حرب الجنرالين دعائية بامتياز... وتكتم على الخسائر

خبير: طرفا القتال فقدا التواصل مع الميدان منذ الأيام الأولى للحرب

أعمدة الدخان الكثيف تتصاعد من جهة مطار الخرطوم الدولي الملاصق لمقر القيادة العامة للجيش (رويترز)
أعمدة الدخان الكثيف تتصاعد من جهة مطار الخرطوم الدولي الملاصق لمقر القيادة العامة للجيش (رويترز)
TT

حرب الجنرالين دعائية بامتياز... وتكتم على الخسائر

أعمدة الدخان الكثيف تتصاعد من جهة مطار الخرطوم الدولي الملاصق لمقر القيادة العامة للجيش (رويترز)
أعمدة الدخان الكثيف تتصاعد من جهة مطار الخرطوم الدولي الملاصق لمقر القيادة العامة للجيش (رويترز)

أيام قليلة وتدخل الحرب بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» شهرها السابع، حيث يستمر خلالها القتال العنيف بين الطرفين، دون أن يحقق أحدهما «نصراً حاسماً» على الآخر. والمثير للدهشة وسط هذا القتال أن كلا الطرفين لم يهتم بـ«الخسائر» البشرية أو المادية، كأنما الضباط وضباط الصف والجنود الذين قتلوا في الحرب مجرد بيادق في رقعة شطرنج، تتم التضحية بهم لـ«يعيش الزعيم».

في الأيام الأولى للحرب، قال «الدعم السريع» إنه «أسر» عدداً من كبار الضباط، بينهم «المفتش العام» للجيش ومدير معهد الاستخبارات، فيما قال الجيش إن أكثر من 30 ضابطاً وصف ضابط قتلوا دفاعاً عن «القائد العام» عبد الفتاح البرهان. وفي عملية خروج البرهان من الحصار داخل القيادة العامة، أعلن عن مقتل «اثنين» من رجال البحرية، أحدهما ضابط، والآخر صف ضابط. عدا هؤلاء، لا يعرف أحد كم خسر الجيش السوداني من الضباط أو الجنود، سوى ما تناقلته وسائط التواصل من تعازٍ بضباط «كبار» يقال إنهم «استشهدوا» في المعركة.

قوات من «الدعم السريع» خلال عملية عسكرية سابقة في ضاحية مايو، جنوب الخرطوم (أ.ب)

«الدعم السريع» يتكتم هو الآخر على خسائره البشرية، ولم يعلن أبداً مقتل أي من قادته أو جنوده في المعركة، عدا تصريحات خجولة تخرج من قادته، تترحم على من تسميهم «شهداء»، وعدا ما تتناقله وسائط التواصل من تعازٍ أيضاً، أو ما يتم تناقله من «إشاعات» أو تلميحات إلى مقتل آلاف من أفراده، وعدد من قادته، بما فيها تلك «الإشاعة» التي تناقلها قادة سياسيون كبار عن مقتل قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي).

انقطاع التواصل بين القيادات والميدان

البيانات الرسمية للطرفين لم تذكر أرقاماً قط، وعادة يكتفي مكتب الناطق الرسمي باسم الجيش ببيانات عامة عن سير المعارك وخسائر الطرف الآخر. ففي آخر إيجاز، قال إن قواته كبّدت العدو «عدداً من القتلى»، وأسرت عدداً منهم في معركة مع قوات «الحركة الشعبية»، وإنها دحرت هجوماً شنه «الدعم السريع» على قواته في مدينة الأبيض، وكبّدتهم خسائر فادحة «جارٍ حصرها». لكن هذه العبارة ظلت لازمة في كل البيانات، من دون تقديم حصر فعلي. وفي تفسيره لتكتم الطرفين على إعلان خسائرهما، قال المقدم معاش الطيب المالكابي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأمر يرجع إلى أن الطرفين فقدا مراكز القيادة والسيطرة منذ الأسبوع الأول للحرب، وبذلك لم تعد لديهما معلومات كافية عن تحركات القوات في المدن المختلفة، ما أدى إلى انقطاع التواصل بين القيادات والميدان، مع «اتساع» أرض المعارك بين الطرفين.

