بثينة وجميل بن معمر... الحب نار مشتعلة وقودها الغياب

كان قلبه مع بني عُذرة وعيناه على عمر بن أبي ربيعة

فرقة كركلا اللبنانية في عروض سابقة في السعودية لقصة "جميل وبثنية"
فرقة كركلا اللبنانية في عروض سابقة في السعودية لقصة "جميل وبثنية"
TT

بثينة وجميل بن معمر... الحب نار مشتعلة وقودها الغياب

فرقة كركلا اللبنانية في عروض سابقة في السعودية لقصة "جميل وبثنية"
فرقة كركلا اللبنانية في عروض سابقة في السعودية لقصة "جميل وبثنية"

لا تختلف قصة الحب التي جمعت بين بثينة بنت حيان وجميل بن معمر كثيراً عن القصص المماثلة، التي نسبها الرواة إلى شعراء بني عذرة، سواء من حيث القرابة العائلية بين العاشقين، أو من حيث صغر السن الذي تكون فيه المشاعر في ذروة تأججها، أو من حيث الحُمى المباغتة التي تضرب الطرفين من النظرة الأولى أو اللقاء الأول. ومع ذلك فإن العلاقة بينهما قد بدأت أول الأمر بالعراك وسوء التفاهم. وقد ورد في أغلب المصادر التراثية أن جميلاً التقى بثينة حين أنزل إبله في وادٍ اسمه «بغيض»، كان ينزل أهل بثينة بالقرب منه، وحين جاءت الأخيرة لسقاية إبلها، تسببت في إجفال إبل جميل، فبادرها بالسباب، وردّت عليه بمثله، قبل أن تنقلب الخصومة بينهما إلى حب جارف. وحول هذه الحادثة يقول الشاعر:

وأوّل ما قاد المودةَ بيننا بوادي بغيضٍ يا بُثينُ سبابُ

وقلنا لها قولاً فجاءت بمثلهِ لكل كلامٍ يا بُثين جوابُ

ويروي الأصفهاني في كتاب «الأغاني» أن جميلاً خرج في يوم عيد، حيث النساء يتزينّ ويبدين أنفسهن للرجال، وأنه وقف على بثينة وأختها أم الحسين، فرأى منهن منظراً أعجبه، وعشق بثينة. وإذ عرف القوم حبه لها من نظراته نحوها، وحالوا بينه وبينها إلى حين، نظم في ذلك كثيراً من أبيات النسيب، التي كان لها أبلغ الأثر في نفس الفتاة، فاتخذت قرارها بملاقاته، والاختلاء به «عند غفلات الرجال». على أن الأمور لم تجرِ على الدوام وفق هوى الفتى العاشق. وإذ حدث أن نجح أهل بثينة وعشيرتها في تشديد الرقابة على فتاتهم، ومنعها من لقائه، كان أهل جميل بالمقابل يشدون من أزره، ويحثونه على هجرها ومبادلتها الصد بالصد. لكن مكابرته لم تكن لتدوم طويلاً، فنظم من الشعر ما يصل إلى تخوم اللوعة، والشعور الممض بالذنب، كقوله لها:

لا تحسبي أني هجرتك طائعاً حدثٌ لعمرك رائعٌ أن تُهجري

يهواكِ ما عشتُ الفؤادُ فإن أمتْ يتبعْ صداي صداك بين الأقبرِ

ما أنتِ والوعد الذي تعدينه إلا كبرق سحابةٍ لم تمطرِ

ومن يتتبع سيرة جميل في عشقه لبثينة، فلا بد أن يلاحظ حرص الطرفين على إلباس علاقتهما لبوس الطهر، وإبعادها عن جموح الغريزة وشهوات الجسد. وقد جاء في بعض الروايات أن أبا بثينة وأخاها قررا التلصص على إحدى خلواتها مع جميل، وقد امتشقا سيفيهما استعداداً لقتلهما معاً في حال قيامهما بما ينافي الحشمة، وحين تسللا خفية إلى مكان اللقاء، سمعا جميلاً يطلب من بثينة أن تجزيه على ما تُسببه له من آلام، كما يحدث عادة بين المتحابين، حتى إذا احتجت بثينة على طلبه ارتاح لذلك الاحتجاج قائلاً لها إنها لو رضيت بارتكاب الإثم لهجرها إلى الأبد، مذكراً إياها بأبياته:

وإني لأرضى من بثينة بالذي لو ابصره الواشي لقرّت بلابلُه

بلا وبألّا أستطيع وبالمنى وبالأمل المرجوّ قد خاب آملُه

وبالنظرة العجلى وبالحوْل تنقضي أواخرُهُ لا نلتقي وأوائلُه

ويضيف الرواة أن أبا بثينة، وقد وقف على ما حدث بين ابنته وشاعرها العاشق، لم يتوانَ عن مخاطبة ابنه بالقول: «قم بنا، فما علينا بعد اليوم أن نمنع هذا الرجل من لقائها»، فانصرفا وتركاهما. ومع ذلك فإن الرواة قد نسبوا مثل هذه الحادثة وأشباهها إلى غير واحد من عشاق بني عذرة، وهو الأمر الذي خلط الأوراق بين سِيَرهم، ودفع ناقداً كبيراً كطه حسين إلى القول إن في قصة جميل وبثينة «سخفاً وإحالات كثيرة»، مشككاً في صحة الوقائع المنسوبة إلى العذريين، وصولاً إلى التشكيك في وجود بعضهم في الأصل.

