تحديات إدارة الموارد المائية في دول مجلس التعاون الخليجي

تعزيز الكفاءة وتعديل أنماط الاستهلاك قبل زيادة الإمدادات

انظمة الري في المملكة العربية السعودية تحول الصحراء الى مساحات خضراء (شاترستوك)
انظمة الري في المملكة العربية السعودية تحول الصحراء الى مساحات خضراء (شاترستوك)
TT

تحديات إدارة الموارد المائية في دول مجلس التعاون الخليجي

انظمة الري في المملكة العربية السعودية تحول الصحراء الى مساحات خضراء (شاترستوك)
انظمة الري في المملكة العربية السعودية تحول الصحراء الى مساحات خضراء (شاترستوك)

تقع دول مجلس التعاون الخليجي في واحدة من أكثر مناطق العالم جفافاً، وتُصنَّف على أنها من أكثر دول العالم فقراً في الموارد المائية، حيث تبلغ حصة الفرد من المياه الطبيعية المتجددة وسطياً أقل من 100 متر مكعب للفرد في السنة، مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ نحو 6 آلاف متر مكعب للفرد. وهذا أقل بكثير من خط الفقر المائي المدقع الذي يبلغ 500 متر مكعب، الذي تصبح ندرة المياه عنده معوقاً رئيسياً للتنمية. ويمكن أن تتسبب في تدني مستوى المعيشة والصحة والبيئة. وبحسب التقييمات الدولية والإقليمية والوطنية لتأثيرات تغيُّر المناخ، فإن ندرة المياه الحالية مرشحة للتفاقم بسبب ارتفاع درجات الحرارة المؤدية إلى زيادة الطلب على المياه، والانخفاض العام في هطول الأمطار المؤدي إلى تقليل موارد المياه السطحية، وبالتالي تغذية المياه الجوفية، بالإضافة إلى ارتفاع منسوب مياه البحر المؤدي إلى غزو المياه الجوفية الساحلية وتملُّحها.

تكاليف تلبية الطلب على مياه الشرب

رغم ظروف الندرة المائية، نجحت دول المجلس في توفير إمدادات مياه الشرب لسكانها، وذلك بالاعتماد على تقنيات التحلية، تساعدها في ذلك قوة اقتصاداتها وتَوفُّر موارد الطاقة لديها. ولكن التحلية مصحوبة بتكاليف مالية كبيرة، وهي كثيفة الاستهلاك للطاقة، وجلّها حالياً من الطاقة الأحفورية، ما يجعل دول الخليج تتكبّد تكلفة الفرصة البديلة للطاقة المستهلكة، ويؤثر سلباً على البيئة بتلوُّث الهواء بسبب الانبعاثات الغازية، وتلوُّث البيئة البحرية بسبب صرف رجيع التحلية عالي الملوحة والحارّ نسبياً إليها.

وتشير الدراسات إلى أنه بحسب النمو السكاني المتوقع لدول المجلس خلال السنوات الـ15 المقبلة، واستمرار أنماط الاستهلاك الحالية، فإن التكاليف المالية والاقتصادية والبيئية ستكون هائلة. فمن المتوقع أن يرتفع إجمالي الطلب على مياه الشرب من نحو 5.8 مليار مكعب في 2020 إلى نحو 11 مليار متر مكعب بحلول 2035 على أقل تقدير، مع تكاليف مالية تراكمية تتجاوز 300 مليار دولار. وستحتاج إلى طاقة تعادل 2 تريليون كيلوواط/ساعة، ما يتطلّب نحو 200 غيغا متر مكعب من الغاز الطبيعي (أو نحو مليار برميل نفط)، وسيكون هذا مصحوباً بانبعاثات غازية تصل إلى نحو 2 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون المكافئ. هذا الأمر سيزيد من تحديات تخفيض الانبعاثات الكربونية وتحقيق الحياد الكربوني بحلول سنة 2060، الذي تبنّته معظم دول المجلس.