وأوضح المالكابي أن الطرفين يخشيان إعلان خسائرهما البشرية حتى لا يؤثر ذلك على التحشيد والتحشيد المضاد. وقال: «الحرب أخذت طابع الحواضن المجتمعية، ودخلتها عناصر جديدة، إلى جانب الرسميين في القوات المسلحة و(الدعم السريع)». وتابع: «(الدعم السريع) استهدف حواضنه الاجتماعية، واستعان الجيش بالمستنفرين، وظهر إلى جانبه منذ بداية المعارك مقاتلون لهم علاقة بـ(الدفاع الشعبي) والإسلاميين».

واستطرد المقدم مالكابي: «عندما تقدم معلومات عن عدد القتلى، فإنك تقلل قدرتك على الحشد». وأضاف: «لا يمكن حصر الخسائر أثناء استمرار الحرب. فهناك من شاركوا في القتال ولم يعودوا، ويصعب تحديد مصيرهم، أو تصنيفهم بين قتيل أو جريح أو أسير أو هارب، وأصبحت الإعلانات الشخصية هي الوسيلة الوحيدة لمعرفة القتلى الذين لديهم أقارب أو معارف في الجيش. لكن العدد المعلن من الخسائر لا يتعدى 5 بالمائة من الخسائر الفعلية لكلا الطرفين».

حرب دعائية بامتياز

أما المحلل السياسي الجميل الفاضل، فيرى أن التكتم على أرقام الخسائر «أمر طبيعي»، لأن إعلانها يؤثر سلباً على معنويات جنود ومقاتلي الطرفين. ويضيف: «كان لافتاً منذ اندلاع الحرب أن رهان كلٍ من الطرفين يتركز على رسم صورة ذهنية تؤكد تفوقه على خصمه ميدانياً، وتقديم مبررات تقرب هذا الطرف أو ذاك من الجمهور إليه».

ووصف الفاضل الحرب في السودان بأنها «حرب دعائية بامتياز، يحاول كل طرف فيها حصد نقاط لصالحه على حساب الطرف الآخر». ويتابع: «هناك معركة حول العقول تدور بالتزامن مع معارك الأرض، ما يجعل الخسائر البشرية والمادية تبدو كبيرة للغاية، رغم محاولات التقليل منها أو سترها وإخفائها».

بيد أن الفاضل يرى أن «كتائب الإسلاميين الجهادية»، التي تعدّ الطرف الرئيس في الحرب، هي الطرف الوحيد الذي دأب على الكشف عن قتلاه، وإصدار نعي رسمي موثق بأسمائهم. وتابع أنه «لعلّة قديمة عند الإسلاميين، فهم لا يكترثون للعواقب المحتملة، طالما أن الفاتورة يدفعها معهم آخرون على قدم سواء».

أعمدة الدخان الكثيف تتصاعد من جهة مطار الخرطوم الدولي الملاصق لمقر القيادة العامة للجيش (رويترز)

ويؤيد المحلل السياسي أشرف عبد العزيز، ما ذهب إليه الفاضل، من أن الطرفين يخشيان إعلان خسائرهما، خاصة البشرية منها، «لأن طبيعة السودانيين تميل إلى أن حسم الحرب يحدده عدد خسائر الطرفين من الأرواح». ويتابع: «لذلك يهتم نشطاء وسائط التواصل بإحصاء الخسائر في الأرواح، باعتبارها إشارات للنصر أو الهزيمة، ما يضطر الطرفين لإخفاء أعداد قتلاهما».