غير أن في شخصية جميل وأشعاره ما يدفعنا إلى وضعه في خانة ملتبسة؛ بين أهل التعفف وأهل الإباحة والحب الجسدي، أو بين قيس بن الملوح وعمر بن أبي ربيعة. فالشواهد الكثيرة على عفته وعذاباته وانقطاعه لحبيبته، شأن قيس، تقابلها شواهد أخرى على اختلائه المتكرر ببثينة بعد زواجها، ومن ثم تعلقه بالنساء على نحو عام، إضافة إلى تباهيه بوسامته وشجاعته وجنوحه إلى المغامرة، حتى لو قاده ذلك إلى النفي أو أودى بحياته. فقد رُوي أن جميلاً انتحل في إحدى زياراته لبثينة صفة مسكين جائع، وأنها أحرقت ثيابها عامدة لتستحث قومها على مساعدتها، حتى إذا قاموا بالمهمة وعادوا إلى مضاربهم، أرسلت جاريتها في طلب جميل، فلما حضر «حبسته عندها ثلاث ليال».

وفي حادثة أخرى مماثلة، لا تتوانى بثينة في غياب زوجها عن أن تُضجِع جميلاً إلى جوارها طيلة الليل، حتى إذا نقل أحد عبيدها الخبر إلى زوجها وذويها، وهرعوا إلى المكان شاهرين سيوفهم، أصر جميل على مواجهتهم جميعاً، لولا أن بثينة دعته إلى التواري عن الأنظار؛ درءاً للفضيحة، طالبةً من أختها «أم الحسين» الاضطجاع في سريرها؛ للخروج من المأزق. ومع اقتحام جميل المتكرر لمنزل بثينة الزوجي، فإن من الصعب على المرء، ومهما بلغ به حسن الظن، أن يصدق اكتفاء الطرفين باستلقاء أحدهما البريء إلى جانب الآخر، خصوصاً أن كليهما كان يعيش آنذاك اندفاعة الصبا واحتداماته المؤرقة.

من يتتبع سيرة جميل في عشقه بثينة، فلا بد أن يلاحظ حرص الطرفين على إلباس علاقتهما لَبوس الطهر وإبعادها عن جموح الغريزة وشهوات الجسد

وإذ لا يتردد الأصفهاني (ومن بعده طه حسين وصادق جلال العظم) في إبداء شكوكه حول الطبيعة العفيفة للعلاقة بين الطرفين، ينقل عن والد جميل قوله له: «يا بني، حتى متى أنت عمِهٌ في ضلالك، لا تأنف من التعلق بذات بعل يخلو بها ثم تقوم من بعده إليك، فإذا انصرفت عنها عادت إلى بعلها على حالتها المبذولة؟!». ومع أن جميلاً لا ينفي أو يؤكد المرامي الضمنية التي يشير إليها أبوه، غير أن ما ينفيه هو قدرته على الابتعاد عن بثينة، التي اعتبر حبه لها «بلاءً ابتُلي به» ولا يملك له دفعاً.

ويتضح من سيرة جميل أنه كان معجباً أيما إعجاب بشعر عمر بن أبي ربيعة وشخصيته، وهو الذي كان يشاركه الوسامة، وطول القامة، والرغبة في إغواء النساء. وكانت «أم الحسين» إحدى الفتيات اللواتي استهوينه وشبَّب بهن قبل تُعرفه إلى أختها بثينة. كما يتشاطر جميل مع عمر شجاعته الفائقة إلى حد التهور، وهو الذي لم يتوانَ عن انتضاء سيفه في وجه أبيها وأخيها، حين داهماهما ذات لقاء، مما اضطرهما إلى الفرار والانكفاء عن مواجهته طلباً للنجاة. ومع أن اسمي عمر وجميل قد ارتبطا عبر الزمن بشكلين متعارضين من أشكال الحب، فقد بدا الأول وكأنه الضمير المستتر للثاني، الذي كان يشاركه في قرارته بالانتماء إلى المجرى الموحد للأنوثة الكونية، كما يظهر في قوله:

يقولون جاهد يا جميل بغزوةٍ وأيَّ جهادٍ غيرهنّ أريدُ

لكل حديثٍ بينهن بشاشةٌ وكلُّ قتيلٍ دونهنّ شهيدُ

وإذ يعُد عمر نفسه معنياً بالجمال الأنثوي أينما كان، وهو القائل: «إني امرؤ موكَلٌ بالحسن أتبعه»، يكرر جميل المعنى نفسه عبر قوله:

يقولون صبٌّ بالغواني موكّلٌ وهل ذاك من فعل الرجال بديعُ

وقالوا رعيتَ اللهوَ والمالُ ضائعٌ فكالناس فيهم صالحٌ ومضيعُ

كما يرى جميل أن العلاقة بين العاشق والمعشوق لا بد أن تتعرض للضمور والتلف، ما لم يعمد الطرفان إلى تجديدها، وتوثيق أواصرها، عبر إدارة التناوب المستمر بين الوصال والنأي، أو بين الحضور والغياب. ولعله الوحيد بين شعراء بني عذرة الذي امتلك الجرأة على الاعتراف بأن النأي المتقطع بين المحبين هو الشرط الأهم لبقاء الحب في حالة اشتعال. وعن ذلك يقول قاصداً بثينة:

يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ويحيا إذا فارقتها فيعودُ

لكن من موجبات الإنصاف الإقرار بأن صراع الخيارات المتعارضة، الذي كان قلب جميل وعقله مسرحاً له، لم يستطع أن يخفف من تعلقه المرَضي ببثينة، بدليل أن الأثمان التي دفعها كانت من الفداحة بحيث أهدر السلطان دمه غير مرة، فبات طريدها الأبدي، وعمد إلى الهرب تارة إلى اليمن، وطوراً إلى الشام، وطوراً ثالثاً إلى مصر، حيث قضى نحبه هناك. ويروي الأصمعي أن جميلاً حين أحس بدنو الأجل، استدعى رجلاً من معارفه، وقدم له كل ما يملك مقابل أن ينقل إلى بثينة أبياتاً يرثي بها نفسه قائلاً:

صدُع النعيُّ وما كنى بجميلِ وثوى بمصرَ ثواءَ غيرِ قَفولِ

ولقد أجرّ الذيلَ في وادي القرى نشوانَ بين مَزارعٍ ونخيلِ

قومي بثينةُ واندبي بعويلِ وابكي خليلكِ دون كلّ خليلِ

وقد وقع الخبر على بثينة وقوع الصاعقة، وبخاصة بعد أن تيقنت من صحته، وأخرج الرسول القادم من مصر حلة جميل، والرقعة التي تحمل أبياته، فبكت وأبكت معها نساء الحي، ثم وقعت مغشياً عليها، حتى إذا استيقظت نهضت وهي تردد هذين البيتين اللذين لم ينقل الرواة عنها سواهما أبداً:

وإنّ سُلُوّي عن جميلٍ لساعةٌ من الدهر ما حانت ولا حان حينُها

سواء علينا يا جميل بن معْمَرٍ إذا متَّ بأساءُ الحياة ولينُها


مقالات ذات صلة

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

ثقافة وفنون الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «في أُنس الأشياء»... الشعر في مرمى الذاكرة والنسيان

«في أُنس الأشياء»... الشعر في مرمى الذاكرة والنسيان

عن الولع بالشعر والشغف به كحياة أخري متخيلة أكثر عدلاً وأماناً، وسط عالم لا يكف عن العبث والحروب تدور أجواء ديوان «في أُنس الأشياء» للشاعرة السورية فاطما خضر.

جمال القصاص
ثقافة وفنون «أبواب»... قصائد تنتصر للبيئة في مواجهة الجنرالات

«أبواب»... قصائد تنتصر للبيئة في مواجهة الجنرالات

يتكون ديوان «أبواب»، للشاعرة السورية «بسمة شيخو»، من ست وثلاثين قصيدة، مقسمة بالتساوي على ثلاثة أقسام، كل منها يضم اثني عشر نصاً

عمر شهريار
يوميات الشرق محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)

محمود درويش في بيروت... كلّما ابتعدَ زمنُه وجدناه في زمننا

المكان الذي تعذَّرت استعادته كما كان، ظلَّ حاضراً في القصيدة بأسمائه ووجوهه وروائحه...

فاطمة عبد الله (بيروت)
العالم العربي بلند الحيدري (1926-1996)

منتدى «أصيلة» يعلن فوز شاعرين من العراق والمغرب بـ«جائزة بلند الحيدري للشعراء الشباب»

فوز الشاعر العراقي زين العابدين المرشدي، والشاعر المغربي أبو بكر المليتي، مناصفة بـ«جائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب» في دورتها الثامنة.

«الشرق الأوسط» (أصيلة (المغرب))

36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
TT

36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)

أعلن منظمو مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن)، الأربعاء، أن كندا ستشارك لأول مرة في المسابقة إلى جانب 35 دولة أخرى على الأقل في نسخة العام المقبل، فيما ستغيب آيرلندا وهولندا عن الحدث بسبب مشاركة إسرائيل، مع ترقب قرار إسبانيا وسلوفينيا وآيسلندا، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن 36 هيئة بثّ سترسل ممثليها الوطنيين إلى الدورة 71 من المسابقة التي ستقام بمدينة بورغاس في بلغاريا في مايو (أيار)، بزيادة مشارك واحد عن عام 2026.

وقاطعت كل من إسبانيا وهولندا وآيرلندا وأيسلندا وسلوفينيا المسابقة هذا العام، التي جذبت جمهوراً عالمياً بلغ 130 مليون مشاهد، بعد أن دعت إلى طرد إسرائيل بسبب حملتها العسكرية على غزة في أعقاب الهجوم الذي شنّته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وذكرت إسرائيل حينها أن هناك حملة تشويه عالمية ضدها.

وأكدت هيئة البثّ العامة الإسرائيلية (راديو كان) مشاركتها، بينما أكدت آيرلندا وهولندا أنهما ستتغيبان مرة أخرى عن مسابقة عام 2027.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن هيئة الإذاعة العامة الإسبانية (آر تي في إي) وهيئة البث الوطنية السلوفينية (آر تي في إس إل أو) أمامهما مهلة حتى ديسمبر (كانون الأول) لتأكيد مشاركتهما. وألمح مجلس إدارة هيئة البثّ العامة في آيسلندا (آر يو في) في سبتمبر (أيلول) إلى احتمال عدم المشاركة، مع عدم اتخاذ قرار نهائي بعد.

