مراكز أبحاث أميركا... و«حرب غزة»

إدارة بايدن تسعى للمعادلة بين دعم حليفتها وتجنّب توسيع الصراع

تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في مدينة نيويورك (آ ب)
تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في مدينة نيويورك (آ ب)
TT

مراكز أبحاث أميركا... و«حرب غزة»

تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في مدينة نيويورك (آ ب)
تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في مدينة نيويورك (آ ب)

كشف الهجوم الكبير، الذي نفذته «حركة حماس» يوم السبت الماضي على إسرائيل، والرد الإسرائيلي على قطاع غزة، عن 3 مؤشرات، قد تؤدي إلى إعادة تشكيل السياسات الأميركية في المنطقة، على المديين القريب والبعيد. الأول، تصاعد الدعوات لمراجعة سياسة الابتعاد عن «الحروب الأبدية»، التي دعمها الحزبان الديمقراطي والجمهوري. والثاني، الموقف من إيران الذي لا يزال يقسم الحزبين الرئيسيين، على الرغم من تقاطعاتهما في نهاية المطاف على «تحييدها» عن تحمّل مسؤولية «الفوضى» التي تنشرها في المنطقة، وفق قيادات الحزبين ومعظم مراكز الأبحاث الأميركية. والثالث، تداعيات تأثير الحرب الجديدة على الاصطفافات الحزبية القائمة على أسس سياسية وآيديولوجية، من اليمين أو اليسار، تجاه الموقف الأخلاقي من دعم الفلسطينيين والإسرائيليين.

ألكسندربا أوكازيو-كورتيز (آ ب)

منذ اليوم الأول للحرب المندلعة في غزة، نشرت مراكز الأبحاث وكبريات الصحف الأميركية تقارير وتحليلات مكثفة، تناولت الموقف من القضايا الثلاث (أعلاه)، كان الجامع الأكبر بينها وجود إجماع على «إدانة الإرهاب» (مع الدفق غير العادي لمشاهد العنف في اليوم الأول من هجوم «حماس»)، وتحميل إيران المسؤولية عن الهجوم، ودعوة البيت الأبيض إلى تغيير سياساته منها وتجاه المنطقة.

بيد أن الإجماع على «معاقبة غزة» يكاد يطيح بكل المناقشات الجدية السابقة، التي كانت تدعو إلى اعتماد مقاربة جديدة للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، لدى بعض المراكز البحثية «المتوازنة»، في ظل استبعاد أي كلام عن مسؤولية إسرائيل، التي أدت سياسات حكومتها اليمينية الأكثر تشدداً تجاه الفلسطينيين إلى ما أدت إليه، بحسب تحليلات أميركية عدة.

عودة إلى المنطقة

حتى الآن، يحظى «تعامل» إدارة الرئيس جو بايدن مع «الحرب الجديدة» بتأييد من الحزبين، على الرغم من «الانتقادات» الجمهورية المحدودة، التي لا تعدو مزايدات طبيعية في هذه السنة الانتخابية. ولكن، بحسب صحيفة «وول ستريت جورنال» المحسوبة عادةً على الجمهوريين، يواجه بايدن، «الذي يعود دعمه لإسرائيل إلى نصف قرن»، معضلة في السياسة الخارجية في أعقاب هجمات «حماس»، تتمثّل في كيفية دعم أقرب حليف للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، من دون جرّ أميركا إلى صراع إقليمي خطير.

هذا التساؤل ليس مطروحاً على الديمقراطيين فقط. إذ القرارات التي تتخذها الإدارات الأميركية، بمعزل عن هوية الحزب الحاكم، من شأنها أن ترسم سياسات واشنطن لعقود. ورغم تشديد إدارة بايدن على خيار «حلّ الدولتين»، الذي يعده البعض «لفظياً» في ظل انحياز أميركي كامل لإسرائيل، وميزان قوى مختل عاجز عن ترجمة تنفيذه، حافظت الإدارة على «اتفاقات إبراهيم» التي أنجزتها إدارة الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترمب.