جثث كثيرة لا يتم نعي أصحابها

ويرى عبد العزيز أن تكتم الطرفين على خسائرهما يعني أن كل طرف منهما «يصر» على حسم المعركة عسكرياً، وبالتالي يحرص على إخفاء أي معلومات قد تؤثر على معنويات جنوده. ويضيف: «في تقديري أن القتلى وسط قوات (الدعم السريع) أكبر بحكم طرقهم القتالية، أما الجيش فأكبر خسائره بين المستنفرين». وأرجع عبد العزيز مقتل أعداد كبيرة من كبار ضباط الجيش إلى أنهم أصبحوا جزءاً من المعركة، يشاركون في القتال المباشر، ولا يعتمدون على «الصندوق القتالي». ويقول: «مقتل الضباط خسارة كبيرة للمؤسسة العسكرية التي تصرف كثيراً على تأهيل ضباطها، بمن فيهم ضباط المخابرات، الذين بلغ ببعضهم الحال اتهام الجيش بأنه أوقعهم في أفخاخ». وأضاف: «هناك عدد كبير من ضباط المخابرات وشرطة الاحتياطي المركزي على علاقة وثيقة بالتنظيم الإسلامي، لأنهم يقاتلون بدافع غير دافع الجندية وحده، فهم يقاتلون باعتبارهم (مجاهدين)».


مقالات ذات صلة

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

الخليج السفير عبد المحسن بن خثيله يلقي بياناً خلال الحوار التفاعلي بشأن السودان (بعثة السعودية لدى الأمم المتحدة في جنيف)

السعودية تؤكد موقفها الداعي لوحدة السودان وأمنه واستقراره

أكدت السعودية موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)

الأمم المتحدة: كان يمكن تجنب الفظاعات وكارثة الفاشر في السودان

أكد المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الاثنين، أن الفظائع التي ارتُكبت خلال استيلاء «قوات الدعم السريع» على الفاشر في السودان تُعدّ «كارثة».

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا نازحون يصطفون للحصول على مساعدات غذائية في مخيم بشمال كردفان (أرشيفية - أ.ف.ب)

بدو السودان محاصرون مع تصاعد انعدام الأمن والانقسام العرقي جراء الحرب

كان جبارة البشير وعائلته يجوبون صحراء ​السودان بإبلهم وماشيتهم، ويتنقلون بحرية بين الأسواق ومصادر المياه والمراعي الخضراء.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

السودان يعود إلى منظمة «إيغاد» بعد عامين من خروجه منها

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق إفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
العالم العربي أم فرَّت مع طفليها من الحرب بالسودان تجلس في مخيم ثوبو (رويترز)

«الصحة العالمية»: هجمات دموية استهدفت 3 مراكز صحية بجنوب كردفان خلال أسبوع

حذَّر مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، اليوم (الأحد)، من أن النظام الصحي في السودان يتعرَّض لهجمات مجدداً.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
TT

السودان يعود إلى «إيغاد»

رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)
رئيس مجلس الوزراء السوداني كامل إدريس (سونا)

أعلن السودان أنه سيعود إلى الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) التي تجمع دولاً في شرق أفريقيا، بعد عامين من تجميد عضويته فيها بسبب دعوة وجّهتها آنذاك إلى قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف باسم «حميدتي»، الذي يقاتل القوات الحكومية منذ أبريل (نيسان) عام 2023.

وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان نُشر على موقع «إكس» أمس، إن «حكومة جمهورية السودان ستستأنف نشاطها الكامل في عُضوية المنظمة»، التي بدورها أعربت عن التزامها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، مؤكدةً احترامها الكامل لسيادة السودان ووحدة أراضيه وشعبه، وسلامة مؤسساته الوطنية القائمة.

وكان السودان قد جمَّد عضويته في «إيغاد» في يناير (كانون الثاني) 2024، بعدما دعت المنظمة دقلو إلى قمة في أوغندا لمناقشة النزاع في السودان. وكانت القمة تهدف إلى مناقشة وقف الحرب عبر سلسلة من المقترحات على رأسها نشر قوات أممية في مناطق النزاعات.

 


حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
TT

حفتر وتيتيه يتفقان على مواصلة التنسيق لدعم «جهود البعثة»

المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر مع المبعوثة الأممية والوفد المرافق لها في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

أَطلعت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، على مجريات لجان «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية، في وقت يشهد تصاعداً في «صراع الشرعية» بين مجلسي النواب والدولة.

