فتح معبر رفح بين «الإصرار المصري» و«التعنت الإسرائيلي» والوساطة الأميركية

القاهرة تتمسك برفض «التهجير» وتتحرك لـ«هدنة إنسانية»

فلسطينيون من حمَلة الجنسيات الأجنبية ينتظرون فتح معبر رفح (أ.ب)
فلسطينيون من حمَلة الجنسيات الأجنبية ينتظرون فتح معبر رفح (أ.ب)
TT

فتح معبر رفح بين «الإصرار المصري» و«التعنت الإسرائيلي» والوساطة الأميركية

فلسطينيون من حمَلة الجنسيات الأجنبية ينتظرون فتح معبر رفح (أ.ب)
فلسطينيون من حمَلة الجنسيات الأجنبية ينتظرون فتح معبر رفح (أ.ب)

ساعات من الارتباك والترقب عاشها معبر رفح على جانبيه المصري والفلسطيني، في انتظار انطلاق الحركة من مصر إلى قطاع غزة لإدخال مئات الشاحنات التي تحمل مساعدات إغاثية، ومن القطاع الفلسطيني إلى سيناء لخروج عشرات الرعايا الأجانب والفلسطينيين الذين يحملون هويات دول أخرى، إلا أن المواقف الرسمية الإسرائيلية والمصرية والفلسطينية تواترت لتؤكد عدم التوصل إلى اتفاق بشأن «تهدئة إنسانية» وإدخال المساعدات، بينما ظلت التعهدات الأميركية بأن «المعبر سيُفتح» تراوح مكانها.

وأبدت مصر تمسكاً لافتاً بعدم السماح بخروج رعايا أجانب، بينهم أميركيون، من قطاع غزة عبر معبر رفح، الممر البري الوحيد الذي لا تسيطر عليه إسرائيل مع القطاع. وشدد المسؤولون المصريون على ضرورة السماح بدخول المساعدات الإنسانية أولاً.

عشرات الشاحنات المحملة بالمساعدات لقطاع غزة تنتظر عند معبر رفح (رويترز)

ووفق بيان للرئاسة المصرية، جدد الرئيس عبد الفتاح السيسي، الاثنين، خلال استقباله وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا، التأكيد على تدهور الأوضاع الإنسانية بقطاع غزة، وما يستوجبه ذلك من ضرورة تحمل المجتمع الدولي مسؤولياته بتوفير الاستجابة الإنسانية والإغاثية العاجلة لأهالي القطاع والتخفيف من وطأة معاناتهم، مشدداً على ضرورة خفض التصعيد، ورفض «تعريض المدنيين لسياسات العقاب الجماعي».

وزير الصحة المصري يزور معبر رفح - وزارة الصحة المصرية

وخلال مؤتمر صحافي مع الوزيرة الفرنسية، أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري أن الحكومة الإسرائيلية «لم تتخذ حتى الآن موقفاً يسمح بفتح معبر رفح من جانب غزة»، مؤكداً أن مصر «تسعى منذ بداية التصعيد إلى إدخال مساعدات للقطاع».

 

وتعرض الجانب الفلسطيني من المعبر لقصف إسرائيلي حال دون عمله، بينما يتواصل استقبال مصر لأطنان من المساعدات الإنسانية من دول ومنظمات عدة على مدار الأيام القليلة الماضية، كما جمعت المنظمات الخيرية المصرية نحو 2000 طن من المساعدات والمواد الإغاثية، وفقاً لـ«الهلال الأحمر المصري»، تمهيداً لنقلها إلى قطاع غزة، فور التوصل إلى اتفاق على فتح «ممر إنساني».

وكان من المفترض أن يفتح معبر رفح أبوابه في التاسعة من صباح الاثنين بتوقيت القاهرة، وفق أنباء نقلتها وكالة «رويترز» عن مصدرين مصريين لم تسمهما، وهو ما لم يحدث، بينما نفى مصدر مصري مسؤول بعدها بنحو ساعة «التوصل إلى اتفاق للتهدئة مع إسرائيل أو الاتفاق بشأن إدخال المساعدات»، وفق ما نقلته قناة «القاهرة الإخبارية» المصرية.

كما نفت حركة «حماس»، التي تدير الجانب الفلسطيني من معبر رفح، إبلاغ السلطات المصرية لها بالتوصل إلى هدنة أو فتح المعبر، وقال عضو المكتب السياسي لحركة «حماس» عزت الرشق، في بيان، إنه «لا صحة لما تتداوله وسائل الإعلام عن هدنة أو فتح معبر رفح».

