حال الإمبراطوريات بين المركز والأطراف

صورة وزّعتها وزارة الدفاع الروسية لقصف مدفعي على مواقع أوكرانية في 26 سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)
صورة وزّعتها وزارة الدفاع الروسية لقصف مدفعي على مواقع أوكرانية في 26 سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

حال الإمبراطوريات بين المركز والأطراف

صورة وزّعتها وزارة الدفاع الروسية لقصف مدفعي على مواقع أوكرانية في 26 سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)
صورة وزّعتها وزارة الدفاع الروسية لقصف مدفعي على مواقع أوكرانية في 26 سبتمبر 2023 (أ.ف.ب)

يقول الكاتب هنري فاريل في كتابه الأخير «إمبراطوريّة تحت الأرض»، إنه لم يتغيّر الكثير بين الإمبراطوريّة الرومانيّة وإمبراطوريات القرن الـ21.

فالإمبراطورية عادة تتكوّن من قلب، كمركز ثقل، ومن الأطراف الممسوكة من المركز. لذلك؛ تعمل هندسة الإمبراطوريات باتجاهين، من القلب إلى الخارج، ومن الخارج إلى القلب. بَنت روما شبكة الطرق الأهمّ في التاريخ. فأمّنت هذه الشبكة، مسك القلب للأطراف بقوّة، إن كان عبر التجارة. أو عبر قدرة الفيلق الرومانيّ على الانتشار بسرعة من القلب إلى الأطراف لضرب أيّ تمرّد.

تتميّز شبه الإمبراطوريات الحاليّة (وعلى رأسها أميركا) عن غيرها من الإمبراطوريات القديمة، في أنها أضافت رابطاً إضافياً بين القلب والأطراف، يُعزّز سيطرتها أكثر. يتمثّل هذا الرابط بالفضاء السيبرانيّ (Cyber Space). ألا يُمثّل تجميع «الداتا» في عالم اليوم، كما معالجتها واستعمالها، وسيلة إكراه (Coercive)؟

وحسب المؤرّخ الإنجليزي بول كينديّ، تسقط الإمبراطوريات، عندما تصل هذه الإمبراطوريات إلى الامتداد الأقصى (Overstretched). وعندما يختلّ التوازن بين القلب والأطراف. فعند اهتراء القلب، يتمدّد الخلل إلى المحيط فتكون النهاية. هناك إمبراطوريات تجدّدت، لكن بشكل ودور مختلف، ومنها من اندثر إلى غير رجعة. تحوّلت السلطنة العثمانيّة بعد سقوطها إلى دولة تركيا الحاليّة، لكن مع نكهة وأحلام إمبراطوريّة. في المقابل، سقطت قرطاجة عسكريّاً. وكي لا تنهض مجدّداً؛ رش الجنرال الروماني سيبيو الملح على أرضها كي لا تُثمر.

ما يُميّز سلوك كلّ الإمبراطوريات عادة، هو السعي الدائم إلى ترتيب وضعها الداخليّ. وبعدها الانطلاق إلى خلق مناطق نفوذ مجاورة. وإذا بقي لديها من قوّة وإرادة سياسيّة، ولم تصطدم بإمبراطوريات أخرى، يستمرّ تمدّدها إلى الحد الأقصى.

في عام 1832، أعلن الرئيس الأميركي جيمس مونرو عقيدته، التي حذّرت الإمبراطوريات الأوروبية من التدخل في النصف الغربيّ للكرة الأرضية، مُعلناً بذلك مناطق نفوذ أميركيّة.

ترى الصين أن بحر الجنوب الصينيّ هو منطقة نفوذ صينيّة، وتعود ملكيّته للصين. وعليه نشرت الصين مؤخّراً خريطة تتعلّق بالموضوع.

المسلّمات الجيو - سياسيّة لروسيا vs مناطق النفوذ

تّعدّ المناطق العازلة، من اهم المسلّمات الجيو - سياسيّة الروسيّة. وذلك بغض النظر، عما إذا كانت روسيا إمبراطوريّة، اتحاداً سوفياتياً أو روسيا الاتحاديّة كما هي اليوم. في هذا الإطار، تُعدّ كل من بلاروسيا، أوكرانيا الأهم في هذه المعادلة. فأوكرانيا تشكّل روسيا الصغرى. وتشكّل بلاروسيا «روسيا البيضاء». أما العَظمة فهي لروسيا الكبرى مع حاكم الكرملين.