حالياً تمتلك دول المجلس أكثر من 40 في المائة من الطاقة العالمية للتحلية، ومع استمرار الاعتماد الحتمي والمتزايد على التحلية في المستقبل، يصبح توطين التقنيات وتقليل تكاليفها الاقتصادية والبيئية أمراً استراتيجياً ذا أهمية قصوى، لزيادة قيمتها الاقتصادية المضافة وتعزيز الأمن وضمان الاستدامة. ولقد بدأت في السنوات الأخيرة مبادرات كبرى لتعزيز البحث والتطوير، وتشجيع القطاع الخاص المحلّي للولوج في هذه التقنيات. وتوجد حالياً برامج عدة لتوطين تحلية المياه في دول المجلس، بالإضافة إلى تقليل تكاليفها الاقتصادية والبيئية، من أهمها مشروع محطة غنتوت التجريبية لتحلية المياه في أبوظبي التابع لـ«مصدر»، ومشروع التحلية بالطاقة الشمسية في الخفجي التابع لمدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، ومشاريع المؤسسة العامة لتحلية المياه في السعودية، الرائدة في مجال تقليل التصنيع وتقليل التكاليف والاستفادة من رجيع التحلية. ومن أبرز مبادرات توطين تحلية المياه وتقليل تكاليفها الاقتصادية والبيئية مشروع مدينة «نيوم» للتحلية في السعودية، الذي يجمع بين مفهومي كفاءة استخدام الموارد والاقتصاد الدائري وحماية البيئة، ويهدف إلى إنتاج المياه المحلاة باستخدام تقنية الأغشية، وتشغيلها بالطاقة الشمسية بالكامل وتحقيق تصريف سائلي صفري، من خلال إنشاء صناعة تحويلية لاستخلاص الأملاح من مياه الرجيع للاستخدام التجاري. كما نَجَم عن جهود البحث والتطوير في السعودية تخفيض استهلاك الطاقة في تقنيات التحلية بالأغشية، وبالتالي الانبعاثات الغازية، لتصل إلى 2.05 كيلوواط/ساعة للمتر المكعب، مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ نحو 4.5 كيلوواط/ساعة للمتر المكعب.

مياه الصرف الصحي فرصة ضائعة

بذلت دول المجلس جهوداً كبيرة لتوفير خدمات الصرف الصحي، وحققت الغاية الثانية من الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة منذ زمن بعيد. وحالياً يتم إنتاج كميات كبيرة نسبياً من المياه المعالجة معالجة متقدمة، إلا أن معدلات إعادة استخدام هذه المياه ما زالت منخفضة ولا يُستفاد منها بالكامل، ولا تزيد على 40 في المائة وسطياً في دول المجلس، ما يمثّل فرصاً اقتصادية كبيرة ضائعة، في ظل الندرة المائية في هذه الدول. وتشير الدراسات إلى أن الكميات التي ستنتج من هذه المياه بحلول 2035 يمكنها أن تسدّ جميع احتياجات القطاع الزراعي والتشجير في بعض دول المجلس، مثل البحرين والكويت وقطر، وجزءاً لا بأس به من احتياجات الدول الأخرى، كما يمكنها أن تمثّل جزءاً أساسياً من خطط تكيُّف الدول مع ظاهرة تغيُّر المناخ في القطاع الزراعي، بالإضافة إلى مساهمتها في تحقيق الحياد الكربوني من خلال استخدامها في مشاريع التشجير مثل خطة السعودية الخضراء، والاستراتيجية الوطنية للتشجير في مملكة البحرين.

