أدونيس: لست ضد الدين أبداً بل هو حاجة كيانية للإنسان

في لقاء وصفه بـ«الحر» و«الصريح»

أدونيس: لست ضد الدين أبداً بل هو حاجة كيانية للإنسان
TT

أدونيس: لست ضد الدين أبداً بل هو حاجة كيانية للإنسان

أدونيس: لست ضد الدين أبداً بل هو حاجة كيانية للإنسان

«لست متديناً، لكنني لست ضد الدين أبداً. الدين أعده حاجة كيانية للإنسان، على الأقل، ليحل مشكلاته مع الغير ومع الموت. وهذا من حقه. وأنا أول من يدافع عن هذا الحق»، يقول الشاعر أدونيس رداً على سؤال خلال لقاء حواري معه في «متحف نابو» (شمال لبنان) يوم الأحد الماضي، وذكر أنه يعد الدين «تجربة شخصية لا تلزم إلا صاحبها».

عقدت الجلسة التي تحدث خلالها أدونيس، وكذلك المحللة النفسية المغربية حورية عبد الواحد الأستاذة في جامعة السوربون، وأدارها الشاعر زاهي وهبي، ضمن مؤتمر «ميلينيا مرآة الإنسانية» الذي خصص لباحثين وفنانين على مدى يومين لمناقشة علاقة الإبداع بعلم النفس. والمؤتمر من تنظيم «المركز اللبناني للعلوم النفسية والاجتماعية – نفسانيون».

وقال أدونيس رداً على سؤال من زاهي وهبي حول معوقات النهضة، إنها «معوقات داخلية وخارجية في وقت واحد»، متسائلاً: «هل لدينا كتاب واحد في تراثنا العربي، يمكننا أن نسميه كتاباً حراً. بمعنى أنه كُتب بحرية كاملة، ويُقرأ بحرية كاملة؟ ليس هناك كتاب واحد، والذين حاولوا أن يكتبوا هذا الكتاب، قتلوا أو أحرقت كتبهم».

ووصف أدونيس المجتمع اللبناني بأنه مجرد «تجمعات لبنانية، الصلة بينها نظام قائم على سلطة مغتصبة بشكل أو بآخر. هي ليست سلطة نابعة من إرادة الشعب. لأنه ليست هناك سلطة مدنية»، وعدَّ لبنان حالة مصغرة عن حال الدول العربية الأخرى.

وخلال إجابته على أسئلة الحضور، أسف أدونيس لأنه بعد مائة سنة من انتهاء الحكم العثماني (1923-2023) إذا درسنا التحولات في المجتمع العربي وقارناها بمجتمعات أخرى، نجد أن انقلابات حصلت في مختلف الميادين، في العالم كله، حيث انتقل من سيئ إلى أقل سوءاً، ومن حسن إلى أحسن، إلا العرب، بدأوا جيداً، والآن هم في أسوأ حالاتهم. وتساءل أدونيس: «لماذا هذا الانحدار؟».

وفي محاولة للإجابة، عدَّ الشاعر أننا قد نتفق على بعض الأفكار السياسية العامة، لكننا حين ندخل قليلاً في التفاصيل، فلن نتفق على اسم رئيس أو نائب واحد أو حتى موظف، كل ما يتعلق بالنظام أو الدولة نختلف عليه. «لماذا وحّدنا الفن، الغناء أو الموسيقى؟ لأن الصوت يصلنا بالطبيعة. نحن والطبيعة واحد، لكن بالثقافة نحن متعددون. كل مجموعة من الأفراد عليهم الواجبات نفسها، لكنهم لا يتمتعون بالحقوق نفسها. كيف يمكن أن يكون مجتمع متقدماً، لا يتساوى أفراده في الحقوق. ولماذا لا يتكلم المبدعون عن هذه المشكلات؟».

كأنك تقول المبدعون غائبون؟ سأله زاهي وهبي، ليجيب: «ليس لدينا مجتمع، وإنما مجموعة من الأفراد. هل حقاً لدينا مجتمع لبناني؟ هل لدينا مجتمع سوري؟ هل لدينا مجتمع عراقي؟ المجتمع يتشكل حين يتساوى الأفراد في الحقوق والواجبات، ما عدا ذلك لا يمكن أن يتشكل مجتمع. نحن لا نزال قبائل. والسردية التاريخية يجب أن تعاد قراءتها، ودون هذا لن نستطيع أن نتقدم، سنظل ندور حيث نحن».

استذكر أدونيس رئيس الجمهورية اللبنانية الراحل فؤاد شهاب. وعدَّ أن المصادفة قد تأتي مرة أخرى بزعيم إصلاحي مثله، ويقوم بخطوات كبيرة من أجل الإصلاح، ويحاول أن يفعل شيئاً مختلفاً، لكنه لن يستطيع. «سنظل نطرح أسئلتنا على السردية الثقافية السائدة عند العرب، وهي سردية خاطئة ومختلقة، ويجب أن نعيد النظر فيها. واستناداً إلى إعادة النظر في هذه السردية، يجب أن نعيد النظر بأنفسنا. لماذا لا أستطيع أن أعبر عن نفسي تمام التعبير، في المجتمع الذي أعيش فيه؟ ثم المجتمع والناس الذين نتحدث معهم».