وتجمع تعليقات كثير من مراكز الأبحاث على القول إن الحرب الإسرائيلية في غزة تطرح على بايدن سلسلة من التحديات الشائكة في السياسة الخارجية، بينما يعمل المسؤولون الأميركيون على ردع القوى الإقليمية، مثل «حزب الله» اللبناني، عن فتح «جبهة شمالية» في الحرب، في ظل تعقيدات ملف أكثر من 150 رهينة، محتجزين لدى «حماس».

قرار الانسحاب من أفغانستان وتقليص الوجود الأميركي في أماكن عدة، وخصوصاً من الشرق الأوسط، كان بمثابة إشارة إلى «حقبة جديدة»، عن رفض واشنطن التورط في «رمال تلك الصحراء»، (بحسب أوباما) والابتعاد عن «حُفر القرف» في أفريقيا (بحسب ترمب)، والتركيز بدلاً من ذلك على الدبلوماسية وسياسة العقوبات التي تتبعها واشنطن مع روسيا، على الرغم من دعمها لأوكرانيا، وتتبعها أيضاً مع الصين، التي تعتبرها المنافس الاستراتيجي الأول لها.

ومثلما كان على إدارة بايدن أن تسير على «خيط رفيع» في تقديمها المساعدة العسكرية لأوكرانيا، من دون خوض مواجهة مباشرة مع روسيا، فإن السؤال الآن هو؛ هل يستطيع بايدن تقديم دعم قوي لإسرائيل من دون الخوض في حرب إقليمية، يمكن أن تضع الولايات المتحدة في مواجهة مع إيران؟

رسالة ردع لتجنب الحرب

يرى «معهد الشرق الأوسط» في واشنطن أن إدارة بايدن تجري تحوّلاً في سياستها في الشرق الأوسط إلى مستوى أعلى. ويقول بريان كاتوليس، نائب رئيس السياسات في «المعهد»، إن «الهجوم المفاجئ والصادم الذي شنّته (حماس)، وضع الشرق الأوسط في مرتبة أعلى على أجندة الأمن القومي الشاملة لإدارة بايدن». وتوقّع وضع الجهود الرامية إلى تعزيز نهج الدبلوماسية الأكثر استباقية - بما في ذلك جهود التطبيع - في مرتبة متأخرة، بينما ينخرط فريق بايدن في «دبلوماسية الأزمات»، ويكثّف الدعم الأمني للشركاء في جميع أنحاء المنطقة.

لكن الهجمات، إلى جانب علاقة أميركا الطويلة الأمد مع إسرائيل، قد تشيران أيضاً إلى استعداد واشنطن للعب دور رئيس في دعم الجيش الإسرائيلي خلال الأسابيع المقبلة، فضلاً عن إرسالها مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد فورد»، فهي ستُلحِقها بمجموعة حاملة طائرات ثانية في الأسبوعين المقبلين، كجزء من تصعيد الجهود العسكرية الأميركية «لمنع (حزب لله) من الانضمام إلى الحرب، وإيران من تصعيدها واستغلالها»، كذلك عرضت الولايات المتحدة التخطيط والدعم الاستخباراتي من «قيادة العمليات الخاصة» لمساعدة إسرائيل في التعامل مع أزمة الرهائن، الذين من بينهم نحو 17 أميركياً.

هنا يقول إيان بريمر، رئيس مجموعة «أوراسيا»، وهي مؤسسة أبحاث واستشارات المخاطر السياسية، إنه من المنطقي أن يكون لدى بايدن رد فعل قوي بالنظر إلى «حجم ووحشية» هجمات «حماس». وتابع بريمر: «يجب أن يكون مستوى الدعم الأميركي فورياً وغير سياسي، في الوقت الذي يكون كل شيء سياسياً في الولايات المتحدة، وهذا أمر بديهي».