كتب مارتن غرين، مدير مسابقة «يوروفيجن»، في بيان: «في عالم يتزايد فيه الشعور بالانقسام، تجمع المسابقة الجماهير عبر الموسيقى، متجاوزة الحدود واللغات والثقافات، وهذا أمر مهم الآن أكثر من أي وقت مضى».

وإلى جانب مشاركة كندا لأول مرة، تضم قائمة المشاركين في المسابقة مقدونيا الشمالية، التي تعود إلى المسابقة للمرة الأولى منذ عام 2022، وبلغاريا المضيفة، بالإضافة إلى فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وأستراليا.


محمد العلي... قرنٌ من الأسئلة وشاعر لم يتقاعد عن التنوير

محمد العلي أحد رواد الحداثة الشعرية في السعودية (الشرق الأوسط)
محمد العلي أحد رواد الحداثة الشعرية في السعودية (الشرق الأوسط)
TT

محمد العلي... قرنٌ من الأسئلة وشاعر لم يتقاعد عن التنوير

محمد العلي أحد رواد الحداثة الشعرية في السعودية (الشرق الأوسط)
محمد العلي أحد رواد الحداثة الشعرية في السعودية (الشرق الأوسط)

​فقدت الساحة الشعرية والفكرية في السعودية والخليج، أحد أبرز رموز الشعرية والفكرية، الشاعر والكاتب محمد العلي، عن عمرٍ ناهز 94 عاماً، قضى معظمه في رحلة أدبية وفكرية نحو التجديد والتنوير، منشغلاً بأسئلة الإنسان وقضاياه، حتى اعتُبر رائد الحداثة الشعرية بالمملكة، وأحد أهم رموز التنوير.

لم يكن محمد العلي شاعراً يبحث عن مكان في تاريخ القصيدة السعودية، بقدر ما كان مثقفاً يبحث عن مكان للعقل في حياة مجتمعه. وعلى امتداد عمرٍ ناهز قرناً، ظل الرجل الذي أصبح أحد أبرز رموز الحداثة الشعرية في السعودية مشغولاً بالأسئلة التي رافقته منذ شبابه: لماذا تتأخر المجتمعات عن أفكار أبنائها؟ ولماذا يخشى الإنسان الحرية التي لا يستطيع أن يكتمل من دونها؟

حتى سنواته الأخيرة، ظلَّ محمد العلي حاضراً في المشهد الثقافي، يطلُّ بين حين وآخر بمقال أو تأمل أو موقف، محتفظاً بشغفه بالحوار، وقدرته على مساءلة الأفكار الراسخة وتفكيك المسَلَّمات. لم تُضعف السنون حيويته الفكرية، ولم تدفعه المعارك التي خاضها إلى مهادنة اليقين أو التراجع عن قناعاته. وظلَّ بيته ملتقى للمثقفين والشعراء، يقصدونه للحوار ومناقشة الأفكار، ويجدون في مجلسه فضاءً لمساءلة السائد، وإعادة النظر في القناعات التي استقرت دون تمحيص.

عرفه الوسط الثقافي باسم «أبو عادل»، ورأى فيه شعراء ومثقفون من أجيال متعاقبة مرجعاً فكرياً وأباً لتجاربهم. غير أن هذه «الأبوَّة» لم تكن سلطة يفرضها عليهم؛ بل علاقة تقوم على الحوار والاختلاف. فقد احتضن التجارب الشعرية، وشجع التجديد، ولكنه لم يتردد في انتقاد النصوص التي تفتقر إلى الرؤية، حتى عندما يكتبها شعراء ينتمون إلى التيار الذي دافع عنه.

أمضى محمد العلي عقوداً في الدفاع عن حرية الفكر وتجديد الوعي (الشرق الأوسط)

من واحة الأحساء إلى مدارس العراق

​وُلد محمد العلي عام 1932 في قرية العمران بالأحساء، ومنها انتقل إلى النجف في العراق؛ حيث درس علوم القرآن والمعارف الدينية، وتلقى جانباً من تكوينه اللغوي والفكري في معاهدها وحلقاتها العلمية.

في العراق، وجد الشاب القادم من واحة النخيل نفسه وسط تحولات أدبية وسياسية وفكرية. كانت بغداد والنجف تعيشان نقاشات حول الشعر والمجتمع والعدالة والحرية، بينما كانت القصيدة العربية تدخل مرحلة من التجريب، على أيدي: بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وغيرهم.

لم يقف العلي بعيداً عن هذا الحراك. فقد شارك في تأسيس جماعات وروابط أدبية، وتابع التجربة الشعرية العراقية، وبلغ إعجابه بالسياب أن حفظ ديوانه «شناشيل ابنة الجلبي» عن ظهر قلب.

كانت تلك السنوات حاسمة في تكوينه. فقد جمع بين المعرفة الدينية واللغة العربية من جهة، والانفتاح على الشعر الحديث والفكر الاجتماعي من جهة أخرى. ولم تكن الحداثة التي عاد بها إلى بلاده قطيعة مع التراث؛ بل محاولة لإعادة قراءته، وتحرير العلاقة معه من التلقين والتسليم.