ومن ضمن المسلّمات الجيو - سياسيّة الروسيّة، أن تكون روسيا ممسكة بمنطقة القوقاز كعازل طبيعيّ. من هنا كانت الحرب الدمويّة على الشيشان لإبقائها ضمن الاتحاد. ومن هنا التدخّل الروسيّ في الحرب بين أرمينيا وأذربيجان في منطقة القوقاز الجنوبيّ.

عرّت الحرب على أوكرانيا الآلة العسكريّة الروسيّة، وأظهرت ضعفها المفاجئ. وعليه، بدأت مناطق النفوذ الروسيّة، خاصة في المحيط المباشر، تتفلّت من هيمنة وقبضة المركز في الكرملين.

عربة تابعة لقوات «حفظ السلام» الروسية عند ممر لاتشين جنوب غرب أذربيجان الأحد (أ.ف.ب)

إذن، نحن اليوم في نظام عالميّ غير ثابت ومُتقلّب، يُعاد فيه تحديد ورسم العلاقة بين القلب والمركز للقوى المهيمنة. لكنه عالم مُعقّد جداً لأسباب عدة، أهمّها أن عدد القوى العظمى هو أكبر من المُعتاد. كما أن عدد القوى العظمى الإقليميّة المؤثّرة والطامحة للتموضع للعب دور أهم، خاصة في محيطها المباشر، هو أيضاً كبير. لكن ظاهرة تغيير الجغرافيا، وإعادة رسم الحدود بالقوّة العسكريّة، هي أمر خطير جدّاً.

أعادت حرب بوتين على أوكرانيا رسم العلاقة ضمن حلف «الناتو» بين القلب، والأطراف. لا، بل توسّع الحلف نتيجة لذلك. أدّى الصعود الصينيّ إلى إعادة رسم العلاقة بين الولايات المتحدة(القلب - المركز) وحلفائها في شرق آسيا، وذلك عبر اعتمادها استراتيجيّة الردع المُدمج مع الحلفاء (Integrated Deterrence).

الصراع الأرمنيّ - الأذربيجانيّ

إذا أردت أن تعرف سبب المشاكل الحدوديّة بين دول آسيا الوسطى، وفي محيط روسيا المباشر، لا بد من العودة إلى مخططات الزعيم السوفياتيّ الراحل جوزف ستالين. فهو زعيم الترنسفير للأقليات الروسيّة عبر تشتيتها. شتّت الشركس من منطقة سوتشي. شتّت التتار من شبه جزيرة القرم. وضع إقليم نوغورنو كاراباخ تحت القيادة الأذربيجانيّة عام 1923، لكن من ضمن الاتحاد السوفياتيّ، وذلك على الرغم من الأغلبيّة الأرمنية فيه.

في التسعينات، سيطرت البندقيّة الأرمنيّة على إقليم كاراباخ. في عام 2022؛ وبسبب التحديث في الجيش الأذربيجاني، وشراء الأسلحة من إسرائيل وتركيا. استطاع الجيش الأذربيجاني خوض حرب من نوع جديد كان للمسيّرات فيها الدور الحاسم. طوّقت أذربيجان الإقليم. تدخّلت روسيا متأخرّة عن قصد أو غير قصد. فأرسلت ما يقارب الـ2000 جندي روسي لحفظ السلام. حالياً، أسقطت أذربيجان إقليم كاراباخ بالضربة القاضية.

غيّرت الحرب الأوكرانيّة كلّ معادلات القوّة حول روسيا، خاصة في منطقة القوقاز الجنوبيّ. تطلب أرمينيا الحماية الروسيّة من ضمن معاهدة «منظّمة معاهدة الأمن الجماعيّ». تتردّد روسيا لأن البند الرابع من المعاهدة ينص على التدخّل فقط عند تعرّض السيادة الأرمنيّة للاعتداء. وهذه حالة غير موجودة؛ لأن إقليم كاراباخ هو قانوناً تحت السيادة الأذربيجانيّة.

