كيف تفاعل الليبيون مع حرب غزة؟

مظاهرات في مدن عدة دعماً للمقاومة الفلسطينية... وتنديد واسع بالقصف الإسرائيلي

لقطة من فيديو بثته قناة «ليبيا الوطنية» لمظاهرة في مصراتة (غرب ليبيا) تضامناً مع الشعب الفلسطيني
لقطة من فيديو بثته قناة «ليبيا الوطنية» لمظاهرة في مصراتة (غرب ليبيا) تضامناً مع الشعب الفلسطيني
TT

كيف تفاعل الليبيون مع حرب غزة؟

لقطة من فيديو بثته قناة «ليبيا الوطنية» لمظاهرة في مصراتة (غرب ليبيا) تضامناً مع الشعب الفلسطيني
لقطة من فيديو بثته قناة «ليبيا الوطنية» لمظاهرة في مصراتة (غرب ليبيا) تضامناً مع الشعب الفلسطيني

عمّت موجة تضامن شعبي ورسمي واسعة مدن ليبيا مع الشعب الفلسطيني ضد «العدوان الإسرائيلي» على غزة، رغم انشغال البلاد بالجدل الدائر حول قوانين الانتخابات المنتظَرة.

لقطة من فيديو بثته قناة «ليبيا الوطنية» لمظاهرة في مصراتة (غرب ليبيا) تضامناً مع الشعب الفلسطيني

ومنذ اندلاع الحرب على القطاع، خرجت مظاهرات عدة مؤيدة للفلسطينيين في مدن ليبية عدة، من بينها مصراتة والزنتان والزاوية (غرب)، فيما انتشرت دعوات شعبية إلى مظاهرة بميدان (الشهداء) وسط العاصمة طرابلس؛ تنديداً بالقصف الإسرائيلي على القطاع.

ومع بداية الحرب، وجّهت السلطات في طرابلس بإضاءة أبراج «ذات العماد» الشهيرة بعلم فلسطين، في رسالة تضامنية مع المقاومة الفلسطينية. علماً بأن التحركات الشعبية الليبية لمناصرة الفلسطينيين هي الثانية من نوعها في غضون شهرين، بعد احتجاجات سابقة ضد حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، في أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) الماضيين، إثر الاجتماع «السري» بين وزيرة الخارجية المقالة نجلاء المنقوش، ونظيرها الإسرائيلي إيلي كوهين في روما.

ويرى عضو مجلس النواب الليبي عن مدينة مصراتة، محمد الرعيض، أن حرب غزة «ردة فعل طبيعية للشعب الفلسطيني حيال التوسع الاستيطاني المستفز، الذي يتم أمام نظر العالم، دون أن يكترث له أحد، والاقتحامات المتكررة لليمين المتطرف للمسجد الأقصى بصورة تسيء للمسلمين ومقدساتهم».

وأشار الرعيض في إدراج له عبر حسابه على «فيسبوك» إلى أنه لمس «التضييق الاقتصادي الممنهج على قطاع غزة وفلسطين عموماً، خلال زيارة أجراها لفلسطين في فبراير (شباط)الماضي».

رسمياً، ورغم غياب أي موقف رسمي من رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، بشأن التطورات في غزة، فإن الدبيبة عدّ أن «التحديات الداخلية في ليبيا لن تُنسي الليبيين نضال إخوانهم في فلسطين»، وذلك في كلمة له أمس (الاثنين)، مُجدِّداً التأكيد على موقف سابق مع بدء الحرب في غزة.

وكان الدبيبة قد دعا المجتمع الدولي إلى «إيقاف انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي السافرة، ووضع حد لها»، وحمّل عبر حسابه على «فيسبوك» سلطات «الاحتلال الإسرائيلي تبعات رد فعل المقاومة على الاقتحامات المتواصلة للمسجد الأقصى».