وأظهرت صور بثتها وسائل إعلام على الجانب الفلسطيني من معبر رفح شاحنات وقود ترفع علم الأمم المتحدة تتجه إلى معبر كرم أبو سالم، وهو معبر حدودي على الحدود بين قطاع غزة ومصر وإسرائيل يقع جنوب معبر رفح بعدة كيلومترات، ويستخدم لنقل الوقود والسلع، ويخضع لسلطة المعابر البرية التابعة للجيش الإسرائيلي.

ضغوط إسرائيلية

ومن جانبه، رأى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاهرة، الدكتور طارق فهمي أن دخول المساعدات إلى قطاع غزة «يمثل إحراجاً لحكومة بنيامين نتنياهو»، مشيراً إلى أن «حكومة الحرب» في إسرائيل «تسعى إلى إثبات وجودها، وتأكيد قدرتها على الصمود في وجه الضغوط الأميركية والمصرية للموافقة على فتح ممر إنساني».

وأوضح فهمي لـ«الشرق الأوسط» أن أعضاءً بارزين في حكومة الطوارئ الإسرائيلية ينظرون إلى فتح ممر إنساني بوصفه «تنازلاً مرفوضاً»، في ظل العجز عن تحقيق مكاسب حقيقية على الأرض، رغم القصف المتواصل لقطاع غزة، فحتى الآن لم تفلح الأجهزة الاستخباراتية في التعرف على موقع الأسرى، أو تتمكن من تحرير أي منهم، وبالتالي يتم اللجوء إلى مثل هذه الضغوط من أجل دفع حركة «حماس» للإفصاح عن بعض المعلومات مقابل تخفيف قبضة الحصار.

ورهنت مصر في وقت سابق موافقتها السماح بخروج رعايا أجانب بينهم أميركيون بالموافقة على دخول مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة، ورغم تأكيد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن عقب لقائه الرئيس المصري في القاهرة (الأحد) قبيل عودته إلى تل أبيب للمرة الثانية في غضون 5 أيام، أن معبر رفح «سيُفتح»، فإن الحكومة الإسرائيلية نفت، الاثنين، الاتفاق على وقف إطلاق النار جنوب غزة أو دخول مساعدات إنسانية إلى القطاع أو خروج حمَلة الجنسيات الأجنبية منه.

بينما أشارت تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن السلطات هناك «تريد تفتيش جميع الشاحنات المتوجهة إلى غزة للتأكد من أنها لا تحمل أسلحة»، وهو ما يعني تعطيل تدفق المساعدات الملحة إلى القطاع.

 

ومن جانبه، أكد الخبير في الشؤون الإسرائيلية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور سعيد عكاشة، أن استمرار تماسك وصلابة الموقف المصري الرافض فتح معبر رفح أمام خروج الرعايا الأجانب من قطاع غزة قبل السماح بدخول مساعدات إنسانية لسكان القطاع «يفرض ضغوطاً على الوساطة الأميركية المنحازة بشكل واضح للرؤية الإسرائيلية، لكنها في الوقت نفسه تريد تحقيق إنجاز ما حتى لو كان مجرد إخراج رعاياها من القطاع».

وأوضح عكاشة لـ«الشرق الأوسط» أن إدخال المساعدات إلى قطاع غزة يمثل حالياً «أولوية مصرية»، مشيراً إلى أن مساعدة سكان القطاع على الصمود والبقاء لا تمثل فقط إنفاذاً للدور الإنساني، بل تعني عملياً إجهاض مخطط التهجير نحو الحدود المصرية الذي تصر إسرائيل على تنفيذه، سواء بإخلاء المناطق الشمالية، أو عبر السماح بإعادة بعض الخدمات الحياتية مثل مياه الشرب في بعض مناطق الجنوب تشجيعاً للسكان على النزوح، ودفع كثافات سكانية كبيرة إلى المناطق المحاذية للحدود المصرية.

كانت إسرائيل قد طالبت بإخلاء شمال قطاع غزة الذي يقطنه أكثر من مليون فلسطيني، ما تسبب بـ«نزوح جماعي» لمئات الآلاف باتجاه الجنوب، ورغم انتقاد أطراف دولية عدة من بينها الأمم المتحدة للإجراء الإسرائيلي، فإن جيش الاحتلال جدد تحذيراته بضرورة الإخلاء.