ومع عودته إلى السعودية، بدأ حضوره يتشكل عبر الشعر والصحافة والمقالات الفكرية. ومنذ الستينات، أصبح واحداً من الأصوات التي دفعت باتجاه تجديد الأدب، وفتح النقاش حول قضايا المجتمع والثقافة.

محمد العلي لم تمنعه معارك الحداثة في الثمانينات من مواصلة مشروعه الفكري

قليلٌ من الشعر... كثيرٌ من التأثير

من مفارقات تجربة محمد العلي أن شهرته الشعرية تجاوزت كثيراً حجم إنتاجه المنشور. فقد كان شاعراً مُقلّاً، يتردد في جمع قصائده وإصدار دواوينه، رغم إلحاح أصدقائه ومحبيه.

لاحظ الناقد شاكر النابلسي في كتابه «نبتة الصمت» أن أثر العلي في الفكر الحداثي السعودي كان أكبر من أثر قصائده في حركة الشعر نفسها. فقد رأى أن المكسب الشعري من تجربته كان محدوداً من حيث الكم، بينما كان المكسب الفكري كبيراً في الكم والنوع.

لم يكن هذا التفاوت نتيجة ابتعاده عن الشعر؛ بل لطبيعة علاقته بالقصيدة. فقد تعامل معها بوصفها تجربة داخلية لا تستجيب دائماً لرغبة صاحبها في الكتابة أو النشر.

قال عن نفسه في أحد حواراته: «أنا إنسان أكتب عندما أنفعل»، ثم تحدَّث عن لحظات يعجز فيها الانفعال نفسه عن التحول إلى لغة.

كانت حساسيته تجاه الشعر تفسر جانباً من صرامته النقدية. ففي مارس (آذار) 2007، انتقد استعجال بعض الشعراء السعوديين في نشر دواوينهم، ورأى أن التجريب لا يعني استيراد أشكال التعبير من مجتمعات أخرى دون استيعاب شروطها الفكرية والتاريخية.

«لا ماء في الماء»... والأسئلة الصعبة

في تراث محمد العلي الشعري، تحتل قصيدة «لا ماء في الماء» مكانة تكشف عن طبيعة تجربته، وعن ذلك التداخل بين الحساسية الشعرية والقلق الفكري الذي ميَّز كتاباته. فالعلي لم يكن معنياً بالصورة الشعرية بوصفها غاية جمالية فحسب؛ بل كان يوظفها في مساءلة الواقع، والبحث عن المعنى، واستكشاف العلاقة بين الإنسان وأحلامه وخيباته.

تبدأ القصيدة بسؤال يختصر جانباً من عالمه الشعري:

«ما الذي سوف يبقى إذا رحت أنزع عنك الأساطير؟».

وهو ينطلق من سؤال يبدو فيه الشاعر الذي أمضى حياته الفكرية في تفكيك المسلُّمات؛ أكثر حذراً من هدم الأساطير كلها. ذلك أن الخيال في رأيه ليس مجرد حجاب يغطي الحقيقة؛ بل حاجة إنسانية تمنح الحياة بعض احتمالاتها الجمالية.

والقصيدة التي أخذت مداها الواسع في الآفاق تلتقي بمشروع العلي الفكري؛ حيث تصبح الحرية والكرامة والعدالة قضايا شعرية بقدر ما هي أسئلة اجتماعية وفلسفية. أما عنوان «لا ماء في الماء»، فيحمل مفارقة تقوم على افتقاد الشيء جوهره، وكأن الشاعر يتساءل عما يتبقى من العالم حين تفقد الأشياء معانيها، وتتحول الوعود إلى خيبات.

وهي الأسئلة ذاتها التي تتكرر في قصيدته «لولاك»؛ حيث يخاطب الوهم بوصفه ملاذاً من واقع يعجز الإنسان عن احتماله، ويسأله: «من نحن لولاك؟». ويتكرر السؤال المرُّ في قصيدته «الوجع»: «هل تعرفُ مفردة يسكن الشعر في بهوها الرحب مثل الوجع؟»، وفيها يحوِّل محمد العلي الألم إلى موضوع للتأمل الشعري، مستكشفاً دلالاته الإنسانية عبر تعريفات تكشف عمق إحساسه بمعاناة الإنسان.

تكشف تجربة محمد العلي الشعرية عن تحولات رافقت تطوره الفكري، منذ دراسته في النجف العراقية؛ حيث كتب القصيدة العمودية مستنداً إلى التراث الشعري العربي، وصولاً إلى انفتاحه على قصيدة التفعيلة والنثر، وتشكيل لغته التي جعلت من السؤال والرمز والتأمل أدوات للتعبير عن رؤيته للعالم.

ولعل ما يميز تراثه الشعري أنه لم يسع إلى تقديم أجوبة بقدر ما ترك أسئلة مفتوحة. فمحمد العلي الذي أمضى عمره في مساءلة اليقين، كان يدرك -وهو يكتب الشعر- أن الإنسان لا يعيش بالحقيقة وحدها، وأن حاجته إلى الحلم قد تكون بقدر حاجته إلى المعرفة.