وكان لافتاً تطابق موقفي مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» بشأن حرب غزة، وسط تصاعد الأزمة السياسية بين المجلسين بشأن القوانين الانتخابية، التي اعتمدها «النواب» الأسبوع الماضي، إذ شدد مجلس النواب على دعمه «لكفاح الشعب الفلسطيني ضد عدوان الاحتلال الإسرائيلي لتحرير أرضه واستعادة استقلاله». وأدان في بيان رسمي «الصمت العربي والدولي تجاه دعم القضية الفلسطينية».

وعلى المسار ذاته، أكد المجلس الأعلى للدولة وقوفه مع الشعب الفلسطيني، داعياً في بيان مماثل له «المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته تجاه إدانة الممارسات الهمجية لقوات الاحتلال»، وطالب بـ«تدخل دولي عاجل».

لقطة من فيديو بثته قناة «ليبيا الوطنية» تضامناً مع الشعب الفلسطيني

ولم تكن النقابات الليبية بعيدة عن المشهد التضامني، إذ أصدرت لجنة الحريات بالنقابة العامة للمحامين الليبية بياناً مقتضباً، يؤكد «حق الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه والدفاع عن كرامته بكل الوسائل الممكنة»، وحثت النقابة العامة لأعضاء هيئة التدريس في ليبيا، في بيان، المؤسسات الليبية كافة على تأييد عملية «طوفان الأقصى»، ورفع العلم الفلسطيني إلى جانب العلم الليبي، وحثت أعضاء هيئة التدريس على التأكيد على أن القضية الفلسطينية هي «قضية العرب المركزية في المحاضرات كافة».

كما تضامن «برلمان شباب ليبيا»، التابع لحكومة الدبيبة، مع «المقاومة الفلسطينية في وجه العنف والقمع». أما حزب «العدالة والبناء» (الذراع السياسية لتنظيم إخوان ليبيا)، فقد دعا من جانبه إلى «هبّة رسمية وشعبية لإعلان التآزر في كل العالم الإسلامي مع الشعب الفلسطيني الأعزل، ومقاومته الباسلة». وعدّ أن «تسطير المقاومة الفلسطينية للملاحم البطولية للدفاع عن شعبها ومقدساتها، واسترداد أراضيها المحتلة، أمر مشروع ينبغي التضامن معه، والوقوف بجانبه من كل العالم، وخاصة حكومات العالم الإسلامي وشعوبه الحرة».

وعلى الصعيد الثقافي والفني، عبّر كتّاب ليبيون عن تضامنهم مع الفلسطينيين في حرب غزة، إذ قال الأديب والمسرحي الليبي منصور بوشناف لـ«الشرق الأوسط» إن «القضية الفلسطينية كانت على رأس اهتمامات ومشاغل المثقف الليبي عبر كل العقود الماضية، وظل غالبية المثقفين الليبيين، بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم السياسية والفكرية، مناصرين للشعب الفلسطيني في كفاحه ضد الكيان العنصري الصهيوني المحتل».

وأضاف بوشناق «في حرب التحرير التي أطلقتها (حماس) والمقاومة الفلسطينية رأينا تفاعل المثقف الليبي، ومناصرته لنهج المقاومة للتحرير الذي تسلكه (حماس) ضد العدو المحتل». ويرى أن أغلبية المثقفين الليبيين عدّوا هذه المعركة «الخطوة الحقيقية لاستعادة الأرض وتحريرها، وقبل ذلك إعادة الثقة بالنفس للشعوب المقهورة وكسر الحواجز، ودحض خرافة إسرائيل التي لا تقهر».

لقطة من فيديو بثته قناة «ليبيا الوطنية» لمظاهرة في مصراتة (غرب ليبيا) تضامناً مع الشعب الفلسطيني

أما المخرج الليبي محمد المصلي، فلا يرى من جانبه فرقاً بين موقف الفنان والإنسان في النظر إلى هذه الحرب، وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «فلسطين أرض الفلسطينيين، ومهما تحدث المحللون والسياسيون، فلن يشعروا بما يشعر به كل فلسطيني موجود بداخلها... هذا حق البقاء، أن تعيش بكرامة».