ردّ فعل أرمينيا

لم تعد روسيا الضامن الأمنيّ والاستراتيجيّ لأرمينيا، وذلك حسب رئيس الوزراء الأرميني. ترسل أرمينيا مساعدات لأوكرانيا، على أن تُسلّم من قِبل زوجة رئيس وزراء أرمينيا. تجري القوات الأرمنية تدريباً مشتركاً ورمزيّاً مع القوات الأميركية في الداخل الأرمنيّ. وأخيراً وليس آخراً، سُرّب خبر عن سعي رئيس الوزراء الأرمني إلى التصديق على معاهدة روما (المحكمة الجنائيّة الدوليّة)؛ الأمر الذي يمنع بوتين من زيارة أرمينيا كونه مطلوباً من المحكمة بمذكّرة توقيف. فهل تشكّل هذه المؤشرات بدء انفراط عقد العلاقة بين الإمبراطورية الروسية ومحيطها المباشر؟

على كلٍّ، فرضت أذربيجان الواقع العسكريّ، والمرحلة المقبلة هي مرحلة خاصة بالسياسة. لكن المرحلة السياسيّة لن تنتج حتماً واقعاً جديداً، لا يضع في الحسبان الواقع الميدانيّ والتحوّلات الجيو - سياسيّة.


مقالات ذات صلة

هجوم روسي يخلّف أضراراً في بنية تحتية للطاقة والغاز بأوديسا

أوروبا مبنى متضرر في أعقاب غارة جوية على أوديسا (أ.ف.ب)

هجوم روسي يخلّف أضراراً في بنية تحتية للطاقة والغاز بأوديسا

قال أوليه كبير، حاكم منطقة ‌أوديسا ‌بجنوب ‌أوكرانيا، ⁠إن هجوماً ‌شنَّته روسيا بطائرات مُسيَّرة خلال الليل ⁠ألحق ‌أضراراً ‍ببنية ‍تحتية ‍للطاقة والغاز.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا زيلينسكي مع رئيس جمهورية التشيك بيتر بافيل في كييف (أ.ف.ب) play-circle

وفد أوكراني يبحث في أميركا «تفاصيل اتفاق السلام» مع روسيا

وفد أوكراني يبحث في أميركا «تفاصيل اتفاق السلام» مع روسيا. واستطلاعات الرأي تظهر أن أكثر من نصف الأوكرانيين يعارضون الانسحاب مقابل ضمانات أمنية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ صورة لكييف حيث تظهر شاشة كبيرة تُظهر درجة حرارة بلغت -19 مئوية في خضم الغزو الروسي لأوكرانيا (أ.ف.ب)

مفاوضون أوكرانيون في أميركا لبحث إنهاء الحرب مع روسيا

وصل مفاوضون أوكرانيون إلى الولايات المتحدة؛ لإجراء محادثات مع مبعوثين أميركيين؛ سعياً لإنهاء الحرب مع روسيا، المستمرة منذ نحو 4 سنوات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا جنود من الجيش الروسي خلال عرض عسكري عام 2022 (وزارة الدفاع الروسية عبر منصة في كيه)

تراجع التجنيد في الجيش الروسي في 2025

أعلن نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، الجمعة، أن نحو 422 ألف شخص وقّعوا عقوداً مع الجيش الروسي، العام الماضي، بانخفاض قدره 6 في المائة عن عام 2024.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس فولوديمير زيلينسكي (إ.ب.أ) play-circle

زيلينسكي يأمل إبرام اتفاق الضمانات الأمنية مع أميركا الأسبوع المقبل

قال الرئيس الأوكراني، الجمعة، إنه يأمل أن توقع بلاده اتفاقيات مع أميركا، الأسبوع المقبل، بشأن خطة إنهاء الغزو الروسي، وانتقد بشدة بطء وصول الذخيرة من الشركاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)

فرنسا ترحّب بوقف النار في سوريا وتقول إنها ستبقى «وفيّة لحلفائها الأكراد»

سوريون يحتفلون بعودة سيطرة الحكومة السورية على بلدة الرقة شمال شرقي سوريا (أ.ب)
سوريون يحتفلون بعودة سيطرة الحكومة السورية على بلدة الرقة شمال شرقي سوريا (أ.ب)
TT

فرنسا ترحّب بوقف النار في سوريا وتقول إنها ستبقى «وفيّة لحلفائها الأكراد»

سوريون يحتفلون بعودة سيطرة الحكومة السورية على بلدة الرقة شمال شرقي سوريا (أ.ب)
سوريون يحتفلون بعودة سيطرة الحكومة السورية على بلدة الرقة شمال شرقي سوريا (أ.ب)

رحّبت فرنسا، اليوم الاثنين، باتفاق وقف إطلاق النار بين الرئيس السوري أحمد الشرع و«قوات سوريا الديمقراطية» التي يقودها الأكراد، مشددة على أنها ستبقى «وفيّة لحلفائها الأكراد» الذين شكّلوا رأس حربة في قتال تنظيم «داعش»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت وزارة الخارجية، في بيان: «نرحب باتفاق وقف إطلاق النار الموقَّع في 18 يناير (كانون الثاني) الحالي، بين الرئيس الشرع والجنرال مظلوم عبدي» قائد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، مضيفة: «ستبقى فرنسا وفية لحلفائها» الأكراد.

