مراكز أبحاث أميركا... و«حرب غزة»

إدارة بايدن تسعى للمعادلة بين دعم حليفتها وتجنّب توسيع الصراع

تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في مدينة نيويورك (آ ب)
تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في مدينة نيويورك (آ ب)
TT

مراكز أبحاث أميركا... و«حرب غزة»

تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في مدينة نيويورك (آ ب)
تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين في مدينة نيويورك (آ ب)

كشف الهجوم الكبير، الذي نفذته «حركة حماس» يوم السبت الماضي على إسرائيل، والرد الإسرائيلي على قطاع غزة، عن 3 مؤشرات، قد تؤدي إلى إعادة تشكيل السياسات الأميركية في المنطقة، على المديين القريب والبعيد. الأول، تصاعد الدعوات لمراجعة سياسة الابتعاد عن «الحروب الأبدية»، التي دعمها الحزبان الديمقراطي والجمهوري. والثاني، الموقف من إيران الذي لا يزال يقسم الحزبين الرئيسيين، على الرغم من تقاطعاتهما في نهاية المطاف على «تحييدها» عن تحمّل مسؤولية «الفوضى» التي تنشرها في المنطقة، وفق قيادات الحزبين ومعظم مراكز الأبحاث الأميركية. والثالث، تداعيات تأثير الحرب الجديدة على الاصطفافات الحزبية القائمة على أسس سياسية وآيديولوجية، من اليمين أو اليسار، تجاه الموقف الأخلاقي من دعم الفلسطينيين والإسرائيليين.

ألكسندربا أوكازيو-كورتيز (آ ب)

منذ اليوم الأول للحرب المندلعة في غزة، نشرت مراكز الأبحاث وكبريات الصحف الأميركية تقارير وتحليلات مكثفة، تناولت الموقف من القضايا الثلاث (أعلاه)، كان الجامع الأكبر بينها وجود إجماع على «إدانة الإرهاب» (مع الدفق غير العادي لمشاهد العنف في اليوم الأول من هجوم «حماس»)، وتحميل إيران المسؤولية عن الهجوم، ودعوة البيت الأبيض إلى تغيير سياساته منها وتجاه المنطقة.

بيد أن الإجماع على «معاقبة غزة» يكاد يطيح بكل المناقشات الجدية السابقة، التي كانت تدعو إلى اعتماد مقاربة جديدة للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، لدى بعض المراكز البحثية «المتوازنة»، في ظل استبعاد أي كلام عن مسؤولية إسرائيل، التي أدت سياسات حكومتها اليمينية الأكثر تشدداً تجاه الفلسطينيين إلى ما أدت إليه، بحسب تحليلات أميركية عدة.

عودة إلى المنطقة

حتى الآن، يحظى «تعامل» إدارة الرئيس جو بايدن مع «الحرب الجديدة» بتأييد من الحزبين، على الرغم من «الانتقادات» الجمهورية المحدودة، التي لا تعدو مزايدات طبيعية في هذه السنة الانتخابية. ولكن، بحسب صحيفة «وول ستريت جورنال» المحسوبة عادةً على الجمهوريين، يواجه بايدن، «الذي يعود دعمه لإسرائيل إلى نصف قرن»، معضلة في السياسة الخارجية في أعقاب هجمات «حماس»، تتمثّل في كيفية دعم أقرب حليف للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، من دون جرّ أميركا إلى صراع إقليمي خطير.

هذا التساؤل ليس مطروحاً على الديمقراطيين فقط. إذ القرارات التي تتخذها الإدارات الأميركية، بمعزل عن هوية الحزب الحاكم، من شأنها أن ترسم سياسات واشنطن لعقود. ورغم تشديد إدارة بايدن على خيار «حلّ الدولتين»، الذي يعده البعض «لفظياً» في ظل انحياز أميركي كامل لإسرائيل، وميزان قوى مختل عاجز عن ترجمة تنفيذه، حافظت الإدارة على «اتفاقات إبراهيم» التي أنجزتها إدارة الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترمب.

