تراجع الغرب في الساحل الأفريقي أفسح المجال لـ«القاعدة»

الاضطرابات الأمنية منحت «الجماعات الإرهابية» فرصة لتوسيع نفوذها

صراع داعش والقاعدة في منطقة الساحل الأفريقي
صراع داعش والقاعدة في منطقة الساحل الأفريقي
TT

تراجع الغرب في الساحل الأفريقي أفسح المجال لـ«القاعدة»

صراع داعش والقاعدة في منطقة الساحل الأفريقي
صراع داعش والقاعدة في منطقة الساحل الأفريقي

دأبت النظم الانقلابية، التي وصلت أخيراً إلى الحكم في دول الساحل الأفريقي، على صب جام غضبها على الوجود العسكري الغربي، المتمركز هناك بداعي «مكافحة الإرهاب». ولقد كان لفرنسا النصيب الأكبر فيه، باعتبارها المستعمرة السابقة، وصاحبة الحضور التاريخي في أفريقيا. لكن، مع الخروج المتتالي للقوات الفرنسية، وتقلص الدور الغربي بشكل عام في دول الساحل الأفريقي، أخذ نفوذ الجماعات الإرهابية يتنامى بوتيرة غير مسبوقة، وفقاً لمراقبين رصدوا حضوراً لافتاً لتنظيم «القاعدة»، في عدة دول بينها مالي وبوركينا فاسو.

تسببت منطقة الساحل الأفريقي (غرب القارة) في وفيات «إرهابية» عام 2022، أكثر من تلك التي شهدتها بلدان جنوب آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا مجتمعة، وفق تقرير مؤشر الإرهاب لعام 2023.

وقد لفت التقرير الصادر عن معهد «الاقتصاد والسلام الدولي» إلى أن «الوفيات شكلت ما نسبته 43 في المائة من إجمالي الوفيات المسجلة في العالم». وفي هذا السياق، شكلت مناطق مالي وبوركينا فاسو 73 في المائة من الوفيات الناجمة عن الإرهاب في المنطقة. وأسفرت جهود مكافحة الإرهاب الحكومية في منطقة الساحل عن سقوط ضحايا من المدنيين قدروا بنحو 1058 مدنياً خلال عام 2022، ارتفاعاً من 158 مدنياً خلال 2021، وهو عدد مماثل لهؤلاء الذين سقطوا نتيجة للهجمات الإرهابية. الأمر الذي يؤدي، وفقاً للتقرير، إلى «تصاعد الغضب بين السكان المحليين، وهو ما قد تسعى التنظيمات الإرهابية إلى توظيفه في عمليات تجنيد جديدة، وتأجيج النزاعات المحلية والطائفية، وبث مشاعر مناهضة للنظام». واتسعت الرقعة الجغرافية للنشاط الإرهابي ليمتد من منطقة الساحل إلى غرب أفريقيا الساحلية المجاورة. وسجلت أكبر الزيادات في النشاط الإرهابي في توغو وبنين.

أحمد سلطان، الخبير المصري في شؤون الجماعات المتطرفة، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط»: إن منطقة الساحل «بيئة خصبة للجماعات الإرهابية حيث تستغل تلك الجماعات التوترات التاريخية والكبيرة بين المجتمعات المحلية في المناطق الحدودية، والصراع بين القبائل والعشائر على الموارد الشحيحة في ظل عجز الحكومات عن السيطرة على مساحات ترابية وطنية كبيرة». وأردف: «ثمة عوامل جغرافية مثل سهولة العبور واختراق الحدود بين دول المنطقة، لكن كل تلك العوامل يمكن احتواؤها لو تسنى التوصل إلى حكومات قوية ورشيدة تهتم بمعالجة جذور الأزمة».

عداء للغرب

توترت العلاقات بين النظم العسكرية الجديدة في دول الساحل الأفريقي مع فرنسا، وسارت مظاهرات شعبية لتأييد السلطات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو وأخيراً في النيجر، تندد بفرنسا وسياساتها وهيمنتها وتطالبها بالخروج من البلاد. وفي المقابل، باتت هذه الدول أقرب إلى روسيا، كون شعوبها لا ترى في موسكو «قوة استعمارية تهيمن على مقاديرهم وتتدخل في شؤونهم»، وفق مراقبين، تحدثوا عن تعاون متزايد بين تلك الأنظمة العسكرية في مالي وبوركينا فاسو مع مجموعة «فاغنر» الروسية، في حربهم ضد التنظيمات الإرهابية.

كذلك استمدت النظم العسكرية التي تولت السلطة بعد الانقلابات العسكرية قسطاً كبيراً من شرعيتها الشعبية عبر ادعاء امتلاكها القدرة على مواجهة الجماعات الإرهابية. لكن مقابل ذلك، لفرنسا سردية مضادة عبّر عنها سيباستيان لوكورنو، وزير الجيوش الفرنسية في تصريحات سابقة، حين قال إن الانقلابات العسكرية التي شهدتها منطقة الساحل أخيراً ستؤدي إلى «الانهيار».

لوكورنو عدّ انسحاب القوات المسلحة الفرنسية من هذه البلدان إخفاقاً لهذه الدول وليس فشلاً للسياسة الفرنسية هناك. وتابع «النظام (العسكري) في مالي فضّل (فاغنر) على الجيش الفرنسي. رأينا النتيجة: منطقة باماكو باتت منذ ذلك الحين مطوقة من قبل (الجهاديين)». وقال: «طلبهم الرحيل منا كان كافياً ليستأنف الإرهاب نشاطه»، مشيراً إلى «تسجيل 2500 حالة قتل في بوركينا فاسو على صلة بالإرهاب»، منذ الانقلاب العسكري في سبتمبر (أيلول) 2022. وحذّر من أن «مالي باتت على شفير التقسيم، والنيجر للأسف ستتبعها على المسار ذاته».

حالة مالي

على الرغم من طرد السلطات المالية الانقلابية للقوات الفرنسية ذات الحضور التاريخي مالي ومطالبتها بعثة الأمم المتحدة بالرحيل، الذي بدأ بالفعل، لم ينجح المجلس العسكري في تقليص النفوذ الإرهابي هناك. ووفق مركز الدراسات الاستراتيجية الأفريقية (مقره في الولايات المتحدة)؛ فإنّ جزءاً كبيراً من شمال البلاد بات واقعياً تحت سيطرة مجموعات من المقاتلين المتشددين. وتتجه مالي لتسجيل أكثر من 1000 عملية عنف مرتبطة بالمجموعات المسلحة في 2023، وهو ما سيتفوق على مستوى العنف القياسي المسجّل العام الماضي، ويشكّل زيادة 3 أضعاف تقريباً، مقارنة بتاريخ سيطرة الجيش على الحكم في 2020. ويبرز في هذا السياق النفوذ المتزايد لتنظيم «القاعدة»، حيث تفرض جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة للتنظيم حصاراً على مدينة تمبكتو يكاد يدخل شهره الثاني، من دون تمكن الجيش المالي وقوات «فاغنر» من التعامل معه بنجاعة. وهكذا تعيش المدينة الأثرية الواقعة شمال مالي في عزلة تامة منذ قرر التنظيم بشكل مفاجئ قطع كل الطرق المؤدية إليها مطلع أغسطس (آب) الماضي متسبباً في كارثة إنسانية. وبعدما ظن سكان تمبكتو أن إعلان فرض الحصار كان لمجرد الترهيب؛ فإنه مستمر ويتسع، ولا يقتصر على تمبكتو؛ إذ فرضت الجماعة حصاراً جزئياً على مدينة غاو الرابطة على ضفاف نهر النيجر وتبعد 320 كلم إلى الجنوب الشرقي تمبكتو.