وعلى صفحات التواصل الاجتماعي الليبية، أعادت الحرب الحديث عن الإعلامية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، التي اغتيلت برصاص الجيش الإسرائيلي في 11 من مايو (أيار) 2022، وذلك في منشورات لأدباء وإعلاميين. وقال القاص الليبي سفيان قصيبات في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك» «حلمك يا شيرين وحلمنا... التغطية الصحفية ينقصها شيرين».

ووصف الإعلامي الليبي ومسؤول الإعلام بالمكتب التنفيذي لـ«المجلس الوطني الانتقالي» السابق محمود شمام، ما حدث في غزة بأنه «إنجاز فلسطيني لا سابق له باللغة الوحيدة التي تفهمها إسرائيل».

أما الأكاديمي الليبي والأستاذ بجامعة مصراتة، مختار الجديد، فرفض أصواتاً تؤكد عدم تعادل القوة بين «حماس» وإسرائيل، وقال عبر «فيسبوك»: «عقلك القاصر يزن كل شيء بميزان الربح والخسارة... الموضوع أكبر من ذلك».

بدوره، قال جلال حرشاوي، المتخصص في الشؤون الليبية، والزميل المشارك في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، في تصريح إلى «الشرق الأوسط»: «لقد خرج الليبيون إلى الشارع في أواخر أغسطس (آب) الماضي، عندما اندلعت فضيحة المنقوش - كوهين ليعربوا عن معارضتهم لاحتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية».

وانتهى الحرشاوي إلى أن «المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين في ليبيا، ورغم أنها تتمركز في المنطقة الغربية، لكنها منظمة بشكل جيد، خصوصاً في مصراتة مسقط رأس الدبيبة».


مقالات ذات صلة

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

شمال افريقيا المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

تترقب ليبيا تحديد آلية تشكيل سلطة تنفيذية موحدة وفق اتفاق «4+4» لإجراء الانتخابات خلال عامين، فيما يرجح محللون تشكيل لجنة حوار جديدة لحسم الملف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

صعّد المعلمون في عدة مدن ليبية احتجاجاتهم للمطالبة بزيادة رواتبهم، في وقت شدد وزير التعليم في غرب ليبيا على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوق المعلمين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع سابق بين المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة رئيس «الوحدة» في طرابلس (أرشيفية من المجلس الرئاسي)

«خلية طرابلس التخريبية» تثير الخلاف بين «الرئاسي» و«الوحدة» في ليبيا

كشف تحرك محمد المنفي نحو المحكمة الجنائية الدولية، بشأن خلية متهمة باستهداف منشآت حيوية، عن تباين ليبي، مع تمسك وزارة الدفاع بالتحقيقات المحلية.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء في المجلس الأعلى للدولة الجمعة (البعثة الأممية)

غياب التوافق الليبي يثير تكهنات حول اللجوء لمجلس الأمن بشأن الانتخابات

لم تلُح في الأفق، حتى الآن، ملامح على وجود توافق في المواقف بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» بشأن تمرير اتفاق لممثلي طرفي الصراع في ليبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا مياه جوفية مرتفعة المنسوب في أحد شوارع مدينة زليتن غرب ليبيا (اللجنة الفنية العليا لمتابعة ظاهرة طفح المياه الجوفية)

قلق ليبي من تأثيرات سلبية للمياه الجوفية على مشروعات الإعمار

يزداد القلق في ليبيا من تأثيرات ارتفاع منسوب المياه الجوفية على مشروعات الإعمار، وسط شكاوى من غرق منازل وشوارع وتضرر أراضٍ زراعية.

علاء حموده (القاهرة)

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

دعا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، إلى إعادة النظر في النظام والمؤسسات السياسية في بلاده لمواءمتها مع متطلبات الحقبة الراهنة.