وتجمع تعليقات كثير من مراكز الأبحاث على القول إن الحرب الإسرائيلية في غزة تطرح على بايدن سلسلة من التحديات الشائكة في السياسة الخارجية، بينما يعمل المسؤولون الأميركيون على ردع القوى الإقليمية، مثل «حزب الله» اللبناني، عن فتح «جبهة شمالية» في الحرب، في ظل تعقيدات ملف أكثر من 150 رهينة، محتجزين لدى «حماس».

قرار الانسحاب من أفغانستان وتقليص الوجود الأميركي في أماكن عدة، وخصوصاً من الشرق الأوسط، كان بمثابة إشارة إلى «حقبة جديدة»، عن رفض واشنطن التورط في «رمال تلك الصحراء»، (بحسب أوباما) والابتعاد عن «حُفر القرف» في أفريقيا (بحسب ترمب)، والتركيز بدلاً من ذلك على الدبلوماسية وسياسة العقوبات التي تتبعها واشنطن مع روسيا، على الرغم من دعمها لأوكرانيا، وتتبعها أيضاً مع الصين، التي تعتبرها المنافس الاستراتيجي الأول لها.

ومثلما كان على إدارة بايدن أن تسير على «خيط رفيع» في تقديمها المساعدة العسكرية لأوكرانيا، من دون خوض مواجهة مباشرة مع روسيا، فإن السؤال الآن هو؛ هل يستطيع بايدن تقديم دعم قوي لإسرائيل من دون الخوض في حرب إقليمية، يمكن أن تضع الولايات المتحدة في مواجهة مع إيران؟

رسالة ردع لتجنب الحرب

يرى «معهد الشرق الأوسط» في واشنطن أن إدارة بايدن تجري تحوّلاً في سياستها في الشرق الأوسط إلى مستوى أعلى. ويقول بريان كاتوليس، نائب رئيس السياسات في «المعهد»، إن «الهجوم المفاجئ والصادم الذي شنّته (حماس)، وضع الشرق الأوسط في مرتبة أعلى على أجندة الأمن القومي الشاملة لإدارة بايدن». وتوقّع وضع الجهود الرامية إلى تعزيز نهج الدبلوماسية الأكثر استباقية - بما في ذلك جهود التطبيع - في مرتبة متأخرة، بينما ينخرط فريق بايدن في «دبلوماسية الأزمات»، ويكثّف الدعم الأمني للشركاء في جميع أنحاء المنطقة.

لكن الهجمات، إلى جانب علاقة أميركا الطويلة الأمد مع إسرائيل، قد تشيران أيضاً إلى استعداد واشنطن للعب دور رئيس في دعم الجيش الإسرائيلي خلال الأسابيع المقبلة، فضلاً عن إرسالها مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد فورد»، فهي ستُلحِقها بمجموعة حاملة طائرات ثانية في الأسبوعين المقبلين، كجزء من تصعيد الجهود العسكرية الأميركية «لمنع (حزب لله) من الانضمام إلى الحرب، وإيران من تصعيدها واستغلالها»، كذلك عرضت الولايات المتحدة التخطيط والدعم الاستخباراتي من «قيادة العمليات الخاصة» لمساعدة إسرائيل في التعامل مع أزمة الرهائن، الذين من بينهم نحو 17 أميركياً.

هنا يقول إيان بريمر، رئيس مجموعة «أوراسيا»، وهي مؤسسة أبحاث واستشارات المخاطر السياسية، إنه من المنطقي أن يكون لدى بايدن رد فعل قوي بالنظر إلى «حجم ووحشية» هجمات «حماس». وتابع بريمر: «يجب أن يكون مستوى الدعم الأميركي فورياً وغير سياسي، في الوقت الذي يكون كل شيء سياسياً في الولايات المتحدة، وهذا أمر بديهي».