استنزاف المياه الجوفية

تمثّل المياه الجوفية، بنوعيها المتجدد وغير المتجدد، مصدراً مائياً استراتيجياً وحيوياً لدول المجلس، وتعدّ المحافظة على مستوياتها ونوعيتها من أهم خطط التكيُّف مع تأثيرات تغيُّر المناخ. إلا أن المياه الجوفية في الخليج تعاني من انخفاض مستمر في مناسيبها وتملُّحها، بسبب استغلالها المفرط في حالة المصادر المتجددة، والاستغلال السريع في حالة المصادر غير المتجددة. وسيؤدي فقدانها إلى خسارة مصدر مائي استراتيجي طويل الأجل، يترافق مع كلفة توفير المياه البديلة له، وتأثيرات ذلك على الأمن المائي واستدامة المياه. ولذا، ينبغي التخطيط لإدارتها واستخدامها بشكل حذر، والعمل على استدامتها بوقف استنزافها ومنع تلوُّثها بواسطة الأنشطة السطحية. ولقد بدأت الكثير من دول المجلس مؤخراً في عملية تنظيم استخدام المياه الجوفية، من خلال تسجيل الآبار وتركيب العدادات وتحديد معدلات السحب الآمنة. إلا أن هناك ضرورة قصوى للتنسيق الفعّال بين قطاع الزراعة (المستهلك الرئيسي للمياه الجوفية في دول الخليج، بمعدل 85 في المائة)، وقطاع المياه، في وضع سياسات الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي لتتناسب مع طاقة موارد المياه الجوفية وقدرتها على التجدد. كما يجب العمل على إنشاء قطاع زراعي قابل للاستدامة، من خلال رفع كفاءة استخدام المياه فيه، باعتماد أساليب الري وأنظمة الزراعة الحديثة الموفرة للمياه، خصوصاً أنظمة الزراعة من دون تربة.

استدامة الإمداد مقابل استدامة الاستهلاك

على مدى العقود الستة الماضية، شهدت دول مجلس التعاون تحوُّلاً سكانياً واقتصادياً واجتماعياً غير مسبوق، تغيّرت فيه أنماط الحياة والاستهلاك. ولتلبية الاحتياجات المائية المتنامية، تبنّت دول المجلس نهج إدارة العرض، بتعظيم إمدادات المياه، ما أدى إلى تكاليف مالية واقتصادية وبيئية باهظة، يُتوقع أن تتفاقم بسبب تغيُّر المناخ. وهذا يستدعي تبنّي نهج جديد مكمّل يمكن أن يكون حلاً طويل الأجل لمعضلة ندرة المياه. لذا ستحتاج دول المجلس إلى تحويل محور تركيزها من ضمان «استدامة الإمداد» إلى ضمان «استدامة الاستهلاك»، من خلال تطبيق نهج إدارة الطلب والكفاءة وتطبيقهما على نحو متكامل مع نهج إدارة العرض السائد حالياً، لإنشاء أنظمة إدارة فعّالة للمياه يمكنها أن تتعامل مع التحديات المستقبلية والتكيُّف مع تأثيرات تغيُّر المناخ. ورغم أن تغيُّر المناخ يمثّل ضغطاً إضافياً على قطاع المياه، فإنه يمثّل أيضاً فرصة للقيام بهذا التحوُّل لمواجهة تحديات ندرة المياه، مع الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بخفض الانبعاثات. وهذا يستدعي العمل على إدارة قطاعات المياه والطاقة والغذاء على نحو متكامل، بحيث يتم تقليل المقايضات بينها وتعزيز فرص التآزر، مع مراعاة البُعد البيئي المرتبط بها.

قبل أسابيع، أعلن الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، عن خطوة رائدة بتأسيس منظمة عالمية للمياه مقرّها الرياض، تهدف إلى تطوير وتكامل جهود الدول والمنظمات لمعالجة تحديات المياه بشكلٍ شمولي، من خلال تبادل وتعزيز التجارب التقنية والابتكار والبحوث والتطوير، وتمكين إنشاء المشاريع النوعية ذات الأولوية وتيسير تمويلها، سعياً لضمان استدامة موارد المياه وتعزيزاً لفرص وصول الجميع إليها. وتمثّل هذه المبادرة فرصة كبيرة لدول المجلس لتعزيز المعرفة وتبادل التجارب، خصوصاً في مجالي تقنيات التحلية ومعالجة المياه العادمة وإعادة استخدامها، بوصفهما مصدرين غير تقليديين للمياه سيتحتم على دول المجلس الاعتماد عليهما بشكل كبير ومتزايد في المستقبل.

