوم الاثنين (رويترز)

وأعلنت فصائل فلسطينية موجودة بالقاهرة شاركت في اللقاءات الأخيرة بقاءها في انعقاد مستمر لمتابعة التطورات الميدانية والسياسية، مشيرةً في بيان، الاثنين، إلى أنها طالبت خلال الرد الوسطاء والضامنين بضرورة «التزام الاحتلال بتنفيذ كامل بنود المرحلة الأولى دون انتقائية أو تسويف، ووقف شامل وكامل لجميع العمليات العسكرية في القطاع، وتطبيق البروتوكول الإنساني فوراً، بما يضمن تدفق المساعدات، وفتح كافة المعابر بشكلٍ دائم ومستدام لإنهاء الحصار، وانسحاب قوات الاحتلال من القطاع، ودخول اللجنة الإدارية وتمكينها من ممارسة مهامها، والبدء الفوري في خطة الإعمار».

توسيع السيطرة

وعلى الجبهة الأخرى، واصلت القوات الإسرائيلية لليوم الثالث على التوالي توسيع سيطرتها الميدانية داخل قطاع غزة، وحرّكت «الخط الأصفر» الافتراضي مجدداً في حي التفاح شرق مدينة غزة، ما تسبب في نزوح عشرات العائلات التي تعيش في منطقة السنافور ومحيطها، ونفذت التحريك ذاته في حي الشجاعية شرق مدينة غزة.

ومنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين «حماس» وإسرائيل حيز النفاذ في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تحتل القوات الإسرائيلية أكثر من 60 في المائة من مساحة القطاع حيث تقع شرق «الخط الأصفر» الافتراضي الفاصل مع مناطق نفوذ «حماس» والفصائل، والواقعة غرب الخط ذاته.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

وقال مصدر ميداني لـ«الشرق الأوسط» إن القوات الإسرائيلية باتت توجد تماماً على «شارع صلاح الدين» الرئيس، في حين تحكم سيطرتها بالنار على المناطق الواقعة غربه، الأمر الذي تسبب في نزوح المزيد من العائلات وتشريدها.

وبذلك تكون سيطرت إسرائيل على نحو 4 كيلومترات من «شارع صلاح الدين» قبالة حيَّي التفاح والشجاعية، وصولاً إلى حدودها ما قبل السابع من أكتوبر 2023.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هدد بتوسيع السيطرة داخل قطاع غزة لتصل إلى ما نسبته 70 في المائة بدلاً من 60 في المائة التي تسيطر قواته عليها.

وبالتزامن، تواصلت الغارات الجوية الإسرائيلية، الاثنين، وقُتلت سيدة وأصيب زوجها بجروح حرجة في غارة استهدفت خيمة للنازحين في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة، كما قُتل شاب نتيجة استهداف خيمة أخرى في مخيم النصيرات وسط القطاع، وكذلك قُتل شخصان (رجل ونجله) عبر غارة من طائرة مسيّرة على سطح منزل بحي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، في حين أصيب ما لا يقل عن 7 فلسطينيين إثر إطلاق نار من آليات ومسيّرات ورافعات تجاه مناطق تبعد ما لا يقل عن 700 متر غرب «الخط الأصفر».

يأتي ذلك في حين قتلت العصابات المسلحة، مساء الأحد، طفلاً فلسطينياً وأصابت والده بجروح خطيرة بعدما اختطفتهما قبالة مناطق شرق دير البلح وسط القطاع، قبل أن تلقيهما على قارعة طريق «صلاح الدين». ونقلهما مواطنون إلى «مستشفى شهداء الأقصى».


سوريا: كابل إنترنت دولي يربط طرطوس والإسكندرية يتعرض للتخريب

جانب من ساحل مدينة طرطوس السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)
جانب من ساحل مدينة طرطوس السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

سوريا: كابل إنترنت دولي يربط طرطوس والإسكندرية يتعرض للتخريب

جانب من ساحل مدينة طرطوس السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)
جانب من ساحل مدينة طرطوس السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

أعلنت الشركة السورية للاتصالات أنّ الكابل البحري الدولي الواصل بين طرطوس السوري والإسكندرية في مصر تعرّض «لعمل تخريبي» قرب ساحل طرطوس.

وأفادت عن تأثر خدمات الإنترنت لشريحة واسعة من المشتركين في أنحاء سوريا. وأوضحت أنّ أعمال الصيانة واستئناف الخدمات بشكل كامل ستستغرق وقتا.

ونددت الشركة السورية للاتصالات بتخريب الكابل البحري، وعدّت أنّه لا يمكن فصل هذا العمل عن «حملة تخريب ممنهجة» تستهدف قطاع الاتصالات في سوريا.