مقالات ذات صلة

مكتب حقوقي أممي ينتقد أنشطة الاستيطان الإسرائيلي

المشرق العربي رافعات بناء شاهقة تعلو موقع بناء في جفعات هاماتوس إحدى المستوطنات الإسرائيلية في القدس الشرقية المحتلة (أ.ف.ب) p-circle

مكتب حقوقي أممي ينتقد أنشطة الاستيطان الإسرائيلي

انتقد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنيف بشدة أحدث أنشطة الاستيطان الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي لقطة تُظهر أنقاض المباني التي دُمرت خلال الحرب في شمال قطاع غزة (رويترز)

تقرير: مقتل فلسطينيين اثنين برصاص إسرائيلي ونسف مربعات سكنية بغزة

ذكر تقرير إخباري أن فلسطينيين اثنين لقيا حتفهما برصاص الجيش الإسرائيلي في منطقتي جباليا البلد والواحة شمال قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي نازحون فلسطينيون تسلموا أكياس طحين من مركز تابع لـ«الأونروا» بمدينة غزة - 1 أبريل 2025 (أ.ف.ب)

مفوض «الأونروا»: إسرائيل تستخدم المعلومات المضللة كسلاح لتشويه سمعة الوكالة

قال المفوض العام لـ«وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)» فيليب لازاريني إن إسرائيل استخدمت المعلومات المضللة لتشويه سمعة الوكالة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي رجل يسكب مشروباً ساخناً خارج خيمة في مخيم النصيرات للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

«لجنة تكنوقراط غزة» للعبور إلى القطاع وسط تحديات «تسليم المهام»

تترقّب «لجنة تكنوقراط قطاع غزة» عملها في القطاع، بجانب تسلّم المهام من «حماس»، تنفيذاً لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم قبل نحو 3 أشهر بين الحركة وإسرائيل.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي فلسطينية وطفلتها المصابة في خان يونس في انتظار الخروج من قطاع غزة (د.ب.أ)

بدء وصول جرحى من قطاع غزة إلى الجانب المصري من رفح

بدأت المجموعة الأولى من الجرحى والمرضى الخارجين من غزة الوصول إلى الجانب المصري من معبر رفح الحدودي مع القطاع الفلسطيني.


«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

«أطباء السودان»: 24 قتيلاً في هجوم لـ«الدعم السريع» بشمال كردفان

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربةً نقل كانت تقل نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

وقالت الشبكة إن العربة كانت تقل نازحين فارّين من ولاية جنوب كردفان، وتم استهدافها أثناء وصولها إلى مدينة الرهد، ما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم طفلان رضيعان، إضافة إلى إصابة آخرين جرى إسعافهم إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وأضافت أن الهجوم يأتي في ظل أوضاع صحية وإنسانية بالغة التعقيد، تعاني فيها المنطقة من نقص حاد في الإمكانات الطبية، ما يزيد من معاناة المصابين والنازحين.


العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
TT

العليمي يعلن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة

مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)
مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماعه مساء الجمعة برئاسة الدكتور رشاد العليمي (سبأ)

قرَّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الجمعة، تشكيل الحكومة الجديدة وتسمية أعضائها، بناءً على عرض رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وموافقة مجلس القيادة الرئاسي، ولما تقتضيه المصلحة العليا للبلاد.

وجاء الدكتور شائع الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام، ونايف البكري وزيراً للشباب والرياضة، وسالم السقطري وزيراً للزراعة والري والثروة السمكية، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، وتوفيق الشرجبي وزيراً للمياه والبيئة، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، والدكتور قاسم بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، والقاضي بدر العارضة وزيراً للعدل، واللواء الركن طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، والمهندس بدر باسلمة وزيراً للإدارة المحلية، ومطيع دماج وزيراً للثقافة والسياحة، والدكتور أنور المهري وزيراً للتعليم الفني والتدريب المهني، والمهندس عدنان الكاف وزيراً للكهرباء والطاقة، ومروان بن غانم وزيراً للمالية، والدكتورة أفراح الزوبة وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي.

كما ضمَّ التشكيل؛ سالم العولقي وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، والقاضي إشراق المقطري وزيراً للشؤون القانونية، والدكتور عادل العبادي وزيراً للتربية والتعليم، والدكتور أمين القدسي وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور شادي باصرة وزيراً للاتصالات وتقنية المعلومات، والدكتور محمد بامقاء وزيراً للنفط والمعادن، ومحسن العمري وزيراً للنقل، والمهندس حسين العقربي وزيراً للاشغال العامة والطرق، ومختار اليافعي وزيراً للشؤون الاجتماعية والعمل، ومشدل أحمد وزيراً لحقوق الإنسان، والشيخ تركي الوادعي وزيراً للأوقاف والإرشاد، والدكتور عبد الله أبو حورية وزيراً للدولة لشؤون مجلسي النواب والشورى، والقاضي أكرم العامري وزيراً للدولة، وعبد الغني جميل وزيراً للدولة أميناً للعاصمة صنعاء، وعبد الرحمن اليافعي وزيراً للدولة محافظاً لمحافظة عدن، وأحمد العولقي وزيراً للدولة، والدكتورة عهد جعسوس وزيرة للدولة لشؤون المرأة، ووليد القديمي وزيراً للدولة، ووليد الأبارة وزيراً للدولة.