واستقبل القائد العام تيتيه ونائبتها ستيفاني خوري والوفد المرافق لهما، يوم الاثنين، في مقر القيادة العامة بمدينة بنغازي.

ونقلت القيادة العامة أن المشير أكد دعمه لجهود بعثة الأمم المتحدة ومساعيها الرامية إلى الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام، وصولاً إلى إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وقالت إن تيتيه عرضت عليه إحاطة حول ما أجرته لجان «الحوار المهيكل» من نقاشات وحوارات تهدف إلى تشكيل خريطة طريق تقود لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

المشير خليفة حفتر يلتقي المبعوثة الأممية هانا تيتيه في بنغازي يوم الاثنين (القيادة العامة)

وأضاف مكتب حفتر أن الطرفين اتفقا على مواصلة التنسيق والتشاور لدعم خطوات البعثة الأممية في ليبيا، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار الدائم.

في غضون ذلك، دخل «صراع الشرعية» في ليبيا مرحلة جديدة بين مجلسي «النواب» و«الدولة» حول إدارة المؤسسات السيادية، بعدما اتهم رئيس «الأعلى للدولة» محمد تكالة، رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، باستخدام «ألاعيب متكررة لإرباك المشهد عبر إصدار قوانين وقرارات أحادية».

ولم يتوقف هذا التصعيد عند حد القوانين، بل امتد ليعمّق الانقسام حول مفوضية الانتخابات ومجلس القضاء، وسط تحذيرات شديدة اللهجة إلى البعثة الأممية من مغبة الانحياز.

وجاءت الاتهامات التي وجّهها تكالة إلى صالح في تصريحات تلفزيونية، مساء الأحد، مشيراً إلى إصدار صالح قوانين أو قرارات قبل لقاءاتهما الرسمية، ومن ذلك إصداره قانوناً وصفه بأنه «معيب» بإنشاء المحكمة الدستورية؛ وقال إنه طالب صالح من قبل بعدم إصدار أي قوانين أو قرارات قبل لقائهما، لأن ذلك «يربك المشهد».

ودافع تكالة عن انتخاب مجلسه منفرداً، رئيس وأعضاء مجلس إدارة للمفوضية العليا للانتخابات، باعتباره تطبيقاً لـ«اتفاق أبو زنيقة»، أحد الاتفاقات المبرمة بناءً على «اتفاق الصخيرات» الموقّع في المغرب نهاية 2015.

وتابع: «نحن نسعى للتغيير في المفوضية من أجل التطوير وتصحيح مسارها بإعادة تشكيلها؛ والتصحيح الحقيقي فيها هو الذي لا يترك مجالاً للطعن في أي انتخابات مستقبلاً»، لافتاً إلى أن اللجنة الاستشارية التي تضم خبراء قانون أوصت بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، وأن أعضاءها رأوا أن المفوضية بهذه الوضعية لن تستطيع أن تدير عملية انتخابية.

وأشار إلى أن البعثة الأممية أخذت برأي اللجنة الاستشارية واقترحته في الأمم المتحدة بوصفه جزءاً من «خريطة الطريق»، موضحاً أن رئيس مجلس النواب تراجع عن مسألة تغيير مجلس المفوضية بسبب قوة قاهرة ضغطت عليه، وقال إن مجلس المفوضية السابق كان من المفترض إقالته منذ 2021 عندما فشل في إجراء الانتخابات.

وبعدما عدّ تصريح البعثة الأممية حول تغيير رئاسة المفوضية «نوعاً من المغازلة» لمجلس النواب، شدّد تكالة على أن مجلس الدولة «لم يتجاوز اختصاصاته، ولم يتدخل في أي جزئية إلا بما كفله له الاتفاق السياسي».