نازحو الجنوب والضاحية... بين حماسة العودة والخوف من المجهول

نازحون لبنانيون يعودون إلى منازلهم في جنوب لبنان عبر مدينة صيدا (رويترز)
نازحون لبنانيون يعودون إلى منازلهم في جنوب لبنان عبر مدينة صيدا (رويترز)
TT

نازحو الجنوب والضاحية... بين حماسة العودة والخوف من المجهول

نازحون لبنانيون يعودون إلى منازلهم في جنوب لبنان عبر مدينة صيدا (رويترز)
نازحون لبنانيون يعودون إلى منازلهم في جنوب لبنان عبر مدينة صيدا (رويترز)

أعاد الاتفاق الأميركي - الإيراني فتح باب العودة أمام آلاف اللبنانيين الذين أمضوا الأشهر الماضية بين النزوح والترقب، لكنه لم ينجح في تبديد المخاوف. وفي حين بدأت بعض بلدات الجنوب تستقبل أبناءها العائدين، فضّل آخرون في الضاحية الجنوبية والقرى الحدودية الانتظار، معتبرين أن إعلان وقف النار وحده لا يكفي ما لم يترجم استقراراً دائماً وانسحاباً كاملاً وإعادة إعمار تتيح استعادة الحياة الطبيعية.

دعوات للتريث

رغم بدء عودة الأهالي إلى عدد من البلدات الجنوبية، سادت دعوات رسمية ومحلية إلى التريث وعدم التسرع في العودة قبل التأكد من استقرار الأوضاع ميدانياً.

وأصدرت بلديات في جنوب لبنان بيانات دعت فيها السكان إلى التريث في العودة، كما دعت قيادة الجيش اللبناني المواطنين إلى الالتزام بتوجيهات الوحدات العسكرية المنتشرة في المناطق الحدودية الجنوبية، مؤكدةً، في بيان، ضرورة التريث في العودة «حفاظاً على سلامتهم من خطر الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية»، ومشددةً على توخي الحيطة والحذر في الأماكن التي تعرضت لاعتداءات، وإبلاغ الأجهزة المختصة عن الذخائر غير المنفجرة والأجسام المشبوهة.

عودة تدريجية بانتظار الاطمئنان

في بلدة أنصار الجنوبية، بدأت ملامح العودة الخجولة تظهر تدريجياً بعد إعلان الاتفاق. ويقول عيسى فياض لـ«الشرق الأوسط»: إن «الأهالي بدأوا بالفعل بالعودة إلى منازلهم، مستفيدين من الهدوء الذي ساد المنطقة بعد الاتفاق».

لكنَّ هذا المناخ الإيجابي لم يدفعه هو إلى العودة فوراً، إذ يفضل التريث ومراقبة التطورات. ويقول: «سأنتظر قليلاً ريثما أتأكد من أن القرية آمنة بشكل كامل، وأن الأوضاع مستقرة ولا توجد أي تطورات جديدة».

وتعكس شهادة فياض حالة شائعة بين كثيرين من أبناء الجنوب الذين رحبوا بالاتفاق، لكنهم ما زالوا يتعاملون معه بوصفه خطوة أولى تحتاج إلى ترجمة ميدانية قبل اتخاذ قرارات نهائية.

سيارة محمّلة بالأمتعة تمرّ أمام مبنى مدمّر في مدينة النبطية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

صور تستعيد نبضها

في مدينة صور، تبدو العودة أكثر وضوحاً.

هشام حجازية، الذي عاد إلى المدينة صباح الاثنين، يرى أن استعادة بعض من الحياة الطبيعية باتت أولوية بالنسبة إلى الأهالي.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «يجب أن نبقى هنا»، مؤكداً أن قرار العودة جاء انطلاقاً من التمسك بالمدينة والبيت وعدم الاستمرار في حياة النزوح.

ويشير إلى أن صور بدأت تستعيد جزءاً من حركتها اليومية، موضحاً أن «بلدية المدينة تواصل فتح الشوارع وإزالة آثار الأضرار، فيما عادت حركة السير والازدحام النسبي إلى الأسواق والطرقات».

لكن العودة لا تعني بالنسبة إليه انتهاء المعاناة. ويقول: إن «حجم الدمار صادم، وإن العائدين يصطدمون بمشاهد تعكس حجم ما أصاب المدينة من أضرار خلال الفترة الماضية».

ويضيف أنه عاد إلى صور قبل الدعوات التي شجعت الأهالي على العودة إلى قراهم وبلداتهم، قائلاً: «أنا رجعت قبل أن يقولوا ذلك»، في إشارة إلى الدعوات الرسمية التي تلت الاتفاق.

ورغم عودته، لا يُخفي حجازية قلقه من المستقبل، معرباً عن أمله أن «يعمّ الأمان، وأن يتوقف التهجير، وأن تنعكس أجواء الاتفاق الأميركي - الإيراني إيجاباً على لبنان والجنوب بما يسمح للناس باستعادة حياتهم الطبيعية».

ويؤكد أن عدداً كبيراً من أبناء المدينة عادوا بالفعل إلى منازلهم، فيما لا تزال عائلات أخرى تراقب التطورات قبل اتخاذ قرار العودة النهائية، خوفاً من تكرار تجربة النزوح مرة أخرى.