محمد العلي صاحب «لا ماء في الماء» الذي جعل من القصيدة فضاءً للتأمل (الشرق الأوسط)

معركة الحداثة

حين احتدمت معارك الحداثة في السعودية خلال الثمانينات، كان محمد العلي واحداً من أبرز الأسماء التي استهدفتها الحملات المناهضة للتجديد الأدبي والفكري. وجاء كتاب «الحداثة في ميزان الإسلام» لعوض القرني ضمن أبرز مظاهر تلك المواجهة، حين تناول رموز الحداثة بوصفهم أصحاب مشروع فكري يتجاوز حدود الشعر والأدب.

لكن العلي لم يكن معنياً بالدفاع عن شكل شعري بقدر دفاعه عن حق الإنسان في التفكير. فقد كان يرى أن الحداثة ليست قصيدة نثر ولا لغة غامضة، وإنما هي تحوُّل في الوعي، يتيح للإنسان مراجعة المفاهيم وفحص علاقتها بالواقع. ومن هنا جاءت أهمية كتاباته الصحافية ومحاضراته التي تناول فيها قضايا المثقف والآيديولوجيا، والفرق بين الرؤية والموقف، ونمو المفاهيم. وصف الشاعر الراحل علي الدميني هذه الكتابة بأنها تجمع بين الحوار المباشر والتحليل الفلسفي، وتدفع القارئ إلى مراجعة قناعاته حتى عندما يختلف مع صاحبها. وكان العلي يمارس النقد بوصفه مسؤولية معرفية، لا وسيلة للانتصار في الخصومات، وقد دافع عن الحداثة؛ لكنه أيضاً رفض أن تصبح الحداثة نفسها تقليداً.

الاغتراب... بحثاً عن الحرية

في إحدى أوراقه الفكرية التي حملت عنوان «الاغتراب» وكتبها عام 1441هـ، قدَّم محمد العلي قراءة تاريخية وفلسفية لأحد المفاهيم التي شغلت الإنسان منذ العصور القديمة. بدأ بالصعاليك في العصر الجاهلي، مروراً بشعراء العصر العباسي، وصولاً إلى أسئلة الاغتراب النفسي والثقافي والفلسفي والسياسي والديني في العصر الحديث.

لم يكن هدفه استعراض تاريخ المفهوم؛ بل البحث عن الأسباب التي تدفع الإنسان إلى الشعور بالغربة داخل مجتمعه. وفي تناوله للاغتراب الثقافي، تحدث عن وجود ثقافة سائدة تسعى إلى المحافظة على الأوضاع القائمة، وثقافة مضادة تطالب بالتغيير. ورأى أن الصراع بينهما يمثل جانباً من حركة المجتمعات وتطورها.

وفي نهاية الورقة، وصل إلى خلاصة تكشف جوهر مشروعه الفكري. فقد رد أسباب الصراع والتمرد عبر التاريخ إلى غياب العدالة الاجتماعية وغياب الحرية. يقول: «لقد تكسرت الأقلام (زرافات ووحداناً) وهي تكتب عن ضرورة العدالة الاجتماعية، من دون رؤيتها على أرض الواقع المعيش؛ إذ لو كانت هناك عدالة في توزيع الخيرات؛ لاتجهت تلك الصراعات إلى ميدان التنافس في البناء الاجتماعي، بعيداً عن التناحر».

واستحضر الفيلسوف جان بول سارتر الذي ربط وجود الإنسان بحريته، ثم طرح سؤالاً يضع دعاة التنوير أنفسهم أمام الاختبار: هل يستطيع من يدَّعي التنوير أن يتقبل تغيير الآخر مذهبه الفكري دون غضب؟ يقول: «ولأضرب مثلاً: جاء في حقوق الإنسان أن حرية الرأي حق من حقوق الإنسان. فهل يا ترى لو أنت بدَّلت مذهبك فهل أنظر إليك أنا -الذي أدعي التنوير- من دون أن تحمرَّ عيناي من الغضب؟ بل هل تستطيع أنت الآن أن تكتب مثل المعري أو أبي حيان أو أبي نواس؟ كلا إنك لا تستطيع؛ لأن حراس الموتى جاهزون لك بكل الأسلحة».

حتى آخر أيامه ظلَّ بيت محمد العلي ملتقى للشعراء والكُتَّاب ومجلسه مساحة للحوار والاختلاف (الشرق الأوسط)

حضورٌ في المشهد

على امتداد عقود، أصبح محمد العلي مرجعاً لأجيال من الشعراء والكُتَّاب السعوديين. لم يكن حضوره مرتبطاً بمؤسسة ولا بموقع رسمي؛ بل بما قدمه من أفكار، وما أثاره من أسئلة، وما أتاحه للأجيال الجديدة من مساحة للحوار والاختلاف.

وظل العلي، حتى تقدمه في العمر، حاضراً في الصحافة والمشهد الفكري، يتابع ما يجري حوله، ويكتب حين يجد أن هناك فكرةً تستحق النقاش، أو موقفاً يستدعي المكاشفة. ولم يكن العلي مفكراً امتلك أجوبة نهائية عن أسئلة عصره، ولعل قيمته تكمن في أنه لم يدَّع امتلاك تلك الأجوبة، فقد عاش بين التراث والحداثة، وبين الشعر والفلسفة، وبين الانتماء إلى مجتمعه والاختلاف معه. وكان يدرك أن التنوير لا يتحقق بمجرد إعلان الانحياز إلى العقل؛ بل يحتاج إلى شجاعة مراجعة الأفكار، والاعتراف بحق الآخرين في الاختلاف.