* الدكتور وليد خليل زُباري، أستاذ إدارة الموارد المائية ومنسّق برنامج إدارة المياه في جامعة الخليج العربي، مملكة البحرين


مقالات ذات صلة

الحرائق أتت على أكثر من 1.9 مليون هكتار من الأراضي في إندونيسيا

آسيا عربات إطفاء في ولاية كاليمانتان الغربية في إندونيسيا

الحرائق أتت على أكثر من 1.9 مليون هكتار من الأراضي في إندونيسيا

أتت الحرائق في إندونيسيا على أكثر من 1.9 مليون هكتار من الأراضي في الفترة بين يناير (كانون الثاني) ونهاية سبتمبر (أيلول) من هذا العام.

بيئة ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)

«إل نينيو» تدفع نحو تسجيل حرارة قياسية في 2026

أكّد مدير مرصد المناخ التابع للاتحاد الأوروبي، الاثنين، أن تفاقم ظاهرة «إل نينيو» تسبّب بدرجات حرارة قياسية في منطقة رئيسية في المحيط الهادئ.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

جماعات بيئية تُقاضي إدارة ترمب بسبب تخفيف معايير كفاءة استهلاك الوقود

أقامت منظمات معنية بالبيئة، الجمعة، دعوى قضائية على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بسبب تخفيفها لمعايير رئيسية تتعلق بكفاءة استهلاك وقود المركبات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة بحيرة جافة بعد تأثرها بالجفاف الناتج عن ظاهرة «النينيو» (أ.ف.ب)

ظاهرة النينيو الخارقة قد تتسبب بوفاة 451 ألف شخص خلال 6 أشهر

قال ‌باحثون إن الحرارة المفرطة الناجمة عن ظاهرة النينيو «الخارقة» قد تؤدي إلى ما يصل لـ451 ألف حالة وفاة خلال ستة أشهر.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
يوميات الشرق تحت عنوان «الأرض وأهلها» ينطلق «ريف السينمائي» من بلدة القبيات (الجهة المنظّمة)

«ريف السينمائي» في دورته التاسعة يحتفي بـ«الأرض وأهلها»

يقيم المهرجان، بالتوازي مع عروضه السينمائية، ندوة حول حماية أنهر عكّار...

فيفيان حداد (بيروت)

«إل نينيو» تدفع نحو تسجيل حرارة قياسية في 2026

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
TT

«إل نينيو» تدفع نحو تسجيل حرارة قياسية في 2026

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)

أكّد مدير مرصد المناخ التابع للاتحاد الأوروبي، الاثنين، أن تفاقم ظاهرة «إل نينيو» تسبّب بدرجات حرارة قياسية في منطقة رئيسية بالمحيط الهادئ خلال سبتمبر (أيلول)، وقد يُسهم في جعل هذا العام الأكثر حرّاً على الإطلاق على المستوى العالمي.

ويحذّر خبراء الأرصاد الجوية حول العالم منذ أشهر من أن ظاهرة «إل نينيو» الحالية قد تصبح الأقوى على الإطلاق، فيما تحطم الرقم القياسي الأخير حتى قبل بلوغ الظاهرة ذروتها المتوقعة في وقت لاحق من العام الحالي.

و«إل نينيو» هي مرحلة احترار ضمن دورة مناخية طبيعية تؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائية بشكل مؤقت، ما يتسبب في تغيرات بأنماط الطقس قد تزيد مخاطر الجفاف والفيضانات وتفاقم الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري.