وبالأمس، أعلن قائد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» مظلوم عبدي، أنه قبل بالاتفاق الذي أعلنه الرئيس السوري أحمد الشرع، لوقف حرب «فُرضت» على الأكراد، بعد تقدم القوات الحكومية في مناطق يسيطرون عليها بشمال سوريا، في حين قالت وزارة الداخلية السورية إنها تُتابع تقارير حول وقوع «مجازر» بمحافظة الحسكة.


الأوروبيون يُعِدُّون «تدابير مضادة» في مواجهة «ابتزاز» ترمب

وزير المالية الألماني لارس كلينغبيل (يسار) خلال مؤتمر صحافي مع وزير الاقتصاد الفرنسي رولان ليسكور في برلين (إ.ب.أ)
وزير المالية الألماني لارس كلينغبيل (يسار) خلال مؤتمر صحافي مع وزير الاقتصاد الفرنسي رولان ليسكور في برلين (إ.ب.أ)
TT

الأوروبيون يُعِدُّون «تدابير مضادة» في مواجهة «ابتزاز» ترمب

وزير المالية الألماني لارس كلينغبيل (يسار) خلال مؤتمر صحافي مع وزير الاقتصاد الفرنسي رولان ليسكور في برلين (إ.ب.أ)
وزير المالية الألماني لارس كلينغبيل (يسار) خلال مؤتمر صحافي مع وزير الاقتصاد الفرنسي رولان ليسكور في برلين (إ.ب.أ)

أعلن وزير المالية الألماني، اليوم (الاثنين)، أن الأوروبيين يُعدِّون تدابير مضادة، رداً على ما وصفه بأنه «ابتزاز» الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي هدد بفرض رسوم جمركية إضافية على دول أوروبية تعارض مطالبته بالسيطرة على جزيرة غرينلاند.

وقال لارس كلينغبيل، خلال مؤتمر صحافي مع وزير الاقتصاد الفرنسي رولان ليسكور: «لن نرضخ للابتزاز. أوروبا ستصدر رداً واضحاً وموحداً. نُعدُّ معاً حالياً تدابير مضادة مع شركائنا الأوروبيين» متحدثاً عن تجميد الاتفاق الجمركي الأميركي الأوروبي، وفرض رسوم جمركية على منتجات أميركية مستوردة، ووضع «مجموعة أدوات» أوروبية للرد على «الابتزاز الاقتصادي».

ورأت رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، ووزيرة الخارجية الألمانية السابقة، أنالينا بيربوك، أن الولايات المتحدة تضر نفسها أيضاً بسياسة الرسوم الجمركية التي تتبعها.

وقالت بيربوك -في تصريحات لمحطة «دويتشلاند فونك» الألمانية- إن ما يفعله الرئيس الأميركي دونالد ترمب حالياً يعد أيضاً «بمثابة طلقة في الركبة الاقتصادية للولايات المتحدة نفسها»، مضيفة: «الولايات المتحدة غارقة بشدة في الديون، ولديها مصلحة مطلقة في مواصلة التجارة».

من جانبها، دعت رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب الخضر الألماني، كاتارينا دروغه، الاتحاد الأوروبي، لأن يدرس أيضاً وقف واردات الطاقة من الولايات المتحدة، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دروغه، في تصريحات للقناة الثانية بالتلفزيون الألماني «زد دي إف»: «هذا الاعتماد يمثل خطراً على صعيد السياسة الاقتصادية وسياسة الطاقة».

وكان الاتحاد الأوروبي قد تعهد في صيف العام الماضي، في إطار الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة، بشراء طاقة أميركية بقيمة 750 مليار دولار حتى نهاية فترة ولاية الرئيس دونالد ترمب، ومن بينها الغاز الطبيعي المسال. وأكدت دروغه: «من وجهة نظري ينبغي إعادة النظر في هذا التعهد تحديداً».