موقفه هذا يشير إلى أن الدعم الأميركي لإسرائيل يقفز فوق كل الخلافات الحزبية، مثلما توضحه أيضاً تعليقات عدد من أعضاء الكونغرس أخيراً. فقد أعلن النائب اليميني المتشدد ماثيو غايتز، الذي لعب دوراً أساسياً في عزل رئيس مجلس النواب كيفن مكارثي بسبب موافقة الأخير على تخصيص أموال لأوكرانيا، عن دعمه من دون تحفظ تخصيص الأموال لدعم إسرائيل.

إيران هي العقدة

بالنسبة إلى مقاربة العلاقة مع إيران، كانت إدارة بايدن ولا تزال تتعرض للانتقاد، من ضفتي الطيف السياسي الأميركي، حتى قبل اندلاع الحرب. أما السبب فهو إصرارها على مواصلة نهجها «الدبلوماسي»، رغم «فضيحة» تعليق عمل مبعوثها الخاص روبرت مالي، على خلفية «تسريبات غير مصرّح بها»، وما تلاها من كشف لشبكة «مؤثرين»، يعمل بعضهم في إدارته، ضمن ما يسمى «مبادرة خبراء إيران».

اليوم، ومع محاولة ربط كثير من السياسيين ومراكز الأبحاث والصحف الأميركية هجوم «حماس» بإيران، يقول جيسون برادوسكي، من معهد «أتلانتيك كاونسل»، إن ما حدث «نتيجة تلك السياسات التي اعتبرتها طهران دليلاً على ضعف الولايات المتحدة ووهنها، وضعف إسرائيل من الداخل، لقلب الأوضاع في المنطقة».

وتذهب مجلة «فورين أفيرز» أبعد من ذلك، وترى أن «الوقت قد حان منذ زمن طويل للتخلص من تلك العقلية»، وأن الدبلوماسية السابقة تجاه إيران «تشكّلت عبر الاقتناع بإمكانية إقناعها بقبول التنازلات العملية التي تخدم مصالح بلادها». وإذا كان هذا الأمر ذات مرة ذا مصداقية، فإن النظام الإيراني عاد إلى فرضيته الأساسية؛ التصميم على قلب النظام الإقليمي بأي وسيلة، ولذا ينبغي على واشنطن أن تتخلص من أوهام التوصل إلى هدنة معه.

وعلى الرغم من تطور موقف بايدن بشكل كبير عن نهج أوباما إزاء التحديات الجيوسياسية الأخرى، ترى المجلة أن «سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران هي وحدها التي تظل غارقة في الافتراضات التي عفّى عليها الزمن قبل عقد من الزمن. وفي البيئة الحالية، لن يؤدي التواصل الدبلوماسي الأميركي مع المسؤولين الإيرانيين في بعض عواصم المنطقة إلى ضبط النفس الدائم من جانب طهران».

وتواصل أن واشنطن تحتاج إلى «نشر الواقعية المتشددة نفسها تجاه إيران»، التي ساهمت في توجيه السياسة الأميركية الأخيرة تجاه روسيا والصين، «أي بناء تحالفات من الدول الراغبة في زيادة الضغط وشل الشبكات الإيرانية العابرة للحدود الوطنية، وإعادة التنفيذ الهادف للعقوبات الأميركية، والإيصال بوضوح، من خلال الدبلوماسية ووضع القوة والإجراءات لاستباق الاستفزازات الإيرانية أو الرد عليها، أن الولايات المتحدة مستعدة لردع العدوان الإقليمي الإيراني والتقدم النووي. والشرق الأوسط يتمتع بطريقة تجعله يفرض نفسه على رأس جدول أعمال كل رئيس. وفي أعقاب هذا الهجوم المدمر، على البيت الأبيض أن يرقى إلى مستوى التحدي».