ومع رحيله، لا تفقد الثقافة السعودية واحداً من رواد حداثتها الشعرية فحسب؛ بل تفقد شاهداً على تحولات امتدت من سنوات التأسيس إلى زمن اتسعت فيه مجالات التعبير والنقاش. ولعل ما يبقى من تجربته ليس عدد القصائد التي كتبها، ولا المعارك التي خاضها؛ بل ذلك الإصرار على ألا يتوقف الإنسان عن مساءلة العالم الذي يعيش فيه.

لقد ظل محمد العلي، حتى نهاية حياته، وفياً لقناعته بأن المجتمع يستطيع أن يتغير، وأن المثقف لا يؤدي دوره حين يكتفي بوصف الواقع؛ بل حين يملك الشجاعة لمواجهته بالأسئلة.


السرد المضاد في حكاية سنمّار

سعيد الغانمي
سعيد الغانمي
TT

السرد المضاد في حكاية سنمّار

سعيد الغانمي
سعيد الغانمي

تُعد مدينة الحِيرَة الواقعة جنوبي الكوفة في صورتها السردية التاريخية المتخيلة، عتبة تخطٍّ ومستودعاً مستقبلياً زاخراً لحفظ وصيانة الثقافة العربية، فهي إحدى النقاط الزمنية الأخيرة والفارقة منذ القرنين الرابع والخامس الميلادي حتى السابع التي استعادت فيها وجددت ثقافة العرب بنيانها وحفظت لهجات لغتها من مظاهر التعدد والتشتت والعزلة في عمق التاريخ وأنحاء المكان، وحالت دون التزاحم والاندماج مع الثقافات الأخرى، فكانت بحق الحقبة الثقافية التأسيسية الأولى الممهدة لليقظة القومية والثقافية والدينية، كما يصفها الدكتور سعيد الغانمي في كتابه «ينابيع اللغة الأولى».

مستودع سردي

كان ذلك المستودع اللغوي والسردي الحِيري الزاخر، قد انتقل إلى أطوار زمنية لاحقة مزدهرة نحو مدن جديدة، في الوقت الذي كانت تتطوح فيه اللهجات العربية مع مسار هجرات التنقل والرعي، وتغرب مع أفول الممالك والدول ونهاية الملوك وتتغرب في الشتات مع حملات الجيوش والغزاة غير أن هذا المستودع -العتبة- مضى يحمل هامشه اللغوي لصيانة اللغة العابرة للممالك والدول والملوك والمستقرة في الحواضر، وصار بناءً سردياً خالصاً، ينضوي على نسق تأويلي حر بين السرد التوكيدي لصالح الحاكم والسرد المضاد لصالح اللغة.

ولعل تلك العتبة السردية والتاريخية ما كانت لتتشكل لولا الوقائع السياسية الداعمة التي رافقت نشوء دولة وملوك المناذرة اللخميين العرب ودورهما في تأصيل وتكوين موقع مدينة الحيرة ووجودها الجغرافي والسياسي شبه المستقل وضبط إيقاعها المتناغم نسبياً مع القوى الإمبراطورية المهيمنة والسائدة في ذلك الوقت.

رسم توضيحي لقصر الخورنق

التوكيدي والمضاد

وإذا كان السرد التاريخي بنوعه التوكيدي الأول، يؤكد سعة وتركز الوقائع السياسية والثقافية واللغوية المستودعة في الأدب والسيرة والحكايات والشعر برفقة الصورة التاريخية للمدينة وإطارها الملكي والإمبراطوري فإن نوعه الثاني «السرد المضاد» يغدو في نسيج النصوص الأدبية قلقاً وتوتراً لغوياً، يجعل النص مفكراً ومعبراً في عمقه السردي عن معنى عميق خارج الإطار السياسي بما ينبئ عن كمون المواجهة النقدية على نحو معين وبيان الصورة الإنسانية المغيبة كما في نص «حكاية سنمّار»، موضوع القراءة في هذه السطور.

إن نص سنمّار يخفي في محتواه السردي، الطبيعة السياسية البارعة لشخصية المهندس الذي يستكمل بناء القصر الملكي الفخم فيخبئ آجرّة حتى إذا ما سُحبت، سوف يتقوض البناء عن آخره ويتهشم كأثر بعد عين، ولم يستطع الراوي تضليل براعة الفكرة أو إقناع المتلقي بإهمالها فيحاول عبثاً أن يجعل من سنمّار غفلاً سياسياً ليخبر الملك «بالقنبلة والشيفرة» التي ستفجر كل شيء، فمن غير المعقول أن مهندساً يقيم مخططين هندسيين فائقين للبناء والتقويض معاً ثم يفشي سرهما الذي سيؤدي إلى هلاكه حتماً.

في مقابل ذلك لا يمكن أن نعدّ الراوي غفلاً أو ساذجاً على مستوى بناء نصه أو يقدم تنازله الفني الفاضح لصالح خدمة الحاكم حسب، فقد حفل النص بتوتر لغوي وبترقب على مدى مفتوح في أن يُبقي سر الآجرّة محفوظاً دون أن يطلع عليه الملك أيضاً، وظلت فكرة التقويض قائمة ومرعبة مثل حكاية غير رسمية مخبأة، لم تروَ بعد، يحتفظ بكتمها المؤجل، الراوي «العليم» للحكاية أو يتوارى لغوياً بصرف انتباه الملك عنها.