وأوضحت دروغه أن ترمب لم يعد يقبل حدود الدول الأخرى، مشيرة في ذلك إلى الهجوم الأميركي على فنزويلا، وإلى إعلانه نيته وضع غرينلاند تحت السيطرة الأميركية.

وأضافت: «بصفتنا الاتحاد الأوروبي، نحن بحاجة الآن إلى وضوح مفاده أننا لن نقبل مثل هذا التصرف من جانب ترمب».

وأكدت الدول الأوروبية الثماني التي هدَّدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية إضافية، بسبب معارضتها طموحاته للاستحواذ على إقليم غرينلاند الدنماركي، وحدةَ موقفها، بينما يدرس الاتحاد الأوروبي ردوداً محتملة.

وخلال زيارته النرويج، حذَّر وزير خارجية الدنمارك لارس لوكه راسموسن من أنَّ النظام العالمي و«مستقبل» حلف شمال الأطلسي على المحك.

وقال: «ليست لدي شكوك في أن هناك دعماً أوروبياً قوياً». وأضاف، في مؤتمر صحافي مع نظيره إسبن بارث إيدي: «لدينا قوة ضاربة... عندما نعرض عضلاتنا بشكل جماعي وتضامني، وهذا بالطبع ما يجب علينا فعله».

وفي بيان مشترك، أكدت بريطانيا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وهولندا والنرويج والسويد، أن «التهديدات بفرض رسوم جمركية تقوض العلاقات عبر الأطلسي، وتنذر بتدهور خطير».

وأضافت: «سنواصل الوقوف صفاً واحداً ومنسقاً في ردنا. ونحن ملتزمون الحفاظ على سيادتنا».

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين: «معاً، نؤكد التزامنا الراسخ بالدفاع عن سيادة غرينلاند ومملكة الدنمارك».

وصعَّد ترمب، السبت، لهجته، عقب إرسال عسكريين أوروبيين إلى الجزيرة خلال الأيام الماضية، في إطار مناورات دنماركية.

وكتب عبر منصته «تروث سوشيال»: «ذهبت الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا وفنلندا إلى غرينلاند لغاية غير معروفة. (...) هذه الدول التي تمارس هذه اللعبة الخطيرة للغاية، انتهجت مستوى من المخاطرة لا يمكن تقبُّله وغير قابل للاستمرار».

«لا تهديد لأي طرف»

وهدَّد ترمب بفرض رسوم جمركية جديدة على الدول المعنية بالانتشار العسكري إلى حين «التوصل إلى اتفاق على الشراء الكامل والشامل لغرينلاند».

وستدخل هذه الرسوم الإضافية -البالغة 10 في المائة- حيز التنفيذ بدءاً من الأول من فبراير (شباط) المقبل، وقد ترتفع إلى 25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران).

وأكدت الدول الثماني، الأحد: «بوصفنا أعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، نحن مصممون على تعزيز أمن القطب الشمالي، وهو مصلحة مشتركة عبر الأطلسي».

وأضافت أن «المناورات الدنماركية المنسَّقة مسبقاً، والتي أُجريت مع حلفائنا، تلبِّي هذه الحاجة، ولا تشكل تهديداً لأي طرف».

وتابعت: «نعبِّر عن تضامننا الكامل مع مملكة الدنمارك وشعب غرينلاند. واستناداً إلى العملية التي بدأت الأسبوع الماضي، نحن مستعدون للدخول في حوار يستند إلى مبادئ السيادة ووحدة الأراضي التي ندافع عنها بقوة».

ومساء الأحد، صرح الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، بأنه بحث مع ترمب «الوضع الأمني» في غرينلاند والمنطقة القطبية الشمالية.

وقال عبر منصة «إكس»: «نواصل جهودنا في هذا الصدد، وأتطلع إلى لقائه في دافوس نهاية الأسبوع»، من دون الخوض في أي تفاصيل بشأن فحوى المكالمة الهاتفية.

«آلية مكافحة الإكراه»

وفي وقت سابق، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني، ضرورة مواجهة تهديدات ترمب.

وقال ماكرون إنه يعتزم «تفعيل آلية الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه»، في حال تنفيذ ترمب تهديداته بفرض رسوم جمركية إضافية.