ناثان ساكس (بروكينغز)

الجبهة السورية اللبنانية

من جهة ثانية، يقول ناتان ساكس، مدير مركز سياسة الشرق الأوسط في «معهد بروكينغز»، إنه على الرغم من توقعه تحاشي بايدن إرسال قوات أميركية إلى المنطقة، فإن إرسال الدعم البحري أو الجوي من أجل منع «حزب الله» من الدخول في الصراع «هو نقطة تحول رئيسة، ومن شأنه أن يغير تماماً فحوى الحرب، كما أنه سيعقد الأمور بالنسبة لبايدن».

ومع رسالة «الردع» القوية التي أرسلتها واشنطن إلى إيران و«حزب الله»، بدا ما يشبه الإجماع في تقديرات معظم التحليلات الأميركية على أن توسيع الجبهة عبر توريط الجبهة اللبنانية والسورية قد يكون أمراً مستبعداً.

لكن مع ذلك، يقول مارك دوبوفيتز، رئيس «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، إن «استعراض القوة» الأميركي لدعم إسرائيل مرهون بتغيير نظرة المرشد الإيراني علي خامنئي... وخامنئي يعتقد أنه ليس لديه الكثير مما يخشاه من واشنطن، التي يراها «نمراً من ورق»، وأن الأمر يعتمد على تطوّر الأمور على الأرض في الأيام المقبلة.

ومن ثم، يطالب دوبوفيتز إدارة بايدن بالردّ بالقوة نفسها التي ردّت بها على فظائع «داعش»، وهو ما «تنتظره» إسرائيل، التي عليها بمجرد اكتمال حربها في غزة، أن تحول اهتمامها إلى إيران، بما يشمل توجيه ضربات إلى مواقعها النووية أيضاً. وينهي كلامه منبهاً: «لا يخطئن أحد، فاحتمالات نشوب حرب إقليمية أكبر آخذة في التزايد».

إسرائيل نقطة نقاش ساخنة

قضية أخرى استحوذت على المناقشات الأميركية. إذ خلق هجوم «حماس» عقبة أخرى في السياسة الخارجية أمام بايدن، الذي يواجه إعادة انتخاب صعبة مع تنامي خطاب الانعزال داخل البلاد، وهي حالة تحوّل إسرائيل عملياً إلى نقطة نقاش ساخنة في صفوف الحزب الديمقراطي، مع تزايد عدد المؤيدين لنهج أكثر توازناً في تقييم العلاقة مع الفلسطينيين.

فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «غالوب» خلال مارس (آذار) أن 49 في المائة من الديمقراطيين، قالوا إن تعاطفهم أكبر مع الفلسطينيين، بينما قال 38 في المائة إن تعاطفهم أكبر مع الإسرائيليين. وجاءت هذه النتائج لافتة في ظل استطلاع سابق، حظيت فيه إسرائيل بتعاطف 78 في المائة من الجمهوريين، و49 في المائة من المستقلين.

في أي حال، أظهرت الضجة التي أثارتها المظاهرة المؤيدة للفلسطينيين، التي نظمت يوم الأحد، في ساحة «تايمز سكوير» بقلب مدينة نيويورك، انقسامات سياسية، تصاعدت جراء هجوم «حماس». ووفق صحيفة «نيويورك تايمز» أدى الهجوم إلى قلب المشهد السياسي في نيويورك رأساً على عقب، ما أدى إلى شق خطوط صدع مفتوحة بين اثنتين من أهم الكتل الانتخابية في المدينة؛ الجالية اليهودية التي تعد ثاني أكبر جالية في العالم، والحركة اليسارية النشطة حديثاً، التي صعدت إلى مكانة بارزة في انتخابات المدينة عام 2008.