وأضاف أن «الحقوق المدنية والحرية هما أساس، ومن دونهما لا يمكن أن يكون عندنا مجتمع». واشتكى أدونيس من غياب حوار عميق بين الإنسان وذاته، وبين بعضنا البعض. ورداً على سؤال لـ«الشرق الأوسط» عن تفسيره لتطور شعوب لا حريات لها ولا حياة ديمقراطية. أجاب بأن الفرد العربي هو فرد ناجح، أينما حلّ. وأن بين هؤلاء من بلغوا مراتب كبيرة وعالية، وبمقدوره أن يعطي أسماء كثيرة. لكن «لا توجد في المقابل مؤسسة واحدة ناجحة». وبالتالي فهي مشكلة المؤسسات. كما أن الصين مثلاً برأيه وبرأي الدكتورة حورية هي «مجتمع غير ديمقراطي صحيح، لكن ليست له مرجعية دينية تكبله، كما هي حالنا، وهذا أحد أسباب نجاحه».

ووجه الحضور أسئلتهم إلى أدونيس والمحللة النفسية عبد الواحد، التي عدّت بدورها أن «أدونيس تحدث عن الذاتية. وأنا كمحللة نفسيه، أقول إننا نحن العرب عندنا مشكلات ككل البشر. لكن ثقافتنا لا تسمح لنا بالتعبير عن الذات. حين تأتيني مريضة مغربية لا تستطيع أن تعبر عن رغباتها مثل امرأة فرنسية، لأنها تشعر بالخجل والخوف. أدونيس تحدث عن تقديس النص لكننا نقدس الأشخاص أيضاً». عبد الواحد ترى أن عملية التحليل النفسي تحتاج زلزالاً عنيفاً، وبدونه لا تحليل. «أول ما أسأل عنه مرضاي هو عن علاقتهم بالأب. لكن في ثقافتنا الأب مقدس، والعلاقة بالأم مقدسة أكثر. هناك تقديس، تبجيل، خوف، قلق، وعوائق ثقافية أخرى، وأظن أن هذا يعيق التعبير عن النفس».

واشتكى أدونيس «من أننا لا نقرأ. وإذا ما قرأنا فإن أول ما نسأل عنه هو اسم الكاتب، وقد نسأل ما معتقده، وقد نسأل ما دينه أيضاً أو مذهبه؟ نحن نقرأ الكتب في ضوء همومنا لا في ضوء النص».

وحين سُئل عن ابن رشد وقراءته للنص الديني، قال أدونيس إنه «خلق إسلامه الخاص، لأنه كان إما السيف أو التراجع، والحياة غالية ويتمسك بها الإنسان لأنها تعطى لمرة واحدة»، مقولة ابن رشد باختصار هي أن النص القرآني ما من آية فيه إلا وتتطابق مع التفسير العقلي.

وكرر أدونيس: «أنا لست ضد الدين بحد ذاته. أنا أتحدث عن الإسلام المؤسسي. الإسلام المؤسسي الفقهي شيء، وإسلام النص القرآني شيء آخر. نحن الآن في إسلام الخلافة ولسنا في إسلام النبوة. إنما الخلافة تبنت النبوة كي تستطيع أن تكمل. الدولة الأموية رفضت إسلام النبوة علناً».

وعن التصوف، قال: «إن المتصوفين خلقوا أكبر ثورة في تاريخ الإسلام في تقديري. الله في نظرهم هو قوة مبثوثة في العالم، وليس من خارج العالم. ثانياً، هم غيروا الهوية، فهي بالنسبة لهم ليست إرثاً نرثه كما نرث بيتنا، وإنما عندهم الهوية إبداع. الإنسان يبتكر هويته كما يبتكر نفسه، فقد غيروا مفهوم تقسيم العالم أو البشر من كافر ومؤمن، وقالوا بالذات والآخر، وأضافوا أن الذات لا توجد إلا مع الآخر، وهو ما أخذه السورياليون فيما بعد، بحيث إن الإنسان هو دائماً في سيرورة نحو الآخر المختلف كي تكتمل ذاته ويكتمل وجوده. ومع ذلك المتصوفون ليسوا من التراث العربي الحقيقي الذي يعيش بيننا اليوم. فقد تم تهميشهم وجعلهم في حيز النسيان.

وربما السؤال السياسي المباشر الذي سُئله أدونيس في هذه الأمسية كان حول تأثيرات التدخلات الخارجية على المنطقة العربية، وعدَّ أننا نحن «إذ خرجنا من الخلافة العثمانية 1929، هل خرجنا بإرادتنا وبثورة خاصة قمنا بها نحن كعرب ضد الأتراك. نحن لم نفعل، وإنما أخرجنا البريطانيون والفرنسيون لا حباً بنا، إنما ليحلوا محل الأتراك، ويأخذوا ثرواتنا وفضاءنا الاستراتيجي ويهيمنوا علينا. قالوا لنا: هذه سوريا، وقبلنا، وقالوا لنا: هذا لبنان، وقبلنا، وقالوا لنا: هذا العراق وقبلنا. وزعوا علينا التركة العثمانية، ودخلنا في عثمانية جديدة. نحن الآن ولايات عثمانية. وليس هناك نظام واحد حرّ ذو إرادة مستقلة، كي يكون عنده حريات، وجامعات مستقلة. نحن ولايات عثمانية جديدة للبريطانيين والفرنسيين والآن للأميركيين».

وتوجه وهبي لأدونيس بالقول إن البعض يرى أن منطلقاته منحازة غير علمية، ولها أبعاد ذاتية، وأجاب: «الله يقول لنبيه إنك لن تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء، لكن المسلمين اليوم لا يتركون الله ليهديهم، يحبون أن يهدي بعضهم بعضاً». وحين سُئل عن المستقبل، قال: «إن جلسة كالتي جمعته بقرائه ومحبيه في (متحف نابو) بما حملته من صراحة وحرية وحوارات مفتوحة، هي مما يبشر بخير ويجعله يتفاءل بالغد».



«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».