وقال في خطاب ألقاه في مدينة إطار، في مستهل زيارة لولاية آدرار، إن الحوار الوطني الشامل المرتقب يجب أن يفضي إلى «إجماع واسع» حول القضايا الوطنية الكبرى، وأن يسهم في تعزيز المواطنة والعدل والإنصاف وتقوية مؤسسات الدولة.

وأوضح أنه يأمل في أن «يوفق الحوار الوطني الشامل، الذي ينعقد قريبًا، في الخروج بإجماع واسع حول كبريات قضايانا الوطنية».

وجاءت دعوة الغزواني قبيل إنطلاق الحوار الذي يجري الإعداد له منذ أشهر، بعد اعتماد «الدليل العملي للحوار» الذي حدد أربعة محاور رئيسية للنقاش، تتعلق بالوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي، والحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.

وقال ولد الغزواني إن الهدف من الحوار هو تعزيز «العقد الوطني» بما يجعله أكثر قدرة على استيعاب التحولات التي يشهدها المجتمع وأكثر تعبيرًا عن تطلعات الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن ذلك «لا يعني إعادة تعريف الوطن» أو المساس بأسسه ومبادئه الجمهورية وهويته الثقافية والحضارية.

وأضاف أن المطلوب هو أن تخرج المشاركات والنقاشات بما «يقوي لمة المجتمع، ويعزز رباط المواطنة، ويرسخ العدل والإنصاف، ويجعل مؤسساتنا أكثر قوة وانسجامًا وفعالية».

وشدد الرئيس على أن الحوار يجب أن يكون «شاملًا وجادًا»، وألا يخضع لمحظورات أو «توجيهات إملائية» من أي جهة، وأن تأتي مخرجاته حصراً من مداولاته.

وكانت المعارضة قد هددت بمقاطعة التحضيرات الجارية للحوار إذا تضمن النقاش المساس بمواد الدستور المحصنة التي تحظر على رئيس الجمهورية ممارسة أو البقاء في السلطة لأكثر من فترتين رئاسيتين متتاليتين مدة كل واحدة منهما خمس سنوات وهو ما تسعى أحزاب الموالاة إلى تعديله للسماح للغزواني بالترشح لولاية ثالثة.


تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
TT

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)

تترقب الأوساط السياسية في ليبيا الخطوات المقبلة لتطبيق اتفاق «4+4» الذي وافق عليه مجلس النواب الأسبوع الماضي، وسط تساؤلات عن موعد وآلية تدشين السلطة التنفيذية الموحدة التي تقود البلاد نحو الانتخابات العامة، وإنهاء الانقسام السياسي والحكومي.

ووفق مسودة اتفاق «4+4»، الموقعة نهاية أغسطس (آب) الماضي، برعاية البعثة الأممية وممثلين عن شرق ليبيا وغربها، فإنه يتعين إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، لكن الاتفاق لم يكشف تفاصيل آلية بناء هذه السلطة، وهل ستكون حكومة تكنوقراط، أم توافقية تضم شخصيات مقربة من القوى الفاعلة.

آلية لحسم الملف

يرى رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، أن البعثة لا تزال تحتاج إلى وقت للكشف عن تفاصيل خطتها لنقل الاتفاق من مرحلة التوقيع إلى التطبيق على الأرض، وإنهاء الانقسام الراهن، منوهاً بأن كيفية تشكيل السلطة التنفيذية وموعد انطلاقها أمر يحظى باهتمام من النخب السياسية التي سألت البعثة بدورها عن الأمر دون تلقِّي إجابة واضحة حتى الآن.