وستغدو فكرة التقويض المغيبة عن الملك معادلة لتغييب الذكاء السياسي لدى شخصية المهندس، ومن خلال هذه المعادلة، يضطلع المحتوى السردي بالحكاية الأخرى المخبأة التي قد يتسلمها راوٍ آخر، يُشبه إلى حد بعيد تناوب الرواة في سرد حكاية واحدة على مدى الأزمان كما تناوله القاص محمد خضير في كتابه «بصرياثا» وقصة «رؤيا البرج» بشأن «الحكاية التي لم تنتهِ أو تمُتْ ليتسلم الحكاية نفسها حكَّاء آخر، يواصل الحكي بعد موت الأول».

إذن يتحرك زمن الرواة وتستمر الحكاية نفسها، والمفقود في حكاية سنمّار من تغييب لطبيعة شخصية المهندس وذكائه السياسي، تبيّنه الصورة الملكية والتاريخية العامة المعلنة أو تستعيض عنه في توكيد السرد لصالحها، وتُكسبه المواجهة النقدية والتوتر اللغوي في السرد المضاد، إذ أُخفيت آجرّة التقويض كحبكة تفجير في ثنايا النص ولغة الراوي «العليم» قبل البحث عنها وكشفها في جدران قصر الخورنق.

ما السرد المضاد؟

استند جون دوكر مؤلف كتاب «أصول العنف» إلى مفهوم التعدد الصوتي في السرد لدى باختين، فاستعار مصطلح «السرد والسرد المضاد» ليعبّر فيه مباشرةً عن حقله الاختصاصي في علم الضحية والظاهرة العنفية والإبادة الجماعية في التاريخ البشري، ويخلص بتهكم إلى صورة الإمبريالي النبيل الروماني الأصل سليل الطرواديين، والغربي الحديث سليل الرومان، ويتقفى سطح وعمق النصوص السيرية في السرد التوكيدي مبيناً الحملات التاريخية لشن العنف والقتل البربري فيما يتحدث عن النسق الضامر في السرد النقدي المضاد في مواجهة تاريخ الإبادات البشرية.

ولا يستخدم دوكر السرد المضاد في النصوص لغاية أدبية - نقدية قدر ما يعده ذخيرة بحثية ليقدم شيئاً جديداً في حقل دراسات السلام ونبذ العنف.

في هذا السياق فإن السرد المضاد هو محمول ضامر في النص، وهامش حر جرى التعتيم عليه وصرف الانتباه عنه لأسباب سياسية سائدة كثيراً ما يلجأ إليها الكاتب أو الراوي في سبك حكايته، ولكن سرعان ما يُكشف عنها في وقت آخر وتعد فخاً فنياً ولغوياً مؤجلاً باستمرار ومرمماً في رواية أخرى مخبأة.

سنمّار وصورة الحِيرَة السردية

في حكاية سنمّار، لا يتخطى الحكّاء إطارية الحكاية وصورتها العامة عبر وجود الحاكم وسلطته المطلقة على شعبه على الرغم من أن هذه السلطة في صورتها السردية التاريخية المضطربة، تابعة لأخرى خارجية، وتأتمر بأوامرها وينعكس وجودها من خلال التحالف معها، وبواسطة ذلك، جهَّز الحكّاء استهلاله التوكيدي عشية استعداد ملك الحيرة، النعمان بن المنذر، لاستقبال ملك الفرس ابن سابور، وكيف يُحسن ضيافته ويُرضيه، وعدا ذلك كانت الحكاية، تغض النظر عن «غاية الفخامة للمستعمر» وتصرف الانتباه عن ذكاء المهندس السياسي، وترتكز إلى امتياز شامل للنعمان بتشييد قصر فخم لا تضاهيه عمارة ولا يفوقه بناء.

وبذلك فإن الصورة السردية والتاريخية التي ترافق السرد، وتعبّر عنها الحكاية، هي أن موقع ووجود مدينة الحيرة يمثل النسق التوكيدي للغاية المضللة لدى المستعمر الفارسي والبيزنطي وتطلُّع الحيرة الحقيقي إلى الاستقلال، فيما يُظهر السرد المضاد النسق البربري لتاريخ العنف وحملات الغزو والإبادات البشرية الشاملة في المنطقة، مثلما تُخبأ الآجرَّة كفكرة تقويض وهدم مستمرة.

وبين هذين

السردين -سواء ما ترويه الحكايات، أو تعبّر عنه صورة المدينة السردية في التاريخ- تمكنت الثقافة العربية من أن تجد جسرها الصياني نحو ضفة ثانية لتجميع وتوحيد لهجاتها في فصحى الحيرة كونها آخر اللهجات الجامعة في اللغة العربية، كما يؤكد الغانمي، فها هي صورة الآرامي النبيل سليل التشتت والعزلة الشرقية، والعربي الحديث في القرن الخامس الميلادي سليل الآرامية، تستجمع سردها الملكي في حِيرَة الكوفة وتعقد بيانها لتغدو مهاداً ليقظة إنسانية وطوراً آخر للتجدد والبناء الملكيين في مكة وبغداد والأندلس، والأهم من ذلك كله ظل السرد المضاد في النصوص المفكرة، يبحث عن فكرته الجوهرية في آجرّة التقويض ونبذ العنف.

* كاتب عراقي