وقال إن صلاح الكميشي، الرئيس المنتخب من مجلس الدولة لرئاسة المفوضية، بصدد ترتيب عملية تسلّم منصبه، رغم اعتراض السايح، مشيراً إلى أن الكميشي سيباشر أعماله من داخل مقر مفوضية الانتخابات في طرابلس قريباً، من دون تحديد أي موعد.

الدبيبة مستقبلاً القائم بالأعمال بسفارة السعودية في ليبيا عبد الله بن دخيل الله السلمي يوم الاثنين (مكتب الدبيبة)

وعلى صعيد مختلف، قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة إن رئيسها عبد الحميد الدبيبة استقبل القائم بالأعمال بسفارة المملكة العربية السعودية في ليبيا، عبد الله بن دخيل الله السلمي، حيث بحثا سبل تعزيز التعاون الثنائي في عدد من الملفات موضع الاهتمام المشترك.

وأضافت الحكومة، الاثنين، أن الدبيبة سلّم، بصفته وزير الدفاع، رسالة موجهة إلى وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، في إطار دعم وتطوير مسارات التعاون والتنسيق بين البلدَين وتعزيز العلاقات السياسية والأمنية بما يخدم المصالح المشتركة.

وأكد الجانبان، حسب الحكومة، أهمية مواصلة التواصل والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية، بما يعزز الاستقرار ويدعم جهود التعاون العربي.

Your Premium trial has ended


شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
TT

شهود وقائع «التحرش» في مصر... مساندة «الضحية» أم دخول قفص الاتهام؟

ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)
ركاب داخل حافلة نقل عام (صورة أرشيفية - وزارة النقل)

انتقل الجدل حول وقائع التحرش في مصر إلى مساحة جديدة، تتعدى الوقائع نفسها إلى مواقف المحيطين فيها من الشهود، بعدما أظهر مقطعٌ مصورٌ لفتاة تتهم شاباً بالتحرش بها في حافلة نقل عام بمنطقة المقطم (جنوب القاهرة)، صمتَ بعض الركاب، ودفاع آخرين عن الشاب ومهاجمة الفتاة، فيما سعى فريقٌ ثالثٌ لمحاولة التهدئة، وسط انتقادات «سوشيالية» وهجوم على مواقفهم.

وأظهر مقطع مصور نشرته فتاة تدعى مريم شوقي على حسابها عبر «فيسبوك»، مساء الأحد، شاباً يقف في الحافلة محاولاً إخفاء وجهه عن الكاميرا أحياناً وإظهاره أحياناً أخرى، قبل إقدامه على الفتاة لمنعها من التصوير، وهي تنهال عليه بالسباب وتتهمه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها، وتستغيث في الفيديو لإنقاذها، وسط صمت من المحيطين. فيما أعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط المتهم الذي أنكر ارتكابه الواقعة، قبل أن تتولى النيابة العامة التحقيق.

وفي مقطع آخر، تدخل راكب لمهاجمة مريم منتقداً تصرفاتها، ما شجع الشاب المتهم على الرد، قائلاً لها: «شوفي انتي لابسه إيه»، وهذا ما اعتبره البعض «اعترافاً ضمنياً بالتحرش وتبريره لذلك بملابسها».

وحسب بيان الداخلية المصرية، فإن مقاطع الفيديو التي تم تداولها تظهر اتهام الفتاة لأحد الأشخاص بقيامه بالتحرش بها ومحاولة سرقتها بدائرة قسم شرطة المقطم بالقاهرة وتتبعها عقب ذلك إلى داخل أحد أتوبيسات النقل العام.

وقالت الداخلية، في بيان، الاثنين، إنه بسؤال الشاكية (موظفة بإحدى الشركات - مقيمة بمحافظة السويس) أقرت بأنها حال خروجها من مقر عملها الكائن بدائرة القسم قام الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو بالتحرش اللفظي بها وتتبعها حال استقلالها أحد أتوبيسات النقل العام. وأنه أمكن تحديد وضبط الشخص الظاهر بمقاطع الفيديو (عامل - مقيم بمحافظة الدقهلية)، وبمواجهته أنكر ارتكابه الواقعة، أو سابقة تقابله مع المجني عليها، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية، وتولت النيابة العامة التحقيق.