وجاء القرار بعد الاطلاع على دستور الجمهورية اليمنية، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، وقرار إعلان نقل السلطة رقم 9 لسنة 2022، وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي الصادر بتاريخ 7 أبريل (نيسان) 2022، والقانون رقم 3 لسنة 2004 بشأن مجلس الوزراء، وقرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الزنداني رئيساً لمجلس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة.


جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
TT

جريمة الرمال البيضاء تعيد «كنزاً مصرياً ضخماً» إلى الواجهة

تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)
تمتلك مصر احتياطياً ضخماً من الرمال البيضاء يقدر بـ20 مليار طن (مجلس الوزراء المصري)

عادت «الرمال البيضاء» وما تمتلكه مصر من احتياطي استراتيجي ضخم من هذا المورد الخام الذي يدخل في صناعات عدّة عالمياً، إلى الواجهة مع إعلان السلطات المصرية عن ضبط مسؤولين شكَّلوا عصابة لتهريبه بالمخالفة للقانون، ولقرار حكومي سابق حظر تصديره، في حين أكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا الكنز المهم لم يتحقق الاستغلال الأمثل له حتى الآن».

وقبل يومين أعلنت «هيئة الرقابة الإدارية» في مصر ضبط عصابة تضم 6 مسؤولين بجمارك ميناء الإسكندرية (شمال)، تورطوا في تلقي رشى مالية، مقابل تسهيل تهريب شحنات من الرمال البيضاء الممنوعة من التصدير، مؤكدة أن المتهمين تواطأوا مع مالك إحدى شركات النقل والشحن لإنهاء إجراءات تصدير هذه الرمال، بالمخالفة للقرار الحكومي، الذي يحظر تصدير هذا المورد الاستراتيجي بهدف الحفاظ على الثروات الطبيعية غير المتجددة، وتعظيم قيمتها المضافة عبر التصنيع المحلي، بدلاً من تصديرها مادةً خاماً.

وفي إحصاء أخير صدر عن «مركز معلومات مجلس الوزراء» بمصر، أفاد بأن البلاد تمتلك احتياطياً من الرمال البيضاء يُقدر بـ20 مليار طن، وأنه كان يتمّ تصديرها في شكلها الخام قبل عام 2014، بينما كانت تتم معالجتها وإعادة بيعها في الأسواق العالمية بأسعار مضاعفة.

لكن بعد عام 2014، تم تقليل الصادرات، ثم صدر قرار حكومي في عام 2022، يقضي يحظر تصدير الرمال البيضاء بهدف تعظيم الاستفادة منها محلياً، من خلال إعادة تصنيعها.

أكدت الحكومة المصرية زيادة عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج (مجلس الوزراء المصري)

وقال الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب: «إن الحكومة المصرية أنشأت قبل 5 سنوات شركة للاستغلال الأمثل للثروة المتاحة من الرمال البيضاء، لكن تبين فيما بعد أن الاستغلال الأمثل لهذه الثروة يحتاج إلى استثمارات طائلة؛ ولذلك اقتصر دور هذه الشركة على الأبحاث والدراسات، ولم تتمكن من الدخول في مجال تحول هذه الرمال إلى منتجات».

صناعات عدّة

أكد الخبير عبد المطلب لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الرمال «تدخل في تصنيع الرقائق والوسائط الإلكترونية، كما أن هناك 200 صناعة يمكن أن تستخدم فيها الرمال البيضاء، ومصر لديها احتياطي ضخم جداً، ويمكن من خلال فتح الباب أمام تصدير جزء من هذا الاحتياطي الخام حل المعضلة، حيث يتم من عوائد هذا التصدير إنجاز استثمارات للتصنيع من الجزء المتبقي».

لكنه أشار إلى أن الدولة «قررت منع التصدير الخام للرمال البيضاء بسبب تخوفها من أن يحدث ما حدث في محاجر الرخام والغرانيت، حيث استولت عليها الشركات الصينية، التي كانت تأخذ كتل الرخام والغرانيت الخام من مصر بأسعار زهيدة، وتصنعها في الصين وتعيد تصديرها لمصر ودول العالم بأسعار كبيرة، وتستفيد من ذلك أكثر مما تستفيد مصر».