موقفه هذا يشير إلى أن الدعم الأميركي لإسرائيل يقفز فوق كل الخلافات الحزبية، مثلما توضحه أيضاً تعليقات عدد من أعضاء الكونغرس أخيراً. فقد أعلن النائب اليميني المتشدد ماثيو غايتز، الذي لعب دوراً أساسياً في عزل رئيس مجلس النواب كيفن مكارثي بسبب موافقة الأخير على تخصيص أموال لأوكرانيا، عن دعمه من دون تحفظ تخصيص الأموال لدعم إسرائيل.

إيران هي العقدة

بالنسبة إلى مقاربة العلاقة مع إيران، كانت إدارة بايدن ولا تزال تتعرض للانتقاد، من ضفتي الطيف السياسي الأميركي، حتى قبل اندلاع الحرب. أما السبب فهو إصرارها على مواصلة نهجها «الدبلوماسي»، رغم «فضيحة» تعليق عمل مبعوثها الخاص روبرت مالي، على خلفية «تسريبات غير مصرّح بها»، وما تلاها من كشف لشبكة «مؤثرين»، يعمل بعضهم في إدارته، ضمن ما يسمى «مبادرة خبراء إيران».

اليوم، ومع محاولة ربط كثير من السياسيين ومراكز الأبحاث والصحف الأميركية هجوم «حماس» بإيران، يقول جيسون برادوسكي، من معهد «أتلانتيك كاونسل»، إن ما حدث «نتيجة تلك السياسات التي اعتبرتها طهران دليلاً على ضعف الولايات المتحدة ووهنها، وضعف إسرائيل من الداخل، لقلب الأوضاع في المنطقة».

وتذهب مجلة «فورين أفيرز» أبعد من ذلك، وترى أن «الوقت قد حان منذ زمن طويل للتخلص من تلك العقلية»، وأن الدبلوماسية السابقة تجاه إيران «تشكّلت عبر الاقتناع بإمكانية إقناعها بقبول التنازلات العملية التي تخدم مصالح بلادها». وإذا كان هذا الأمر ذات مرة ذا مصداقية، فإن النظام الإيراني عاد إلى فرضيته الأساسية؛ التصميم على قلب النظام الإقليمي بأي وسيلة، ولذا ينبغي على واشنطن أن تتخلص من أوهام التوصل إلى هدنة معه.

وعلى الرغم من تطور موقف بايدن بشكل كبير عن نهج أوباما إزاء التحديات الجيوسياسية الأخرى، ترى المجلة أن «سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران هي وحدها التي تظل غارقة في الافتراضات التي عفّى عليها الزمن قبل عقد من الزمن. وفي البيئة الحالية، لن يؤدي التواصل الدبلوماسي الأميركي مع المسؤولين الإيرانيين في بعض عواصم المنطقة إلى ضبط النفس الدائم من جانب طهران».

وتواصل أن واشنطن تحتاج إلى «نشر الواقعية المتشددة نفسها تجاه إيران»، التي ساهمت في توجيه السياسة الأميركية الأخيرة تجاه روسيا والصين، «أي بناء تحالفات من الدول الراغبة في زيادة الضغط وشل الشبكات الإيرانية العابرة للحدود الوطنية، وإعادة التنفيذ الهادف للعقوبات الأميركية، والإيصال بوضوح، من خلال الدبلوماسية ووضع القوة والإجراءات لاستباق الاستفزازات الإيرانية أو الرد عليها، أن الولايات المتحدة مستعدة لردع العدوان الإقليمي الإيراني والتقدم النووي. والشرق الأوسط يتمتع بطريقة تجعله يفرض نفسه على رأس جدول أعمال كل رئيس. وفي أعقاب هذا الهجوم المدمر، على البيت الأبيض أن يرقى إلى مستوى التحدي».