واليوم يستغل التنظيم جبهة أخرى تزداد المعارك فيها بإطراد، بعدما أعلن تحالف «إطار العمل الاستراتيجي الدائم للسلام والأمن والتنمية»، وهو تحالف حركات من العرب والطوارق الأزواديين يدعو إلى انفصال شمال مالي، الشهر الماضي، أنه دخل في حالة حرب مع المجلس العسكري الحاكم ومجموعة «فاغنر» المتحالفة معه، وبعدها أعلنت تنسيقية حركات أزواد التعبئة العامة وتشكيل «جيش تحرير أزواد» ودعت سكان الإقليم للتوجه إلى ساحات القتال «لحماية الوطن والدفاع عنه». ولقد أعلنت التنسيقية سيطرتها على مواقع وقواعد عسكرية في الإقليم وإسقاطها مروحيات للجيش في مواجهات هي الأولى من نوعها بين الطرفين من حيث شدتها، منذ انتهاء الصراع الدامي بينهما الذي نشب عام 2012 حول السيادة على إقليم أزواد.

استمدت نظم الانقلابات العسكرية قسطاً كبيراً من شرعيتها شعبياً عبر ادعاء امتلاكها القدرة على مواجهة الجماعات الإرهابية

بوركينا فاسو

أما بوركينا فاسو فقد احتلت المرتبة الثانية على مستوى العالم بعد أفغانستان في مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2023؛ إذ سجلت 310 عمليات إرهابية نجم عنها مقتل 1135 شخصاً، مما يعني زيادة 50 في المائة مقارنة بعام 2021، وإصابة 496 آخرين في عام 2022.

تسببت هجمات جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» (الموالية لتنظيم «القاعدة» الإرهابي) في 48 في المائة من إجمالي عدد القتلى في بوركينا فاسو عام 2022، وشكلت الوفيات الناجمة عن الإرهاب في بوركينا فاسو 17 في المائة من إجمالي الوفيات الناجمة عن الإرهاب على مستوى العالم. وراهناً تسيطر جماعة «أنصار الإسلام» المقربة من جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، على 40 في المائة من أراضي الدولةن وفق تقديرات الحكومة الأميركية، وتهدد بعملياتها دول الجوار.

وكانت السلطة العسكرية الحاكمة أطلقت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حملة لتجنيد 50 ألف متطوع للقتال ضد الجماعات الإرهابية، ونجحت الحملة في تجنيد 90 ألف مواطن، وتتهم هذه المجموعات المتطوعة بارتكاب انتهاكات تستهدف فيها جماعات من السكان على أسس عرقية.

انقلاب النيجر

آخر المحطات الانقلابية في منطقة الساحل كانت هذا العام في النيجر، التي أثار انقلابها اهتماماً دولياً غير مسبوق، علاوة على التلويح الأفريقي من خلال منظمة «إيكواس» بالتدخل العسكري لاستعادة النظام الدستوري، وهو ما أيدته باريس. حالياً تتصاعد الهجمات الإرهابية في النيجر منذ انقلاب يوليو (تموز) الماضي الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم وما عقب ذلك من مواجهة مع فرنسا شبيهة بتلك التي حدثت في مالي وبوركينا فاسو في نتائجها، وأسفرت المواجهة عن تعهد فرنسا بمغادرة قواتها النيجر بعد رفضها الأولي. فلقد أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أخيراً سحب سفير بلاده من العاصمة نيامي ومغادرة الجنود الفرنسيين البالغ عددهم 1500 جندي والمتمركزين في النيجر بحلول نهاية العام.

آخر الهجمات شهدها هذا الأسبوع، وذكرت وزارة دفاع الحكومة الانتقالية أن عملية إرهابية استهدفت الجيش النيجري خلفت 29 قتيلاً. وفي منتصف أغسطس (آب) الماضي، قُتل ما لا يقلّ عن 17 جندياً نيجرياً وأصيب 20 آخرون بجروح في هجوم إرهابي قرب الحدود بين النيجر وبوركينا فاسو. ويذكر أن العسكريين الذين نفذوا الانقلاب اتهموا حكم بازوم بأنه تسبب في اضطراب أمن البلاد. وتوصف المنطقة الحدودية بين النيجر وبوركينا فاسو ومالي بأنها «المثلث الأخطر»، حيث تنشط التنظيمات الإرهابية وتنطلق منها لاستهداف مناطق أخرى.

وفي تتويج لتحالف الأنظمة الانقلابية في مواجهة فرنسا و«إيكواس»، شكل قادة مالي وبوركينا فاسو والنيجر، الشهر الماضي، اتفاقاً للدفاع المشترك تحت ميثاق عرف بـ«ليبتاكو غورما» يلزم الدول الثلاث بالتعاون، بما في ذلك عسكرياً، في حال وقوع هجوم على أي منها.

قوات فرنسية في تمبكتو بشمال مالي (أ ف ب)

آثار الانقلابات

يرى أحمد سلطان أن الانقلابات العسكرية في دول الساحل «أضعفت من قدرات الجيوش - الضعيفة أساساً - بسبب انصراف النخب العسكرية إلى تثبيت حكمهم وسيطرتهم السياسية على دولهم والمواجهة مع القوى الإقليمية والدولية الرافضة للانقلابات العسكرية التي تفرض في الغالب عقوبات تؤثر سلباً على حياة الشعوب الفقيرة».

وأضاف «غياب الدولة عن تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين يدفع الآلاف منهم للانضمام للتنظيمات الإرهابية... وأدى طرد القوات الأجنبية من مالي وبوركينا فاسو وبعدهما النيجر إلى تراجع قدرات مواجهة التنظيمات الإرهابية في ظل الفراغ الذي تركه هذا الانسحاب، الذي استطاعت التنظيمات الإرهابية استغلاله سريعاً في ظل فشل الجيوش المستعينة بقوات فاغنر في المواجهة».

ورأى سلطان أن ما يفاقم الوضع أن «مواجهة الإرهاب لا تقتصر على الجانب العسكري؛ بل لا بد أن يتواكب مع استراتيجيات اقتصادية تنموية. كذلك فإن تلك الدول التي تعاني من خلافات إثنية وعرقية متجذرة تحتاج استقراراً سياسياً واجتماعياً لا تستطيع البيئات المصاحبة للانقلابات توفيره في ظل هشاشة الأوضاع الأمنية».