اليسار مُحرَج

اندلع التوتر بعدما دعا فرع نيويورك لما يُسمى بـ«الاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين» إلى مسيرة مؤيدة للفلسطينيين. وبينما كان المتظاهرون يهتفون مهلّلين بالصواريخ التي أطلقت على إسرائيل، رغم مشاهد العنف التي طالت المدنيين، أعرب سياسيون ديمقراطيون متحالفون بشكل وثيق مع اليسار في نيويورك عن مخاوفهم، وسارعوا إلى طمأنه سكان نيويورك اليهود الغاضبين.

أيضاً، تحت ضغط متزايد، سعى القادة الديمقراطيون اليساريون إلى إبعاد أنفسهم عن الحدث من دون تنفير النشطاء الذين سهّلوا وصول بعضهم إلى مناصبهم. وتراجع هؤلاء عن تبني المظاهرة، وأصدروا الثلاثاء بياناً يعتذرون فيه صراحة عن «إساءة توضيح قيمنا».

حتى ألكساندريا أوكازيو - كورتيز، النائبة اليسارية الأكثر شعبية في نيويورك، اضطرت لإدانة ما وصفته بـ«التعصّب والقسوة التي عُبر عنهما في تايمز سكوير يوم الأحد». وأضافت أن المظاهرة «لم تتكلم باسم آلاف من سكان نيويورك القادرين على رفض هجمات (حماس) المروّعة ضد المدنيين الأبرياء، وكذلك الظلم الجسيم والعنف الذي يواجهه الفلسطينيون تحت الاحتلال». أما النائب جمال بومان، الذي انتُخِب عام 2020 بمساعدة الاشتراكيين اليساريين في منطقته التي تسكنها غالبية يهودية، فقد هاجم المظاهرة، ووصف هجوم «حماس» بأنه انتهاك للقانون الدولي. وإن كان رغم ذلك، حذّر من «الخلط بين المدنيين الفلسطينيين ومسلّحي (حماس)، أو إغفال الأسباب الجذرية لهذا الصراع».

وحقاً، ما حدث، عكس الواقع المتغير والمعقّد لنيويورك الليبرالية، المدينة التي تعدّ منبع الثقافة الأميركية اليهودية ومسقط رأس اليسار الأميركي الحديث. وفي حين لا يزال الديمقراطيون في نيويورك داعمين عموماً لإسرائيل كدولة، فإن الانتقادات والمعارضة الصريحة داخل أوساطهم غدت واسعة النطاق في السنوات الأخيرة. ويرى كثيرون من الناشطين اليساريين الشباب، بما في ذلك اليهود، أن «التحرير الفلسطيني» مرتبط ارتباطاً وثيقاً بقضية العدالة العنصرية، وينظرون إلى إسرائيل على أنها أمة مُضطهِدة مزدهرة. كذلك يعارض كثير من اليهود بشدة حكومتها اليمينية، التي يعتقدون أنها تعمل على إضعاف الديمقراطية ويخشون أن تقوّض إمكانية التعايش السلمي بين اليهود والفلسطينيين.

حالياً... أنصار إسرائيل يتقدّمون

> في خضم تصاعد أعداد القتلى الإسرائيليين، فإن الهجوم الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة - الذي يواصل رفع أعداد الضحايا الفلسطينيين - يدفع أنصار إسرائيل من مختلف التكتلات التي شكلت تقليدياً قاعدة للديمقراطيين، إلى تنحية الخلافات السياسية جانباً والتجمع معاً ككتلة واحدة.

ويرى البعض أن ما حدث «أعاد عقارب الساعة إلى الوراء»، بعدما كان توجيه الانتقاد إلى سياسات واشنطن وإسرائيل تجاه الفلسطينيين قد كسر «المحرّمات» السابقة. بيد أن المقاربة اليسارية لتلك القضية، التي كانت تقابلها مقاربة يمينية متشددة ومعادية للسامية، يتباهى مؤيدوها بخطاب يميني يدعم تيار ما يسمى «ماغا» (أي «اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»).