ناثان ساكس (بروكينغز)

الجبهة السورية اللبنانية

من جهة ثانية، يقول ناتان ساكس، مدير مركز سياسة الشرق الأوسط في «معهد بروكينغز»، إنه على الرغم من توقعه تحاشي بايدن إرسال قوات أميركية إلى المنطقة، فإن إرسال الدعم البحري أو الجوي من أجل منع «حزب الله» من الدخول في الصراع «هو نقطة تحول رئيسة، ومن شأنه أن يغير تماماً فحوى الحرب، كما أنه سيعقد الأمور بالنسبة لبايدن».

ومع رسالة «الردع» القوية التي أرسلتها واشنطن إلى إيران و«حزب الله»، بدا ما يشبه الإجماع في تقديرات معظم التحليلات الأميركية على أن توسيع الجبهة عبر توريط الجبهة اللبنانية والسورية قد يكون أمراً مستبعداً.

لكن مع ذلك، يقول مارك دوبوفيتز، رئيس «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، إن «استعراض القوة» الأميركي لدعم إسرائيل مرهون بتغيير نظرة المرشد الإيراني علي خامنئي... وخامنئي يعتقد أنه ليس لديه الكثير مما يخشاه من واشنطن، التي يراها «نمراً من ورق»، وأن الأمر يعتمد على تطوّر الأمور على الأرض في الأيام المقبلة.

ومن ثم، يطالب دوبوفيتز إدارة بايدن بالردّ بالقوة نفسها التي ردّت بها على فظائع «داعش»، وهو ما «تنتظره» إسرائيل، التي عليها بمجرد اكتمال حربها في غزة، أن تحول اهتمامها إلى إيران، بما يشمل توجيه ضربات إلى مواقعها النووية أيضاً. وينهي كلامه منبهاً: «لا يخطئن أحد، فاحتمالات نشوب حرب إقليمية أكبر آخذة في التزايد».

إسرائيل نقطة نقاش ساخنة

قضية أخرى استحوذت على المناقشات الأميركية. إذ خلق هجوم «حماس» عقبة أخرى في السياسة الخارجية أمام بايدن، الذي يواجه إعادة انتخاب صعبة مع تنامي خطاب الانعزال داخل البلاد، وهي حالة تحوّل إسرائيل عملياً إلى نقطة نقاش ساخنة في صفوف الحزب الديمقراطي، مع تزايد عدد المؤيدين لنهج أكثر توازناً في تقييم العلاقة مع الفلسطينيين.

فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «غالوب» خلال مارس (آذار) أن 49 في المائة من الديمقراطيين، قالوا إن تعاطفهم أكبر مع الفلسطينيين، بينما قال 38 في المائة إن تعاطفهم أكبر مع الإسرائيليين. وجاءت هذه النتائج لافتة في ظل استطلاع سابق، حظيت فيه إسرائيل بتعاطف 78 في المائة من الجمهوريين، و49 في المائة من المستقلين.

في أي حال، أظهرت الضجة التي أثارتها المظاهرة المؤيدة للفلسطينيين، التي نظمت يوم الأحد، في ساحة «تايمز سكوير» بقلب مدينة نيويورك، انقسامات سياسية، تصاعدت جراء هجوم «حماس». ووفق صحيفة «نيويورك تايمز» أدى الهجوم إلى قلب المشهد السياسي في نيويورك رأساً على عقب، ما أدى إلى شق خطوط صدع مفتوحة بين اثنتين من أهم الكتل الانتخابية في المدينة؛ الجالية اليهودية التي تعد ثاني أكبر جالية في العالم، والحركة اليسارية النشطة حديثاً، التي صعدت إلى مكانة بارزة في انتخابات المدينة عام 2008.

اليسار مُحرَج

اندلع التوتر بعدما دعا فرع نيويورك لما يُسمى بـ«الاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين» إلى مسيرة مؤيدة للفلسطينيين. وبينما كان المتظاهرون يهتفون مهلّلين بالصواريخ التي أطلقت على إسرائيل، رغم مشاهد العنف التي طالت المدنيين، أعرب سياسيون ديمقراطيون متحالفون بشكل وثيق مع اليسار في نيويورك عن مخاوفهم، وسارعوا إلى طمأنه سكان نيويورك اليهود الغاضبين.