بدوره، يرى عبد الفتاح الفاتحي، مدير «مركز الصحراء وأفريقيا للدراسات الاستراتيجية» في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن انسحاب القوات الفرنسية والقوات الأممية، بعد الانقلابات على الرغم من كونه يلقى تأييداً شعبياً؛ «فإن الجماعات الإرهابية وعلى رأسها القاعدة وتنظيم داعش أعدوا الانسحاب فرصة سانحة واستغلوه جيداً في توسيع نفوذهم».

وأضاف الفاتحي أن «قدرات الجيوش في مالي وبوركينا فاسو، لا تستطيع مجاراة تلك الجماعات ذات الخبرة الكبيرة على الأرض التي صارت تمتلك حاضنات شعبية نتيجة لتفشي الفقر وغياب دور الدولة؛ مما أدى إلى نشاط كبير في عمليات التجنيد في المنطقة». ورأى كذلك أن التنظيمات الإرهابية «نجحت في سياسة الإرهاق برفع تكلفة الورقة الأمنية والاقتصادية والسياسية للدولة المركزية في مواجهتهم، وذلك في ظل العزلة الدولية والإقليمية التي عانت الأنظمة منها كنتيجة للانقلابات». واختتم أن الانقلابات «خلفت فراغاً سياسياً وإدارياً وعسكرياً وارتباكاً اجتماعيا».

من جهته، قال المحلل السياسي التشادي إسماعيل طاهر لـ«الشرق الأوسط» إن عدم وجود الفرنسيين أدى إلى «افتقار جيوش منطقة الساحل إلى معلومات استخباراتية فعالة في مواجهة المنظمات الإرهابية، كما أدى إلى الافتقار لبرامج مهمة في مجال التدريب العسكري».

ويرى طاهر أن انسحاب القوات الأممية «ترك فراغاً أمنياً في مالي سيحتاج الجيش لخوض معارك طويلة لملئه وسط تنافس مع القاعدة والأزواديين للسيطرة على القواعد السابقة لـ(مينوسما) والمناطق التي تحيط بها».

أسباب تفوق «القاعدة»

على أية حال، الساحة في منطقة الساحل أساساً ساحة تنافس واقتتال شرس بين تنظيم «داعش» وفروعه في مواجهة تنظيم «القاعدة» وفروعه، لكن المحللين يرون غلبة للأخير في الوقت الحالي. إذ ضاعف متطرفو «داعش» تقريباً الأراضي التي يسيطرون عليها في مالي خلال أقل من سنة، وفق تقرير للأمم المتحدة صدر في أغسطس (آب) الماضي. وفي هذا السياق، يرى سلطان أن «تفوق القاعدة على تنظيم داعش في منطقة الساحل ليس مطلقاً ولا نهائياً، وأن التنافس بين التنظيمين سيظل مستمراً، لكن الغلبة الآن لتنظيم القاعدة الذي استطاع تنظيم صفوفه بشكل جيد خلال سنوات عديدة».

لكن سلطان يتوقع أن يحاول «داعش» مستقبلاً قضم رصيد «القاعدة» ومكتسباتها. ويقول: «إن القاعدة تكسب أرضاً بفضل عددها الأكبر، عن طريق ترسيخ وجودها في حاضنة اجتماعية تتمدد بسبب حرص التنظيم على إقناع المواطنين في مناطق نفوذه بأنه يكفل لهم الحماية من داعش ومن هجمات الجيوش. ثم إن المواطنين في منطقة الساحل يرون خطاب القاعدة أكثر اعتدالاً وأقل تشدداً من داعش».

إمارة جديدة

وحول تكتيكات «القاعدة» في مالي، رأى محللون أن «القاعدة استلهمت الأسلوب الذي اتبعته حركة طالبان الأفغانية للهيمنة السريعة على الأرض، كما فعلت طالبان عقب الانسحاب الأميركي، وقاموا من خلال هذا التكتيك باحتلال مواقع القوات الحكومية الأفغانية».

وكما استغلت طالبان الفراغ الأمني الذي خلفه الانسحاب الأميركي؛ فإن المتطرفين في الساحل يستغلون الارتباك الأمني جراء الاضطرابات السياسية التي عمّت المنطقة بعد الانقلابات... وأيضاً يستغلون هشاشة الأوضاع الأمنية الناجمة عن انسحاب القوات الفرنسية وقوات حفظ السلام الأممية، للسيطرة على مناطق واسعة من البلاد.

هنا استبعد الفاتحي احتمالات «تفكير القاعدة في تأسيس إمارة إسلامية في الساحل حالياً»، لكنه رأى أن ذلك «يبقى رهاناً مستقبلياً يستعجل التنظيم خلق شروط طبيعية له كما فعلت طالبان في أفغانستان وعلى شاكلة ما فعلت (داعش) في سوريا والعراق». ويوافق هنا سلطان على أن «القاعدة» لا تفكر حالياً بإقامة الإمارة لكن يرجح أن لديها مخطط لذلك في المستقبل. وتابع سلطان: «لا يزال من المبكر جداً الحكم على حرب ستطول بين التنظيم والجيش المالي، لا سيما بعد تصعيد القاعدة بحصارها للمدن والقرى».

ومن جانبه، يرى طاهر أن «أقصى ما يمكن لتنظيم القاعدة فعله هو إقامة إمارة في مناطق شمال مالي من خلال التعاون مع الأزواديين في مواجهة الجيش المالي وفي مواجهة تنظيم داعش الذي يسعى بدوره إلى إقامة دولته في الساحل».

 


مقالات ذات صلة

النيجر: 35 قتيلاً في هجوم المطار... و«القاعدة» يتبنّاه

أفريقيا حاكم ولاية أدماوا في شمال شرقي نيجيريا خلال زيارة لمنطقة غوياكو التي تعرَّضت لهجوم مسلح من تنظيم «داعش» الإرهابي (أ.ب)

النيجر: 35 قتيلاً في هجوم المطار... و«القاعدة» يتبنّاه

35 قتيلًا في هجوم المطار في النيجر و«القاعدة» يتبناه... وإدانات وتضامن أوروبي وأميركي وأفريقي

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)

موسكو: العلاقات مع باماكو بلغت مستوى «غير مسبوق»

أعلن السفير الروسي لدى دولة مالي، إيغور غروميكو، أن العلاقات بين روسيا ومالي بلغت «مستوى غير مسبوق»، خصوصاً في المجال العسكري...