لقد كان مؤيدو إسرائيل يوجهون الانتقادات إلى كلا التيارين. وبالفعل، سعوا جاهدين إلى وقف نمو التيار اليساري الذي تمكن من اختراق أرقى الجامعات الأميركية، كجامعة هارفارد التي تخرج فيها كثير من الرؤساء والقادة السياسيين الأميركيين.

القصف شمل القوارب في ميناء غزة (رويترز)

غير أن الضغوط الجديدة والمتزايدة لدعم إسرائيل، ونجاح الحملة الإعلامية في «شيطنة» الفلسطينيين، عوامل دفعت بكثير من الناشطين إلى تحذير قادة التيار اليساري من أنهم قد يتحولون إلى منبوذين في كثير من المدن الأميركية، وخصوصاً أوساط المجتمعات اليهودية الليبرالية الكبيرة في نيويورك، التي تعد من أشد المنتقدين للحكومات اليمينية الإسرائيلية.

وفي مقابلة مع جيريمي كوهان، الرئيس المشارك لفرع الاشتراكيين الديمقراطيين في نيويورك، قال كوهان إن المنظمة «روّجت للمسيرة بناءً على طلب مجموعة تضامن فلسطينية، ولم يكن متأكداً من أي منها، وإن الفرع لم يقم بتنظيم أو رعاية هذا الحدث». وأردف: «لا أعتقد أنني أندم ولو لدقيقة واحدة على الوقوف ضد الحرب، والوقوف لدعم نهج يشير إلى الجذور الأعمق لهذا الصراع... لكننا لم ننقل ذلك بطريقة تراعي بشكل كافٍ معاناة الناس على جميع أطراف الصراع». 3 متغيرات في موقف واشنطن: عودة للمنطقة وتشدد مع إيران وتصدّع الخطاب ضد إسرائيل


مقالات ذات صلة

مشعل: «حماس» ترفض إلقاء السلاح و«الحكم الأجنبي»

المشرق العربي أطفال يلعبون وسط أنقاض مبانٍ مدمّرة في مخيم جباليا شمال قطاع غزة أمس (أ.ف.ب)

مشعل: «حماس» ترفض إلقاء السلاح و«الحكم الأجنبي»

أكد رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» في الخارج خالد مشعل، رفض الحركة التخلي عن سلاحها وكذا قبول «حكم أجنبي» في قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
المشرق العربي خيام النازحين الفلسطينيين في مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

«فتح» تتهم إسرائيل بعرقلة مباشرة اللجنة الوطنية مهامها في غزة

اتهمت حركة «فتح»، اليوم الأحد، إسرائيل بمواصلة عرقلة دخول اللجنة الوطنية المكلفة إدارة غزة، معتبرة أن ذلك يعكس رفض تل أبيب للمضي قدماً في اتفاق وقف النار.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي خالد مشعل القيادي في حركة «حماس» (أرشيفية - رويترز) p-circle

مشعل: «حماس» لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حُكم أجنبي» في غزة

أكد القيادي في «حماس» خالد مشعل، الأحد، أن الحركة الفلسطينية لن تتخلى عن سلاحها ولن تقبل بـ«حكم أجنبي» في قطاع غزّة، بعد بدء المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
المشرق العربي سيارة إسعاف مصرية قرب معبر رفح في 4 فبراير 2026 (رويترز)

«حماس» تطالب بالضغط على إسرائيل للسماح بدخول لجنة إدارة قطاع غزة

دعت حركة «حماس»، اليوم (السبت)، جميع الأطراف للضغط على إسرائيل؛ للسماح بدخول اللجنة المستقلة لإدارة غزة للقطاع لمباشرة عملها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي رافعات بناء شاهقة تعلو موقع بناء في جفعات هاماتوس إحدى المستوطنات الإسرائيلية في القدس الشرقية المحتلة (أ.ف.ب) p-circle

مكتب حقوقي أممي ينتقد أنشطة الاستيطان الإسرائيلي

انتقد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنيف بشدة أحدث أنشطة الاستيطان الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.