وأفاد مرصد «كوبرنيكوس» للمناخ بأن درجات حرارة سطح البحر في منطقة رئيسية لرصد ظاهرة «إل نينيو» في المحيط الهادئ تُعرف باسم «نينيو 3.4»، بلغت مستوى قياسياً غير مسبوق عند 29.70 درجة مئوية الشهر الماضي.

وتجاوزت هذه الحرارة المستويات القصوى المسجلة خلال موجات «إل نينيو» القوية السابقة في أعوام 1982-1983 و1997-1998 و2015-2016.

وقال مدير «كوبرنيكوس»، كارلو بونتمبو، لوكالة «فرانس برس»، إن «إل نينيو» هذا العام التي ظهرت في يونيو (حزيران) «استثنائية جداً»، لكن ما زال من المبكر تحديد إن كانت الأقوى التي يتم تسجيلها على الإطلاق.

ومع ارتفاع درجات حرارة المحيطات بفعل التغير المناخي، قد تبدو موجات «إل نينيو» الأخيرة أقوى من سابقاتها، ما يعقّد المقارنات التاريخية.

وأوضح مرصد «كوبرنيكوس» أنه اعتمد مؤشراً جديداً يأخذ في الاعتبار ارتفاع حرارة المحيطات الاستوائية، ويشير إلى أن الظاهرة الحالية لم تتجاوز بعد الموجات السابقة من حيث القوة.

وقال بونتمبو «إنه حدث كبير للغاية حتى وفق هذا المقياس، وهذه الظاهرة الكبيرة جداً تحدث اليوم في ظل مناخ أشد حرارة بكثير».

ولا يعتمد جميع خبراء الأرصاد الجوية المقياس نفسه لتقييم ظاهرة «إل نينيو».

لقطة من أعلى تُظهر المحاصيل بعد ظروف جفاف طويلة الأمد وذلك تزامناً مع إعلان الجمعية التشريعية في السلفادور حالة الطوارئ الوطنية بسبب تأثيرات ظاهرة «إل نينيو» (رويترز)

وأعلنت وكالة الأرصاد الجوية اليابانية، الجمعة، أن ظاهرة «إل نينيو» بلغت «أعلى شدة مسجلة على الإطلاق».

ومع اشتداد «إل نينيو»، سجل متوسط درجات حرارة سطح البحر عالمياً مستوى قياسياً لشهر سبتمبر (أيلول) بلغ 21.05 درجة مئوية، متجاوزاً الرقم القياسي السابق للشهر نفسه المسجل في عام 2023 الذي بلغ 20.92 درجة مئوية، وفق «كوبرنيكوس».

وحذّر خبراء من أن «إل نينيو» هذه المرة، مصحوبة بالتغيّر المناخي المدفوع بالأنشطة البشرية، يمكن أن تجعل 2027 العام الأكثر حراً على الإطلاق مع انبعاث الحرارة المخزّنة في المحيط الهادئ إلى الجو.

وقد تتسبب الظاهرة الجوية التي تقع عادة كل عامين إلى سبعة أعوام، وتدوم ما بين 9 أشهر و12 شهراً، برفع درجات الحرارة في العام التالي لتبلغ ذروتها.

لكن بونتمبو أشار إلى أن حتى العام 2026 يمكن أن يحطّم أرقاماً قياسية مع استعداد ظاهرة «إل نينيو» الحالية لبلوغ ذروتها.

وقال لـ«فرانس برس»: «إذا تابعنا النموذج الذي شهدناه في الماضي فقد ينتهي بنا المطاف بعام 2026 يحطّم الأرقام القياسية، متبوعاً بـ2027 يحطّم الأرقام القياسية» أيضاً.

وبعد شهر أغسطس (آب) الذي سجّل حرارة قياسية، سجل العالم عموماً ثاني أشد أشهر سبتمبر حرارة على الإطلاق، إذ بلغ متوسط درجة حرارة الهواء عند سطح الأرض 16.27 درجة مئوية، حسب المرصد الأوروبي.