بنت جبيل... وقف النار لا يكفي

إذا كانت أنصار وصور بدأتا تستقبلان العائدين، فإن الصورة تبدو مختلفة في القرى الحدودية القريبة من الشريط الحدودي، حيث لا يرى كثيرون أن الاتفاق الأميركي - الإيراني كافٍ لحل المشكلة.

ويقول أحد أبناء مدينة بنت جبيل، فضّل عدم الكشف عن اسمه، لـ«الشرق الأوسط»: «السؤال اليوم ليس فقط عمّا إذا كان وقف إطلاق النار سيصمد، بل ما إذا كانت العودة إلى القرى الحدودية ستكون ممكنة وآمنة».

ويضيف: «برأيي، فإن قضية القرى الواقعة ضمن الخط الأصفر ما زالت بعيدة عن الحل، حتى لو نجح الاتفاق الأميركي - الإيراني في فرض وقف شامل للقتال».

ويرى أن المشكلة الأساسية لا ترتبط فقط بوقف العمليات العسكرية، بل بما سيليها من ترتيبات ميدانية وأمنية، موضحاً: «قد تتمكن واشنطن من فرض وقف نهائي لإطلاق النار، لكن ذلك لا يعني بالضرورة انسحاب إسرائيل من المناطق الحدودية التي تعدها أمنية، وهنا تكمن المعضلة الأساسية».

ويتابع: «عودة الأهالي ليست مرتبطة بوقف النار فقط، بل أيضاً بالانسحاب وإعادة الإعمار. هناك قرى مدمَّرة بالكامل أو شبه مدمَّرة، والبنية التحتية متوقفة، وحتى المنازل التي لم تتضرر مباشرة سيبقى السكن فيها محفوفاً بالمخاطر إذا استمرت المنطقة الأمنية أو القيود المفروضة عليها».

ويؤكد أنه شخصياً لا يفكر في العودة حالياً، قائلاً: «حتى لو لم يكن منزلي مدمَّراً بالكامل، لا أرى أن العودة ممكنة في الظروف الحالية. غياب مقومات الحياة واستمرار المخاطر الأمنية يجعلان أي قرار بالعودة مغامرة غير محسوبة».

ويختم بالقول: «لا أعتقد أن الناس سيغامرون بالعودة لمجرد توقف القتال. العودة تحتاج إلى شروط واضحة، أبرزها الانسحاب الكامل وإعادة الإعمار وتأمين مقومات الحياة، وإلا فإن مستقبل القرى الحدودية سيبقى معلقاً لسنوات».

عنصر من القوى الأمنية اللبنانية يقف قرب مبنى سكني استهدفته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

الضاحية أمام نافذة أمل لا باب عودة

في الضاحية الجنوبية لبيروت، لم يتحول الاتفاق الأميركي - الإيراني إلى عامل طمأنة كافٍ يدفع النازحين إلى العودة. فبعد أشهر من الغارات والإنذارات والنزوح المتكرر، لا يزال كثير من الأهالي ينظرون بحذر إلى أي حديث عن تسويات أو تفاهمات.

ويرى حسين نور الدين، أن غياب الضمانات هو المشكلة الأساسية. ويقول لـ«الشرق الأوسط»إن «الحرب الأخيرة جعلت كثيرين يعيدون النظر في خياراتهم السكنية»، كاشفاً عن أنه بات يبحث عن منزل دائم لوالدته خارج الضاحية حتى لو هدأت الأوضاع لاحقاً.

ويضيف: «أبحث عن منزل دائم لوالدتي خارج الضاحية، وحتى لو هدأت الأوضاع بعد الحديث عن تسوية، فأنا أفضِّل أن تبقى في مكان أكثر استقراراً وأماناً».

عائلات عائدة إلى الجنوب بعد إعلان الاتفاق الأميركي - الإيراني (أ.ب)

أما علي عساف، الذي يقيم حالياً مع عائلته في عرمون، فيؤكد أنه وعائلته قرروا تمضية فصل الصيف هناك بانتظار اتضاح الصورة أكثر. ويرى أن «أي اتفاق يحتاج إلى وقت لإثبات قدرته على الصمود قبل أن يتحول إلى عامل يشجع الناس على العودة».

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «قررنا أن نمضي فصل الصيف في عرمون، في جبل لبنان، حيث نقيم حالياً، بانتظار أن تتبلور الصورة أكثر. لا نرى أن الظروف الحالية تسمح بالمجازفة والعودة، خصوصاً أن المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات كثيرة».

ويضيف أن العودة بالنسبة إلى كثيرين لم تعد مرتبطة فقط بإعلان وقف إطلاق النار، بل بعودة الحياة الطبيعية إلى الأحياء والشوارع. ويختم قائلاً: «الناس يشجع بعضهم بعضاً، وعندما يرون الحركة الطبيعية سيعودون إلى المنطقة وسيبدأون باستعادة الثقة. أما اليوم، فما زال الانتظار هو الخيار الأكثر أماناً بالنسبة إلى عدد كبير من العائلات».

Your Premium trial has ended