الشاب المتهم بالتحرش يختبئ من كاميرا الفتاة صاحبة الشكوى (لقطة مثبتة)

واتجه جزء كبير من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى المحيطين بالواقعة، خصوصاً الراكب الذي تدخل وهاجم الفتاة، بينما يمسك مسبحة في يده، معتبرين أن مثل هؤلاء «سبب في عدم تجريم التحرش وتوفير حماية للمتحرشين».

واعتبر هذا الفريق أن ما يعكسه الفيديو من سلبية للمحيطين، بل وحماية لـ«المتحرش»، على حد وصفهم، أخطر من التحرش نفسه، إذ يمثل حاضنة مجتمعية تتصالح مع هذه الأفعال، مقابل لوم الضحية، وذهب بعضهم إلى ما هو أبعد بالمطالبة بمحاكمة الشهود.

وشكك آخرون في الرواية كلياً، انطلاقاً من موقف الشهود نفسه، مستبعدين حالة الصمت والتصالح مع خطأ وقع فعلياً من كل الموجودين في الأتوبيس، ومعتبرين أن ذلك الصمت دليل على اختلاق الفتاة للواقعة.

وحذر آخرون من الهجوم على أحد بدعوى التحرش دون تقديم دليل، معتبرين أنه سلاح يمكن أن تستخدمه النساء لتصفية حسابات أو التشهير بمظلومين.

وتنص المادة 306 مكرر أ من قانون العقوبات على «معاقبة كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإيحاءات، أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل (بما في ذلك الاتصالات)، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز 4 سنوات، وغرامة مالية بين 100 ألف و300 ألف جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً).

وفسر أستاذ علم الاجتماع، وليد رشاد، المعضلة التي يتعرض لها الشهود والمحيطون وقت ارتكاب جريمة ما، سواء بالتدخل أو الصمت، وزيادة التوجه الأخير إلى 3 أسباب؛ الأول الخوف من الجريمة المرتكبة، أي تجنب أن تطوله الجريمة أو الاعتداء، خصوصاً في ظل وهن الروابط المجتمعية الكبيرة حالياً، وهو سبب اجتماعي، أما الثاني فسبب نفسي متعلق بتوجه الفرد نحو الانزواء على ذاته، والانعزال عن المحيط.

وأضاف أستاذ علم الاجتماع أن السبب الثالث مرتبطٌ بالتطور التكنولوجي وسعي البعض إلى الحصول على تفاعل أكبر بتصوير الحادثة ونشرها، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني أن المجتمع أصبح سلبياً بالكامل، فالشخصية المصرية ما زالت تحتفظ بصفاتها المعروفة بإغاثة المظلوم.

أحد التعليقات على «فيسبوك» يحلل رد فعل المحطين بالواقعة محل الاتهام

وسبق أن تعرض شهود عيان في وقائع عديدة للاعتداء، وبعضهم فقد حياته، من أشهرهم الشاب محمود البنا (17 عاماً) الذي قُتل عام 2019 إثر دفاعه عن إحدى الفتيات في محافظة المنوفية، وتحول لبطل شعبي في مصر.

ورفض رشاد التعليق على الواقعة الأخيرة باعتبارها ما زالت قيد التحقيقات، مؤكداً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن ثمة وعياً مجتمعياً أكبر تجاه قضية التحرش، وتوجهاً مجتمعياً لفضح الجاني، في تغير عن اعتقاد سابق بأن فضح الجاني سيترتب عليه فضح الضحية، مرجعاً ذلك إلى حملات التوعية التي حدثت على مدار سنوات وصولاً للتطور الإيجابي الحالي.

وظهر الشاب المتهم في مقابلة مع أحد المواقع المحلية، نافياً الاتهامات الموجهة إليه، مشيراً إلى أن «الركاب رأوا عدم فعله شيئاً، وكذلك محصل التذاكر».