وأوضح عبد المطلب أنه «لكي تستفيد مصر فعلاً من ثروة الرمال البيضاء لديها تحتاج إلى استثمارات على الأقل بمبلغ 10 مليارات دولار لإقامة مشروعات متكاملة في مناطق استخراج الرمال البيضاء، لكنها لا تستطيع توفير ذلك، والاستثمار الأجنبي يصعب عليه أن يدخل مصر لتحويل الرمال البيضاء منتجات، فهو يهدف للاستحواذ على الثروة الخام، وتصديرها والاستفادة السريعة، ومن هنا يجب أن يكون هناك اهتمام رسمي في بعض الأحيان بتسويق الاستثمار في مجال الرمال البيضاء، وتحويلها منتجات، في حين يتم أحياناً أخرى تناسي الأمر».

وفي ظل غياب رؤية حول تحقيق الاستفادة المثلى من الرمال البيضاء، لفت عبد النبي إلى أن «هناك من استغل الأمر وعمل على تهريب غير مشروع لهذه الثروة»، مطالباً الحكومة بأن تعمل أولاً على «إنشاء مصانع والبدء بصناعات محدودة في مجال الرمال البيضاء، وهذه الصناعات ستولد صناعات أخرى، وبالتالي سنصل مع مرور الوقت للاستغلال الأمثل لهذه الثروة».

سيناء أبرز مناطق الرمال البيضاء

توجد الرمال البيضاء في الكثير من المناطق بمصر، أبرزها في شمال ووسط وجنوب سيناء (شمال شرق)، وتتميز بحجم حبيبات ناعم وجيد الفرز، مع نسب منخفضة جداً من الشوائب، وتصنَّف كيميائياً وبترولوجياً ضمن أفضل الخامات؛ ما يجعلها صالحة لصناعات متعددة، مثل «الزجاج عالي الجودة، والخلايا الشمسية، والسيراميك، والمحفزات البترولية، ومواد البناء»، كما أنها تطابق المواصفات الأميركية والبريطانية، حسب بيانات الحكومة المصرية.

توجد أنقى الرمال البيضاء المطلوبة للكثير من الصناعات في منطقة أبو زنيمة بوسط سيناء (مجلس الوزراء المصري)

في هذا السياق، أكد الأكاديمي الاقتصادي كريم العمدة أن «قرار الحكومة المصرية كان صحيحاً بمنع تصدير أي مادة خام دون عمل قيمة مضافة عليها قبل التصدير، وحتى لو كانت قيمة مضافة بسيطة فهذا يحقق ربحاً أعلى، وقد شملت المواد الخام الممنوع تصديرها الرمال البيضاء، وهي كنز مهم يدخل في صناعات كبيرة، ومصر تمتلك احتياطياً كبيراً منه».

وأوضح العمدة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بدأت بالفعل استثمارات ومصانع في إنجاز صناعات من الرمال البيضاء في مصر، لكن هذا المجال يستغرق وقتا، ويحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسيتم الوصول إلى هدف الصناعات المتكاملة من الرمال البيضاء في مصر مع الاستمرارية والقرارات والدراسات الصحيحة».

وحسب إحصاء للحكومة المصرية، فقد زاد عدد الشركات التي تعتمد على الرمال البيضاء مُدخلاً أساسياً في الإنتاج، حيث ارتفع عددها في عام 2022، ليصل إلى 212 شركة في صناعة الدهانات، و280 شركة في صناعة الزجاج، و67 شركة لإنتاج ألواح الطاقة الشمسية، بالإضافة إلى 94 شركة تعمل في مجال استخراج المعادن.

بهذا الخصوص، أكد عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أحمد أبو علي، أن «قرار الدولة بمنع تصدير الرمال البيضاء في صورتها الخام لا يُعد قيداً تجارياً، بل هو قرار سيادي واعٍ، يستهدف كسر نمط الاقتصاد الريعي، وحماية مورد استراتيجي من الاستنزاف، خاصة في ظل الطلب العالمي المتزايد عليها في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الدقيقة»، مشيراً إلى أن «تصدير الخام يعني تصدير فرص العمل، والمعرفة الصناعية، والعوائد الدولارية المضاعفة لصالح اقتصادات أخرى.«

وأضاف أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب الإسراع في توطين الصناعات المرتبطة بها، عبر شراكات صناعية وتكنولوجية، ونقل المعرفة، وتطوير المناطق الصناعية القريبة من مواقع الاستخراج، بما يحول الرمال البيضاء من مورد جيولوجي خام إلى رافعة تنموية وصناعية حقيقية».