وكانت درجات الحرارة في سبتمبر أعلى بمقدار 1.63 درجة مئوية من متوسط مستويات ما قبل الثورة الصناعية، أي الفترة الممتدة بين عامَي 1850 و1900.

وكان الشهر الثاني على التوالي الذي تجاوز فيه ارتفاع درجات الحرارة 1.5 درجة مئوية.

وقال بونتمبو إن درجات الحرارة ستبقى على الأرجح أعلى بـ1.5 درجة مئوية عن معدلها الطبيعي مطلع العام المقبل.

جعلت دورة «إل نينيو» الأخيرة عام 2024 العام الأكثر حرّاً على الإطلاق بعد عدة أشهر تجاوزت فيها الحرارة 1.5 درجة مئوية، حسب بونتمبو.

لكن في حين تلعب «إل نينيو» دوراً مهماً، فإن «السبب النهائي لارتفاع الحرارة وتجاوزها 1.5 درجة مئوية يعود إلى الانبعاثات البشرية لغازات الدفيئة»، على حد قوله.

واتفقت الدول خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في باريس في عام 2015 على إبقاء ارتفاع حرارة الأرض عند مستوى أقل بكثير من درجتَين مئويتَين مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع مواصلة الجهود لحصره عند 1.5 درجة مئوية، للحد من تداعيات التغير المناخي.

لكن الأمم المتحدة أعلنت في سبتمبر أن العالم سيتجاوز خلال سنوات قليلة هدف حصر الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية على المدى الطويل.

ويؤكد العلماء ضرورة خفض انبعاثات غازات الدفيئة الناجمة عن الوقود الأحفوري لتقليص الفترة التي يتجاوز فيها الاحترار العالمي عتبة 1.5 درجة مئوية، وإعادة درجات الحرارة إلى ما دونها بأسرع وقت ممكن.


البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
TT

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)

يُسوَّق البلاستيك على أنه مادة رخيصة الثمن، وهو كذلك بالفعل عند البيع؛ غير أن السعر المدوّن على زجاجة المياه أو وعاء الوجبة الجاهزة لا يعكس سوى جزء ضئيل جداً من التكلفة الحقيقية التي تتكبدها الدول بسببه. إذ تظهر الفاتورة الحقيقية لاحقاً، متمثلةً في الأعباء التي تقع على عاتق الميزانية العامة والمناطق الساحلية والمنظومة الصحية. فالبلاستيك يكلّف العالم تريليونات الدولارات سنوياً، ومع تزايد النهم العالمي لاستخدامه، ستتفاقم هذه التكلفة أيضاً.

ويكشف تقرير جديد صادر عن منظمة «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» تحت عنوان «الثمن الخفي للبلاستيك»، أن التلوث البلاستيكي يكلّف مصر والمغرب وتونس مجتمعين ما بين 1.7 و5.5 مليار دولار أميركي سنوياً نتيجة الأضرار التي يلحقها بالنظم البيئية البحرية في البحر الأبيض المتوسط، محذّراً من أن استمرار التقاعس عن مواجهة الأزمة قد يرفع من مقدار هذه الفاتورة لتصل إلى ما بين 30 و98 مليار دولار بحلول عام 2040.

وبيّن التقرير أن التلوث بالبلاستيك في كل من مصر والمغرب وتونس أصبح أحد أبرز الضغوط البيئية والاقتصادية في الوقت الحالي، إذ تتجاوز تداعياته الشواطئ المليئة بالنفايات لتطول ميزانيات الدول، وسبل العيش في المناطق الساحلية، والصحة العامة. وتشترك هذه الدول الثلاث في بحر يستقبل ما يقدر بـ229 ألف طن من البلاستيك سنوياً، ويحتوي بالفعل على أكثر من مليون طن في قاعه. كما أنها تقع في منطقة تولد أكثر من 155 مليون طن من النفايات سنوياً - ثلثاها لا تتم إدارته بشكل سليم - ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الحجم تقريباً بحلول عام 2050.