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا جرّدت فرنسا مراد فارس الذي عمل سابقاً على تجنيد أشخاص للقتال في سوريا والمُدان عام 2020 في باريس من جنسيته الفرنسية وفق مرسوم نُشر الخميس في الجريدة الرسمية (أ.ف.ب)

باريس تسحب الجنسية الفرنسية من مُدان بتجنيد مقاتلين خلال الحرب في سوريا

جرّدت فرنسا مراد فارس الذي عمل سابقاً على تجنيد أشخاص للقتال في سوريا، والمُدان عام 2020 في باريس، من جنسيته الفرنسية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أفريقيا إياد أغ غالي في آخر ظهور له حين توعد بهزيمة مالي وبوركينا فاسو والنيجر وحلفائهم الروس (متداولة)

مالي تعرض 3,5 مليون دولار مقابل معلومات عن زعيم «القاعدة» في الساحل

يذكر أن غالي، الدبلوماسي المالي السابق وأحد قادة المتمردين الطوارق، مدرج أيضا في قوائم الإرهاب الأميركية.

«الشرق الأوسط» (باماكو)
أفريقيا جنود من قوات الأمن الرواندية بالقرب من موقع «إنيرجي» للغاز الطبيعي بموزمبيق في 22 سبتمبر 2021 (رويترز)

رواندا تبقي على قواتها في موزمبيق لمواجهة «داعش»

رواندا تبقي على قواتها في موزمبيق لمواجهة «داعش» والتنظيم يهدد أكبر مشروع استثماري للغاز في أفريقيا بـ20 مليار دولار.

الشيخ محمد (نواكشوط)

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
TT

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)

في أسواق النفط، كان المشهد أقرب إلى زفير جماعي بعد شهور من الاختناق. الشاشات التي لاحقت أخبار الألغام والناقلات والتهديد بإغلاق مضيق هرمز بدأت تقرأ الاتفاق الأميركي - الإيراني بوصفه وعداً بعودة التدفق، لا مجرد خبر دبلوماسي. وفي عواصم الخليج، خصوصاً التي تعيش جغرافيتها الاقتصادية على رئة هرمز، بدا الارتياح مفهوماً: العراق والكويت وقطر والبحرين، ومعها بقية دول الخليج، لا تريد حرباً مفتوحة في الممرّ الذي يعبر منه جزء حيوي من طاقة العالم. بيد أن الصورة لم تكن وردية في كل مكان. ففي تل أبيب، كان الصمت أقرب إلى الغضب المكتوم. وفي «الكابيتول هيل»، لم يكن السؤال: هل انتهت الحرب بل بأي ثمن؟ ومن يضمن أن هدنة الستين يوماً لن تتحول إلى فخ تفاوضي جديد؟ هكذا دخلت «مذكرة التفاهم» بين واشنطن وطهران حيّز السياسة الفعلية: وقف عمليات، إعادة فتح هرمز، إعفاءات نفطية، بحث في الأصول المجمّدة، صندوق إعادة إعمار ضخم، ومفاوضات نووية مؤجلة إلى ستين يوماً قابلة للتمديد. ليست «وثيقة استسلام إيراني»، كما وعد ترمب في ذروة الحرب، ولا نصراً صافياً لطهران. بل الأدق أنها «طريق خروج» أميركي من حرب كادت تتحول إلى كارثة اقتصادية عالمية، وامتحان إيراني قاسٍ: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية أن تبدأ التحول إلى «دولة طبيعية»، أم يعيد «الحرس الثوري» تدوير الاتفاق كهدنة تكتيكية؟

من واشنطن، تُروى القصة على طريقة ترمب: ضغط عسكري هائل، ضربات موجعة، حصار بحري، ثم اتفاق أعاد إيران إلى الطاولة من دون غرق أميركا في حرب شاملة.

هذه الرواية ليست بلا أساس. فالولايات المتحدة دمّرت حقاً أجزاء واسعة من القدرات العسكرية الإيرانية، وألحقت أضراراً بمنشآت دفاعية وصاروخية، وحوّلت الحشد العسكري الأكبر في المنطقة منذ عقود إلى رافعة تفاوضية. لكن المشكلة أن الهدف المعلن كان أكبر بكثير: «استسلام غير مشروط»، وتفكيك نووي وصاروخي كامل، وربما تغيير في بنية النظام... وما تحقق حتى الآن أقل من ذلك بكثير.

براعة... وخطورة

وفق محللين، هنا تكمن براعة الاتفاق وخطورته معاً.

براعة واشنطن أنها وجدت سُلّماً للنزول من حافة الحرب، بعدما اكتشف ترمب أن استمرار المواجهة قد يضرب الاقتصاد الأميركي والعالمي قبل انتخابات التجديد النصفي. وخطورته أن إيران خرجت من تحت الضربات، وقد أثبتت أن بإمكانها تحويل الفوضى الاقتصادية إلى سلاح ردع: إغلاق هرمز، واستهداف منشآت حساسة في الخليج، ورفع كلفة الحرب إلى مستوى لا تتحمله الأسواق طويلاً.

لذلك لا تبدو «مذكرة التفاهم» نصراً إيرانياً بقدر ما هي «بداية مساومة كبرى» على شكل إيران ومكانها. فقد تلقت طهران هزيمة عسكرية قاسية، لكنها لم تُسحق سياسياً. وواشنطن حققت وقفاً للنزيف، لكنها تنازلت عن جزء من الضغط الاقتصادي قبل أن تنتزع الاتفاق النووي النهائي.

وبين هذين الحدين تتشكل المعادلة: ترمب يريد بيع الاتفاق كإنجاز اقتصادي وانتخابي، وطهران تريد بيعه كدليل صمود بوجه القوة الأميركية.

من يربح رواية النصر؟

كل اتفاق مؤقّت يولد بروايتين.

في واشنطن، يقول ترمب إنه أمّن مضيق هرمز، وخفّض أسعار الطاقة، وجنّب العالم كساداً نفطياً، وأجبر إيران على التعهّد بألا تمتلك السلاح النووي. وأضاف أن أي أموال أو استثمارات لن تصل إلى طهران إلا مقابل «سلوك جيد». هذه لغة انتخابية بامتياز: فالنفط يتدفق، والأسواق تهدأ، والرئيس لا يظهر ضعيفاً لأنه يلوّح بالعودة إلى القصف إذا أخلفت إيران.

لكن في طهران، تُروى القصة بعكس ذلك. فإيران «صمدت أمام أقوى جيش في العالم»، وفرضت رفع الحصار، واستعادت القدرة على تصدير النفط، وفتحت الباب أمام أموال مجمّدة واستثمارات بمئات المليارات.

محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وصف المذكرة بأنها «هزيمة للولايات المتحدة»، وهذا جزء من معركة داخلية لا تقل أهمية عن التفاوض مع الأميركيين. فالنظام يحتاج إلى إقناع جمهوره ونخبه بأن الضربات لم تكسر الجمهورية، بل دفعت واشنطن إلى الاعتراف بدور إيران الإقليمي وحقوقها السيادية في هرمز.