ويعتقد الشبلي بوجود «تضارب» بين حديث نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، عن تشكيل حكومة جديدة، وما يتحدث عنه المقربون من حكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن سلطة تنفيذية تضم مجلساً رئاسياً وحكومة، وتقاسم مقاعد الأخيرة بشكل توافقي بين الطرفين، معبراً عن قناعته «بوجود مؤشرات قوية تدعم الطرح الأخير».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى برئاسة أسامة حماد تدير شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب بتكليف من البرلمان ودعم من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع مجموعة من فريق «الحوار السياسي والمصالحة» في ليبيا الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

بدوره، توقع المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي، أن تسعى البعثة الأممية إلى تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة تضم نحو 47 عضواً، بوصف ذلك آلية لحسم ملف السلطة التنفيذية، في تكرار لسيناريو اتفاقَي «الصخيرات» و«جنيف» اللذين رعتهما البعثة.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن لقاءات البعثة الأخيرة مع قوى سياسية واجتماعية وممثلي مكونات ثقافية عززت توجهها نحو تشكيل تلك اللجنة، لكنه يعتقد أن الصياغة النهائية لشكل هذه اللجنة ومعايير اختيارها لم تحدد بعد.

وقال: «إدراك البعثة تخوفات مجلسي (النواب) و(الأعلى للدولة) من تجاوز دورهما في المرحلة المقبلة قد يجعلهما، كعادتهما، يعرقلان أي توافق؛ وبالتالي خططت من البداية لعدم رهن تطبيق الاتفاق بمواقفهما».

واستبعد العبدلي وجود خلاف بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها على مقاعد الحكومة المقبلة، معرباً عن قناعته بـ«تدخل دولي، تحديداً من أميركا، لحسم الحقائب السيادية، كالدفاع والداخلية والخارجية والمالية، في ظل تراجع الوضع الاقتصادي للبلاد».

واعتبر أن أي خلافات أخرى «لن تكون ذات جدوى، خصوصاً مع وجود تفاهمات ترضي الطرفين»، وسط توقعات بمنح القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» رئاسة المجلس الرئاسي، ووجود الدبيبة على رأس الحكومة الموحدة.

إلا أنه لفت إلى أن الخلاف قد ينشب إذا اقتصر الاتفاق على حكومة موحدة دون مجلس رئاسي جديد، ويرى أن ممثلي «الجيش الوطني» لن يرضوا بذلك.

لجنة للحوار السياسي

كانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد بحثت مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة مستجدات الوضع السياسي والاقتصادي وسبل تنفيذ «خريطة الطريق» الأممية عقب اتفاق «4+4»، مؤكدة التزام البعثة بالعمل مع جميع الأطراف الليبية، وفق توصيات «الحوار المهيكل» لتهيئة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الوطنية.

ورغم توافقه مع الآراء السابقة بشأن احتمالية توجه البعثة إلى تشكيل «لجنة حوار سياسي لإخراج السلطة التنفيذية الجديدة ومنحها غطاءً سياسياً»، توقع المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أن يواجه ذلك عقبات.

ولفت محفوظ في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن البعثة قد تجري قريباً اجتماعات منفصلة مع الوفدين الممثلين لحكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن السلطة التنفيذية.

ولفت مراقبون إلى أن اجتماعات البعثة المقبلة قد تمتد إلى قوى إقليمية ودولية مؤثرة، كالقاهرة وأنقرة وموسكو، في ضوء مراقبتها الدقيقة لأي تحرك يمس مصالحها السياسية والاقتصادية.

وكان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، قد قال إن المبادرة التي طرحها بشأن ليبيا والمبادرة الأممية «مكملتان بعضهما لبعض»، ولفت إلى أن المبادرة الأميركية «ستركز على كيفية إدارة مرحلة العامين التحضيرية للانتخابات، تحديداً توحيد المؤسسات».


معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
TT

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

تواجه حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة اعتصاماً جديداً يُضاف إلى سلسلة من الأزمات والاحتجاجات المتصاعدة في البلاد، مع تمسك المعلمين بمطالبهم ورفضهم ما وصفوه بـ«تحويل حقوقهم إلى وعود مؤجلة». ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه السلطات ضغوطاً متزايدة على ملفات خدمية وأمنية ومعيشية عديدة.