وبما أنّ خفض هذه التكلفة يتطلب تحركاً على المستويين الدولي والوطني، طرح التقرير مجموعة من الإجراءات العملية على المستوى الوطني في كل من الدول الثلاث.

قالت فرح الحطّاب، المسؤولة الأولى عن حملات البلاستيك في «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»: «إن التلوّث البلاستيكي لم يعد مجرد مشكلة مرتبطة بإدارة النفايات، بل أصبحت له تكلفة تمتد إلى الاقتصاد والصحة والبيئة. وتتحمل الحكومات والبلديات والمجتمعات الساحلية والمواطنون جزءاً من هذه التكلفة، فيما تزداد الأعباء كلما استمر إنتاج البلاستيك واستخدامه وتسربه إلى البيئة».

التلوث البيئي يحاصر كثيراً من الدول (رويترز)

وأضافت، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تشمل الفاتورة تكلفة جمع النفايات ومعالجتها وتنظيف الشواطئ، إضافة إلى الخسائر التي تتكبدها قطاعات تعتمد على البيئة البحرية، مثل السياحة والصيد».

وتابعت: «لا تقتصر المخاطر على النفايات البلاستيكية نفسها. فبعض المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك أو التي قد تتسرب منه ترتبط، وفق دراسات علمية، باضطرابات هرمونية وتأثيرات على الجهاز التناسلي والمناعي والتنفسّي. كما يمكن أن يدخل الميكروبلاستيك إلى الجسم عبر الغذاء والماء والهواء، ولا تزال آثاره الصحية على المدى الطويل قيد الدراسة. وهذا يعني أن التكلفة قد تمتد أيضاً إلى تكاليف الرعاية الصحية».

واستطردت أن البحر والكائنات البحرية يدفع ثمناً كبيراً أيضاً. فقد يؤدي ابتلاع البلاستيك أو التشابك به إلى إصابة الكائنات البحرية أو نفوقها، بينما يمكن للميكروبلاستيك أن يؤثر في التغذية والنمو والتكاثر لدى بعض الكائنات، وأن ينتقل عبر السلاسل الغذائية.

ووفق التقرير، تتفاوت التكلفة بين البلدان: ففي مصر، تتراوح بين 740 مليون دولار و3.1 مليار دولار سنوياً، بينما تُقدّر في المغرب بنحو 1.2 مليار دولار، وفي تونس بنحو 400 مليون دولار. وهذه التقديرات تركز على الأضرار الاقتصادية التي تلحق بالنظم البيئية البحرية، ولا تشمل كامل التكاليف المرتبطة بالتلوّث البلاستيكي.

ويكشف التقرير أيضاً عن تفاوت مهم في واقع البلدان الثلاثة. ففي مصر، يأتي ارتفاع التكلفة في سياق مستويات مرتفعة من التلوّث البلاستيكي في البحر المتوسط، فيما تُظهر حالة المغرب أن السياسات العامة يمكن أن تحدّ من بعض أشكال استخدام البلاستيك، كما حدث مع الأكياس البلاستيكية. أما في تونس، فيشير التقرير إلى أن خفض استخدام البلاستيك يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية وبيئية.

وتأتي أهمية التقرير في توقيت حاسم لمسار المعاهدة العالمية للبلاستيك. فقد صدر قبيل اجتماع رؤساء الوفود الذي عُقد في بانكوك بين 27 و30 سبتمبر (أيلول)، بمشاركة ممثلين عن مصر والمغرب وتونس، وقبل الجولة الرسمية المقبلة من المفاوضات في مارس (آذار) 2027. وبالتالي، يقدّم التقرير دليلاً على أن تكلفة أزمة البلاستيك ليست بيئية وصحية فقط، بل اقتصادية أيضاً، وأن استمرار الاتجاه الحالي سيجعل تكلفة عدم التحرّك أعلى.