لكن بين الروايتين تقف حقيقة ثالثة هي: لا أحد ربح بعد. ترمب اشترى ستين يوماً من الهدوء، وإيران اشترت ستين يوماً من التنفّس الاقتصادي. أما النتيجة النهائية فستتحدد في الملف النووي، وفي لبنان، وفي طريقة إدارة هرمز بعد انتهاء فترة «المرور بلا رسوم».

لماذا غابت عُمان وصعدت باكستان؟

من التحوّلات اللافتة أن الوساطة لم تحمل الختم العُماني التقليدي.

لعقود، لعبت مسقط دور الممرّ الدبلوماسي الهادئ بين واشنطن وطهران. لكن هذه المرة تقدمت باكستان، بدعم إقليمي من الرياض والدوحة وأنقرة، بينما عادت عُمان من باب آخر: إدارة مستقبلية أو تقنية لحركة المرور في مضيق هرمز بالتفاهم مع إيران ودول الساحل.

هذا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل تغيراً في ديناميكيات الوساطة الإقليمية. فباكستان تملك علاقة مركّبة مع إيران، وقنوات أمنية مع واشنطن والخليج، وقدرة على التكلّم بلغة «خفض التصعيد» من دون أن تظهر كجزء من «محور عربي» ضد طهران. أما دول الخليج، التي دفعت ثمن الشلل البحري، فوجدت في الوساطة فرصة لإعادة ضبط المنطقة بلا انهيار شامل في أمن الطاقة.

لكن غياب عُمان عن صدارة المشهد يطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام دبلوماسية خليجية - إسلامية جديدة تتجاوز القنوات التقليدية، أم مجرد ترتيب اضطراري فرضته الحرب؟

الأرجح أن الجواب سيتوقف على بند هرمز. فإذا تحولت «إدارة المضيق» إلى نظام رسوم أو خدمات إيرانية، فستغدو الوساطة نفسها جزءاً من معركة السيادة البحرية.

«عقدة» تل أبيب... في لبنان

في المقابل، أخطر ما في الاتفاق أنه يتكلم عن وقف العمليات «على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان»، بينما لا إسرائيل ولا «حزب الله» طرفان موقعان عليه.

هنا تبدو العقدة: إيران وباكستان تستطيعان القول إن الهدنة تشمل لبنان، لكن بنيامين نتنياهو يقول إن إسرائيل غير ملزمة بنص لم توقعه، وإن قواتها لن تنسحب من الجنوب قبل نزع سلاح «حزب الله» أو ضمان أمن الحدود.

بالنسبة لنتنياهو، الاتفاق ليس مجرد تفاهم أميركي - إيراني، بل إنه تهديد سياسي داخلي. فهو وعد الإسرائيليين بـ«نصر كامل» على إيران ومحورها، لكنه وجد نفسه أمام مذكرة تمنح طهران فرصة للتنفس، وتضغط عليه لوقف حملة يرى أنها ضرورية في لبنان. والأسوأ بالنسبة له أن ترمب، الحليف الذي كان يُفترض أن يكون أكثر رؤساء أميركا «تفهّماً لأولويات إسرائيل»، أخذ ينتقد علناً أساليبها في لبنان، قائلاً إن «إسقاط مسيّرتين في الصحراء لا يبرّر تدمير مبانٍ في بيروت».

لكن قدرة البيت الأبيض على الضغط لها حدود؛ فترمب يحتاج إلى رأس مال سياسي كبير كي يقول لنتنياهو: توقّف الآن!

هذا صعب في عام انتخابي إسرائيلي، وصعب أيضاً في واشنطن حيث يراقب «صقور» الكونغرس الاتفاق بعين الشك. ثم إن بعض الجمهوريين يطالبون بإحاطات سرّية ورقابة تشريعية، وآخرون يرون أن إعفاءات النفط وفتح الأموال المجمّدة يمنحان النظام الإيراني «طوق نجاة». وإذا واصلت إسرائيل عملياتها في لبنان أو غزة، فستتحوّل الهدنة من اتفاق إقليمي إلى اختبار يومي للانضباط الأميركي والإسرائيلي والإيراني معاً.

مصير اليورانيوم... تحت الركام

«الملف النووي» يظل قلب الاتفاق، لكنه أيضاً أكثر أجزائه غموضاً. و«مذكرة التفاهم» تعيد تأكيد أن إيران لن تطور أو تحوز سلاحاً نووياً، لكنها تترك التفاصيل الصعبة للمفاوضات النهائية: مصير المخزون المخصّب، ومستقبل التخصيب، ونظام التفتيش، والمنشآت المتضررة، وجدول رفع العقوبات. في «اتفاق 2015» استغرقت هذه التفاصيل مفاوضات طويلة ومعقّدة شاركت فيها القوى الكبرى. أما الآن، فيُطلب إنجاز ما هو أشدّ تعقيداً خلال ستين يوماً، وبعد حرب وضربات ومنشآت مدمّرة.

المعضلة التقنية ليست نظرية. فجزء من المخزون الإيراني من اليورانيوم العالي التخصيب موجود، بحسب التقديرات، في منشآت تحت الأرض تعرضت لأضرار. والاتفاق يتكلم عن «تخفيف» أو «مزج» المواد المخصبة داخل إيران، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، لكنه لا يفرض منذ البداية إخراج المخزون إلى الخارج.

هذا فارق جوهري عن تجربة 2015، حين أرسلت إيران قسماً هائلاً من مخزونها إلى روسيا. لذا يطرح خبراء الانتشار النووي في واشنطن سؤالاً مباشراً: كيف يمكن التحقّق من المواد تحت الركام؟ ومَن يضمن أن التفتيش لن يتحوّل إلى مفاوضة على كل باب ونفق وكاميرا؟

قد تلعب روسيا مجدّداً دور «المستودع البديل»، لكن إدخال موسكو إلى قلب الاتفاق سيخلق تعقيدات جيوسياسية إضافية في ظل توترها مع الغرب.

أيضاً، «الحرس الثوري»، الذي أشرف تاريخياً على أجزاء حسّاسة من البرنامج، قد يرى في الغموض فرصة للاحتفاظ بـ«عتبة» نووية. وهنا يكمن الرهان الأميركي الحقيقي: ليس فقط تعطيل القنبلة، بل دفع إيران إلى التخلي عن منطق «الاقتراب من السلاح من دون امتلاكه»؛ فالحرب أظهرت أن قدرة «العتبة» لم تردع الضربات، لكنها قد تدفع بعض المتشدّدين إلى استنتاج معاكس: أن النموذج الكوري الشمالي، لا النموذج الإيراني، هو ما يمنع القصف.