وتتيح هذه الآلية التي يتطلب تفعيلها غالبية مؤهلة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي؛ خصوصاً تجميد الوصول إلى أسواق المشتريات العامة الأوروبية، أو منع استثمارات معينة.

وأكدت ميلوني خلال زيارتها سيول أنها تحدثت إلى ترمب لإبلاغه أن تهديداته بالرسوم تمثل «خطأ»، وهي تهديدات وصفها أيضاً وزير الخارجية الهولندي ديفيد فان ويل بأنها «غير مفهومة» و«غير ملائمة» وأشبه بـ«عملية ابتزاز».

واعتبرت نظيرته الآيرلندية هيلين ماكينتي أن هذه التهديدات «غير مقبولة بتاتاً ومؤسفة للغاية».

من جانبه، رد رئيس الوزراء النرويجي، يوناس غار ستور، على سؤال بشأن إمكان اتخاذ تدابير مضادة بعد تهديد ترمب، قائلاً: «كلا، هذا الأمر ليس موضع بحث في الوقت الراهن».

وصرَّحت وزيرة الثقافة البريطانية، ليزا ناندي، في حديث لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «نرى أن هذه الضجة حول الرسوم الجمركية خطأ. نعتقد أنها غير ضرورية إطلاقاً وضارة وغير مجدية».

وأعلن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، الأحد، أن قادة الاتحاد سيجتمعون «خلال الأيام المقبلة» لتنسيق ردهم. وأفاد مسؤول أوروبي بأن كوستا يدرس عقد القمة في بروكسل، الخميس.

ومنذ عودته إلى السلطة قبل عام، يتحدث ترمب بشكل متكرر عن السيطرة على الجزيرة الشاسعة الواقعة بين أميركا الشمالية وأوروبا، مبرراً ذلك باعتبارات أمن قومي، في ظل التقدم الروسي والصيني في المنطقة القطبية الشمالية.

كذلك، يستخدم ترمب سلاح القيود التجارية على نطاق واسع في العلاقات الدولية، بما في ذلك مع شركاء واشنطن التقليديين.

لكن قراره، السبت، في شأن الرسوم يشكل خطوة غير مسبوقة. فالولايات المتحدة، الركن الأساسي في حلف الأطلسي، تهدد حلفاءها بعقوبات من أجل الاستحواذ على إقليم تابع لأحد الشركاء.


هجوم روسي يخلّف أضراراً في بنية تحتية للطاقة والغاز بأوديسا

مبنى متضرر في أعقاب غارة جوية على أوديسا (أ.ف.ب)
مبنى متضرر في أعقاب غارة جوية على أوديسا (أ.ف.ب)
TT

هجوم روسي يخلّف أضراراً في بنية تحتية للطاقة والغاز بأوديسا

مبنى متضرر في أعقاب غارة جوية على أوديسا (أ.ف.ب)
مبنى متضرر في أعقاب غارة جوية على أوديسا (أ.ف.ب)

قال أوليه كبير، حاكم منطقة ‌أوديسا ‌بجنوب ‌أوكرانيا، ⁠إن ​هجوماً ‌شنته روسيا بطائرات مُسيَّرة خلال الليل ⁠ألحق ‌أضراراً ‍ببنية ‍تحتية ‍للطاقة والغاز، فضلاً عن مرافق سكنية.

وذكر ​في بيان على ⁠تطبيق «تلغرام» أن شخصاً واحداً أصيب في الهجوم.

وبالأمس، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن شخصين قُتلا وأصيب عشرات، ​في هجوم كبير نفذته روسيا بطائرات مُسيَّرة على بلاده خلال الليل، بينما يبحث المفاوضون الأميركيون والأوكرانيون خطة ما بعد الحرب، في أحدث جولة من محادثات السلام.

وقال زيلينسكي إن مناطق سومي وخاركيف ودنيبرو وزابوريجيا وخميلنيتسكي وأوديسا استُهدفت في هجوم أطلقت فيه موسكو أكثر من مائتي مُسيَّرة. وأعلن الجيش عن تسجيل 30 غارة جوية في 15 موقعاً. وصعَّدت موسكو حملتها العسكرية خلال فصل الشتاء من خلال قصف شبكة الطاقة الأوكرانية، بالتزامن مع شنها هجوماً ميدانياً، ‌في ظل الضغوط ‌الأميركية التي تواجهها كييف ‌لإحلال ⁠السلام ​في ‌الحرب المستمرة منذ نحو 4 سنوات.