الشواطئ المصرية مليئة بالألعاب البلاستيكية (EPA)

قال الدكتور محمد عطية، أول باحث مصري ينضم للوكالة الأميركية لحماية البيئة، ويشغل حالياً منصب مستشار الخدمات البيئية والهندسية بشركة أيكوم: «إن البلاستيك رخيص الثمن عند الشراء، لكن تكلفته الحقيقية تظهر في المراحل التالية للشراء، في عمليات جمع وإدارة المخلفات، وعمليات التنظيف المطلوبة للتخلص منه، والتأثير على البيئة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها»، موضحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأرقام الواردة بالتقرير تمثل تقديراً اقتصادياً لجزء من الضرر، وتحديداً ذلك الجزء المرتبط بتسرب البلاستيك إلى البيئة البحرية، وهو بالطبع لا يمثل التكلفة كاملة».

ووفق تقرير «غرينبيس» لا تشمل هذه الأرقام التكاليف المباشرة التي تتكبدها قطاعات السياحة، ومصايد الأسماك، والشحن البحري، أو التكاليف المتعلقة بصحة الإنسان؛ إذ لا يتضمن الرقم حالات دخول المستشفيات، أو أيام الصيد الضائعة، أو فواتير البلديات غير المسددة، كما أن جميع الافتراضات المستخدمة في إعداده وُضعت بحيث تُبقي التقديرات عند حدّها الأدنى، لا الأعلى. والجدير بالذكر أن القطاعات المستبعدة ليست ضئيلة؛ وتُضاف أي خسائر تلحق بهذه القطاعات بسبب التلوث بالبلاستيك إلى الأرقام المذكورة في التقرير.

وعلّق عطية بأن الحل هو مزيج من تقليل الاستخدامات غير الضرورية، مع زيادة معدلات إعادة الاستخدام، وتصميم منتجات أسهل في التدوير، وتحسين منظومة الجمع والاسترداد. محذراً من أن أي بديل مقترح لا بد أن يجري تقييمه على دورة حياته كاملة، فليس كل بديل «أخضر» يكون بالضرورة أفضل في كل الاستخدامات.

وأوصى عطية بتحليل لدورة حياة البلاستيك بشكل كامل، بما يضمن الاطلاع على كافة التفاصيل، وليس التركيز على المنتج النهائي فقط، مثل أنواع الكيماويات الداخلة في التصنيع ومعرفة حجم التأثير البيئي للمنتج.

ويعلق عطية على النتائج التقرير بقوله إن حجم التسرب هو أكبر نقطة ضغط في مصر، حيث يصل جزء كبير من المنتجات البلاستيكية إلى البحر المتوسط عبر نهر النيل، موصياً بتحسين عمليات جمع المخلفات البلاستيكية.

وأضاف أنه على الرغم من أن لدى المغرب بنية تحتية جيدة وخطط قائمة بالفعل، لكن التقرير يوضح وجود فجوة بين التخطيط والتنفيذ الفعلي على الأرض، مع وجود ضغوط مالية كبيرة على البلديات. وفي تونس هناك قطاع للجمع والتدوير، ولكن جزءاً كبيراً من قدرة التدوير غير مستغل، مع وجود مشكلة واضحة في نموذج التمويل، وليس مجرد نقص التكنولوجيا.

وأوضح أن التقرير يبرز بشكل واضح أن مشكلة مخلفات البلاستيك في هذه الدول الثلاث ليست في الاستخدام فقط، لكنها أيضاً في نظم الإدارة والتمويل.

من جانبها، شدّدت الحطّاب على أن المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على الصعيد الدولي، هو معاهدة عالمية قوية تغيّر هذه المعادلة، من خلال الحد من البلاستيك غير الضروري من المصدر، وإلزام المنتجين بتحمّل مسؤولية ما يطرحونه في الأسواق، وتوفير آليات مالية قوية، بما يضمن ألّا تُترك دول منطقتنا وحدها في مواجهة تدفق متزايد من النفايات.


دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.