أيضاً، حصر الاختبار المقبل في مصير اليورانيوم وحده سيكون خطأً استراتيجياً. فواشنطن مطالبة بالموازنة بين الخطر النووي المتبقي، وتهديدات أخرى لا تقلّ حساسية: برنامج الصواريخ الباليستية، وتطوير الطائرات المسيّرة، وشبكة الأذرع. لذلك لا تبدو المفاوضات المقبلة نووية فقط، بل محاولة أوسع لإعادة تعريف «حدود» القوة الإيرانية في المنطقة. ومع ذلك، تدخل واشنطن هذه الجولة من موقع أكثر تماسكاً إذا نجحت الهدنة في إعادة الملاحة البحرية في الخليج إلى طبيعتها؛ فعودة السفن إلى هرمز لا تهدئ الأسواق فقط، بل تمنح واشنطن هامشاً أوسع للضغط من دون أن تبدو رهينة ابتزاز النفط والممرات البحرية.

وهنا، لا ينفصل الملف النووي عن معادلة هرمز؛ فالمضيق لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل صار ورقة تفاوض على مستقبل إيران ودورها وحدود سيادتها الإقليمية.

هرمز مقابل الأصول

اقتصادياً، أعاد الاتفاق هرمز إلى قلب الجغرافيا السياسية العالمية. فالنص يمنح السفن التجارية مروراً آمناً «بلا رسوم» لمدة ستين يوماً فقط، ثم يفتح الباب أمام ترتيبات إيرانية - عُمانية لإدارة الحركة البحرية.

هذه العبارة الصغيرة قد تكون من أكثر بنود الاتفاق قابلية للانفجار. فقبل الحرب، كانت القاعدة الغربية واضحة: حرية مرور لا رسوم عليها. أما الآن، فتقول طهران إن المضيق «لن يعود إلى ما كان عليه»، وإن لها حقاً سيادياً في جباية رسوم مقابل خدمات.

وبالنسبة إلى الخليج، فالأولوية الآن هي عودة السفن لا الجدل القانوني. لكن على المدى الأبعد، أي نظام رسوم إيراني سيبدو تحويلاً لأزمة عسكرية إلى دخل سيادي دائم. وهذا ما يقلق لندن وباريس ودوائر التفكير في واشنطن التي ترى أن إيران اكتشفت قدرتها عبر الحرب على ابتزاز الاقتصاد العالمي، ليس بإغلاق المضيق فقط، بل بجعله أيضاً ممراً مشروطاً.

مع ذلك، حذّر علي لاريجاني - الذي قتل خلال الحرب - من أن طهران لا تستطيع استخدام ورقة هرمز سوى مرة واحدة، دفاعاً عن بقاء النظام. والغرب والعالم لن يبقيا مكتوفي الأيدي وسيقفان صفاً واحداً ضد إيران إذا كرّرت إغلاقه.

ثم تأتي الأموال... أصول مجمدة بمليارات الدولارات، وإعفاءات نفطية، و«صندوق إعادة إعمار» لا يقل عن 300 مليار دولار، تقول واشنطن إنها لن تموله مباشرة، بل عبر شركاء واستثمارات.

هذا البند يضع ترمب أمام مفارقة سياسية حادة؛ فهو هاجم لسنوات اتفاق أوباما؛ لأنه منح إيران أموالاً مقابل قيود نووية، لكنه الآن يقبل مبدأ الحوافز الاقتصادية قبل حسم التفاصيل النهائية. لهذا يندفع «صقور» مراكز الأبحاث، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» إلى كتّاب الرأي المحافظين، إلى التحذير من أن واشنطن تتخلّى عن أقوى أوراقها قبل انتزاع التنازلات النووية.

«دولة طبيعية»... أم «قضية ثورية»؟

جوهر الاتفاق، حقاً، ليس في بنوده الـ14 فقط، بل في السؤال الذي يحاول البيت الأبيض دفع إيران إلى الإجابة عنه: هل تريد أن تكون دولة أم ثورة دائمة؟

نائب الرئيس جي دي فانس صاغ ذلك بوضوح بالقول: إذا تصرّفت إيران كدولة طبيعية، يمكن التعامل معها كدولة طبيعية وإدخالها إلى الاقتصاد العالمي. لكن هنا المجازفة الكبرى. فأنصار الاتفاق يرون أن الهزيمة العسكرية، والأزمة الاقتصادية، وتعب المجتمع، وتراجع قدرة المحور الإقليمي، كلها قد تدفع طهران إلى خيار «الدولة» على حساب «الحرس الثوري».

المشككون يردون بأن النظام، منذ 1979، استخدم كل انفراج اقتصادي لتقوية أدوات النفوذ لا لتطبيع سلوكه. وبين التفاؤل والتشاؤم توجد حقيقة صلبة: الـ60 يوماً المقبلة لن تختبر فقط نيات إيران، بل ستختبر أيضاً قدرة ترمب على إدارة التناقضات التي فتحها بنفسه.

بناءً عليه، لا تبدو مذكرة التفاهم نهاية للحرب بقدر ما تبدو بداية امتحان أصعب من الحرب نفسها؛ فإيران خرجت مكسورة عسكرياً لكنها لم تُهزم سياسياً، وترمب خرج منتصراً في الخطاب لكنه لم ينتزع بعد اتفاقاً نهائياً يمكن التحقّق منه. وبين هرمز واليورانيوم ولبنان والكونغرس، ستقرر الأسابيع الستة المقبلة ما إذا كان الاتفاق «بوابة» إلى «شرق أوسط جديد»، أم مجرد هدنة قصيرة تعيد الجميع، بعد انقضاء الوقت، إلى شفير الهاوية. بين روايتي واشنطن وطهران حقيقة ثالثة هي أنه لا أحد ربح النزاع بعد


عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
TT

عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة

كان باستطاعة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»، رئيس إقليم «أرض الصومال/صومالي لاند» الانفصالي، ذي الموقع الاستراتيجي في القرن الأفريقي، أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه حال دخل في مفاوضات لالتئام الجسد الصومالي، وينال ترحيباً عربياً واسعاً، إلا أن الرجل سلك طريقاً آخر، فاقم به عواقب انفصاله، وجلب له الإدانات العربية والإسلامية المتوالية منذ تأسيسه العلاقات مع إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وصولاً لزيارة تل أبيب في يونيو (حزيران) 2026 وفتحه سفارة مزعومة بالقدس المحتلة.

ولد عبد الرحمن عبد الله «عرّو» في مدينة هرجيسا، عاصمة الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» (الصومال البريطاني إبان الحقبة الاستعمارية) وكبرى مدنه، يوم 29 أبريل (نيسان) 1955، في عائلة مكوّنة من 7 فتيات و3 أولاد، وبينما هو طفل في الخامسة من عمره تحرّرت بلاده من الاستعمار البريطاني. وحقّاً، طيلة شبابه وصعوده كان لسلطة الصومال المركزية في مقديشو فضل كبير عليه، إذ التحق بأروقتها الرسمية قبل أن يتحوّل إلى خصم لدود لها، ويفتح الأبواب لإسرائيل بترؤسه الإقليم الانفصالي طمعاً في اعتراف تعتبره دوائر عربية معارضة «عاراً».