أيضاً، تحت ضغط متزايد، سعى القادة الديمقراطيون اليساريون إلى إبعاد أنفسهم عن الحدث من دون تنفير النشطاء الذين سهّلوا وصول بعضهم إلى مناصبهم. وتراجع هؤلاء عن تبني المظاهرة، وأصدروا الثلاثاء بياناً يعتذرون فيه صراحة عن «إساءة توضيح قيمنا».

حتى ألكساندريا أوكازيو - كورتيز، النائبة اليسارية الأكثر شعبية في نيويورك، اضطرت لإدانة ما وصفته بـ«التعصّب والقسوة التي عُبر عنهما في تايمز سكوير يوم الأحد». وأضافت أن المظاهرة «لم تتكلم باسم آلاف من سكان نيويورك القادرين على رفض هجمات (حماس) المروّعة ضد المدنيين الأبرياء، وكذلك الظلم الجسيم والعنف الذي يواجهه الفلسطينيون تحت الاحتلال». أما النائب جمال بومان، الذي انتُخِب عام 2020 بمساعدة الاشتراكيين اليساريين في منطقته التي تسكنها غالبية يهودية، فقد هاجم المظاهرة، ووصف هجوم «حماس» بأنه انتهاك للقانون الدولي. وإن كان رغم ذلك، حذّر من «الخلط بين المدنيين الفلسطينيين ومسلّحي (حماس)، أو إغفال الأسباب الجذرية لهذا الصراع».

وحقاً، ما حدث، عكس الواقع المتغير والمعقّد لنيويورك الليبرالية، المدينة التي تعدّ منبع الثقافة الأميركية اليهودية ومسقط رأس اليسار الأميركي الحديث. وفي حين لا يزال الديمقراطيون في نيويورك داعمين عموماً لإسرائيل كدولة، فإن الانتقادات والمعارضة الصريحة داخل أوساطهم غدت واسعة النطاق في السنوات الأخيرة. ويرى كثيرون من الناشطين اليساريين الشباب، بما في ذلك اليهود، أن «التحرير الفلسطيني» مرتبط ارتباطاً وثيقاً بقضية العدالة العنصرية، وينظرون إلى إسرائيل على أنها أمة مُضطهِدة مزدهرة. كذلك يعارض كثير من اليهود بشدة حكومتها اليمينية، التي يعتقدون أنها تعمل على إضعاف الديمقراطية ويخشون أن تقوّض إمكانية التعايش السلمي بين اليهود والفلسطينيين.

حالياً... أنصار إسرائيل يتقدّمون

> في خضم تصاعد أعداد القتلى الإسرائيليين، فإن الهجوم الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة - الذي يواصل رفع أعداد الضحايا الفلسطينيين - يدفع أنصار إسرائيل من مختلف التكتلات التي شكلت تقليدياً قاعدة للديمقراطيين، إلى تنحية الخلافات السياسية جانباً والتجمع معاً ككتلة واحدة.

ويرى البعض أن ما حدث «أعاد عقارب الساعة إلى الوراء»، بعدما كان توجيه الانتقاد إلى سياسات واشنطن وإسرائيل تجاه الفلسطينيين قد كسر «المحرّمات» السابقة. بيد أن المقاربة اليسارية لتلك القضية، التي كانت تقابلها مقاربة يمينية متشددة ومعادية للسامية، يتباهى مؤيدوها بخطاب يميني يدعم تيار ما يسمى «ماغا» (أي «اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى»).