جانب من اعتصام معلمي مدرسة شهداء الانتصار للتعليم الأساسي في «أبو سليم» بطرابلس يوم الأحد (من مقطع فيديو بثته النقابة العامة للمعلمين)

وأعلن رئيس «حراك المعلمين» في ليبيا، أشرف الهادي، استمرار الاعتصام السلمي المنظم الذي ينفذه المعلمون حتى انتهاء المهلة المحددة للحوار مع الجهات الرسمية، مؤكداً أن الهدف هو الوصول إلى حلول حقيقية وتنفيذ مطالب المعلمين، وليس تعطيل العملية التعليمية.

وقال الهادي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية إن الإضراب العام «يظل أحد الخيارات المطروحة إذا انتهت المهلة دون استجابة جدية ونتائج ملموسة». وأضاف: «الحراك يُفضّل الحوار، لكنه يشترط أن يتحول إلى قرارات واضحة وجدول زمني وآليات محددة للتنفيذ».

وتشمل مطالب المعلمين معالجة المرتبات، وتسوية الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي، وتحسين الوضع الوظيفي والمعيشي، وإصدار قانون لحماية المعلم.وفي السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلن الحراك عن مهلة 15 يوماً لتنفيذ مطالب المعلمين.

وأوضح الهادي أن باب التفاوض مفتوح بشأن آليات التنفيذ، وليس حول أصل الحقوق، وأكد أن الحراك لم يتلقّ تواصلاً رسمياً مباشراً بالقدر المطلوب حتى الآن، داعياً الجهات صاحبة القرار إلى «فتح حوار جاد ومسؤول»، كما ناشد المعلمين الحفاظ على وحدتهم والالتزام بالسلمية والتنظيم خلال المرحلة المقبلة.

يأتي هذا في خضم موجة احتجاجات واعتصامات واسعة النطاق بدأت مع انطلاق العام الدراسي الجديد في منتصف الشهر الجاري، وامتدت من العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية مثل مصراتة وبني وليد وأبو سليم إلى بنغازي ومناطق أخرى في الشرق والجنوب.

وأعلنت نقابات معلمين في بلديات الغرب اعتصاماً مفتوحاً وإضراباً عن العودة إلى الدراسة، قائلة إنه جاء نتيجة «استمرار تجاهل حقوق المعلمين، وليس بهدف عرقلة التعليم».

وأدت هذه التحركات إلى إرباك انطلاق الدراسة في كثير من المدارس، حيث ظلت أبوابها مغلقة أو شبه فارغة في الأيام الأولى من العام الدراسي، فيما يشكو المعلمون من أن مرتباتهم، التي لا تتجاوز في كثير من الحالات 2000 دينار شهرياً، لم تعد تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات وغياب التأمين الصحي الفعال. والدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و9.56 دينار في السوق الموازية.

في مقابل ذلك عقد وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة»، محمد عبد السلام القريو، اجتماعاً موسعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقتين الغربية والوسطى، الأحد، لمتابعة انطلاقة العام الدراسي الجديد الذي بدأ في 13 من الشهر الجاري، والوقوف على جاهزية المؤسسات التعليمية.

وقالت الوزارة في بيان، الأحد، إن القريو أكد أن المعلم «يمثل الركيزة الأساسية للعملية التعليمية»، مشدداً على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوقه، وتحسين أوضاعه المهنية والمعيشية، وتمكينه من أداء رسالته بكفاءة».

كما أشار إلى أن «ضمان حق الطلاب في تعليم جيد وعادل وشامل، داخل بيئة آمنة ومحفزة، يُعد أولوية وطنية لا تنازل عنها»، منوهاً إلى أن استقرار المؤسسات التعليمية وانتظام الدراسة مسؤولية مشتركة تستوجب تكثيف المتابعة الميدانية، وترسيخ الانضباط والمساءلة، إلى جانب تفعيل منظومة الحوافز للقيادات والمدارس المتميزة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الاحتقان داخل صفوف المعلمين دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى تصعيد أوسع يشمل إضراباً عاماً، مما يفاقم الضغط على العملية التعليمية في البلاد.