البداية والمسيرة

بدأ عبد الرحمن عبد الله «عرّو» تعليمه الابتدائي في مدينة بربرة، ثاني كبرى مدن الإقليم -الواقع شمال الصومال- وأهم موانئه. وتابع تعليمه الثانوي في هرجيسا، منتقلاً إلى المدرسة الثانوية عام 1977، وبعد ذلك، انتقل إلى العاصمة الصومالية الفيدرالية مقديشو؛ حيث حصل على درجة البكالوريوس في المحاسبة. وتضم شهاداته أيضاً درجة الماجستير في إدارة الأعمال ودبلوماً في حل النزاعات.

بين عامي 1978 و1981، عمل «عرّو» في منظمة معنية بالتنمية الاجتماعية في مقديشو. وبين عامي 1981 و1988 شغل منصباً دبلوماسياً في وزارة الخارجية الصومالية بإدارة التعاون الاقتصادي، ومن مايو (أيار) 1988 إلى عام 1996، عمل مستشاراً للسفارة الصومالية في موسكو ثم نائب السفير والقائم بالأعمال.

ثم إنه إبّان وجوده في أروقة مقديشو الرسمية انفصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية الصومالية عام 1991، ولم يتضّح على الفور ما إذا كان لـ«عرو» موقف معارض لهذه الخطوة أم لا.

لكن المعروف أن الرجل انتقل عام 1996 إلى فنلندا، التي كانت عائلته تُقيم فيها منذ سنوات عدة وحصل على جنسيتها، وظل مقيماً فيها حتى عام 1999. وخلال عامي 1997 و1998 كان مساعد المنظمة الدولية للهجرة في فنلندا، قبل أن يعود إلى إقليم «أرض الصومال» عام 1999.

أجندات مثيرة للجدل

لقد عاد «عرّو» إلى الإقليم الصومالي قادماً من الخارج، حاملاً رؤية سياسية أثارت لاحقاً انتقادات عربية وإسلامية، واختار منذ عودته الانخراط في صفوف المعارضة. وبعد أقل من عامين، أصبح أحد مؤسسي حزب «العدالة والتنمية (UCID)»، أحد أبرز أحزاب المعارضة، إلى جانب فيصل علي وارابي، وتولى حينها منصب نائب الأمين العام للحزب.

وشهد الإقليم الانفصالي انتخابات لمجلس النواب، المكوّن من 82 نائباً، في 29 سبتمبر (أيلول) 2005. وكانت تلك أول انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب تُنظَّم في الإقليم منذ انفصاله عن جمهورية الصومال. وانتخب «عرّو» نائباً عن منطقة ساحل بربرة، ثم انتُخب لاحقاً رئيساً للبرلمان (مجلس النواب)، وإبّان فترة ولايته سُنّت معظم قوانين الإقليم وتشريعاته.

لكن، بعد نحو 6 سنوات، وإثر خلاف تفجّر مع وارابي، أسس «عرّو»، الذي يتكلم اللغات الإنجليزية والعربية والروسية، «الحزب الوطني»، أو حزب «وداني» (الوطني) المعارض.

ويوم 2 أغسطس (آب) 2017، استقال من رئاسة البرلمان بعدما شغل المنصب لمدة 12 سنة، وهي أطول فترة لرئيس برلمان في تاريخ الإقليم الانفصالي، معلناً أنه يتهيأ لدور أكثر أهمية بوصفه رئيساً لـ«أرض الصومال». غير أن آماله تحطمت على صخرة موسى بيحي عبدي، مرشح حزب «السلام والوحدة والتنمية» في المرة الأولى.

ولكنه حقق مراده لاحقاً، بعدما أعاد الكرَّة وترشح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحصل فيها على 63.92 في المائة من الأصوات، متغلباً على عبدي الذي حل ثانياً بـ34.81 في المائة.

انتخابات عام 2024 كانت الانتخابات المباشرة الرابعة منذ عام 2003، ومع فوز «عرّو» غدا الرئيس الرابع حسب الانتخابات الرئاسية المباشرة لفترة تمتد إلى 5 سنوات، وكذلك أصبح الرئيس السادس في المجمل منذ انفصال الإقليم 18 مايو 1991.

عهود السلطة الانفصالية

جدير بالذكر هنا، أنه عقب إعلان انفصال إقليم «أرض الصومال»، انتخب السفير عبد الرحمن أحمد علي، رئيس الحركة الوطنية بالبلاد حينها، ليكون أول رئيس للإقليم عبر انتخابات غير مباشرة. وعام 1993 انتخب السياسي محمد إبراهيم عقال رئيساً، وفي عام 1997 جدّد له لفترة ثانية.

وبعد وفاة عقال عام 2002، أثناء رحلة علاج في جنوب أفريقيا، انتُخب نائبه طاهر ريالي كاهن رئيساً للبلاد لتكملة الفترة الانتقالية. ثم في عام 2003، أجريت أول انتخابات رئاسية مباشرة في الإقليم، أسفرت عن فوز حزب «اتحاد الأمة» بقيادة الرئيس طاهر ريالي كاهن على السياسي أحمد محمد سيلانيو.

وفي يونيو (حزيران) 2010، أُجريت ثاني انتخابات رئاسية مباشرة، وتمكن سيلانيو من الفوز بالرئاسة لفترة 5 سنوات. وانتهت الانتخابات الثالثة التي أجريت في 13 نوفمبر 2017، بفوز موسى بيحي عبدي، الذي حصل على 55 في المائة من الأصوات.

وكان من المقرر أن تُجرى انتخابات الرئاسة الرابعة في الإقليم عام 2022، لكن لجنة الانتخابات الوطنية أجّلتها إلى 2023، ثم إلى نوفمبر 2024 بعد تمديد نيابي لولاية الرئيس عبدي الذي يتولّى الرئاسة منذ 2017. وأرجعت اللجنة التأجيلات إلى «قيود زمنية وتقنية ومالية»، وسط انتقادات من المعارضة، قبل أن يفوز «عرّو».

لقد كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز، وخرج بعد أشهر من وصوله إلى أعلى سلطة بالإقليم، وقال في مقابلة مع صحيفة «الغارديان» نهاية مايو 2025، إن الاعتراف بإدارته بات وشيكاً، معتبراً أن الأمر أصبح «مسألة وقت». وبالفعل، لم يمضِ 6 أشهر حتى فاجأت إسرائيل العالم باعترافها بالإقليم الانفصالي وسط ترحيب «عرّو»، واستنكار من الصومال، الذي قال رئيسه حسن شيخ محمود قبل أيام إنه رفض الاستجابة لطلبات من تل أبيب لإقامة علاقات دبلوماسية مع مقديشو.

لقد اختار «عرّو» المُضي في هذا الطريق الذي رسمته إسرائيل، وأغضب مقديشو ودولاً عربية وإسلامية، واستقبل في هرجيسا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يناير (كانون الثاني). وفي فبراير (شباط)، قال لـ«رويترز» إن المنطقة تأمل في تعاون عسكري مُستقبلي مع إسرائيل، لكن مسألة إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية لم تُناقش بعد.