لقد كان مؤيدو إسرائيل يوجهون الانتقادات إلى كلا التيارين. وبالفعل، سعوا جاهدين إلى وقف نمو التيار اليساري الذي تمكن من اختراق أرقى الجامعات الأميركية، كجامعة هارفارد التي تخرج فيها كثير من الرؤساء والقادة السياسيين الأميركيين.

القصف شمل القوارب في ميناء غزة (رويترز)

غير أن الضغوط الجديدة والمتزايدة لدعم إسرائيل، ونجاح الحملة الإعلامية في «شيطنة» الفلسطينيين، عوامل دفعت بكثير من الناشطين إلى تحذير قادة التيار اليساري من أنهم قد يتحولون إلى منبوذين في كثير من المدن الأميركية، وخصوصاً أوساط المجتمعات اليهودية الليبرالية الكبيرة في نيويورك، التي تعد من أشد المنتقدين للحكومات اليمينية الإسرائيلية.

وفي مقابلة مع جيريمي كوهان، الرئيس المشارك لفرع الاشتراكيين الديمقراطيين في نيويورك، قال كوهان إن المنظمة «روّجت للمسيرة بناءً على طلب مجموعة تضامن فلسطينية، ولم يكن متأكداً من أي منها، وإن الفرع لم يقم بتنظيم أو رعاية هذا الحدث». وأردف: «لا أعتقد أنني أندم ولو لدقيقة واحدة على الوقوف ضد الحرب، والوقوف لدعم نهج يشير إلى الجذور الأعمق لهذا الصراع... لكننا لم ننقل ذلك بطريقة تراعي بشكل كافٍ معاناة الناس على جميع أطراف الصراع». 3 متغيرات في موقف واشنطن: عودة للمنطقة وتشدد مع إيران وتصدّع الخطاب ضد إسرائيل


مقالات ذات صلة

مقتل 11 فلسطينياً بينهم صحافيون بنيران إسرائيلية في غزة

المشرق العربي فلسطينية تبكي أمام جثمان أحد قتلى الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة (رويترز) play-circle

مقتل 11 فلسطينياً بينهم صحافيون بنيران إسرائيلية في غزة

قُتل 11 فلسطينياً، اليوم (الأربعاء)، بنيران الجيش الإسرائيلي في مناطق متفرقة من قطاع غزة، في ظل تصاعد التوتر الميداني اليومي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي الفلسطينيون النازحون الذين لجأوا إلى خيام مؤقتة ومدارس أو منازل متضررة بشدة يواصلون حياتهم وسط الأزمة الإنسانية المستمرة في غزة (د.ب.أ) play-circle

أوامر إخلاء إسرائيلية في غزة للمرة الأولى منذ وقف النار

أمرت القوات الإسرائيلية عشرات العائلات الفلسطينية في جنوب قطاع غزة بمغادرة منازلها، في أول إخلاء قسري منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شمال افريقيا أحد عناصر «حماس» في مدينة غزة (أ.ف.ب) play-circle

قوة «استقرار غزة»... 3 أسباب وراء تأخر التشكيل

تشكلت الأجهزة التنفيذية الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وبقيت «قوة الاستقرار الدولية» تحيطها الأسئلة.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي عائلات بدوية فلسطينية تفكك خيامها في رأس عين العوجا استعداداً للمغادرة بسبب تصاعد هجمات المستوطنين الإسرائيليين (إ.ب.أ) play-circle

عائلات بدوية تُخلي مساكنها في الضفة هرباً من عنف المستوطنين

يقول سكان محليون وجماعات لحقوق الإنسان إن غور الأردن وهو منطقة قليلة السكان نسبياً تقع بالقرب من نهر الأردن تتعرض الآن لضغوط كثيرة من المستوطنين

«الشرق الأوسط» (رام الله)
شؤون إقليمية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترمب خلال لقاء بمدينة شرم الشيخ في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

ترمب يدعو السيسي لـ«مجلس السلام» في غزة

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب نظيره المصري عبد الفتاح السيسي إلى الانضمام لـ«مجلس السلام».

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.