ولم يكتفِ الرئيس الانفصالي بذلك، بل سمّى محمد حاجي سفيراً للإقليم الانفصالي لدى إسرائيل، في فبراير الماضي قبل أن يُعلن بعد شهرين تعيين مايكل لوتم أول سفير إسرائيلي بالإقليم، وسط كلام في مايو الماضي عن قرب تبادل افتتاح السفارات.

زيارة لإسرائيل وسط الإدانات العربية

وعلى الرغم من الإدانات العربية والإسلامية المتواصلة لذلك الموقف، اختار «عرّو» زيارة إسرائيل يوم 14 يونيو الحالي، وهناك التقى الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، الأحد، في القدس قبل أن يفتتح سفارة للإقليم في القدس المحتلة، الاثنين.

وحسب بيان صادر عنه وقتها، قال إن بلاده «على مدى السنوات الـ35 الماضية، كانت تتواصل مع قادة العالم، وكان لديها مطلب واحد فقط: أن يرونا. دولة واحدة فقط رغبت في رؤيتنا والاعتراف بأرض الصومال، وهي حكومة إسرائيل وشعبها».

في المقابل، رأى هرتسوغ أن إسرائيل وأرض الصومال «تواجهان معاً تهديد التطرف المتشدد. ونسعى معاً إلى الأمن والاستقرار في المنطقة وفي القرن الأفريقي. وندرك معاً أهمية حماية حرية الملاحة البحرية».

وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الأربعاء، إن إسرائيل أجرت منذ سنوات سلسلة من الأنشطة «السرية» مع «أرض الصومال»، خلال استقباله الأربعاء رئيس الإقليم الانفصالي. وأضاف كاتس في بيان أصدره مكتبه: «نحن عازمون على الارتقاء بتعاوننا الأمني إلى آفاق جديدة، لما فيه مصلحة الشعبين واستقرار المنطقة».

احتمال القواعد العسكرية

أيضاً، أشار «عرّو»، الأربعاء، خلال مقابلة مع قناة «آي نيوز 24» الإسرائيلية إلى أنه لا يستطيع استبعاد احتمال وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية على أراضي أرض الصومال في المستقبل، وذلك خلال إعلانه أن الرحلات المباشرة بين إسرائيل والعاصمة هرجيسا ستبدأ «قريباً جداً».

وفي تلك الزيارة التي جاءت بعد أشهر من توقيف «أرض الصومال» مواطنين رفعوا علم فلسطين، طوى «عرّو» خلف ظهره مطالب القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها إقامة دولة مستقلة، ولم يلتفت للتحذيرات العربية من تغول إسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الهشة أمنياً وذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة على البحر الأحمر.


«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
TT

«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)

35 سنة مرّت على إعلان إقليم «أرض الصومال» (صوماليلاند)، انفصاله عن الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو عام 1991، مروراً بالتطبيع مع إسرائيل في نهاية 2025، ووصولاً إلى زيارة رئيسه عبد الرحمن عبد الله «عرّو» لتل أبيب الأسبوع الماضي.

كان الإقليم إبان الحقبة الاستعمارية - أو فترة الحماية - يُعرف بـ«الصومال البريطاني» ويخضع لبريطانيا، بينما خضعت جمهورية الصومال الحالية في حينه للاستعمار الإيطالي وعرفت بـ«الصومال الإيطالي»، وجمهورية جيبوتي للاستعمار الفرنسي وعرفت بـ«الصومال الفرنسي».

من جهة ثانية، يتمتع الإقليم بمقوّمات كبيرة أغرت إسرائيل بأن تغدو أول دولة تعترف به. فهو يتمتع بساحل يبلغ طوله 740 كيلومتراً ويمتد على خليج عدن، وبموقع استراتيجي عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي.

مدينة هرجيسا هي العاصمة وكبرى المدن، بينما تُعد بربرة الميناء الأكبر والأهم في إقليم «أرض الصومال»، الذي يحده كل من إثيوبيا من الجنوب والغرب وجيبوتي من الشمال الغربي و‌خليج عدن من الشمال ومن الشرق ولاية بونتلاند الصومالية. وبينما تبلغ مساحته نحو 177 كيلومتراً مربعاً، يصل عدد سكانه إلى 3.5 مليون وفق تقديرات لعام 2017، وأخرى حديثة بين 5.7 و6 ملايين نسمة ويتكلم سكانه اللغات الصومالية والعربية والإنجليزية.

على صعيد التقسيمات الإدارية الداخلية، يضم الإقليم 6 مناطق إدارية هي: ووكوي جالبيد وتجدير وسول وسناج وأودال والساحل. وبالنسبة لنظام الحكم فيه فإنه جمهوري، ولديه رئيس وحكومة وبرلمان (سلطة تشريعية) بمجلسين؛ هما مجلس نواب (الغرفة الأولى) ومجلس شيوخ (الغرفة الثانية) ويضم كلٌّ منهما 82 عضواً.

استقل الإقليم عن بريطانيا عام 1960 واندمج مع «الصومال الايطالي» ليكوّنا معاً جمهورية الصومال.

ويوم 18 مايو (أيار) 1991 أعلن الإقليم استقلاله عن جمهورية الصومال بعد نحو 3 أشهر من انهيار الحكم المركزي في الجمهورية عقب الإطاحة بالرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري.

وفي أغسطس (آب) 2000، طرحت حكومة «الإقليم» نسخاً من دستور مقترح ينص على الانفصال النهائي عن الصومال، وأقر الانفصال في استفتاء يوم 31 مايو 2001، بعدما صوت لصالحه 97.1 في المائة، وعام 2016 احتُفل بمرور 25 سنة على تلك الخطوة.

لقد انخرطت سلطات مقديشو و«أرض الصومال» بمباحثات للعودة عن الانفصال بدأت في عام 2012، وتواصلت وكان أحدثها في 2020، وأواخر 2023 ولكن من دون اتفاق.

وفي مطلع 2024 سلّطت الأضواء على الإقليم لدى توقيعه «مذكرة تفاهم» مع إثيوبيا تتيح للأخيرة - التي لا تطل على البحر - باستئجار 20 كيلومتراً حول ميناء بربرة لمدة 50 سنة، ما يوفر لها إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر ويؤمّن أغراضها البحرية والتجارية، مقابل الاعتراف باستقلال «أرض الصومال». ويومذاك رُفضت المذكّرة عربياً وتدخّلت تركيا بوساطة قادت لتجميد تنفيذ المذكرة حتى الآن.

ولكن في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف باستقلال «أرض الصومال»، بخلاف تسمية سفراء في أبريل (نيسان) الماضي. وعيّنت إسرائيل في الشهر نفسه مايكل لوتم أول سفير لها في الإقليم الانفصالي، وذلك بعدما أعلنت «أرض الصومال»، في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.